الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢
لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ قَبْل وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ. (١)
وَيَتَوَقَّفُ نَفَاذُ تِلْكَ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوَرِّثِ.
وَمَنْ وَقَفَ وَقْفًا مُسْتَقِلًّا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ عَلَيْهِ دَيْنًا، وَلَمْ يُمْكِنْ وَفَاءُ الدَّيْنِ إِلاَّ بِبَيْعِ شَيْءٍ مِنَ الْوَقْفِ، وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ، بِيعَ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَيُمْنَعُ مِنَ التَّبَرُّعِ أَيْضًا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ غَيْرِهِ، بِحَيْثُ لاَ يَفْضُل شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ.
جَاءَ فِي الْمَنْثُورِ: الْقُرُبَاتُ الْمَالِيَّةُ كَالْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ إِذَا فَعَلَهَا مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ غَيْرِهِ مِمَّا لاَ يَفْضُل عَنْ حَاجَتِهِ، يَحْرُمُ عَلَيْهِ فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ فَلاَ يَحِل تَرْكُهُ لِسُنَّةٍ. وَفِي الْقَوَاعِدِ لاِبْنِ رَجَبٍ: نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِيمَنْ تَبَرَّعَ بِمَالِهِ بِوَقْفٍ أَوْ صَدَقَةٍ وَأَبَوَاهُ مُحْتَاجَانِ: أَنَّ لَهُمَا رَدَّهُ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ مَنْ أَوْصَى لأَِجَانِبَ، وَلَهُ أَقَارِبُ مُحْتَاجُونَ، أَنَّ الْوَصِيَّةَ تُرَدُّ عَلَيْهِمْ. فَتَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَبَرَّعَ، وَعَلَيْهِ نَفَقَةٌ
_________
(١) حديث: " إن الله تصدق عليكم بوفاتكم بثلث أموالكم " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٩٠٤ ط. الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁، وفي إسناده ضعف، قال ابن حجر: طرقه كلها ضعيفة، لكن قد يقوي بعضها بعضا (بلوغ المرام ص ٢٢١ ط. عبد الحميد أحمد حنفي) .
وَاجِبَةٌ لِوَارِثٍ أَوْ دَيْنٍ - لَيْسَ لَهُ وَفَاءٌ - لَهُمَا رَدُّهُ (١) . وَكُل هَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَيُنْظَرُ فِي: (حَجْرٌ، تَبَرُّعٌ، هِبَةٌ، وَقْفٌ، وَصِيَّةٌ) .
هـ - التَّطَوُّعُ بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرُبَاتِ فِي الْمَعْصِيَةِ:
٤١ - لاَ يَجُوزُ التَّبَرُّعُ بِشَيْءٍ فِيهِ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ: -
لاَ تَصِحُّ إِعَارَةُ الصَّيْدِ لِمُحْرِمٍ بِالْحَجِّ (٢) . - لاَ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا هُوَ مُحَرَّمٌ، كَالْوَصِيَّةِ لِلْكَنِيسَةِ، وَالْوَصِيَّةِ بِالسِّلاَحِ لأَِهْل الْحَرْبِ. وَلاَ الْوَصِيَّةُ بِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ أَوْ بَيْتِ نَارٍ أَوْ عِمَارَتِهِمَا أَوِ الاِتِّفَاقِ عَلَيْهِمَا (٣) .
لاَ يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَلاَ عَلَى مَا هُوَ مُحَرَّمٌ كَالْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَكَتْبِ التَّوْرَاةِ وَالإِْنْجِيل. وَمَنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ لَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ بِالْوَقْفِ الْقُرْبَةُ. وَفِي وَقْفِ ذَلِكَ إِعَانَةٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ (٤) . وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْجُمْلَةِ.
_________
(١) البدائع ٧ / ١٧٤، والشرح الصغير ٢ / ٣١٢ ط الحلبي، والحطاب ٥ / ٦٠، ٦١، ونهاية المحتاج ٤ / ٣٥٥، ومغني المحتاج ٣ / ١٢٠، والمغني ٥ / ٦٣٣، ٦ / ٧١، والاختيارات الفقهية ص ١٧٩، والمنثور في القواعد ٣ / ٢٧٨، والقواعد لابن رجب ص ١٤.
(٢) البدائع ٦ / ٢١٤، ٢١٥، والفتاوى الهندية ٤ / ٣٧٢، والشرح الصغير ٢ / ٢٠٦ ط الحلبي، والمغني ٥ / ٢٢٥.
(٣) المهذب ١ / ٤٥٨، والمغني ٦ / ١٠٥.
(٤) الحطاب ٥ / ٢٣، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٦٥، والمغني ٥ / ٦٤٥.
وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي: (الْوَقْفُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْهِبَةُ، وَالتَّبَرُّعُ)
ثَالِثًا: مَا يَخُصُّ غَيْرَ الْعِبَادَاتِ (مِنْ أَحْكَامِ التَّطَوُّعِ):
الإِْيجَابُ وَالْقَبُول وَالْقَبْضُ:
٤٢ - مِنَ التَّطَوُّعَاتِ مَا يَحْتَاجُ إِلَى الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَذَلِكَ فِي عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ، مِثْل الْعَارِيَّةِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ لِمُعَيَّنٍ، وَكَذَا الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ - مَعَ اخْتِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، وَاخْتِلاَفِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ أَيْضًا - وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:
أ - الْعَارِيَّةُ
٤٣ - الإِْيجَابُ وَالْقَبُول رُكْنٌ فِي عَقْدِ الْعَارِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ يَحِل التَّعَاطِي مَحَل الإِْيجَابِ أَوِ الْقَبُول.
وَالْقَبْضُ لاَ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِي الْعَارِيَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهَا عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ عِنْدَهُمْ، وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ فِي الْعَارِيَّةِ فِي أَيِّ وَقْتٍ، سَوَاءٌ أَقَبَضَهَا الْمُسْتَعِيرُ أَمْ لَمْ يَقْبِضْهَا، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَحْصُل فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ؛ لأَِنَّهَا تُسْتَوْفَى شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكُلَّمَا اسْتَوْفَى شَيْئًا فَقَدْ قَبَضَهُ، وَالَّذِي لَمْ يَسْتَوْفِهِ لَمْ يَقْبِضْهُ، فَجَازَ الرُّجُوعُ فِيهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الرُّجُوعُ فِي حَالٍ يَسْتَضِرُّ بِهِ الْمُسْتَعِيرُ، كَإِعَارَةِ
أَرْضٍ لِزِرَاعَةٍ أَوْ دَفْنِ مَيِّتٍ. وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ عِنْدَهُمْ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي: (عَارِيَّةٌ) .
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَالإِْعَارَةُ عَقْدٌ لاَزِمٌ عِنْدَهُمْ، فَهِيَ تُفِيدُ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَلاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا قَبْل الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ، أَوْ قَبْل إِمْكَانِ الاِنْتِفَاعِ بِالْمُسْتَعَارِ إِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً (١) . وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ كَذَلِكَ.
ب - الْهِبَةُ:
٤٤ - الإِْيجَابُ وَالْقَبُول رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْهِبَةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. أَمَّا الْقَبْضُ فَلاَ بُدَّ مِنْهُ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ لَوْ ثَبَتَ بِدُونِهِ لَلَزِمَ الْمُتَبَرِّعَ شَيْءٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ، وَهُوَ التَّسَلُّمُ، فَلاَ تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ بَل بِالْقَبْضِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ. فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَال: " وَاللَّهِ، يَا بُنَيَّةُ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلاَ أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَّدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَال وَارِثٍ (٢) .
_________
(١) الهداية ٣ / ٢٢٠، والمهذب ١ / ٣٧٠، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٩٣، وجواهر الإكليل ٢ / ١٤٦.
(٢) عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أنها قالت: " إن أبا بكر الصديق كان نحلها جاد عشرين وسقا من ماله ". . . أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٧٥٢ - ط الجمل) .
وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ هُوَ رَأْيُ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ. قَال الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: الْمِلْكُ فِي الْمَوْهُوبِ لاَ يَثْبُتُ بِدُونِ الْقَبْضِ، وَكَذَا صَرَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ: أَنَّ الْقَبْضَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْهِبَةِ كَالإِْيجَابِ فِي غَيْرِهَا، وَكَلاَمُ الْخِرَقِيِّ يَدُل عَلَيْهِ.
وَالرَّأْيُ الآْخَرُ لِلْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْهِبَةَ تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ، فَيَصِحُّ التَّصَرُّفُ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فِيهَا قَبْل الْقَبْضِ، كَذَا فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ، وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي الإِْنْصَافِ.
وَعَلَى رَأْيِ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَمَنْ رَأَى رَأْيَهُمْ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا قَبْل الْقَبْضِ؛ لأَِنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ لَمْ يَتِمَّ. وَلَكِنَّهُ عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ يَكُونُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ قَال: إِنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: تُمْلَكُ الْهِبَةُ بِالْقَبُول عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلِلْمُتَّهِبِ طَلَبُهَا مِنَ الْوَاهِبِ إِنَ امْتَنَعَ وَلَوْ عِنْدَ حَاكِمٍ، لِيُجْبِرَهُ عَلَى تَمْكِينِ الْوَهُوبِ لَهُ مِنْهَا. لَكِنْ قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الْقَبُول وَالْحِيَازَةُ مُعْتَبَرَانِ فِي الْهِبَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْقَبُول رُكْنٌ وَالْحِيَازَةَ شَرْطٌ. أَيْ فِي تَمَامِهَا، فَإِنْ عُدِمَ لَمْ تَلْزَمْ، وَإِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً.
عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ لَوْ تَمَّتْ بِالْقَبْضِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ كَانَتْ لأَِجْنَبِيٍّ، أَيْ غَيْرِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الرَّجُل
أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا (١) أَمَّا عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا بَعْدَ الْقَبْضِ، إِلاَّ الْوَالِدُ فِيمَا يَهَبُ لِوَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ (٢) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ. (٣)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (هِبَةٌ) .
ج - الْوَصِيَّةُ لِمُعَيَّنٍ:
٤٥ - مِنْ أَرْكَانِ الْوَصِيَّةِ الإِْيجَابُ مِنَ الْمُوصِي وَالْقَبُول مِنَ الْمُوصَى لَهُ الْمُعَيَّنِ، لَكِنَّ الْقَبُول لاَ يُعْتَبَرُ إِلاَّ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَلاَ يُفِيدُ الْقَبُول قَبْل مَوْتِهِ؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّةَ عَقْدٌ غَيْرُ لاَزِمٍ، وَالْمُوصِي يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِي وَصِيَّتِهِ مَا دَامَ حَيًّا، وَبِالْقَبُول يَمْلِكُ الْمُوصَى لَهُ الْمُوصَى بِهِ، وَلاَ يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ عَلَى الْقَبْضِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - غَيْرَ زُفَرَ - وَالْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. أَمَّا عِنْدَ زُفَرَ فَرُكْنُ الْوَصِيَّةِ هُوَ الإِْيجَابُ فَقَطْ مِنَ الْمُوصِي،
_________
(١) حديث: " الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٩٨ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁، وقال البوصيري: في إسناده إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وهو ضعيف.
(٢) الاختيار ٣ / ٤٨، والهداية ٣ / ٢٢٤ - ٢٢٧، والدسوقي ٤ / ١٠١، والشرح الصغير ٢ / ٣١٢ ط الحلبي، وأسنى المطالب ٢ / ٤٧٨، ٤٨٢، والمهذب ١ / ٤٥٤، وكشاف القناع ٤ / ٢٩٨، ٣٠٠ - ٣٠١، ٣١٢، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٥١٩.
(٣) حديث: " العائد في هبته كالعائد في قيئه " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٢٣٤ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٤ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عباس ﵄.
وَيَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ كَالإِْرْثِ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي (وَصِيَّةٌ) .
د - الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ:
٤٦ - الإِْيجَابُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْوَقْفِ، سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَمْ لَمْ يَكُنْ. أَمَّا الْقَبُول: فَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مُعَيَّنٍ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لاَ يَفْتَقِرُ الْوُقُوفُ عَلَى مُعَيَّنٍ إِلَى الْقَبُول؛ لأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ يَمْنَعُ الْبَيْعَ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْقَبُول كَالْعِتْقِ، أَمَّا الْقَبْضُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَمُحَمَّدٍ: الْقَبْضُ شَرْطٌ (٢) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (وَقْفٌ) .
_________
(١) البدائع ٧ / ٣٣١، ٣٤٢، ٣٧٨، والاختيار ٥ / ٦٥، والهداية ٤ / ٢٣٣ - ٢٣٤، والدسوقي ٤ / ٤٢٣ - ٤٢٤، والشرح الصغير ٢ / ٤٦٦ ط الحلبي، وأسنى المطالب ٣ / ٤٣، والمهذب ١ / ٤٥٩، وكشاف القناع ٤ / ٣٤٤، ٣٤٨.
(٢) ابن عابدين ٣ / ٣٦٠، ٣٦٤ - ٣٦٥، والاختيار ٣ / ٤٢، والدسوقي ٤ / ٧٨، ٨٨، والشرح الصغير ٢ / ٣٠٠، وأسنى المطالب ٢ / ٤٦٣، وكشاف القناع ٤ / ٢٥٢.
تَطَيُّبٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّطَيُّبُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ تَطَيَّبَ، وَهُوَ التَّعَطُّرُ. وَالطِّيبُ هُوَ: الْعِطْرُ، وَهُوَ مَا لَهُ رَائِحَةٌ مُسْتَلَذَّةٌ، كَالْمِسْكِ وَالْكَافُورِ وَالْوَرْدِ وَالْيَاسَمِينِ وَالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرَانِ (١) . وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
٢ - وَالطِّيبُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:: مُذَكَّرٌ، وَمُؤَنَّثٌ.
فَالْمُذَكَّرُ: مَا يَخْفَى أَثَرُهُ، أَيْ تَعَلُّقُهُ بِمَا مَسَّهُ مِنْ ثَوْبٍ أَوْ جَسَدٍ، وَيَظْهَرُ رِيحُهُ. وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْوَاعُ الرَّيَاحِينِ، وَالْوَرْدِ، وَالْيَاسَمِينِ. وَأَمَّا الْمِيَاهُ الَّتِي تُعْصَرُ مِمَّا ذُكِرَ فَلَيْسَ مِنْ قَبِيل الْمُؤَنَّثِ.
وَالْمُؤَنَّثُ: هُوَ مَا يَظْهَرُ لَوْنُهُ وَأَثَرُهُ، أَيْ تَعَلُّقُهُ بِمَا مَسَّهُ تَعَلُّقًا شَدِيدًا كَالْمِسْكِ، وَالْكَافُورِ، وَالزَّعْفَرَانِ (٢) .
_________
(١» لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح مادة: " طيب "، ورد المحتار على الدر المختار ٢ / ٢٧٥، والمجموع شرح المهذب ٧ / ٢٧٤، ومغني المحتاج ١ / ٥٢٠.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٥٩ ط عيسى الحلبي بمصر.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّزَيُّنُ:
٣ - التَّزَيُّنُ: هُوَ اتِّخَاذُ الزِّينَةِ، وَهِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُل شَيْءٍ يُتَزَيَّنُ بِهِ، فَالتَّزَيُّنُ مَا يَحْسُنُ بِهِ مَنْظَرُ الإِْنْسَانِ (١) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - الأَْصْل سُنِّيَّةُ التَّطَيُّبِ، وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِحَسَبِ الأَْحْوَال، عَلَى مَا سَيَأْتِي.
تَطَيُّبُ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ:
٥ - يُسَنُّ التَّطَيُّبُ، لِخَبَرِ أَبِي أَيُّوبَ ﵁ مَرْفُوعًا أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحِنَّاءُ، وَالتَّعَطُّرُ، وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكَاحُ (٢) وَلِقَوْل الرَّسُول ﷺ حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ دُنْيَاكُمُ: النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاَةِ (٣) وَالطِّيبُ
_________
(١) لسان العرب، والصحاح، والمصباح المنير مادة: " زين ".
(٢) حديث: " أربع من سنن المرسلين: الحناء، والتعطر، والسواك، والنكاح ". أخرجه الترمذي (٣ / ٣٨٢ ط. مصطفى الحلبي)، وأحمد (٥ / ٤٢١ ط. المكتب الإسلامي)، والبغوي في شرح السنة (٩ / ٥ ط. المكتب الإسلامي)، وضعفه الأرنؤوط (شرح السنة ٩ / ٥ ط. المكتب الإسلامي) .
(٣) حديث: " حبب إلي من دنياكم: النساء والطيب. . . ". أخرجه أحمد (٣ / ١٢٨ ط. المكتب الإسلامي) والحاكم والبيهقي. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وقال الحافظ العراقي: إسناده جيد. وقال ابن حجر: حسن. (فيض القدير ٣ / ٣٧٠) .
يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُل دَاخِل بَيْتِهِ وَخَارِجَهُ، بِمَا يَظْهَرُ رِيحُهُ وَيَخْفَى لَوْنُهُ، كَبَخُورِ الْعَنْبَرِ وَالْعُودِ.
وَيُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا بِمَا يَظْهَرُ لَوْنُهُ وَيَخْفَى رِيحُهُ، لِخَبَرٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ طِيبُ الرِّجَال مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ، وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا خَفِيَ رِيحُهُ وَظَهَرَ لَوْنُهُ (١) وَلأَِنَّهَا مَمْنُوعَةٌ فِي غَيْرِ بَيْتِهَا مِمَّا يَنِمُّ عَلَيْهَا، لِحَدِيثِ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ، فَمَرَّتْ بِقَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ (٢) وَفِي بَيْتِهَا تَتَطَيَّبُ بِمَا شَاءَتْ، مِمَّا يَخْفَى أَوْ يَظْهَرُ، لِعَدَمِ الْمَانِعِ.
التَّطَيُّبُ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ:
٦ - يُنْدَبُ التَّطَيُّبُ لِصَلاَةِ الْجُمُعَةِ بِلاَ خِلاَفٍ (٣) . لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ جَاءَ مِنْكُمْ إِلَى
_________
(١) حديث: " طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي. . . ". أخرجه أحمد (٢ / ٥٤١ ط. المكتب الإسلامي)، وأبو داود (٢ / ٦٢٥ ط عبيد الدعاس)، والترمذي (٤ / ١٠٧ ط. مصطفى الحلبي) . واللفظ له. وقال: هذا حديث حسن.
(٢) حديث: " أيما امرأة استعطرت. . . " أخرجه أحمد (٤ / ٤١٤، ٤١٨ ط. المكتب الإسلامي)، والترمذي (٥ / ١٠٦ ط. مصطفى الحلبي) . بنحوه، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
(٣) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٥٤٧ ط دار إحياء التراث العربي. بيروت. وجواهر الإكليل ١ / ١٣، ٩٦، ونهاية المحتاج ٢ / ٢٦٢ ط مصطفى الحلبي بمصر، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٤٩، وكشاف القناع ٢ / ٤٢ ط الرياض.