الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣ الصفحة 15

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣

لأَِنَّ الْقَبُول انْصَرَفَ إِلَى غَيْرِ مَنْ وَجَدَ الإِْيجَابَ فِيهِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (١)

وَلَوْ نَكَحَ، وَشَرَطَ فِيهَا إِسْلاَمًا، أَوْ فِي أَحَدِهِمَا نَسَبًا أَوْ حُرِّيَّةً أَوْ بَكَارَةً أَوْ شَبَابًا أَوْ تَدَيُّنًا فَأُخْلِفَ، فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ صِحَّةُ النِّكَاحِ. قَال الشَّافِعِيَّةُ: لأَِنَّ الْخُلْفَ فِي الشَّرْطِ لاَ يُوجِبُ فَسَادَ الْبَيْعِ مَعَ تَأَثُّرِهِ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، فَالنِّكَاحُ أَوْلَى.

قَال الْحَنَابِلَةُ: وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِفَوَاتِ الشَّرْطِ أَوِ الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ عِنْدَهُمْ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ النِّكَاحِ، لأَِنَّهُ يَعْتَمِدُ الصِّفَاتِ فَتَبَدُّلُهَا كَتَبَدُّل الْعَيْنِ. (٢)

وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَتَقَتِ الأَْمَةُ - وَزَوْجُهَا عَبْدٌ - فَلَهَا الْخِيَارُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ لِخَبَرِ بَرِيرَةَ ﵂. قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ كَاتَبَتْ بَرِيرَةَ فَخَيَّرَهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي زَوْجِهَا، وَكَانَ عَبْدًا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا (٣) . وَلأَِنَّ

_________

(١) المغني لابن قدامة ٦ / ٥٤٦، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٣٢٥، وتحفة المحتاج ٧ / ٣٥٥، وجواهر الإكليل ١ / ٢٧٧، وفتح العلي المالك ١ / ٣٦٥.

(٢) مغني المحتاج ٣ / ٢٠٧، والقوانين الفقهية ص ٢٢٠، والمغني لابن قدامة ٦ / ٥٢٤، ٥٢٦، وكشاف القناع ٥ / ٩٩

(٣) حديث عائشة ﵂: " كاتبت بريرة فخيرها رسول الله ﷺ في زوجها فاختارت نفسها ". أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ٤٠٨) ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١١٤١ ط عيسى الحلبي) .

عَلَيْهَا ضَرَرًا فِي كَوْنِهَا حُرَّةً تَحْتَ عَبْدٍ.

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا عَتَقَتْ وَزَوْجُهَا حُرٌّ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لَهَا، لأَِنَّهَا كَافَأَتْ زَوْجَهَا فِي الْكَمَال، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهَا الْخِيَارُ.

وَذَهَبَ طَاوُسٍ وَابْنُ سِيرِينَ وَمُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ أَنَّ زَوْجَهَا كَانَ حُرًّا، كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ (١) .

وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى بَقَاءِ نِكَاحِ الْكِتَابِيَّةِ الَّتِي أَسْلَمَ زَوْجُهَا، سَوَاءٌ قَبْل الدُّخُول أَوْ بَعْدَهُ، لأَِنَّ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَبْتَدِئَ نِكَاحَ كِتَابِيَّةٍ، فَاسْتِدَامَتُهُ أَوْلَى. كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَتِ الْكِتَابِيَّةُ قَبْل زَوْجِهَا، وَقَبْل الدُّخُول بِهَا تَعَجَّلَتِ الْفُرْقَةَ، سَوَاءٌ كَانَ زَوْجُهَا كِتَابِيًّا أَمْ مَجُوسِيًّا أَوْ غَيْرَهُمَا، إِذْ لاَ يَجُوزُ لِكَافِرٍ نِكَاحُ مُسْلِمَةٍ. (٢)

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ الْوَثَنِيَّيْنِ أَوِ الْمَجُوسِيَّيْنِ، أَوْ كِتَابِيٌّ مُتَزَوِّجٌ بِوَثَنِيَّةٍ.

وَيُنْظَرُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (إِسْلاَمٌ، وَنِكَاحٌ) .

_________

(١) المصادر السابقة: حديث بريرة الذي يدل على أن زوجها كان حرا. فقد أخرجه النسائي (٦ / ١٦٣ ط دار الكتاب العربي)، وأصل القصة في الصحيحين، ولكن لفظ " كان حرا " من رواية النسائي، واعتبرها ابن حجر مدرجة من قول الأسود الراوي عن عائشة. (انظر الفتح ٩ / ٤١٠ـ ٤١١ ط السلفية)

(٢) مغني المحتاج ٣ / ١٩١، ٢١٠، والمغني لابن قدامة ٦ / ٦١٤ - ٦٣٤، ٦٥٩، وجواهر الإكليل ١ / ٢٩٦، وابن عابدين ٢ / ٣٨٨.

تَغْيِيرُ الْمَغْصُوبِ:

٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَغْيِيرِ الْمَغْصُوبِ.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: إِنْ غَيَّرَ الْمَغْصُوبَ فَزَال اسْمُهُ وَأَعْظَمُ مَنَافِعِهِ، كَطَحْنِ حِنْطَةٍ، ضَمِنَهُ الْغَاصِبُ وَمَلَكَهُ، بِلاَ حِل انْتِفَاعٍ قَبْل أَدَاءِ ضَمَانِهِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ التَّغْيِيرُ قَدْ زَادَ مِنْ قِيمَةِ الْمَغْصُوبِ، فَهُوَ لِلْمَالِكِ وَلاَ شَيْءَ لِلْغَاصِبِ بِسَبَبِهَا، إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ أَثَرًا مَحْضًا، وَإِنْ نَقَصَ مِنَ الْمَغْصُوبِ فَعَلَى الْغَاصِبِ رَدُّهُ وَأَرْشُ النَّقْصِ. (١) وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (غَصْبٌ):

تَغَيُّرُ حَالَةِ الْجَانِي أَوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ:

١٠ - إِذَا تَغَيَّرَ حَال الْجَانِي أَوِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الإِْسْلاَمِ إِلَى الْكُفْرِ أَوِ الْعَكْسِ، فَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ أَوْ عَدَمِهِ، وَمِقْدَارِ الدِّيَةِ مَذَاهِبُ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مَبَاحِثِ (الدِّيَةِ، وَالْقِصَاصِ) .

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٢١، وجواهر الإكليل ٢ / ١٤٩، ومغني المحتاج ٢ / ٢٩٠، والمغني لابن قدامة ٥ / ٢٧٧.

تَفَاؤُلٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّفَاؤُل: أَنْ تَسْمَعَ كَلاَمًا حَسَنًا فَتَتَيَمَّنَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا فَهُوَ الطِّيَرَةُ، يُقَال: فَأَل بِهِ تَفْئِيلًا جَعَلَهُ يَتَفَاءَل بِهِ، وَتَفَأَّل بِهِ بِالتَّشْدِيدِ تَفَؤُّلًا. وَتَفَاءَل تَفَاؤُلًا، وَيُسْتَعْمَل غَالِبًا فِي الْخَيْرِ، وَفِي الأَْثَرِ: لاَ عَدْوَى، وَلاَ طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْل الصَّالِحُ (١) . وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الشَّرِّ أَيْضًا، يُقَال: لاَ فَأْل عَلَيْكَ أَيْ لاَ ضَيْرَ عَلَيْكَ، وَجَاءَ فِي الأَْثَرِ: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: خَيْرُهَا الْفَأْل (٢) . وَصَحَّ عَنْهُ ﵊: لاَ طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْل الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ (٣) .

_________

(١) تاج العروس، ولسان العرب، والمصباح، مادة: " فأل " وحديث: " لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٢١٤ ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٧٤٦ ط عيسى الحلبي) من حديث أنس بن مالك

(٢) حديث: " خيرها الفأل " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٢١٤ ط السلفية) من حديث أبي هريرة.

(٣) الآداب الشرعية ص ٢٧٩. وحديث: " لا عدوى ولا طيرة. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٢٤٤ ط السلفية)، ومسلم (٤ / ١٧٤٦ ط عيسى الحلبي) واللفظ لمسلم وهو من حديث أنس بن مالك.

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَقَدْ عَرَّفَهُ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّهُ: مَا يُظَنُّ عِنْدَهُ الْخَيْرُ. عَكْسُ الطِّيَرَةِ وَالتَّطَيُّرِ. غَيْرَ أَنَّهُ تَارَةً يَتَعَيَّنُ لِلْخَيْرِ، وَتَارَةً لِلشَّرِّ، وَتَارَةً يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا، فَالْمُتَعَيَّنُ لِلْخَيْرِ مِثْل الْكَلِمَةِ الْحَسَنَةِ يَسْمَعُهَا الرَّجُل مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ. نَحْوُ: يَا فَلاَحُ، يَا مَسْعُودُ. (١)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

التَّبَرُّكُ:

٢ - التَّبَرُّكُ: طَلَبُ ثُبُوتِ الْخَيْرِ الإِْلَهِيِّ فِي الشَّيْءِ. سُمِّيَتْ بَرَكَةً لِثُبُوتِ الْخَيْرِ فِيهِ، كَمَا يَثْبُتُ الْمَاءُ فِي الْبِرْكَةِ.

حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:

٣ - التَّفَاؤُل مُبَاحٌ بَل حَسَنٌ إِذَا كَانَ مُتَعَيِّنًا لِلْخَيْرِ، كَأَنْ يَسْمَعَ الْمَرِيضُ يَا سَالِمُ، فَيَنْشَرِحُ لِذَلِكَ صَدْرُهُ.

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ التَّفَاؤُل بِالْكَلِمَةِ الْحَسَنَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، كَأَنْ يَسْمَعَ الْمَرِيضُ يَا سَالِمُ، أَوْ يَسْمَعُ طَالِبُ الضَّالَّةِ يَا وَاجِدُ

_________

(١) الفروق ٤ / ٢٤٠.

فَتَسْتَرِيحُ نَفْسُهُ لِذَلِكَ. (١) لِخَبَرِ لاَ عَدْوَى، وَلاَ طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْل الصَّالِحُ وَالْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ (٢) .

وَكَانَ النَّبِيُّ ﵊ يُعْجِبُهُ: أَنْ يَسْمَعَ يَا رَاشِدُ يَا نَجِيحُ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ (٣)

وَكَانَ لاَ يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيْءٍ، وَكَانَ إِذَا بَعَثَ عَامِلًا سَأَل عَنِ اسْمِهِ فَإِذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهُ فَرِحَ بِهِ وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهُ رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِذَا دَخَل قَرْيَةً سَأَل عَنِ اسْمِهَا فَإِنْ أَعْجَبَهُ اسْمُهَا فَرِحَ وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهَا رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ.، (٤)

_________

(١) فتح الباري ١٠ / ٢١٤ـ ٢١٥، والآداب الشرعية ٣ / ٣٧٦، ٣٧٧، ٣٧٨، والفروق ٤ / ٢٤٠، وتفسير القرطبي ٦ / ٥٩ - ٦٠، وابن عابدين ١ / ٥٥٥.

(٢) حديث: " لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح والكلمة الحسنة " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٢١٤ ط السلفية)، ومسلم (١٠ / ١٧٤٦ ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري وهو من حديث أنس بن مالك.

(٣) حديث: " كان يعجبه أن يسمع يا راشد يا نجيح إذا خرج لحاجته " أخرجه الترمذي (٤ / ١٦١ ط مصطفى الحلبي) وقال: حسن غريب صحيح، والطبراني في الصغير (١ / ١٩٩ ط السلفية) وهو من حديث أنس بن مالك.

(٤) حديث: " كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملا سأل عن اسمه: فإذا أعجبه اسمه فرح به ورئي بشر ذلك في وجه. . . " أخرجه أحمد (٥ / ٣٤٧، ٣٤٨) ط المكتب الإسلامي، وأبو داود (٤ / ٢٣٦) ط عبيد دعاس من حديث بريدة، وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٠ / ٢١٥ ط السلفية) .

وَإِنَّمَا كَانَ يُعْجِبُهُ الْفَأْل؛ لأَِنَّهُ تَنْشَرِحُ لَهُ النَّفْسُ وَتَسْتَبْشِرُ بِقَضَاءِ الْحَاجَةِ فَيُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ. (١) وَقَال عَزَّ مَنْ قَائِلٌ فِي حَدِيثٍ قُدْسِيٍّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلاَ يَظُنَّنَّ بِي إِلاَّ خَيْرًا (٢) .

بِخِلاَفِ الطِّيَرَةِ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْمَال أَهْل الشِّرْكِ حَيْثُ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ حُصُول الضَّرَرِ بِمَا يُتَطَيَّرُ بِهِ.

التَّفَاؤُل الْمُبَاحُ:

٤ - التَّفَاؤُل الْمُبَاحُ: أَنْ يَسْمَعَ الرَّجُل الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ يُسَمِّي وَلَدَهُ اسْمًا حَسَنًا فَيَفْرَحُ عِنْدَ سَمَاعِهِ.

أَمَّا أَخْذُ الْفَأْل مِنَ الْمُصْحَفِ، كَأَنْ يَفْتَحَهُ فَيَتَفَاءَل بِبَعْضِ الآْيَاتِ فِي أَوَّل الصَّفْحَةِ، أَوْ يَتَفَاءَل بِضَرْبِ الرَّمْل، فَيَتَفَاءَل بِبَعْضِ رُمُوزِهِ فَحَرَامٌ (٣) .

وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَ: (تَطَيُّرٌ، وَتَسْمِيَةٌ) .

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٥٥٥، وفتح الباري ١٠ / ٢١٥، وتفسير القرطبي ٦ / ٥٩ـ ٦٠، والفروق ٤ / ٢٤١، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٣٧٦، ٣٧٧، ٣٧٨

(٢) حديث: " قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي فلا يظنن بي إلا خيرا "، أخرجه أحمد بلفظ " قال الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي إن ظن بي خيرا فله، وإن شرا فله " مسند أحمد بن حنبل (٢ / ٣٩١ ط المكتب الإسلامي)، وابن حبان في صحيحه (موارد: ٢٣٩٤) ط دار الكتب العلمية. من حديث أبي هريرة

(٣) الفروق ٤ / ٢٤٠ - ٢٤١، وحاشية القليوبي ٤ / ٢٥٦، والأذكار للنووي ٢٥٦.

تَفَرُّقٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّفَرُّقُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ: تَفَرَّقَ ضِدُّ تَجَمَّعَ، يُقَال: تَفَرَّقَ الْقَوْمُ تَفَرُّقًا، وَمِثْلُهُ افْتَرَقَ الْقَوْمُ افْتِرَاقًا وَالتَّفْرِيقُ: خِلاَفُ التَّجْمِيعِ، يُقَال: فَرَّقَ الشَّيْءَ تَفْرِيقًا وَتَفْرِقَةً: بَدَّدَهُ، وَهُوَ مُتَعَدٍّ، أَمَّا التَّفَرُّقُ فَلاَزِمٌ. وَالتَّفْرِيقُ أَبْلَغُ مِنَ الْفَرْقِ، لِمَا فِيهِ مِنْ مَعْنَى التَّكْثِيرِ (١) . وَالتَّفَرُّقُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

(الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ):

التَّجَزُّؤُ:

٢ - التَّجَزُّؤُ: مِنْ تَجَزَّأَ الشَّيْءُ تَجَزُّؤًا، وَجَزَّأَ الشَّيْءَ تَجْزِئَةً: حَمَلَهُ أَجْزَاءً. (٢) وَالتَّفَرُّقُ يَكُونُ بَيْنَ الأَْبْدَانِ، وَالتَّجَزُّؤُ فِي الأُْمُورِ.

_________

(١) لسان العرب، والصحاح مادة: " فرق "

(٢) المصباح المنير مادة: " جزأ "

حُكْمُهُ:

٣ - تَخْتَلِفُ أَحْكَامُ التَّفَرُّقِ بِاخْتِلاَفِ مَوْضُوعِهِ: فَيَسْقُطُ خِيَارُ الْمَجْلِسِ بِتَفَرُّقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُ خِيَارَ الْمَجْلِسِ مِنَ الْفُقَهَاءِ.

وَيَبْطُل الْعَقْدُ بِالتَّفَرُّقِ قَبْل الْقَبْضِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّتِهِ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ. كَرَأْسِ مَال السَّلَمِ، وَبَيْعِ الرِّبَوِيِّ بِمِثْلِهِ، أَوْ بِمُتَّحِدٍّ مَعَهُ فِي الْعِلَّةِ، عَلَى اخْتِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِ التَّفَاصِيل.

التَّفَرُّقُ الْمُؤَثِّرُ وَحُكْمُهُ:

٤ - التَّفَرُّقُ الْمُؤَثِّرُ هُوَ: أَنْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا، وَلاَ خِلاَفَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَالْمَرْجِعُ فِيهِ عُرْفُ النَّاسِ، وَعَادَتُهُمْ فِيمَا يَعُدُّونَهُ تَفَرُّقًا، لأَِنَّ الشَّارِعَ نَاطَ عَلَيْهِ حُكْمًا وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ، كَكُل مَا أَطْلَقَهُ الشَّارِعُ فِي الْمُعَامَلاَتِ كَالْقَبْضِ، وَالإِْحْرَازِ.

هَذَا وَيَسْقُطُ بِالتَّفَرُّقِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ، وَيَلْزَمُ الْعَقْدُ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ وَالرِّبَوِيِّ، وَيَبْطُل بِالتَّفَرُّقِ بَيْعُ الرِّبَوِيِّ قَبْل الْقَبْضِ. (١)

أَمَّا هَل يَقُومُ التَّخَايُرُ مَقَامَ التَّفَرُّقِ فِي إِسْقَاطِ خِيَارِ الْمَجْلِسِ؟ وَهَل يَجُوزُ التَّخَايُرُ قَبْل الْقَبْضِ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ، وَآرَاءُ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ؟ فَيُرْجَعُ فِيهَا إِلَى مُصْطَلَحِ (خِيَارُ الْمَجْلِسِ) .

_________

(١) المغني ٣ / ١١ - ١٢، وروضة الطالبين ٣ / ٤٣٧، وحاشية الطحاوي ٣ / ١٣٧

تَفَرُّقُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ:

٥ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ التَّفَرُّقَ بَعْدَ انْعِقَادِ الْبَيْعِ يَسْقُطُ حَقُّهُ فِي خِيَارِ الْمَجْلِسِ لِخَبَرِ: الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا (١) .

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ.

وَإِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَأَقَامَا مُدَّةً طَوِيلَةً، فَالْخِيَارُ بِحَالِهِ، وَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ لِعَدَمِ التَّفَرُّقِ. (٢) لِمَا رَوَى أَبُو الْوَضِيءِ - عَبَّادُ بْنُ نُسَيْبٍ -: غَزَوْنَا غَزْوَةً، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَبَاعَ صَاحِبٌ لَنَا فَرَسًا بِغُلاَمٍ، ثُمَّ أَقَامَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَا مِنَ الْغَدِ حَضَرَ الرَّحِيل، فَقَامَ إِلَى فَرَسِهِ يُسَرِّجُهُ فَنَدِمَ، فَأَتَى الرَّجُل وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ، فَأَبَى الرَّجُل أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَيْهِ، فَقَال: بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو بَرْزَةَ صَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ فَأَتَيَا أَبَا بَرْزَةَ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ فَقَالاَ لَهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ فَقَال: أَتَرْضَيَانِ أَنْ أَحْكُمَ بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ رَسُول اللَّهِ ﷺ؟ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا وَمَا أَرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا (٣) .

الإِْكْرَاهُ عَلَى التَّفَرُّقِ:

٦ - إِنْ أُكْرِهَ الشَّخْصُ عَلَى التَّفَرُّقِ فَفِيهِ وَجْهَانِ

_________

(١) حديث: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٣٢٨ ط السلفية) من حديث حكيم بن حزام

(٢) المجموع النووي ٩ / ١٧٤ـ ١٧٥، والمغني ٣ / ٥٦٣.

(٣) حديث أبي برزة: " أترضيان أن أحكم بينكما بقضاء رسول الله. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٧٣٦ـ ٧٣٧ تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال المنذري في مختصره رجال إسناده ثقات (المختصر ٥ / ٩٦نشر دار المعرفة) .