الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢
الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِل، وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ (١) وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لاَ يَغْتَسِل رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدْهُنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ لاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِْمَامُ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُْخْرَى (٢) .
التَّطَيُّبُ لِصَلاَةِ الْعِيدِ:
٧ - يُنْدَبُ لِلرَّجُل قَبْل خُرُوجِهِ لِصَلاَةِ الْعِيدِ أَنْ يَتَطَيَّبَ بِمَا لَهُ رِيحٌ لاَ لَوْنَ لَهُ، وَبِهَذَا قَال الْجُمْهُورُ (٣) .
أَمَّا النِّسَاءُ فَلاَ بَأْسَ بِخُرُوجِهِنَّ غَيْرِ مُتَطَيِّبَاتٍ وَلاَ لاَبِسَاتٍ ثِيَابَ زِينَةٍ أَوْ شُهْرَةٍ، لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلاَتٍ (٤) وَالْمُرَادُ بِالتَّفِلاَتِ: غَيْرُ الْمُتَطَيِّبَاتِ.
_________
(١) حديث: " إن هذا يوم عيد جعله الله للمسلمين فمن جاء إلى الجمعة. . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٤٩ ط. عيسى الحلبي) . والشافعي (بدائع المغني للساعاتي ١ / ١٥٤ ط دار الأنوار) . قال المنذري: إسناده حسن (الترغيب والترهيب) (٢ / ٨٣ ط. التجارية) .
(٢) حديث: " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر. . . " أخرجه البخاري (٢ / ٣٧٠ ط. السلفية) .
(٣) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ١٦٨ ط مصطفى الحلبي، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٣٩٨، ونهاية المحتاج ٢ / ٣٨٢ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٧٠، ٣٧٥، ٣٧٦، وكشاف القناع ٢ / ٥٢ ط الرياض.
(٤) حديث: " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله. . . ". أخرجه أبو داود (١ / ٣٨١ ط. عبيد دعاس) . وأحمد (٢ / ٤٣٨ ط. الكتاب الإسلامي) واللفظ له. قال الهيثمي: إسناده حسن. (مجمع الزوائد ٢ / ٣٣ ط دار الكتاب العربي) .
تَطَيُّبُ الصَّائِمِ:
٨ - يُبَاحُ لِلصَّائِمِ أَنْ يَتَطَيَّبَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (١) . وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ التَّطَيُّبُ لِلصَّائِمِ الْمُعْتَكِفِ، وَيُكْرَهُ لِلصَّائِمِ غَيْرِ الْمُعْتَكِفِ. قَال الدَّرْدِيرُ: لأَِنَّ الْمُعْتَكِفَ مَعَهُ مَانِعٌ يَمْنَعُهُ مِمَّا يُفْسِدُ اعْتِكَافَهُ، وَهُوَ لُزُومُهُ الْمَسْجِدَ وَبُعْدُهُ عَنِ النِّسَاءِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ لِلصَّائِمِ تَرْكُ شَمِّ الرَّيَاحِينِ وَلَمْسِهَا. وَالْمُرَادُ أَنْوَاعُ الطِّيبِ، كَالْمِسْكِ وَالْوَرْدِ وَالنَّرْجِسِ، إِذَا اسْتَعْمَلَهُ نَهَارًا لِمَا فِيهَا مِنَ التَّرَفُّهِ، وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لَيْلًا، وَلَوْ دَامَتْ رَائِحَتُهُ فِي النَّهَارِ، كَمَا فِي الْمُحْرِمِ (٣) .
وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ، فَقَالُوا: يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ شَمُّ مَا لاَ يَأْمَنُ أَنْ يَجْذِبَهُ نَفَسُهُ إِلَى حَلْقِهِ كَسَحِيقِ مِسْكٍ، وَكَافُورٍ، وَدُهْنٍ وَنَحْوِهَا، كَبَخُورِ عُودٍ وَعَنْبَرٍ (٤) .
تَطَيُّبُ الْمُعْتَكِفِ:
٩ - يَجُوزُ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَتَطَيَّبَ نَهَارًا أَوْ لَيْلًا بِأَنْوَاعِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤١٧.
(٢) حاشية الدسوقي ١ / ٥٤٩.
(٣) شرح المنهج والحاشية ٢ / ٣٢٩، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج ٤ / ٥٨.
(٤) كشاف القناع ٢ / ٣٣٠ ط النصر الحديثة.
الطِّيبِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، إِلاَّ فِي رِوَايَةٍ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَال: إِنَّهُ لاَ يُعْجِبُنِي أَنْ يَتَطَيَّبَ. وَذَلِكَ لأَِنَّ الاِعْتِكَافَ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ مَكَانًا، فَكَانَ تَرْكُ الطِّيبِ فِيهِ مَشْرُوعًا كَالْحَجِّ (١) .
وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّطَيُّبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُل مَسْجِدٍ﴾ (٢) .
التَّطَيُّبُ فِي الْحَجِّ:
١٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّطَيُّبَ أَثْنَاءَ الإِْحْرَامِ فِي الْبَدَنِ أَوِ الثَّوْبِ مَحْظُورٌ. أَمَّا التَّطَيُّبُ لِلإِْحْرَامِ قَبْل الدُّخُول فِيهِ فَهُوَ مَسْنُونٌ اسْتِعْدَادًا لِلإِْحْرَامِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ (٣) لِمَا رُوِيَ مِنْ كَرَاهَتِهِ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَابْنِ عُمَرَ ﵃، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ.
وَدَلِيل سُنِّيَّةِ التَّطَيُّبِ فِي الْبَدَنِ لِلإِْحْرَامِ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: كُنْت أُطَيِّبُ رَسُول اللَّهِ ﷺ لإِِحْرَامِهِ قَبْل أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْل أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ (٤) وَعَنْهَا ﵂
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ١١٦، ١١٧، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٤٩، ومواهب الجليل للحطاب ٢ / ٤٦٢ ط بيروت، ونهاية المحتاج ٣ / ٢١٤، والمغني لابن قدامة ٣ / ٢٠٥ ط الرياض.
(٢) سورة الأعراف / ٣١.
(٣) بداية المجتهد ١ / ٣٤١ ط الكليات الأزهرية بمصر.
(٤) حديث: " كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه. . . " أخرجه البخاري (٣ / ٣٩٦ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٤٦ ط عيسى الحلبي) . واللفظ له.
قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ (١) الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَهُوَ مُحْرِمٌ (٢) . وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ جَوَازُ التَّطَيُّبِ بِمَا يَبْقَى جُرْمُهُ بَعْدَ الإِْحْرَامِ، لِصَرِيحِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الثَّانِي.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَحَظَرُوا بَقَاءَ جِرْمِ الطِّيبِ وَإِنْ ذَهَبَتْ رَائِحَتُهُ.
١١ - أَمَّا التَّطَيُّبُ فِي الثَّوْبِ لِلإِْحْرَامِ: فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ. فَلاَ يَضُرُّ بَقَاءُ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ فِي الثَّوْبِ اتِّفَاقًا قِيَاسًا لِلثَّوْبِ عَلَى الْبَدَنِ. لَكِنْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَزَعَ ثَوْبَ الإِْحْرَامِ أَوْ سَقَطَ عَنْهُ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى لُبْسِهِ مَا دَامَتِ الرَّائِحَةُ فِيهِ، بَل يُزِيل مِنْهُ الرَّائِحَةَ ثُمَّ يَلْبَسُهُ، وَهَذَا قَوْل سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَائِشَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ ﵃، وَالثَّوْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ.
وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيَّةُ بِحَدِيثَيْ عَائِشَةَ ﵂ السَّابِقَيْنِ
، وَهُمَا صَحِيحَانِ رَوَاهُمَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَقَالُوا: إِنَّ الطِّيبَ مَعْنًى يُرَادُ لِلاِسْتِدَامَةِ فَلَمْ يَمْنَعِ الإِْحْرَامَ مِنِ اسْتِدَامَتِهِ كَالنِّكَاحِ (٣)
_________
(١) الوبيص: البريق واللمعان.
(٢) حديث: " كأني أنظر إلى وبيص الطيب. . . " أخرجه البخاري (٣ / ٣٩٦ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٤٧ ط عيسى الحلبي) .
(٣) المجموع شرح المهذب ٧ / ٢٢١، ٢٢٢ ط المكتبة السلفية بالمدينة المنورة.
وَسَوَاءٌ فِيمَا ذُكِرَ الطِّيبُ الَّذِي يَبْقَى لَهُ جِرْمٌ بَعْدَ الإِْحْرَامِ وَالَّذِي لاَ يَبْقَى، وَسَوَاءٌ الرَّجُل وَالْمَرْأَةُ الشَّابَّةُ وَالْعَجُوزُ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ - إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّطَيُّبِ لِلإِْحْرَامِ فِي الثَّوْبِ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبَ إِحْرَامٍ مُطَيَّبًا؛ لأَِنَّهُ بِذَلِكَ يَكُونُ مُسْتَعْمِلًا لِلطِّيبِ فِي إِحْرَامِهِ بِاسْتِعْمَال الثَّوْبِ، وَهُوَ مَحْظُورٌ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَالْفَرْقُ: أَنَّ الطِّيبَ فِي الثَّوْبِ مُنْفَصِلٌ، أَمَّا فِي الْبَدَنِ فَهُوَ تَابِعٌ لَهُ، وَسُنِّيَّةُ التَّطَيُّبِ تَحْصُل بِتَطْيِيبِ الْبَدَنِ، فَأَغْنَى عَنْ تَجْوِيزِهِ فِي الثَّوْبِ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ إِنْ تَطَيَّبَ قَبْل الإِْحْرَامِ يَجِبُ عَلَيْهِ إِزَالَتُهُ عِنْدَ الإِْحْرَامِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، فَإِنْ بَقِيَ فِي الْبَدَنِ أَوِ الثَّوْبِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ شَيْءٌ مِنْ جِرْمِ الطِّيبِ - الَّذِي تَطَيَّبَ بِهِ قَبْل الإِْحْرَامِ - وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي الثَّوْبِ رَائِحَتُهُ، فَلاَ يَجِبُ نَزْعُ الثَّوْبِ لَكِنْ يُكْرَهُ اسْتِدَامَتُهُ وَلاَ فِدْيَةَ.
وَأَمَّا اللَّوْنُ: فَفِيهِ قَوْلاَنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْيَسِيرِ، وَأَمَّا الأَْثَرُ الْكَثِيرُ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ، وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ بِحَدِيثِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ قَال: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ
_________
(١) المرجع السابق ٧ / ٢١٨، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٦٢ ط المكتبة الإسلامية.
(٢) حاشية رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٤٨١.
مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ، كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ فِي جُبَّةٍ، بَعْدَمَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ (١) . فَاسْتَدَلُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى حَظْرِ الطِّيبِ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ (٢) .
وَيَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: إِنْ طَيَّبَ ثَوْبَهُ فَلَهُ اسْتِدَامَةُ لُبْسِهِ مَا لَمْ يَنْزِعْهُ، فَإِنْ نَزَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَلْبَسَهُ، فَإِنْ لَبِسَهُ افْتَدَى؛ لأَِنَّ الإِْحْرَامَ يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الطِّيبِ وَلُبْسَ الْمُطَيَّبِ دُونَ الاِسْتِدَامَةِ. وَكَذَلِكَ إِنْ نَقَل الطِّيبَ مِنْ مَوْضِعِ بَدَنِهِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ افْتَدَى؛ لأَِنَّهُ تَطَيَّبَ فِي إِحْرَامِهِ، وَكَذَا إِنْ تَعَمَّدَ مَسَّهُ أَوْ نَحَّاهُ مِنْ مَوْضِعِهِ ثُمَّ رَدَّهُ إِلَيْهِ، فَأَمَّا إِنْ عَرِقَ الطِّيبُ أَوْ ذَابَ بِالشَّمْسِ فَسَال مِنْ مَوْضِعِهِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ (٣)،
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ فَنُضَمِّدُ (٤) جِبَاهَنَا بِالْمِسْكِ
_________
(١) حديث: " أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات. . . . " أخرجه البخاري (٣ / ٣٩٣ ط. السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٣٧ ط. عيسى الحلبي) واللفظ له.
(٢) بداية المجتهد ٣ / ٣٤١.
(٣) المغني لابن قدامة ٣ / ٢٧٤، ٢٧٥، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٠٣، ٣٠٤.
(٤) أي: نضعه على جباهنا. والحديث دليل على استحباب تطيب المرأة عند الإحرام كالرجل.
الْمُطَيِّبِ عِنْدَ الإِْحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَال عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهَا النَّبِيُّ ﷺ فَلاَ يَنْهَانَا (١) .
١٢ - وَأَمَّا التَّطَيُّبُ بَعْدَ الإِْحْرَامِ، فَإِنَّهُ يَحْظُرُ عَلَى الْمُحْرِمِ اسْتِعْمَالُهُ فِي ثِيَابِهِ وَبَدَنِهِ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال وَلاَ تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ مَا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ (٢) وَلِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال فِي شَأْنِ الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ لاَ تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَفِي لَفْظٍ لاَ تُحَنِّطُوهُ (٣) وَوَجْهُهُ: أَنَّهُ لَمَّا مُنِعَ الْمَيِّتُ مِنَ الطِّيبِ لإِِحْرَامِهِ، فَالْحَيُّ أَوْلَى. وَمَتَى تَطَيَّبَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ؛ لأَِنَّهُ اسْتَعْمَل مَا حَرَّمَهُ الإِْحْرَامُ وَلَوْ لِلتَّدَاوِي، وَلِقَوْلِهِ ﷺ: الْمُحْرِمُ: الأَْشْعَثُ الأَْغْبَرُ (٤) . وَالطِّيبُ يُنَافِي الشَّعَثَ.
_________
(١) حديث: " كنا نخرج مع النبي ﷺ إلى مكة فنضمد جباهنا بالمسك. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٤١٤ ط عبيد دعاس) . والبيهقي (٥ / ٤٨ ط. دار المعرفة) . وقال الأرناؤوط إسناده حسن (جامع الأصول ٣ / ٣٦ ط. دار البيان) .
(٢) حديث: " ولا تلبسوا من الثياب ما مسه ورس. . . " أخرجه البخاري (٣ / ٤٠١ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٨٣٤ ط عيسى الحلبي)، وأحمد (٢ / ٦٣ ط المكتب الإسلامي) واللفظ له.
(٣) قال في شأن المحرم الذي وقصته ناقته " لا تمسوه بطيب " وفي لفظ " لا تحنطوه ". أخرجه البخاري (٤ / ٦٣ - ٦٤ ط السلفية) . ومسلم (٢ / ٨٦٦ ط. عيسى الحلبي) .
(٤) حديث: " المحرم الأشعث الأغبر. . " ذكره ابن قدامة في المغني (٣ / ٣٢٠) ط الرياض بلفظ " إن المحرم الأشعث الأغبر " ولم أعثر على من أخرجه بهذا اللفظ. ولكن أخرج الترمذي (٥ / ٢٢٥ ط مصطفى الحلبي) . بمعناه عن ابن عمر قال: قام رجل إلى النبي ﷺ فقال: من الحاج يا رسول الله؟: الشعث التفل وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار. . . ثم قال: ورجال أحمد رجال الصحيح. (مجمع الزوائد ٣ / ٢١٨ ط دار الكتاب العربي) .
وَيَجِبُ الْفِدَاءُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (١) . وَالشَّافِعِيَّةِ (٢)، وَالْحَنَابِلَةِ (٣)، لأَِيِّ تَطَيُّبٍ مِمَّا هُوَ مَحْظُورٌ، دُونَ تَقْيِيدٍ بِأَنْ يُطَيِّبَ عُضْوًا كَامِلًا أَوْ مِقْدَارًا مِنَ الثَّوْبِ مُعَيَّنًا. وَإِنَّمَا وَجَبَتِ الْفِدْيَةُ قِيَاسًا عَلَى الْحَلْقِ، لأَِنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٤) .
وَلِمَا وَرَدَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لَهُ، حِينَ رَأَى هَوَامَّ رَأْسِهِ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟ قَال: قُلْتُ: نِعْمَ قَال: فَاحْلِقْ، وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِين، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً (٥)
وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ تَطَيُّبٍ وَتَطَيُّبٍ، فَقَالُوا: تَجِبُ شَاةٌ إِنْ طَيَّبَ الْمُحْرِمُ عُضْوًا كَامِلًا، مِثْل
_________
(١) حاشية الدسوقي والشرح الكبير ٢ / ٦١ - ٦٣، وشرح الزرقاني ٢ / ٢٩٨ - ٢٩٩.
(٢) المجموع ٧ / ٢٦٩ - ٢٧٤ ط المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٢٥، ٣٣٣ ط. مصطفى الحلبي بمصر.
(٣) مطالب أولي النهى ٢ / ٣٣١.
(٤) سورة البقرة / ١٩٦.
(٥) حديث: " أيؤذيك هوام رأسك؟ . . . " أخرجه البخاري (٧ / ٤٥٧ ط. السلفية) .
الرَّأْسِ وَالْيَدِ وَالسَّاقِ، أَوْ مَا بَلَغَ عُضْوًا كَامِلًا لَوْ جُمِعَ. وَالْبَدَنُ كُلُّهُ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ إِنِ اتَّحَدَ الْمَجْلِسُ، وَإِنْ تَفَرَّقَ الْمَجْلِسُ فَلِكُل طِيبٍ كَفَّارَةٌ إِنْ شَمِل عُضْوًا وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ، سَوَاءٌ كَفَّرَ لِلأَْوَّل أَمْ لاَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَال مُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَوْ فَدَى وَلَمْ يَزَل الطِّيبُ لَزِمَهُ فِدْيَةٌ أُخْرَى؛ لأَِنَّ ابْتِدَاءَهُ كَانَ مَحْظُورًا، فَيَكُونُ لِبَقَائِهِ حُكْمُ ابْتِدَائِهِ.
وَوَجْهُ وُجُوبِ الشَّاةِ: أَنَّ الْجِنَايَةَ تَتَكَامَل بِتَكَامُل الاِرْتِفَاقِ، وَذَلِكَ فِي الْعُضْوِ الْكَامِل فَيَتَرَتَّبُ كَمَال الْمُوجِبِ.
وَإِنْ طَيَّبَ أَقَل مِنْ عُضْوٍ: فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِنِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، لِقُصُورِ الْجِنَايَةِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الطِّيبُ كَثِيرًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ. وَقَال مُحَمَّدٌ: يَقُومُ مَا يَجِبُ فِيهِ الدَّمُ فَيَتَصَدَّقُ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، حَتَّى لَوْ طَيَّبَ رُبْعَ عُضْوٍ فَعَلَيْهِ مِنَ الصَّدَقَةِ قَدْرُ رُبُعِ شَاةٍ، وَهَكَذَا؛ لأَِنَّ تَطْيِيبَ عُضْوٍ كَامِلٍ ارْتِفَاقٌ كَامِلٌ، فَكَانَ جِنَايَةً كَامِلَةً، فَيُوجِبُ كَفَّارَةً كَامِلَةً، وَتَطْيِيبُ مَا دُونَ الْعُضْوِ الْكَامِل ارْتِفَاقٌ قَاصِرٌ، فَيُوجِبُ كَفَّارَةً قَاصِرَةً، إِذِ الْحُكْمُ يَثْبُتُ عَلَى قَدْرِ السَّبَبِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الطِّيبُ كَثِيرًا فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ اسْتِمْرَارَ الطِّيبِ لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ، بَل يَجِبُ بِمُجَرَّدِ التَّطَيُّبِ (١) .
وَأَمَّا تَطْيِيبُ الثَّوْبِ فَتَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ عِنْدَ
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٢٠٠ - ٢٠٢، والهداية بهامش فتح القدير ٢ / ٤٣٨، ٤٣٩ ط. دار إحياء التراث العربي / بيروت.
الْحَنَفِيَّةِ بِشَرْطَيْنِ:
أَوَّلُهُمَا: أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا، وَهُوَ مَا يَصْلُحُ أَنْ يُغَطِّيَ مِسَاحَةً تَزِيدُ عَلَى شِبْرٍ فِي شِبْرٍ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَمِرَّ نَهَارًا، أَوْ لَيْلَةً.
فَإِنِ اخْتَل أَحَدُ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ وَجَبَتِ الصَّدَقَةُ، وَإِنِ اخْتَل الشَّرْطَانِ وَجَبَ التَّصَدُّقُ بِقَبْضَةٍ مِنْ قَمْحٍ (١) .
وَالأَْصْل فِي حَظْرِ تَطْيِيبِ الثَّوْبِ وَلُبْسِهِ بَعْدَ الإِْحْرَامِ قَوْلُهُ ﷺ: لاَ تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ وَلاَ الْوَرْسُ (٢) .
وَالْمُحْرِمُ - ذَكَرًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ - مَمْنُوعٌ مِنِ اسْتِعْمَال الطِّيبِ فِي إِزَارِهِ أَوْ رِدَائِهِ وَجَمِيعِ ثِيَابِهِ، وَفِرَاشِهِ وَنَعْلِهِ، حَتَّى لَوْ عَلَقَ بِنَعْلِهِ طِيبٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ لِنَزْعِهِ، وَلاَ يَضَعُ عَلَيْهِ ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوْ الزَّعْفَرَانُ أَوْ نَحْوُهُمَا مِنْ صِبْغٍ لَهُ طِيبٌ (٣) .
وَاسْتِعْمَال الطِّيبِ هُوَ: أَنْ يُلْصِقَ الطِّيبَ بِبَدَنِهِ أَوْ مَلْبُوسِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ الطِّيبِ، مِمَّا يُقْصَدُ مِنْهُ رِيحُهُ غَالِبًا وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ، كَمِسْكٍ أَوْ عُودٍ، وَكَافُورٍ، وَوَرْسٍ، وَزَعْفَرَانٍ،
_________
(١) بدائع الصنائع ٢ / ١٨٩، ١٩٠ طبعة أولى.
(٢) حديث: إلا تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران ولا الورس " سبق تخريجه ف / ١٢.
(٣) الاختيار ١ / ١٤٥ ط دار المعرفة، ونهاية المحتاج ١ / ٢١٠ ط. مصطفى الحلبي بمصر.