الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣ الصفحة 31

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣

مِثْل فِعْل الْمُقَلَّدِ دُونَ أَنْ يَدْرِيَ وَجْهَهُ. وَالأَْمْرُ التَّقْلِيدِيُّ مَا يُفْعَل اتِّبَاعًا لِمَا كَانَ قَبْل، لاَ بِنَاءً عَلَى فِكْرِ الْفَاعِل نَفْسِهِ، وَخِلاَفُهُ الأَْمْرُ الْمُبْتَدَعُ (١) .

وَيَرِدُ التَّقْلِيدُ فِي الاِصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ بِأَرْبَعَةِ مَعَانٍ:

أَوَّلُهَا: تَقْلِيدُ الْوَالِي أَوِ الْقَاضِي وَنَحْوِهِمَا، أَيْ تَوْلِيَتُهُمَا الْعَمَل، وَيُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (تَوْلِيَةٌ) .

ثَانِيهَا: تَقْلِيدُ الْهَدْيِ بِجَعْل شَيْءٍ فِي رَقَبَتِهِ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ.

ثَالِثُهَا: تَقْلِيدُ التَّمَائِمِ وَنَحْوِهَا.

رَابِعُهَا: التَّقْلِيدُ فِي الدِّينِ وَهُوَ الأَْخْذُ فِيهِ بِقَوْل الْغَيْرِ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ. أَوْ هُوَ الْعَمَل بِقَوْل الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ. (٢)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الإِْشْعَارُ:

٢ - الإِْشْعَارُ حَزُّ سَنَامِ الْبَدَنَةِ حَتَّى يَسِيل مِنْهَا الدَّمُ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا هَدْيٌ لِلْكَعْبَةِ فَلاَ يَتَعَرَّضُ لَهَا أَحَدٌ (٣) .

_________

(١) لسان العرب المحيط - قسم المصطلحات، والمعجم الوسيط مادة: " قلد ".

(٢) روضة الناظر بتعليق الشيخ عبد القادر بن بدران ١٤٠٤هـ ٢ / ٤٥٠ القاهرة. المطبعة السلفية، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ٢٦٥. القاهرة. مطبعة مصطفى الحلبي ١٣٥٦ هـ.

(٣) المصباح المنير مادة: " شعر ".

أَحْكَامُ التَّقْلِيدِ:

أَوَّلًا - تَقْلِيدُ الْهَدْيِ:

٣ - الْهَدْيُ مَا يُهْدَى إِلَى الْكَعْبَةِ مِنْ بَهِيمَةِ الأَْنْعَامِ فِي الْحَجِّ لِيُذْبَحَ بِمَكَّةَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَتَقْلِيدُ الْبَهِيمَةِ أَنْ يُجْعَل فِي عُنُقِهَا مَا يَدُل عَلَى أَنَّهَا هَدِيَّةٌ إِلَى الْبَيْتِ، فَيُتْرَكُ التَّعَرُّضُ لَهَا مِنْ كُل أَحَدٍ تَعْظِيمًا لِلْبَيْتِ وَمَا أُهْدِيَ إِلَيْهِ. وَأَصْل ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ﴾ (١) قَال الْقُرْطُبِيُّ: فَالشَّعَائِرُ: جَمْعُ شَعِيرَةٍ وَهِيَ الْبَدَنَةُ تُهْدَى إِلَى الْبَيْتِ، وَإِشْعَارُهَا أَنْ يُحَزَّ سَنَامُهَا لِيَسِيل مِنْهَا الدَّمُ فَيُعْلَمُ أَنَّهَا هَدْيٌ. وَالْقَلاَئِدُ قِيل فِي تَفْسِيرِهَا: مَا كَانَ النَّاسُ يَتَقَلَّدُونَهُ أَمَنَةً لَهُمْ. قَال ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ. وَقِيل الْمُرَادُ بِالْقَلاَئِدِ: مَا يُعَلَّقُ عَلَى أَسْنِمَةِ الْهَدَايَا وَأَعْنَاقِهَا عَلاَمَةً عَلَى أَنَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى، مِنْ نَعْلٍ أَوْ غَيْرِهِ (٢) . وَقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿جَعَل اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَْرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُل شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣) أَيْ جَعَل الْمَذْكُورَاتِ صَلاَحًا وَمَعَاشًا

_________

(١) سورة المائدة / ٢.

(٢) تفسير القرطبي ٦ / ٤٠ ط دار الكتب المصرية.

(٣) سورة المائدة / ٩٧.

يَأْمَنُ النَّاسُ فِيهَا وَبِهَا. وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: عَظَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي قُلُوبِهِمُ الْبَيْتَ الْحَرَامَ، وَأَوْقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ هَيْبَتَهُ، وَعَظَّمَ بَيْنَهُمْ حُرْمَتَهُ، فَكَانَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ مَعْصُومًا بِهِ، وَكَانَ مَنِ اضْطُهِدَ مَحْمِيًّا بِالْكَوْنِ فِيهِ. وَكَذَلِكَ الأَْشْهُرُ الْحُرُمُ. ثُمَّ قَال: وَشَرَعَ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُل الْكِرَامِ الْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ، فَكَانُوا إِذَا أَخَذُوا بَعِيرًا أَشْعَرُوهُ دَمًا أَوْ عَلَّقُوا عَلَيْهِ نَعْلًا، أَوْ فَعَل الرَّجُل ذَلِكَ بِنَفْسِهِ مِنَ التَّقْلِيدِ، لَمْ يُرَوِّعْهُ أَحَدٌ حَيْثُ لَقِيَهُ، وَكَانَ الْفَيْصَل بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ طَلَبَهُ وَظَلَمَهُ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالإِْسْلاَمِ (١) . وَيُذْكَرُ مِنْ حِكْمَةِ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ أَيْضًا أَنْ يَعْلَمَ الْمَسَاكِينُ بِالْهَدْيِ، فَيَجْتَمِعُوا لَهُ، وَإِذَا عَطِبَتِ الْهَدِيَّةُ الَّتِي سِيقَتْ إِلَى الْبَيْتِ تُنْحَرُ، ثُمَّ تُلْقَى قِلاَدَتُهَا فِي دَمِهَا كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ دَالًّا عَلَى كَوْنِهَا هَدْيًا يُبَاحُ أَكْلُهُ لِمَنْ شَاءَ (٢) .

حُكْمُ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ:

٤ - تَقْلِيدُ الْهَدْيِ كَانَ مُتَّبَعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. قَال الْقُرْطُبِيُّ: وَهِيَ سُنَّةٌ إِبْرَاهِيمِيَّةٌ بَقِيَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَقَرَّهَا الإِْسْلاَمُ. وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلاَ أَحِل حَتَّى أَنْحَرَ (٣)

_________

(١) تفسير القرطبي ٦ / ٤٠.

(٢) الشرح الكبير للدسوقي ٢ / ٨٩، ٩٠القاهرة، مطبعة عيسى الحلبي.

(٣) حديث: " إن لبدت رأسي وقلدت هديي فلا. . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٢٢ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٠٢ ط الحلبي) . من حديث حفصة ﵂.

فَتَقْلِيدُ الْهَدْيِ سُنَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَدْ قَال الشَّافِعِيُّ: مَنْ تَرَكَ الإِْشْعَارَ وَالتَّقْلِيدَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.

قَال الْمَالِكِيَّةُ: وَالأَْوْلَى تَقْدِيمُ التَّقْلِيدِ عَلَى الإِْشْعَارِ لأَِنَّهُ السُّنَّةُ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ يُفْعَل كَذَلِكَ خَوْفًا مِنْ نِفَارِهَا لَوْ أُشْعِرَتْ أَوْ لاَ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ، وَمَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ فِي الأُْمِّ تَقْدِيمُ الإِْشْعَارِ (١) .

مَا يُقَلَّدُ مِنَ الْهَدْيِ وَمَا لاَ يُقَلَّدُ:

٥ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ مِنَ السُّنَّةِ تَقْلِيدَ الْهَدْيِ إِنْ كَانَ مِنَ الإِْبِل أَوِ الْبَقَرِ. أَمَّا الْغَنَمُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَقْلِيدِهَا، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ تُقَلَّدُ، وَلَيْسَ تَقْلِيدُهَا سُنَّةً، قَال الْحَنَفِيَّةُ: لأَِنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَلأَِنَّهُ لاَ فَائِدَةَ فِي تَقْلِيدِهَا، إِذْ فَائِدَةُ التَّقْلِيدِ عَدَمُ ضَيَاعِ الْهَدْيِ، وَالْغَنَمُ لاَ تُتْرَكُ بَل يَكُونُ مَعَهَا صَاحِبُهَا. قَال الْقُرْطُبِيُّ وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ حَدِيثُ عَائِشَةَ

_________

(١) تفسير القرطبي ٦ / ٤٠، والأم للشافعي ٢ / ٢١٦ القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٨٨، والجمل على شرح المنهج ٢ / ٤٦٥، القاهرة، والمطبعة الميمنية، ١٣٠٥هـ، والحطاب: مواهب الجليل مختصر خليل ٣ / ١٨٩ القاهرة. مطبعة السعادة ١٣٢٩هـ.

﵂ فِي تَقْلِيدِ الْغَنَمِ، وَنَصُّهُ، قَالَتْ: أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا فَقَلَّدَهَا (١) أَوْ بَلَغَهُمْ وَلَكِنَّهُمْ رَدُّوهُ لاِنْفِرَادِ الأَْسْوَدِ بِهِ عَنْ عَائِشَةَ

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ تَقْلِيدُهَا أَيْضًا، لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَلأَِنَّهَا هَدْيٌ فَتُقَلَّدُ، كَالإِْبِل (٢) . وَيَنُصُّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَتْ كُل أَنْوَاعِ الْهَدْيِ تُقَلَّدُ، بَل يُقَلَّدُ هَدْيُ التَّطَوُّعِ وَهَدْيُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ، لأَِنَّهُ دَمُ نُسُكٍ، وَفِي التَّقْلِيدِ إِظْهَارُهُ وَتَشْهِيرُهُ فَيَلِيقُ بِهِ (٣) . وَلَمْ نَجِدْ هَذَا التَّفْصِيل لِغَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ. وَلاَ يُقَلَّدُ دَمُ الْجِنَايَةِ؛ لأَِنَّ سَتْرَهَا أَلْيَقُ، وَيُلْحَقُ بِهَا دَمُ الإِْحْصَارِ، لأَِنَّهَا دَمٌ يُجْبَرُ بِهِ النَّقْصُ.

مَا يُقَلَّدُ بِهِ، وَكَيْفِيَّةُ التَّقْلِيدِ:

٦ - يَكُونُ التَّقْلِيدُ بِأَنْ يُجْعَل فِي أَعْنَاقِ الْهَدَايَا

_________

(١) حديث: " أهدى النبي ﷺ مرة إلى البيت غنما فقلدها. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٩٥٨ ط الحلبي) من حديث عائشة.

(٢) تفسير القرطبي ٦ / ٤٠، والشرح الكبير للدردير بهامش حاشية الدسوقي ٢ / ٨٩، والمواق، بهامش الحطاب ٣ / ١٩٠، وفتح القدير لابن الهمام شرح الهداية للمرغيناني ٢ / ٤٠٧ و٣ / ٨٤. القاهرة، المطبعة الميمنية، ١٣١٩هـ، والجمل على شرح المنهج ٢ / ٤٦٦، والمغني ٣ / ٥٤٩.

(٣) فتح القدير ٣ / ٨٤.

النِّعَال، أَوْ آذَانُ الْقِرَبِ وَعُرَاهَا، أَوْ عِلاَقَةُ إِدَاوَةٍ، أَوْ لِحَاءُ شَجَرَةٍ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ. وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَفْتِل قَلاَئِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ عِهْنٍ (١) وَالْعِهْنُ: الصُّوفُ الْمَصْبُوغُ فَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، قَال: ارْكَبْهَا. قَال: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَال: ارْكَبْهَا قَال: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يُسَايِرُ النَّبِيَّ ﷺ وَالنَّعْل فِي عُنُقِهَا (٢) . وَفِيهِ أَنَّهُ قَلَّدَ بُدْنَهُ بِيَدِهِ (٣) وَفِي التَّاجِ وَالإِْكْلِيل مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ (يُقَلِّدُ بِمَا شَاءَ. وَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ تَقْلِيدَ الأَْوْتَارِ) أَيْ لِلْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي النَّهْيِ عَنْهُ، وَنَصُّهُ قَلِّدُوا الْخَيْل وَلاَ تُقَلِّدُوهَا الأَْوْتَارَ (٤) .

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: كَيْفِيَّةُ التَّقْلِيدِ أَنْ يَفْتِل خَيْطًا مِنْ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ وَيَرْبِطَ بِهِ نَعْلًا أَوْ عُرْوَةَ مَزَادَةٍ، وَهِيَ السُّفْرَةُ مِنْ جِلْدٍ، أَوْ لِحَاءِ شَجَرَةٍ أَيْ

_________

(١) حديث عائشة: كانت تفتل قلائد هدي النبي ﷺ. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٤٨ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٥٨ ط الحلبي) .

(٢) حديث: " أن نبي الله ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة. . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٤٨ط السلفية) .

(٣) حديث: " قلد بدنة بيده " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٤٥ط السلفية) من حديث عائشة. أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٤٥ ط السلفية) من حديث عائشة.

(٤) حديث: " قلدوا الخيل ولا تقلدوها الأوتار " أخرجه أبو داود (٣ / ٥٣ تحقيق عزت دعاس) من حديث أبي وهب الجشمي وفي إسناده راو مجهول وهو عقيل بن شبيب. الميزان للذهبي (٣ / ٨٨ ط الحلبي

قِشْرَهَا، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ عَلاَمَةً عَلَى أَنَّهُ هَدْيٌ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يَكُونُ تَقْلِيدُهَا وَهِيَ مُسْتَقْبِلَةَ الْقِبْلَةِ، وَيُقَلِّدُ الْبَدَنَةَ وَهِيَ بَارِكَةٌ. وَفِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَنْبَغِي إِذَا قَلَّدَ نَعْلَيْنِ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا قِيمَةٌ لِيَتَصَدَّقَ بِهِمَا (١) .

تَقْلِيدُ الْهَدْيِ هَل يَكُونُ بِهِ الإِْنْسَانُ مُحْرِمًا؟:

٧ - لاَ يَنْعَقِدُ الإِْحْرَامُ إِلاَّ بِنِيَّةِ الدُّخُول فِي النُّسُكِ. وَلاَ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ تَلْبِيَةٌ أَوْ ذِكْرٌ مُعَيَّنٌ أَوْ خُصُوصِيَّةٌ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الإِْحْرَامِ كَتَقْلِيدِ الْهَدْيِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَامٌ) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلاَ بُدَّ لِيَكُونَ الرَّجُل مُحْرِمًا عِنْدَهُمْ، مَعَ نِيَّةِ الدُّخُول فِي النُّسُكِ مِنْ ذِكْرٍ أَوْ خُصُوصِيَّةٍ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الإِْحْرَامِ (٢) . وَالْخُصُوصِيَّاتُ مِنْهَا: أَنْ يُشْعِرَ بُدْنَهُ، أَوْ يُقَلِّدَهَا، تَطَوُّعًا، أَوْ نَذْرًا، أَوْ جَزَاءَ صَيْدٍ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الأَْشْيَاءِ، وَيَتَوَجَّهُ مَعَهَا يُرِيدُ الْحَجَّ أَوِ الْعُمْرَةَ. فَمَنْ فَعَل ذَلِكَ فَقَدْ أَحْرَمَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ تَلْبِيَةٌ.

_________

(١) شرح فتح القدير ٢ / ٤٠٦، والحطاب وبهامشه التاج والإكليل للمواق ٣ / ١٨٩، ابن عابدين ٢ / ١٦٠، والأم للشافعي ٢ / ٢١٦، والجمل على شرح المنهج ٤ / ٤٦٤، والمغني لابن قدامة ٣ / ٥٤٩.

(٢) فتح القدير ٢ / ٣٣٧.

قَالُوا: لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ مَنْ قَلَّدَ بُدْنَهُ فَقَدْ أَحْرَمَ (١) .

وَلأَِنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ فِي مَعْنَى التَّلْبِيَةِ فِي إِظْهَارِ الإِْجَابَةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَفْعَلُهُ إِلاَّ مُرِيدُ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، وَإِظْهَارُ الإِْجَابَةِ قَدْ يَكُونُ بِالْفِعْل كَمَا يَكُونُ بِالْقَوْل، فَيَصِيرُ بِهِ مُحْرِمًا لاِتِّصَال النِّيَّةِ بِفِعْلٍ هُوَ مِنْ خَصَائِصِ الإِْحْرَامِ. وَلَوْ قَلَّدَ هَدْيًا دُونَ أَنْ يَنْوِيَ، أَوْ دُونَ أَنْ يَسُوقَهُ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْبَيْتِ، فَلاَ يَكُونُ مُحْرِمًا. وَلَوْ قَلَّدَهُ وَأَرْسَل بِهِ وَلَمْ يَسُقْهُ لَمْ يَصِرْ مُحْرِمًا، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَفْتِل الْقَلاَئِدَ لِهَدْيِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَيَبْعَثُ بِهِ ثُمَّ يُقِيمُ فِينَا حَلاَلًا (٢)، قَالُوا: ثُمَّ إِنْ تَوَجَّهَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَصِرْ مُحْرِمًا حَتَّى يَلْحَقَ الْهَدْيَ، لأَِنَّهُ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ هَدْيٌ يَسُوقُهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إِلاَّ مُجَرَّدُ النِّيَّةِ، فَلاَ يَصِيرُ بِهَا مُحْرِمًا، إِلاَّ هَدْيُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ فَإِنَّهُ يَكُونُ مُحْرِمًا بِتَقْلِيدِهِ وَبِالتَّوَجُّهِ وَلَوْ قَبْل أَنْ يُدْرِكَ الْهَدْيَ الَّذِي بَعَثَهُ أَمَامَهُ. هَذَا، وَإِنْ كَانَ الْهَدْيُ الَّذِي قَلَّدَهُ وَسَاقَهُ مِنَ الْغَنَمِ، فَإِنَّهُ لاَ يَصِيرُ بِذَلِكَ مُحْرِمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْغَنَمَ لاَ يُسَنُّ تَقْلِيدُهَا عِنْدَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ (٣) .

_________

(١) حديث: " من قلد بدنة فقد أحرم. . . " أورده الزيلعي في نصب الراية وقال: " غريب مرفوعا، ووقفه ابن أبي شيبة في مصنفه على ابن عباس وابن عمر " نصب الراية (٣ / ٩٧ ط. المجلس العلمي بالهند) .

(٢) حديث عائشة: كنت أفتل القلائد لهدي رسول الله ﷺ فيبعث به. . . . " أخرجه مسلم (٢ / ٩٥٨ ط الحلبي) .

(٣) الهداية وفتح القدير ٢ / ٤٠٥ـ ٤٠٧، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٦٠، ١٦١

تَعَيُّنُ الْهَدْيِ وَلُزُومُهُ بِالتَّقْلِيدِ:

٨ - يَنُصُّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الرَّجُل إِذَا قَلَّدَ الْهَدْيَ بِالنِّيَّةِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إِهْدَاؤُهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ. قَال الدَّرْدِيرُ: يَجِبُ إِنْفَاذُ مَا قَلَّدَ مَعِيبًا لِوُجُوبِهِ بِالتَّقْلِيدِ وَإِنْ لَمْ يُجْزِهِ. أَيْ وَإِنْ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ هَدْيٍ وَاجِبٍ بِتَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ نَذْرٍ غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ مَا قُلِّدَ مِنَ الْهَدْيِ يُبَاعُ فِي الدُّيُونِ السَّابِقَةِ مَا لَمْ يُذْبَحْ، وَلاَ يُبَاعُ فِي الدُّيُونِ اللاَّحِقَةِ (١) . قَالُوا: وَلَوْ وُجِدَ الْهَدْيُ الْمَسْرُوقُ أَوِ الضَّال بَعْدَ نَحْرِ بَدَلِهِ نَحَرَ الْمَوْجُودَ أَيْضًا إِنْ قُلِّدَ، لِتَعَيُّنِهِ بِالتَّقْلِيدِ. وَإِنْ وُجِدَ الضَّال قَبْل نَحْرِ الْبَدَل نَحَرَهُمَا مَعًا إِنْ قَلِّدَا لِتَعَيُّنِهِمَا بِالتَّقْلِيدِ. وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مُقَلَّدَيْنِ أَوْ كَانَ الْمُقَلَّدُ أَحَدَهُمَا دُونَ الآْخَرِ، يَتَعَيَّنُ الْمُقَلَّدُ. وَجَازَ بَيْعُ الآْخَرِ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ (٢) .

وَيَنُصُّ الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ يَجِبُ بِهِ ذَلِكَ الْهَدْيُ، إِذَا نَوَى أَنَّهُ هَدْيٌ، وَلَوْ لَمْ يَقُل بِلِسَانِهِ إِنَّهُ هَدْيٌ، فَيَتَعَيَّنُ بِذَلِكَ وَيَصِيرُ وَاجِبًا مُعَيَّنًا يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِعَيْنِهِ دُونَ ذِمَّةِ صَاحِبِهِ. وَحُكْمُهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ صَاحِبِهِ كَالْوَدِيعَةِ يَلْزَمُهُ حِفْظُهُ وَإِيصَالُهُ إِلَى مَحَلِّهِ، فَإِنْ تَلِفَ أَوْ سُرِقَ أَوْ ضَل بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ (٣) .

_________

(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٨٨، ومواهب الجليل، للحطاب ٣ / ١٨٦، ١٨٧.

(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٩٢.

(٣) المغني لابن قدامة ٣ / ٥٣٥، ٥٣٦.

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَيُصَرِّحُونَ بِأَنَّ تَقْلِيدَ الرَّجُل نَعَمَهُ وَإِشْعَارَهَا لاَ يَكُونُ بِهِ النَّعَمُ هَدْيًا، وَلَوْ نَوَاهُ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِذَلِكَ، عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، كَمَا لَوْ كَتَبَ الْوَقْفَ عَلَى بَابِ دَارِهِ (١) .

ثَانِيًا: تَقْلِيدُ التَّمَائِمِ وَمَا يُتَعَوَّذُ بِهِ:

٩ - الْمُرَادُ بِتَقْلِيدِ التَّمَائِمِ وَالتَّعْوِيذَاتِ جَعْلُهَا فِي عُنُقِ الصَّبِيِّ أَوِ الصَّبِيَّةِ أَوِ الدَّابَّةِ وَنَحْوِهَا. كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّهَا تَجْلِبُ الْخَيْرَ أَوْ تَدْفَعُ الأَْذَى وَالْعَيْنَ (٢) . وَيُنْظَرُ حُكْمُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَعْوِيذَةٌ) .

ثَالِثًا: تَقْلِيدُ الْمُجْتَهِدِ:

١٠ - التَّقْلِيدُ قَبُول قَوْل الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ، كَأَخْذِ الْعَامِّيِّ مِنَ الْمُجْتَهِدِ فَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ تَقْلِيدًا، وَالرُّجُوعُ إِلَى الإِْجْمَاعِ لَيْسَ تَقْلِيدًا كَذَلِكَ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ رُجُوعٌ إِلَى مَا هُوَ الْحُجَّةُ فِي نَفْسِهِ (٣) .

_________

(١) الجمل على شرح المنهج ٢ / ٤٦٥.

(٢) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ١ / ٢٣٢. القاهرة، مطبعة بولاق ط٢ سنة ١٢٧٢هـ، وانظر الفواكه الدواني، ٢ / ٤٣٩ وكشف القناع ٢ / ٧٧، وفتح الباري ٦ / ١٤٢.

(٣) شرح مسلم الثبوت ٢ / ٤٠٠. القاهرة، مطبعة بولاق، ١٣٢٢هـ، والمستصفى مطبوع مع مسلم الثبوت ٢ / ٣٨٧. الطبعة المذكورة، وروضة الناظر ٢ / ٤٥٠.