الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣ الصفحة 14

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣

تَغْلِيظُ عُقُوبَةِ التَّعْزِيرِ:

٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ تَغْلِيظَ عُقُوبَةِ التَّعْزِيرِ - وَهِيَ كُل عُقُوبَةٍ شُرِعَتْ فِي مَعْصِيَةٍ لاَ حَدَّ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةَ - يَكُونُ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا الزَّجْرُ وَأَحْوَال النَّاسِ تَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ. (١)

تَغَيُّرٌ

انْظُرْ: تَغْيِيرٌ

_________

(١) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٤، وروضة الطالبين ١٠ / ١٧٦، وأسنى المطالب ٤ / ١٦٢، وحاشية الطحطاوي على الدر ٢ / ٤١٠، والمغني لابن قدامة ٨ / ٣٢٤، وكشاف القناع ٦ / ١٢٤

تَغْيِيرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي التَّغْيِيرِ فِي اللُّغَةِ: التَّحْوِيل. يُقَال: غَيَّرْتُ الشَّيْءَ عَنْ حَالِهِ أَيْ حَوَّلْتُهُ وَأَزَلْتُهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ. وَيُقَال: غَيَّرْتُ الشَّيْءَ فَتَغَيَّرَ، وَغَيَّرَهُ إِذَا بَدَّلَهُ، كَأَنَّهُ جَعَلَهُ غَيْرَ مَا كَانَ عَلَيْهِ. وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيزِ: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١) . قَال ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ حَتَّى يُبَدِّلُوا مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ. وَغَيَّرَ عَلَيْهِ الأَْمْرَ حَوَّلَهُ، وَتَغَايَرَتِ الأَْشْيَاءُ اخْتَلَفَتْ. (٢)

وَمَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.

(الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ):

أ - التَّبْدِيل:

٢ - التَّبْدِيل مِنْ بَدَّلْتُ الشَّيْءَ تَبْدِيلًا بِمَعْنَى غَيَّرْتُ صُورَتَهُ تَغْيِيرًا، وَأَبْدَلْتُهُ بِكَذَا إِبْدَالًا نَحَّيْتُ الأَْوَّل، وَجَعَلْتُ الثَّانِيَ مَكَانَهُ (٣) .

_________

(١) سورة الأنفال / ٥٣

(٢) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: " غير ".

(٣) المصباح المنير مادة: " بدل "، ولسان العرب مادة: " بدل ".

وَفَرَّقَ الأُْصُولِيُّونَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بَيْنَ بَيَانِ التَّغْيِيرِ وَبَيَانِ التَّبْدِيل. فَقَالُوا: بَيَانُ التَّغْيِيرِ هُوَ الْبَيَانُ الَّذِي فِيهِ تَغْيِيرٌ لِمُوجِبِ اللَّفْظِ مِنَ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ إِلَى غَيْرِهِ. وَذَلِكَ كَالتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ الْمُؤَخَّرِ فِي الذِّكْرِ، كَمَا فِي قَوْل الرَّجُل لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ. وَبَيَانُ التَّبْدِيل بَيَانُ انْتِهَاءِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ مُتَرَاخٍ، وَهُوَ النَّسْخُ (١)

(الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ):

يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّغْيِيرِ بِاخْتِلاَفِ مَوْضِعِهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

تَغَيُّرُ أَوْصَافِ الْمَاءِ فِي الطَّهَارَةِ:

٣ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي غَيَّرَتِ النَّجَاسَةُ طَعْمَهُ أَوْ لَوْنَهُ أَوْ رِيحَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَْوْصَافِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَلاَ التَّطَهُّرُ بِهِ، كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ الْمُسْتَبْحَرَ لاَ تَضُرُّهُ النَّجَاسَةُ الَّتِي لَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ الثَّلاَثَةِ.

كَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُل مَا يُغَيِّرُ الْمَاءَ - مِمَّا لاَ يَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا كَالطِّينِ - أَنَّهُ لاَ يَسْلُبُهُ صِفَةَ الطَّهَارَةِ أَوِ التَّطْهِيرِ، إِلاَّ خِلاَفًا شَاذًّا رُوِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ فِي الْمَاءِ الآْسِنِ.

وَأَمَّا الْمَاءُ الَّذِي خَالَطَهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ

_________

(١) المرآة مع المرقاة لمنلا خسرو ٢ / ١٢٦

الأَْشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ الَّتِي تَنْفَكُّ عَنْهُ غَالِبًا مَتَى غَيَّرَتْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ الثَّلاَثَةِ، فَإِنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ. وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي طَهُورِيَّتِهِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ، بَل يُضَافُ إِلَى الشَّيْءِ الَّذِي خَالَطَهُ، فَيُقَال مَثَلًا: مَاءُ زَعْفَرَانٍ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ مَا لَمْ يَكُنِ التَّغَيُّرُ عَنْ طَبْخٍ. أَمَّا الْمُتَغَيِّرُ بِالطَّبْخِ مَعَ شَيْءٍ طَاهِرٍ فَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْوُضُوءُ وَلاَ التَّطَهُّرُ بِهِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَاءِ غَيْرِ الْمُسْتَبْحَرِ إِذَا خَالَطَتْهُ نَجَاسَةٌ وَلَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْمَاءِ الْقَلِيل وَالْمَاءِ الْكَثِيرِ، فَقَالُوا: إِنْ كَانَ قَلِيلًا أَصْبَحَ نَجِسًا، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا لَمْ يَكُنْ نَجِسًا. وَهَؤُلاَءِ اخْتَلَفُوا فِي الْحَدِّ بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، فَذَهَبَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مِنَ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ إِذَا حَرَّكَهُ آدَمِيٌّ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ لَمْ تَسْرِ الْحَرَكَةُ إِلَى الطَّرَفِ الثَّانِي مِنْهُ، أَمَّا إِذَا سَرَتِ الْحَرَكَةُ فِيهِ فَهُوَ قَلِيلٌ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ فِي ذَلِكَ هُوَ قُلَّتَانِ مِنْ قِلاَل هَجَرَ، مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل الْخَبَثَ وَفِي لَفْظٍ لَمْ يَنْجُسْ (١) .

_________

(١) حديث: " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " أخرجه أبو داود (١ / ٥١ ط عبيد الدعاس)، والترمذي (١ / ٩٧ ط مصطفى الحلبي)، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على الترمذي (١ / ٩٨ ط مصطفى الحلبي) . والحاكم (١ / ١٣٢ ط دار الكتاب العربي) . وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين

وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا وَقَال: إِنَّ النَّجَاسَةَ تُفْسِدُ قَلِيل الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الْمَاءَ مَكْرُوهٌ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ - وَمِنْهُمُ الْمَالِكِيَّةُ، وَأَهْل الظَّاهِرِ - إِلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا. (١)

وَانْظُرْ لِتَفْصِيل ذَلِكَ الْخِلاَفِ فِي بَحْثِ (مِيَاهٌ) .

تَغْيِيرُ النِّيَّةِ فِي الصَّلاَةِ:

٤ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَغْيِيرَ النِّيَّةِ فِي الصَّلاَةِ، وَنَقْلَهَا مِنْ فَرْضٍ إِلَى آخَرَ، أَوْ مِنْ فَرْضٍ إِلَى نَفْلٍ عَالِمًا عَامِدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يُبْطِل الصَّلاَةَ. (٢)

وَتُنْظَرُ تَفَاصِيل هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي مُصْطَلَحِ (تَحْوِيلٌ، وَنِيَّةٌ) .

تَغَيُّرُ حَالَةِ الإِْنْسَانِ التَّكْلِيفِيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ:

٥ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَغَيَّرَتْ حَالَةُ

_________

(١) بدائع الصنائع ١ / ٧١، وجواهر الإكليل ١ / ٥ ومغني المحتاج ١ / ١٧، والمغني لابن قدامة ١ / ١١، وسبل السلام ١ / ١٣

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٢٩٦، ومغني المحتاج ١ / ١٤٩، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٦٨

الإِْنْسَانِ التَّكْلِيفِيَّةِ، كَأَنْ طَهُرَتِ الْحَائِضُ أَوِ النُّفَسَاءُ، أَوْ بَلَغَ الطِّفْل، أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ، أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ أَوِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، أَوْ أَقَامَ الْمُسَافِرُ وَقَدْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُ فِيهِ أَدَاءُ الْعِبَادَةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الأَْدَاءُ. وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا حَصَل هَذَا التَّغَيُّرُ فِي الْعَصْرِ أَوِ الْعِشَاءِ، هَل تَجِبُ عَلَيْهِمْ صَلاَةُ الظُّهْرِ فِي الْحَالَةِ الأُْولَى، وَصَلاَةُ الْمَغْرِبِ فِي الثَّانِيَةِ؟

ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى وُجُوبِ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ؛ لأَِنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتُ الأُْولَى حَال الْعُذْرِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّهُ لاَ تَجِبُ عَلَيْهِمْ إِلاَّ الصَّلاَةُ الَّتِي زَالَتْ فِي وَقْتِهَا الأَْسْبَابُ الْمَانِعَةُ؛ لأَِنَّ وَقْتَ الأُْولَى خَرَجَ فِي حَال عُذْرِهِمْ. (١)

وَاخْتَلَفُوا كَذَلِكَ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الْوُجُوبُ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ بِمِقْدَارِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ آخِرِ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ، وَإِلاَّ فَلاَ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ بِمِقْدَارِ رَكْعَةٍ فَأَكْثَرَ، وَهُوَ قَوْلٌ مَرْجُوحٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ آخِرِ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ رَكْعَةً فَأَكْثَرَ فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ، وَإِلاَّ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

_________

(١) البدائع ١ / ٩٥، وجواهر الإكليل ١ / ٣٣، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٩٦، ومغني المحتاج ١ / ١٣٢

وَتَجِبُ صَلاَةُ الظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، إِذَا أَدْرَكَ مِنْ آخِرِ الْعَصْرِ أَوِ الْعِشَاءِ مَا يَتَّسِعُ لِخَمْسِ رَكَعَاتٍ فِي الْحَضَرِ وَثَلاَثَ رَكَعَاتٍ فِي السَّفَرِ. (١)

وَاخْتَلَفُوا كَذَلِكَ فِيمَا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ نَفِسَتْ أَوْ جُنَّ الْعَاقِل أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ - وَقَدْ مَضَى مِنَ الْوَقْتِ قَدْرٌ يَتَّسِعُ لِلْفَرْضِ - فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى وُجُوبِ الصَّلاَةِ الَّتِي أَدْرَكَ بَعْضَ وَقْتِهَا، وَكَذَلِكَ الَّتِي قَبْلَهَا إِنْ كَانَتْ تَجْمَعُ مَعَهَا وَأَدْرَكَ قَدْرَ مَا يَتَّسِعُ لَهَا أَيْضًا، لأَِنَّ وَقْتَ الثَّانِيَةِ وَقْتُ الأُْولَى فِي حَال الْجَمْعِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ حُدُوثَ هَذِهِ الأَْعْذَارِ يُسْقِطُ الْفَرْضَ، وَإِنْ طَرَأَتْ فِي آخِرِ الْوَقْتِ.

وَيُتَصَوَّرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حُدُوثُ الْجُنُونِ وَالإِْغْمَاءِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، بِخِلاَفِ الْكُفْرِ وَالصِّبَا فَلاَ يُتَصَوَّرُ حُدُوثُ الصِّبَا، لاِسْتِحَالَةِ ذَلِكَ، أَمَّا حُدُوثُ الْكُفْرِ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - فَهُوَ رِدَّةٌ لاَ تُسْقِطُ لُزُومَ الْقَضَاءِ إِلاَّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٢)

وَاخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةِ بُلُوغِ الطِّفْل فِي وَقْتِ الصَّلاَةِ - وَقَدْ صَلاَّهَا وَفَرَغَ مِنْهَا - أَوْ بَلَغَ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ، وَكَذَلِكَ فِي صَوْمِهِ. انْظُرْ مُصْطَلَحَ (بُلُوغٌ، صَلاَةٌ، صَوْمٌ)

_________

(١) البدائع ١ / ٩٦، ١٤٤، والقوانين الفقهية ص ٤٩، وجواهر الإكليل ١ / ٣٣، وتحفة المحتاج ١ / ٤٥٤، والمغني لابن قدامة ١ / ٣٩٧.

(٢) المغني لابن قدامة ١ / ٣٩٧، والقوانين الفقهية ص ٤٩، ومغني المحتاج ١ / ١٣٠، والبدائع ١ / ٩٥

تَغَيُّرُ الاِجْتِهَادِ فِي الْقِبْلَةِ:

٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ الْمُصَلِّي فِي الْقِبْلَةِ مِنْ جِهَةٍ إِلَى جِهَةٍ أُخْرَى - وَكَانَ فِي الصَّلاَةِ - اسْتَدَارَ إِلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ وَأَتَمَّ الصَّلاَةَ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ أَهْل قُبَاءَ لَمَّا بَلَغَهُمْ تَحْوِيل الْقِبْلَةِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ اسْتَدَارُوا كَهَيْئَتِهِمْ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَأَتَمُّوا صَلاَتَهُمْ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِالإِْعَادَةِ (١)، وَلأَِنَّ الصَّلاَةَ الْمُؤَدَّاةَ إِلَى جِهَةِ التَّحَرِّي مُؤَدَّاةٌ إِلَى الْقِبْلَةِ لأَِنَّهَا هِيَ الْقِبْلَةُ، حَال الاِشْتِبَاهِ، وَلأَِنَّ تَبَدُّل الرَّأْيِ فِي مَعْنَى انْتِسَاخِ النَّصِّ، وَهَذَا لاَ يُوجِبُ بُطْلاَنَ الْعَمَل بِالْمَنْسُوخِ فِي زَمَانِ مَا قَبْل النَّسْخِ.

وَيَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ لِهَذَا شَرْطَيْنِ أَوَّلُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّي أَعْمَى، وَثَانِيهِمَا: أَنْ يَكُونَ انْحِرَافُهُ عَنِ الْقِبْلَةِ قَبْل تَغَيُّرِ الاِجْتِهَادِ يَسِيرًا، أَمَّا إِذَا كَانَ بَصِيرًا أَوْ كَانَ انْحِرَافُهُ عَنِ الْقِبْلَةِ كَثِيرًا، فَيَقْطَعُ صَلاَتَهُ وُجُوبًا، وَيُصَلِّي إِلَى الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ.

وَيَرَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَمِنْهُمُ الآْمِدِيُّ أَنَّهُ لاَ يَنْقُل مِنْ جِهَتِهِ الأُْولَى، وَيَمْضِي عَلَى اجْتِهَادِهِ الأَْوَّل، لِئَلاَّ يُنْقِضَ الاِجْتِهَادَ بِالاِجْتِهَادِ. وَإِنْ كَانَ تَغَيُّرُ الاِجْتِهَادِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنِ الْخَطَأُ يَقِينًا، فَلاَ يُعِيدُ

_________

(١) حديث: " أن أهل قباء لما بلغهم تحويل القبلة من بيت المقدس. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٠٢ ط السلفية) .

مَا صَلَّى بِالأَْوَّل بِلاَ خِلاَفٍ. أَمَّا إِذَا ثَبَتَ الْخَطَأُ يَقِينًا فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُعِيدُهَا إِنْ فَرَغَ مِنْهَا وَلَمْ يَزَل فِي وَقْتِهَا، وَيَقْضِيهَا بَعْدَ الْوَقْتِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَفِي قَوْلٍ مَرْجُوحٍ لِلشَّافِعِيَّةِ: لاَ يُعِيدُهَا إِنْ فَرَغَ مِنْهَا سَوَاءٌ كَانَ فِي الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ. (١)

تَغْيِيرُ نِصَابِ الزَّكَاةِ فِي الْحَوْل:

٧ - أَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ بَيْعَ النِّصَابِ مِنْ عُرُوضِ التِّجَارَةِ بِمِثْلِهِ أَثْنَاءَ الْحَوْل لاَ يَقْطَعُ الْحَوْل؛ لأَِنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي قِيمَةِ الْعُرُوضِ لاَ فِي نَفْسِهَا.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا بَاعَ نِصَابًا لِلزَّكَاةِ مِمَّا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْحَوْل بِجِنْسِهِ كَالإِْبِل بِالإِْبِل، أَوِ الْبَقَرِ بِالْبَقَرِ، أَوِ الْغَنَمِ بِالْغَنَمِ، أَوِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ، أَوِ الْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ، لَمْ يَنْقَطِعِ الْحَوْل وَبَنَى حَوْل الْبَدَل عَلَى حَوْل النِّصَابِ الأَْوَّل (الْمُبْدَل مِنْهُ) لأَِنَّهُ نِصَابٌ يُضَمُّ نَمَاؤُهُ فِي الْحَوْل، فَبَنَى حَوْل بَدَلِهِ مِنْ جِنْسِهِ عَلَى حَوْلِهِ كَالْعُرُوضِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْحَوْل يَنْقَطِعُ بِهَذِهِ الْمُبَادَلَةِ مَا لَمْ تَكُنْ لِلتِّجَارَةِ، فَلاَ يَنْقَطِعُ الْحَوْل إِلاَّ فِي الصَّرْفِ فَيَنْقَطِعُ، وَيُسْتَأْنَفُ حَوْلٌ جَدِيدٌ،

_________

(١) البدائع ١ / ١١٩، وجواهر الإكليل ١ / ٤٥، والقوانين الفقهية ص ٦١، ومغني المحتاج ١ / ١٤٧، والمغني لابن قدامة ١ / ٤٤٥

لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ زَكَاةَ فِي مَالٍ حَتَّى يَحُول عَلَيْهِ الْحَوْل (١) .

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ، فَقَدْ وَافَقُوا الْمَالِكِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ فِي الأَْثْمَانِ، وَوَافَقُوا الشَّافِعِيَّةَ فِيمَا سِوَاهَا، لأَِنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا وَجَبَتْ فِي الأَْثْمَانِ عِنْدَهُمْ، لِكَوْنِهَا ثَمَنًا، بِخِلاَفِ غَيْرِهَا مِنَ الأَْمْوَال الأُْخْرَى.

أَمَّا إِذَا بَاعَ نِصَابًا لِلزَّكَاةِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، كَإِبِلٍ بِبَقَرٍ، فَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى انْقِطَاعِ الْحَوْل وَاسْتِئْنَافِ حَوْلٍ جَدِيدٍ، إِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا فِرَارًا مِنَ الزَّكَاةِ. (٢)

وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاةٌ) .

تَغْيِيرُ الزَّوْجِ أَوِ الزَّوْجَةِ فِي النِّكَاحِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ وَالدِّينِ:

٨ - إِذَا خَطَبَ الرَّجُل امْرَأَةً بِعَيْنِهَا، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ أُوجِبَ لَهُ النِّكَاحُ فِي غَيْرِهَا، وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهَا الَّتِي خَطَبَهَا فَقَبِل، فَلاَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ.

_________

(١) حديث: " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " أخرجه الترمذي (٣ / ٢٥ - ٢٦ ط مصطفى الحلبي) وابن ماجه (١ / ٥٧١ ط عيسى الحلبي) واللفظ له. وأخرجه البيهقي (٤ / ٩٥ ط دار المعرفة) . عن علي بن أبي طالب وعائشة ﵄. وقال ابن حجر: حديث علي لا بأس بإسناده والآثار تعضده فيصلح للحجة. (التلخيص الحبير ٢ / ١٥٦ط المكتبة الأثرية) .

(٢) البدائع ٢ / ١٥، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢١، وجواهر الإكليل ١ / ١٢٠ والقوانين الفقهية ص ١١٤ والمغني لابن قدامة ٢ / ١٧٥، ومغني المحتاج ١ / ٣٧٩.