الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣ الصفحة 29

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣

وَمِنْهُمْ مَنْ قَال: الْحَبْسُ فِي التُّهَمِ إنَّمَا هُوَ لِوَالِي الْحَرْبِ دُونَ الْقَاضِي، وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ كَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ فِي أَدَبِ الْقُضَاةِ وَغَيْرِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْحَبْسِ فِي التُّهْمَةِ هَل هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ مَرْجِعُهُ إِلَى اجْتِهَادِ الْوَالِي وَالْحَاكِمِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ذَكَرَهُمَا الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُمَا فَقَال الزُّبَيْرِيُّ: هُوَ مُقَدَّرٌ بِشَهْرٍ وَقَال الْمَاوَرْدِيُّ: غَيْرُ مُقَدَّرٍ (١) .

١٥ - (الْقِسْمُ الثَّالِثُ): أَنْ يَكُونَ الْمُتَّهَمُ مَعْرُوفًا بِالْفُجُورِ كَالسَّرِقَةِ وَقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْقَتْل وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَيَسُوغُ ضَرْبُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الْمُتَّهَمِينَ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الزُّبَيْرَ بِتَعْذِيبِ الْمُتَّهَمِ الَّذِي غَيَّبَ مَالَهُ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ فِي قِصَّةِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ (٢)

قَال شَيْخُنَا: وَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَل الَّذِي يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي أَوْ كِلاَهُمَا أَوْ لاَ يَسُوغُ ضَرْبُهُ؟ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي أَوِ الْقَاضِي هَذَا قَوْل طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ مِنْهُمْ أَشْهَبُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَاضِي مِصْرَ فَإِنَّهُ قَال:

_________

(١) الطرق الحكمية ص ٩٣، ١٠٠ - ١٠٣.

(٢) حديث: " أمر النبي ﷺ الزبير بتعذيب المتهم الذي غيب ماله حتى أقر به في قصة ابن أبي الحقيق ". أوردها ابن القيم في الطرق الحكمية ولم نعثر عليها في كتب الحديث التي بين أيدينا.

يُمْتَحَنُ بِالْحَبْسِ وَالضَّرْبِ وَيُضْرَبُ بِالسَّوْطِ مُجَرَّدًا.

وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ يَضْرِبُهُ الْوَالِي دُونَ الْقَاضِي وَهَذَا قَوْل بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ حَكَاهُ الْقَاضِيَانِ (أَبُو يَعْلَى وَالْمَاوَرْدِيُّ) وَوَجْهُ هَذَا أَنَّ الضَّرْبَ الْمَشْرُوعَ هُوَ ضَرْبُ الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرِ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ إِثْبَاتِ أَسْبَابِهَا وَتَحَقُّقِهَا.

وَالْقَوْل الثَّالِثُ: أَنَّهُ لاَ يُضْرَبُ (١) . وَهَذَا قَوْل أَصْبَغَ وَكَثِيرٍ مِنَ الطَّوَائِفِ الثَّلاَثَةِ بَل قَوْل أَكْثَرِهِمْ لَكِنَّ حَبْسَ الْمُتَّهَمِ عِنْدَهُمْ أَبْلَغُ مِنْ حَبْسِ الْمَجْهُول.

ثُمَّ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ وَنَصَّ عَلَيْهِ الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي الْمُبْتَدِعِ الَّذِي لَمْ يَنْتَهِ عَنْ بِدْعَتِهِ أَنَّهُ يُحْبَسُ حَتَّى يَمُوتَ، وَقَال مَالِكٌ: لاَ يُحْبَسُ إِلَى الْمَوْتِ.

وَاَلَّذِينَ جَعَلُوا عُقُوبَتَهُ لِلْوَالِي دُونَ الْقَاضِي قَالُوا: وِلاَيَةُ أَمِيرِ الْحَرْبِ مُعْتَمَدُهَا الْمَنْعُ مِنَ الْفَسَادِ فِي الأَْرْضِ وَقَمْعُ أَهْل الشَّرِّ وَالْعُدْوَانِ وَذَلِكَ لاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِالْعُقُوبَةِ لِلْمُتَّهَمِينَ الْمَعْرُوفِينَ بِالإِْجْرَامِ بِخِلاَفِ وِلاَيَةِ الْحُكْمِ فَإِنَّ مَقْصُودَهَا إِيصَال الْحُقُوقِ إِلَى أَرْبَابِهَا قَال شَيْخُنَا: وَهَذَا الْقَوْل هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ قَوْلٌ بِجَوَازِ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ لَكِنَّ كُل

_________

(١) في الأصل (يضرب) بدون (لا) وهو خطأ مطبعي.

وَلِيِّ أَمْرٍ يَفْعَل مَا فُوِّضَ إِلَيْهِ فَكَمَا أَنَّ وَلِيَّ الصَّدَقَاتِ يَمْلِكُ مِنَ الْقَبْضِ وَالصَّرْفِ مَا لاَ يَمْلِكُهُ وَالِي الْخَرَاجِ وَعَكْسُهُ كَذَلِكَ وَالِي الْحَرْبِ وَوَالِي الْحُكْمِ يَفْعَل كُلٌّ مِنْهُمَا مَا اقْتَضَتْهُ وِلاَيَتُهُ الشَّرْعِيَّةُ مَعَ رِعَايَةِ الْعَدْل وَالتَّقَيُّدِ بِالشَّرِيعَةِ (١) .

_________

(١) الطرق الحكمية لابن القيم ص ١٠٣ إلى ١٠٥.

تَقْسِيمٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّقْسِيمُ فِي اللُّغَةِ: التَّجْزِئَةُ وَالتَّفْرِيقُ، وَهُوَ مَصْدَرُ قَسَّمَ، يُقَال: قَسَّمَ الشَّيْءَ: إِذَا جَزَّأَهُ أَجْزَاءً، وَقَسَّمَ الْقَوْمَ: فَرَّقَهُمْ (١) وَيَسْتَعْمِل الأُْصُولِيُّونَ لَفْظَ التَّقْسِيمِ بِمَعْنَى حَصْرِ الأَْوْصَافِ الَّتِي يُظَنُّ صَلاَحِيَّتُهَا عِلَّةً فِي الأَْصْل.

وَقَدْ أَطْلَقَ الأُْصُولِيُّونَ مَجْمُوعَ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ عَلَى حَصْرِ الأَْوْصَافِ الْمَوْجُودَةِ فِي الأَْصْل - الْمَقِيسِ عَلَيْهِ - وَإِبْطَال مَا لاَ يَصْلُحُ مِنْهَا لِلْعِلِّيَّةِ، وَتَعْيِينِ الْبَاقِي لِلْعِلِّيَّةِ، وَقَدْ يَقْتَصِرُ عَلَى السَّبْرِ، وَقَدْ يَقْتَصِرُ عَلَى التَّقْسِيمِ كَمَا فَعَل الْبَيْضَاوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ.

قَال السَّعْدُ فِي حَاشِيَةِ الْعَضُدِ: عِنْدَ التَّحْقِيقِ الْحَصْرُ رَاجِعٌ إِلَى التَّقْسِيمِ، وَالسَّبْرُ إِلَى الإِْبْطَال (٢) .

_________

(١) ترتيب القاموس المحيط، والمعجم الوسيط، وتاج العروس مادة: " قسم ".

(٢) حاشية البناني على شرح جمع الجوامع ٢ / ٢٧٠ ط الحلبي، وشرح العضد لمختصر المنتهى الأصولي لابن حاجب الملكي مع حاشية ٢ / ٢٣٦ ط الكليات الأزهرية، وإرشاد الفحول / ٢١٣، وفواتح الرحموت ٢ / ٢٩٩ ط الأميرية، والإبهاج في شرح المنهاج ٣ / ٧٧ ط دار الكتب العلمية.

وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمُ التَّقْسِيمَ عَلَى كَوْنِ اللَّفْظِ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ،

أَحَدُهُمَا: مَمْنُوعٌ،

وَالآْخَرُ: مُسَلَّمٌ، وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي أَحَدِهِمَا (١) .

وَيُرَادُ بِالتَّقْسِيمِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ تَبْيِينُ الأَْقْسَامِ، وَيُرَادِفُهُ الْقِسْمَةُ، وَهِيَ تَعْيِينُ الْحِصَّةِ الشَّائِعَةِ بِمِقْيَاسٍ مَا، كَالْكَيْل وَالْوَزْنِ وَالذِّرَاعِ (٢)

فَالْقِسْمَةُ وَالتَّقْسِيمُ لَفْظَانِ مُتَرَادِفَانِ فِي الْمَعْنَى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ.

وَاخْتُلِفَ فِي الْقِسْمَةِ، هَل هِيَ مُجَرَّدُ إِفْرَازٍ أَوْ مُبَادَلَةٍ.

وَالإِْفْرَازُ فِي اللُّغَةِ: التَّنْحِيَةُ، وَهُوَ عَزْل شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ وَتَمْيِيزُهُ.

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنْ ذَلِكَ (٣) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ التَّقْسِيمِ وَالإِْفْرَازِ، أَنَّ التَّقْسِيمَ قَدْ يَكُونُ بِالإِْفْرَازِ، وَقَدْ يُقْصَدُ بِهِ بَيَانُ الْحِصَصِ

_________

(١) إرشاد الفحول ص ٢٣١، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي ٤ ٧٧ ط المكتب الإسلامي، والبناني على شرح جمع الجوامع ٢ ٣٣ ط الحلبي.

(٢) طلبة الطلبة ص ١٢١ ط المطبعة العامرة. والأقسام جمع ومفرده القسم (بالكسر) يطلق على الحصة والنصيب، المصباح المنير مادة: " قسم ".

(٣) المصباح المنير مادة: " فرز " ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣ / ٦، ١٠١، م١٠٤٦، ١١١٤) والموسوعة الفقهية ٥ / ٢٨٦.

وَالأَْقْسَامِ دُونَ إِفْرَازٍ كَمَا فِي الْمُهَايَأَةِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ: تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ:

٢ - التَّنْقِيحُ فِي اللُّغَةِ: التَّهْذِيبُ وَالتَّمْيِيزُ، وَالْمَنَاطُ هُوَ الْعِلَّةُ.

وَالْمُرَادُ بِتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ، إِلْحَاقُ الْفَرْعِ بِالأَْصْل بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ، بِأَنْ يُقَال: لاَ فَرْقَ بَيْنَ الأَْصْل وَالْفَرْعِ إِلاَّ كَذَا وَكَذَا، وَذَلِكَ لاَ مَدْخَل لَهُ فِي الْحُكْمِ أَلْبَتَّةَ، فَيَلْزَمُ اشْتِرَاكُهُمَا فِي الْحُكْمِ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُوجِبِ لَهُ.

وَمِثَالُهُ قِيَاسُ الأَْمَةِ عَلَى الْعَبْدِ فِي سِرَايَةِ الْعِتْقِ فَإِنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا إِلاَّ الذُّكُورَةَ، وَهَذَا الْفَرْقُ مُلْغَى بِالإِْجْمَاعِ إِذْ لاَ مَدْخَل لَهُ فِي الْعِلِّيَّةِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ وَالسَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ، أَنَّ الْحَصْرَ فِي دَلاَلَةِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ، إِمَّا اسْتِقْلاَلًا أَوِ اعْتِبَارًا، وَفِي تَنْقِيحِ الْمَنَاطِ لِتَعْيِينِ الْفَارِقِ وَإِبْطَالِهِ لاَ لِتَعْيِينِ الْعِلَّةِ (١) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

أَوَّلًا: عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:

٣ - يَعْتَبِرُ جُمْهُورُ الأُْصُولِيِّينَ السَّبْرَ وَالتَّقْسِيمَ مَسْلَكًا مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ، وَمِنَ الْعِلَل الَّتِي تُعْرَفُ بِوَاسِطَةِ السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ قَوْل مُجْتَهِدٍ مَثَلًا - فِي قِيَاسِ الذُّرَةِ عَلَى الْبُرِّ فِي الرِّبَوِيَّةِ: بَحَثْتُ عَنْ أَوْصَافِ الْبُرِّ فَمَا وَجَدْتُ ثَمَّ مَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِلرِّبَوِيَّةِ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ، إِلاَّ الطَّعْمَ أَوِ الْقُوتَ أَوِ الْكَيْل،

_________

(١) إرشاد الفحول ص ٢٢١، ٢٢٢، والإبهاج في شرح المنهاج ٣ / ٨٠، ٨١.

وَلَكِنَّ كُلًّا مِنَ الطَّعْمِ وَالْقُوتِ لاَ يَصْلُحُ لِذَلِكَ عِنْدَ التَّأَمُّل، فَتَعَيَّنَ الْكَيْل، وَعَلَى هَذَا يَجْرِي الرِّبَا فِي كُل الْمُقَدَّرَاتِ مِنْ مَكِيلاَتٍ أَوْ مَوْزُونَاتٍ. وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ أَهْل الأُْصُول جَعْل السَّبْرِ وَالتَّقْسِيمِ مَسْلَكًا لِلْعِلِّيَّةِ.

قَال ابْنُ الأَْنْبَارِيِّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ: السَّبْرُ يَرْجِعُ إِلَى اخْتِيَارِ أَوْصَافِ الْمَحَل وَضَبْطِهَا، وَالتَّقْسِيمُ يَرْجِعُ إِلَى إِبْطَال مَا يَظْهَرُ إِبْطَالُهُ مِنْهَا، فَإِذًا لاَ يَكُونُ مِنَ الأَْدِلَّةِ، وَإِنَّمَا تَسَامَحَ الأُْصُولِيُّونَ فِي ذَلِكَ (١) .

وَلِلتَّوَسُّعِ فِي أَدِلَّةِ الْفَرِيقَيْنِ، حَوْل حُجِّيَّةِ السَّبْرِ، وَالتَّقْسِيمِ، وَشُرُوطِ الاِحْتِجَاجِ بِهِ، وَأَقْسَامِهِ، وَطُرُقِ الْحَذْفِ. انْظُرِ (الْمُلْحَقَ الأُْصُولِيَّ) .

ثَانِيًا: عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:

تَقْسِيمُ مَا يَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ:

٤ - إِذَا ظَهَرَ الإِْمَامُ عَلَى بِلاَدِ الْحَرْبِ فَالْمُسْتَوْلَى عَلَيْهِ لاَ يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أَنْوَاعٍ ثَلاَثَةٍ: الْمَتَاعُ وَالأَْرَاضِي وَالرِّقَابُ.

أَمَّا الْمَتَاعُ فَيَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ تَخْمِيسُهُ، وَتَقْسِيمُ الأَْرْبَعَةِ الأَْخْمَاسِ عَلَى الْغَانِمِينَ، وَلاَ خِيَارَ لَهُ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا

_________

(١) إرشاد الفحول ص ٢١٣، ٢١٤ ط الحلبي، وشرح العضد لمختصر المنتهى الأصولي مع حواشيه ٢ / ٢٣٦ وما بعدها، والأحكام في أصول الإحكام للآمدي ٣ / ٢٦٤، والمنخول ص ٣٥٠، وفواتح الرحموت، ٢ / ٢٩٩ ط الأميرية.

غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول﴾ (١) لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا جَعَل لِنَفْسِهِ الْخُمُسَ فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الأَْرْبَعَةَ الأَْخْمَاسَ لِلْغَانِمِينَ لأَِنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِمْ (٢) .

وَإِنْ رَأَى الإِْمَامُ أَنْ يَبِيعَ الْجَمِيعَ ثُمَّ يَقْسِمَ الأَْثْمَانَ فَذَلِكَ لَهُ (٣) .

وَهُنَاكَ تَفَاصِيل فِي كَيْفِيَّةِ تَقْسِيمِ الْخُمُسِ تُنْظَرُ فِي " غَنِيمَةٌ ".

أَمَّا الأَْرَاضِي فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ جَوَازَ تَقْسِيمِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ (٤)، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى فِي الأَْرَضِينَ وَغَيْرِهَا ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول﴾ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَّمَ أَرْضَ بَنِي قُرَيْظَةَ (٥) وَبَنِيَّ النَّضِيرِ وَخَيْبَرَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ (٦) .

_________

(١) سورة الأنفال / ٤١.

(٢) أحكام القرآن، للجصاص ٣ / ٧٥ ط المطبعة البهية المصرية، والزيلعي ٣ / ٢٥٤، وبدائع الصنائع ٧ / ١١٨ ط الجمالية، المنتقى ٣ / ١٧٨، وبداية المجتهد ١ / ٣٩٠ ط دار المعرفة، وكشاف القناع ٣ / ٨٨، والإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ٢ / ٢٥٧.

(٣) المنتقى ٣ / ١٧٨.

(٤) زاد المعاد ٣ / ١١٧ ط مؤسسة الرسالة، وصحيح مسلم بشرح النووي ١٢ / ٩١ط المطبعة المصرية، والبناية ٥ / ٦٨٦، وبدائع الصنائع ٧ / ١١٨، والقوانين الفقهية ص ١٠٠، والإقناع ٢ / ٢٥٧، وكشاف القناع ٣ / ٩٤.

(٥) حديث: " تقسيم أرض بني قريظة " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٣٢٩ - ط السلفية) من حديث ابن عمر ﵄.

(٦) حديث: " تقسيم أرض بني النضير " ذكره ابن كثير في السيرة النبوية نقلا عن ابن إسحاق في مغازيه. (السيرة ٣ / ١٤٨ - نشر دار إحياء التراث) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - إِلَى أَنَّ أَرْضَ الزِّرَاعَةِ الْمَفْتُوحَ بَلَدُهَا عَنْوَةً، وَدُورَ الْكُفَّارِ لاَ تُقَسَّمُ، بَل تَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ فَتْحِ بَلَدِهَا، وَيُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ (١) .

٥ - ثُمَّ اخْتَلَفَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي اعْتِبَارِ التَّقْسِيمِ أَمْرًا مُلْزِمًا لِلإِْمَامِ أَمْ أَنَّ لَهُ خِيَارَاتٍ أُخْرَى:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ - إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ إِذَا فَتَحَ بَلْدَةً عَنْوَةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ - إِنْ شَاءَ قَسَّمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا فَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرَ، وَإِنْ شَاءَ أَقَرَّ أَهْلَهَا عَلَيْهَا وَوَضَعَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ وَعَلَى أَرَاضِيِهِمُ الْخَرَاجَ، كَمَا فَعَل عُمَرُ ﵁ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - بِوُجُوبِ تَقْسِيمِ الأَْرَاضِي كَالْمَتَاعِ، لإِطْلاَقِ الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَعَمَلًا بِفِعْل النَّبِيِّ ﷺ بِأَرْضِ خَيْبَرَ (٣) .

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ تَخْيِيرَ الإِْمَامِ بَيْنَ تَقْسِيمِ الأَْرْضِ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً، وَبَيْنَ وَقْفِهَا

_________

(١) القوانين الفقهية ص ١٠٠ ط دار القلم، والفواكه الدواني ١ / ٤٧٠، والإنصاف ٤ / ١٩٠.

(٢) البناية ٥ / ٦٨٦، والقوانين الفقهية ص ١٠٠.

(٣) الإقناع ٢ / ٢٧٥، والإنصاف ٤ / ١٩٠. وحديث: " تقسيم أرض خيبر " أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٤٩٠ - ط السلفية) من حديث عمر ﵁.

بِلَفْظٍ يَحْصُل بِهِ الْوَقْفُ (١) .

وَأَمَّا الرِّقَابُ: فَيُخَيَّرُ الإِْمَامُ فِيهَا بَيْنَ عِدَّةِ خِصَالٍ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (أَسْرَى) .

تَقْسِيمُ التَّرِكَةِ:

٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ تَقْسِيمِ التَّرِكَةِ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَدِينَةً وَأُخْرِجَتْ مِنْهَا سَائِرُ الْحُقُوقِ الْمُقَدَّمَةِ عَلَى التَّقْسِيمِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ.

أَمَّا إِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ مَدِينَةً بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ لَهَا فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - عَدَمَ جَوَازِ تَقْسِيمِهَا؛ لأَِنَّ الْوَرَثَةَ لاَ يَمْلِكُونَهَا، إِذِ الدَّيْنُ الْمُسْتَغْرِقُ يَمْنَعُ مِنْ دُخُول التَّرِكَةِ فِي مِلْكِ الْوَارِثِ. فَلِذَلِكَ إِذَا ظَهَرَ دَيْنٌ عَلَى الْمَيِّتِ بَعْدَ تَقْسِيمِ التَّرِكَةِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ بِحَسَبِ حِصَصِهِمُ الإِْرْثِيَّةِ تُفْسَخُ الْقِسْمَةُ (٢) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ لاَ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِيهَا لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ تَصَرَّفُوا فِي التَّرِكَةِ بِالتَّقْسِيمِ فَتَصَرُّفُهُمْ صَحِيحٌ، فَإِنْ قَضَوُا الدَّيْنَ وَإِلاَّ نُقِضَتْ تَصَرُّفَاتُهُمْ كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ السَّيِّدُ فِي الْعَبْدِ الْجَانِي وَلَمْ يَقْضِ دَيْنَ الْجِنَايَةِ (٣) . وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل فِي (إِرْثٌ، وَتَرِكَةٌ، وَقِسْمَةٌ) .

_________

(١) الإنصاف ٤ / ١٩٠.

(٢) تبيين الحقائق ٥ / ٥٢، ودرر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣ / ١٧٣، وجواهر الإكليل ٢ / ٣٢٧، ٣٢٨، والقرطبي ٥ / ٦١، والمغني ٩ / ٢٢٠، ٢٢١، ط الرياض.

(&# x٦٦٣ ;) المغني ٩ / ٢٢٠، ٢٢١، والتحفة الخيرية على الفوائد الشنشورية ص ٤٧ ط الحلبي.