الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢
وَرَيْحَانٍ، وَوَرْدٍ، وَيَاسَمِينَ، وَنَرْجِسٍ، وَآسٍ، وَسَوْسَنٍ، وَمَنْثُورٍ، وَنَمَّامٍ، وَغَيْرِ مَا ذُكِرَ، مِمَّا يُتَطَيَّبُ بِهِ، وَيُتَّخَذُ مِنْهُ الطِّيبُ، أَوْ يَظْهَرُ فِيهِ هَذَا الْغَرَضُ (١)
١٣ - وَيُكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ شَمُّ الطِّيبِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُكْرَهُ شَمُّ الطِّيبِ مُذَكَّرُهُ وَمُؤَنَّثُهُ دُونَ مَسٍّ (٢) . وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ: فَقَالُوا: يَحْرُمُ تَعَمُّدُ شَمِّ الطِّيبِ كَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَنَحْوِهِمَا، مِمَّا يُتَطَيَّبُ بِشَمِّهِ كَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينَ. فَإِنْ فَعَل الْمُحْرِمُ ذَلِكَ وَجَبَ الْفِدَاءُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ فِيمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ فِي أَصْلِهِ، وَعَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي الْوَرْدِ: لاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ فِي شَمِّهِ، لأَِنَّهُ زَهْرٌ شَمُّهُ عَلَى جِهَتِهِ، أَشْبَهَ زَهْرَ سَائِرِ الشَّجَرِ، وَالأَْوْلَى تَحْرِيمُهُ؛ لأَِنَّهُ يَنْبُتُ لِلطِّيبِ وَيُتَّخَذُ مِنْهُ، أَشْبَهَ الزَّعْفَرَانَ، وَالْعَنْبَرَ (٣) .
مَا يُبَاحُ مِنَ الطِّيبِ وَمَا لاَ يُبَاحُ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحْرِمِ:
١٤ - قَال ابْنُ قُدَامَةَ: النَّبَاتُ الَّذِي تُسْتَطَابُ
_________
(١) المجموع شرح المهذب ٧ / ٢٦٩ وما بعدها ط. المكتبة الإسلامية بالمدينة المنورة، والخرشي على مختصر خليل ٢ / ٣٥٢.
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٤٨٧ ط. مصطفى الحلبي بمصر الطبعة الثانية، والمجموع شرح المهذب ٧ / ٢٧٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٩، وشرح الزرقاني ٢ / ٢٩٦ ط دار الفكر.
(٣) مطالب أولي النهى ٢ / ٣٣١ ط المكتب الإسلامي بدمشق، والمغني لابن قدامة ٣ / ٣١٦، ٣٢٣ ط. مكتبة الرياض الحديثة بالرياض.
رَائِحَتُهُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ:
أَحَدُهَا: مَا لاَ يَنْبُتُ لِلطِّيبِ وَلاَ يُتَّخَذُ مِنْهُ كَنَبَاتِ الصَّحْرَاءِ مِنَ الشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ، وَالْخُزَامَى، وَالْفَوَاكِهِ كُلِّهَا، مِنَ الأُْتْرُجِّ، وَالتُّفَّاحِ وَالسَّفَرْجَل، وَغَيْرِهِ، وَمَا يُنْبِتُهُ الآْدَمِيُّونَ لِغَيْرِ قَصْدِ الطِّيبِ، كَالْحِنَّاءِ، وَالْعُصْفُرِ، وَهَذَانِ يُبَاحُ شَمُّهُمَا وَلاَ فِدْيَةَ فِيهِمَا بِلاَ خِلاَفٍ، غَيْرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشُمَّ شَيْئًا مِنْ نَبَاتِ الأَْرْضِ، مِنَ الشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ (١) وَغَيْرِهِمَا، وَقَدْ " رُوِيَ أَنَّ أَزْوَاجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ كُنَّ يُحْرِمْنَ فِي الْمُعَصْفَرَاتِ ".
الثَّانِي: مَا يُنْبِتُهُ الآْدَمِيُّونَ لِلطِّيبِ وَلاَ يُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ، كَالرَّيْحَانِ الْفَارِسِيِّ وَالنَّرْجِسِ، وَالْبَرَمِ (٢)، وَفِيهِ وَجْهَانِ،
أَحَدُهُمَا: يُبَاحُ بِغَيْرِ فِدْيَةٍ، قَالَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَإِسْحَاقُ. وَالآْخَرُ: يَحْرُمُ شَمُّهُ، فَإِنْ فَعَل فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَهُوَ قَوْل جَابِرٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لأَِنَّهُ يُتَّخَذُ لِلطِّيبِ، فَأَشْبَهَ الْوَرْدَ (٣) .
الثَّالِثُ: مَا يَنْبُتُ لِلطِّيبِ، وَيُتَّخَذُ مِنْهُ طِيبٌ، كَالْوَرْدِ، وَالْبَنَفْسَجِ، وَالْخَيْرِيِّ (٤) وَهَذَا إِذَا
_________
(١) القيصوم: نبات له رائحة كالشيح.
(٢) البرم: نبات طيب الرائحة.
(٣) المغني لابن قدامة ٣ / ٣١٥.
(٤) الخيري: نبات طيب الزهر.
اسْتَعْمَلَهُ الْمُحْرِمُ وَشَمَّهُ فَفِيهِ الْفِدْيَةُ، لأَِنَّ الْفِدْيَةَ تَجِبُ فِيمَا يُتَّخَذُ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ فِي أَصْلِهِ (١) . وَإِنْ مَسَّ الْمُحْرِمُ مِنَ الطِّيبِ مَا يَعْلَقُ بِبَدَنِهِ، كَالْغَالِيَةِ وَمَاءِ الْوَرْدِ، وَالْمِسْكِ الْمَسْحُوقِ الَّذِي يَعْلَقُ بِأَصَابِعِهِ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ؛ لأَِنَّهُ مُسْتَعْمِلٌ لِلطِّيبِ. وَإِنْ مَسَّ مَا لاَ يَعْلَقُ بِيَدِهِ، كَالْمِسْكِ غَيْرِ الْمَسْحُوقِ، وَقِطَعِ الْكَافُورِ، وَالْعَنْبَرِ، فَلاَ فِدْيَةَ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَعْمَلٍ لِلطِّيبِ. فَإِنْ شَمَّهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لأَِنَّهُ يُسْتَعْمَل هَكَذَا، وَإِنْ شَمَّ الْعُودَ (أَيْ خَشَبَ الْعُودِ) فَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُتَطَيَّبُ بِهِ (٢)
تَطَيُّبُ الْمُحْرِمِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا:
١٥ - إِنْ تَطَيَّبَ الْمُحْرِمُ نَاسِيًا فَلاَ فِدْيَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٣)، فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ، وَالثَّوْرِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ (٤)
وَإِنْ أَخَّرَ ذَلِكَ عَنْ زَمَنِ الإِْمْكَانِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ
_________
(١) المغني لابن قدامة ٣ / ٣١٦.
(٢) المرجع السابق.
(٣) نهاية المحتاج ٣ / ٣٢٥، والمجموع شرح المهذب ٧ / ٢٨٠، والمغني لابن قدامة ٣ / ٥٠١، ٥٠٢، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٦٣.
(٤) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩ ط. عيسى الحلبي) . وصححه السيوطي (فيض القدير ٦ / ٣٦٢ ط. المكتبة التجارية) .
عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَى النَّاسِي أَيْضًا: بِخَبَرِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ ﵁ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَعَلَيْهِ أَثَرُ خَلُوقٍ، أَوْ قَال: أَثَرُ صُفْرَةٍ. فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ قَال: اخْلَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ، وَاغْسِل أَثَرَ الْخَلُوقِ عَنْكَ. أَوْ قَال: الصُّفْرَةِ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ (١) فَدَل ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَذَرَهُ لِجَهْلِهِ، وَالنَّاسِي فِي مَعْنَاهُ، وَلَهُ غَسْل الطِّيبِ بِيَدِهِ بِلاَ حَائِلٍ، لِعُمُومِ أَمْرِهِ ﷺ بِغَسْلِهِ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْ أَحْمَدَ فَقَالُوا: يَجِبُ دَمٌ عَلَى الْمُحْرِمِ الْبَالِغِ وَلَوْ نَاسِيًا إِنْ طَيَّبَ عُضْوًا كَامِلًا، أَوْ مَا يَبْلُغُ عُضْوًا لَوْ جُمِعَ (٢) .
تَطَيُّبُ الْمَبْتُوتَةِ:
١٦ - يَحْرُمُ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا التَّطَيُّبُ لِوُجُوبِ الإِْحْدَادِ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّهَا مُعْتَدَّةُ بَائِنٍ مِنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهِيَ كَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٣)، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ (٤)،
_________
(١) حديث: " اخلع عنك الجبة واغسل. . . " أخرجه البخاري (٣ / ٦١٤ ط السلفية) . ومسلم (٢ / ٨٣٦ ط. عيسى الحلبي) .
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٢٠٠، ٢٠١، والعدوي على الخرشي ٢ / ٣٥٣، والمغني ٣ / ٥٠٢.
(٣) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٦١٧.
(٤) نهاية المحتاج ٧ / ١٤١ - ١٤٣.
وَالْحَنَابِلَةِ (١) . أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ (٢) فَقَالُوا: إِنَّ التَّطَيُّبَ لاَ يَحْرُمُ إِلاَّ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، وَمَنْ فِي حُكْمِهَا وَهِيَ: زَوْجَةُ الْمَفْقُودِ الْمَحْكُومِ بِفَقْدِهِ. لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (٣)
وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لاَ يَحْرُمُ التَّطَيُّبُ؛ لأَِنَّ الإِْحْدَادَ لاَ يَجِبُ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ يَحِل لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ أَنْ تَحُدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (٤) وَهَذِهِ عِدَّةُ الْوَفَاةِ، فَدَل عَلَى أَنَّ الإِْحْدَادَ يَجِبُ فِيهَا فَقَطْ. وَالْمُطَلَّقَةُ بَائِنًا مُعْتَدَّةٌ عَنْ غَيْرِ وَفَاةٍ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا الإِْحْدَادُ كَالرَّجْعِيَّةِ؛ وَلأَِنَّ الْمُطَلَّقَةَ بَائِنًا فَارَقَهَا زَوْجُهَا بِاخْتِيَارِ نَفْسِهِ وَقَطَعَ نِكَاحَهَا، فَلاَ مَعْنَى لِتَكْلِيفِهَا الْحُزْنَ عَلَيْهِ، فَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَطَيَّبَ.
وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ الْمُطَلَّقَةَ طَلْقَةً وَاحِدَةً بَائِنَةً، وَقَالُوا: يَلْزَمُهَا تَرْكُ التَّطَيُّبِ؛ لأَِنَّهُ يَلْزَمُهَا الْحِدَادُ، وَلَوْ أَمَرَهَا الْمُطَلِّقُ بِتَرْكِهِ؛ لأَِنَّهُ حَقُّ الشَّرْعِ (٥) .
_________
(١) المغني لابن قدامة ٧ / ٥١٨، ٥١٩.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٤٧٨، ٤٧٩.
(٣) سورة البقرة / ٢٣٤.
(٤) حديث: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ١٤٦ ط السلفية) من حديث أم حبيبة ﵂.
(٥) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٦١٧.
تَطَيُّرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّطَيُّرُ فِي اللُّغَةِ: التَّشَاؤُمُ. يُقَال: تَطَيَّرَ بِالشَّيْءِ، وَمِنَ الشَّيْءِ: تَشَاءَمَ بِهِ. وَالاِسْمُ الطِّيَرَةُ. جَاءَ فِي فَتْحِ الْبَارِي: التَّطَيُّرُ، وَالتَّشَاؤُمُ شَيْءٌ وَاحِدٌ (١) .
وَالْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْتَلِفُ عَنِ اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْفَأْل:
٢ - الْفَأْل ضِدُّ الطِّيَرَةِ، يُقَال: تَفَاءَل الرَّجُل: إِذَا تَيَمَّنَ بِسَمَاعِ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ (٢) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنِ الطِّيَرَةِ: أَنَّ الْفَأْل يُسْتَعْمَل فِيمَا يُسْتَحَبُّ، وَالتَّطَيُّرُ فِيمَا يُكْرَهُ غَالِبًا.
ب - الْكِهَانَةُ:
٣ - الْكِهَانَةُ: ادِّعَاءُ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَالإِْخْبَارُ بِمَا سَيَحْدُثُ فِي الْمُسْتَقْبَل مَعَ الإِْسْنَادِ إِلَى سَبَبٍ (٣) .
_________
(١) مختار الصحاح مادة: " طير "، وفتح الباري ١٠ / ٢١٣.
(٢) متن اللغة مادة: " فأل ".
(٣) فتح الباري ١٠ / ٢١٢ - ٢١٦.
أَصْل التَّطَيُّرِ:
٤ - أَصْل التَّطَيُّرِ: أَنَّ الْعَرَبَ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا خَرَجَ أَحَدُهُمْ لأَِمْرٍ قَصَدَ إِلَى عُشِّ طَائِرٍ، فَيُهَيِّجُهُ، فَإِذَا طَارَ الطَّيْرُ يَمْنَةً تَيَمَّنَ بِهِ، وَمَضَى فِي الأَْمْرِ، وَيُسَمُّونَهُ " السَّانِحَ ". أَمَّا إِذَا طَارَ يَسْرَةً تَشَاءَمَ بِهِ، وَرَجَعَ عَمَّا عَزَمَ عَلَيْهِ، وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ " الْبَارِحَ ". فَأَبْطَل الإِْسْلاَمُ ذَلِكَ وَنَهَى عَنْهُ، وَأَرْجَعَ الأَْمْرَ إِلَى سُنَنِ اللَّهِ الثَّابِتَةِ، وَإِلَى قَدَرِهِ الْمُحِيطِ، وَمَشِيئَتِهِ الْمُطْلَقَةِ (١)، جَاءَ فِي الأَْثَرِ الصَّحِيحِ: مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ (٢) وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ.
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - إِنِ اعْتَقَدَ الْمُكَلَّفُ أَنَّ الَّذِي شَاهَدَهُ مِنْ حَال الطَّيْرِ مُوجِبٌ لِمَا ظَنَّهُ، مُؤَثِّرٌ فِيهِ، فَقَدْ كَفَرَ. لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّشْرِيكِ فِي تَدْبِيرِ الأُْمُورِ. أَمَّا إِذَا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ ﷾ هُوَ الْمُتَصَرِّفُ وَالْمُدَبِّرُ وَحْدَهُ، وَلَكِنَّهُ فِي نَفْسِهِ يَجِدُ شَيْئًا مِنَ الْخَوْفِ مِنَ الشَّرِّ؛ لأَِنَّ التَّجَارِبَ عِنْدَهُ قَضَتْ أَنَّ صَوْتًا مِنْ أَصْوَاتِ الطَّيْرِ، أَوْ حَالًا مِنْ حَالاَتِهِ يُرَادِفُهُ مَكْرُوهٌ، فَإِنْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ، وَإِنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ مِنَ الشَّرِّ، وَسَأَلَهُ الْخَيْرَ وَمَضَى مُتَوَكِّلًا عَلَى اللَّهِ، فَلاَ يَضُرُّهُ مَا وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ
_________
(١) المصدر السابق.
(٢) حديث: " من ردته الطيرة من حاجة فقد. . . ". أخرجه أحمد، وصحح إسناده أحمد شاكر (مسند أحمد بن حنبل بتحقيق أحمد شاكر ١٢ / ١٠ ط المعارف) .
ذَلِكَ، وَإِلاَّ فَيُؤَاخَذُ (١) . لِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَكِيمٍ. قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ: مِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ. قَال: ذَلِكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلاَ يَصُدَّنَّهُمْ (٢) .
هَذَا وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْل التَّوْحِيدِ عَلَى تَحْرِيمِ التَّطَيُّرِ، وَنَفْيِ تَأْثِيرِهِ فِي حُدُوثِ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الإِْشْرَاكِ بِاللَّهِ فِي تَدْبِيرِ الأُْمُورِ. وَالنُّصُوصُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: حَدِيثُ: لاَ عَدْوَى، وَلاَ طِيَرَةَ وَلاَ هَامَّةَ، وَلاَ صَفَرَ (٣)
أَمَّا الْفَأْل الْحَسَنُ فَهُوَ جَائِزٌ (٤)، وَجَاءَ فِي الأَْثَرِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَفَاءَل وَلاَ يَتَطَيَّرُ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَ يَا رَاشِدُ يَا رَجِيحُ (٥) . وَرُوِيَ عَنْهُ: لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْل الصَّالِحُ: الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ (٦) .
_________
(١) فتح الباري ١٠ / ٢١٥.
(٢) حديث: " معاوية بن حكم العلمي. . . " أخرجه مسلم (١ / ٣٨١ - ٣٨٢ ط عيسى البابي) .
(٣) حديث: " لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر "، أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٢١٤ ط. السلفية)، ومسلم (٤ / ١٧٤٢، ١٧٤٣ ط. عيسى الحلبي) .
(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٥٥.
(٥) الشطر الأول من الحديث " كان يتفاءل ولا يتطير " أخرجه أحمد (٤ / ٩٤ - ٩٥ ط. المعارف) وصحح أحمد شاكر إسناده. أما الشطر الثاني فقد أخرجه الترمذي بلفظ مقارب. وقال: هذا حديث حسن صحيح (سنن الترمذي ٤ / ١٦١ ط. مصطفى الحلبي) .
(٦) حديث: " لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٢١٤ ط. السلفية) .
وَالْفَأْل أَمَلٌ وَرَجَاءٌ لِلْخَيْرِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ كُل سَبَبٍ ضَعِيفٍ أَوْ قَوِيٍّ، بِخِلاَفِ الطِّيَرَةِ، فَهِيَ سُوءُ ظَنٍّ بِاللَّهِ، وَالْمُؤْمِنُ مَأْمُورٌ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ (١)، لِخَبَرِ قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ بِي خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ (٢) . وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (شُؤْمٌ) .
_________
(١) أسنى المطالب ١ / ٥٤٩، وروضة الطالبين ٣ / ٢٣٢.
(٢) حديث: قال الله تعإلى: " أنا عند ظن عبدي. . . . . ". أخرجه أحمد (٢ / ٣٩١ ط. المكتب الإسلامي)، وابن حبان في صحيحه (موارد الظمآن ص ٢٣٩٤ ط دار الكتب العلمية) .
تَعَارُضٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّعَارُضُ فِي اللُّغَةِ: التَّقَابُل. أَصْلُهُ مِنَ الْعَرْضِ وَهُوَ الْمَنْعُ. يُقَال: لاَ تَعْتَرِضْ لَهُ، أَيْ: لاَ تَمْنَعْهُ بِاعْتِرَاضِكَ أَنْ يَبْلُغَ مُرَادَهُ. وَمِنْهُ: الاِعْتِرَاضَاتُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْدِلَّةِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لأَِنَّهَا تَمْنَعُ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالدَّلِيل وَمِنْهُ: تَعَارُضُ الْبَيِّنَاتِ، لأَِنَّ كُل وَاحِدَةٍ تَعْتَرِضُ الأُْخْرَى وَتَمْنَعُ نُفُوذَهَا. وَمِنْهُ: تَعَارُضُ الأَْدِلَّةِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ، وَمَوْطِنُهُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
وَالتَّعَارُضُ اصْطِلاَحًا: التَّمَانُعُ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ مُطْلَقًا، بِحَيْثُ يَقْتَضِي أَحَدُهُمَا غَيْرَ مَا يَقْتَضِي الآْخَرُ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّنَاقُضُ:
٢ - التَّنَاقُضُ: هُوَ التَّدَافُعُ يُقَال: تَنَاقَضَ الْكَلاَمَانِ، أَيْ: تَدَافَعَا، كَأَنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا
_________
(١) المصباح المنير مادة: " عرض "، وحاشية البناني ٢ / ٣٥٧.