الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢ الصفحة 28

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢

إِذَا كَانَ الْخَاتِنُ أَوِ الطَّبِيبُ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ، وَلَمْ يُخْطِئْ فِي فِعْلِهِ. فَإِذَا كَانَ أَخْطَأَ فِي فِعْلِهِ - وَالْحَال أَنَّهُ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ - فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ عُوقِبَ وَفِي كَوْنِ الدِّيَةِ عَلَى عَاقِلَتِهِ أَوْ فِي مَالِهِ قَوْلاَنِ:

الأَْوَّل: لاِبْنِ الْقَاسِمِ.

وَالثَّانِي: لِمَالِكٍ. وَهُوَ الرَّاجِحُ لأَِنَّ فِعْلَهُ عَمْدٌ، وَالْعَاقِلَةُ لاَ تَحْمِل الْعَمْدَ (١) .

وَفِي الْقُنْيَةِ: سُئِل مُحَمَّدُ نَجْمُ الدِّينِ عَنْ صَبِيَّةٍ سَقَطَتْ مِنْ سَطْحٍ، فَانْفَتَحَ رَأْسُهَا، فَقَال كَثِيرٌ مِنَ الْجَرَّاحِينَ: إِنْ شَقَقْتُمْ رَأْسَهَا تَمُوتُ. وَقَال وَاحِدٌ مِنْهُمْ: إِنْ لَمْ تَشُقُّوهُ الْيَوْمَ تَمُوتُ، وَأَنَا أَشُقُّهُ وَأُبْرِئُهَا، فَشَقَّهُ فَمَاتَتْ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. هَل يَضْمَنُ؟ فَتَأَمَّل مَلِيًّا ثُمَّ قَال: لاَ، إِذَا كَانَ الشَّقُّ بِإِذْنٍ، وَكَانَ الشَّقُّ مُعْتَادًا، وَلَمْ يَكُنْ فَاحِشًا خَارِجَ الرَّسْمِ (أَيِ الْعَادَةِ) . قِيل لَهُ: فَلَوْ قَال: إِنْ مَاتَتْ فَأَنَا ضَامِنٌ، هَل يَضْمَنُ؟ فَتَأَمَّل مَلِيًّا، ثُمَّ قَال: لاَ. فَلَمْ يُعْتَبَرْ شَرْطُ الضَّمَانِ؛ لأَِنَّ شَرْطَهُ عَلَى الأَْمِينِ بَاطِلٌ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى (٢) .

وَفِي مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ: مَنِ اسْتُؤْجِرَ عَلَى عَبْدٍ يَحْجُمُهُ، أَوْ عَلَى دَابَّةٍ يُبَزِّغُهَا، فَفَعَل ذَلِكَ فَعَطِبَا بِفِعْلِهِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ أَصْل الْعَمَل

_________

(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٢٨.

(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٦٤.

كَانَ مَأْذُونًا فِيهِ، فَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ لاَ يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ إِلاَّ إِذَا تَعَدَّى، فَحِينَئِذٍ يَضْمَنُ.

وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي يَدِهِ أَكِلَةٌ، فَاسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَقْطَعَ يَدَهُ فَمَاتَ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ (١) .

وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِيَقْلَعَ ضِرْسًا لِمَرِيضٍ، فَأَخْطَأَ، فَقَلَعَ غَيْرَ مَا أُمِرَ بِقَلْعِهِ ضَمِنَهُ؛ لأَِنَّهُ مِنْ جِنَايَتِهِ (٢) .

وَإِنْ أَخْطَأَ الطَّبِيبُ، بِأَنْ سَقَى الْمَرِيضَ دَوَاءً لاَ يُوَافِقُ مَرَضَهُ، أَوْ زَلَّتْ يَدُ الْخَاتِنِ أَوِ الْقَاطِعِ فَتَجَاوَزَ فِي الْقَطْعِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْمَعْرِفَةِ وَلَمْ يَغُرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَذَلِكَ خَطَأٌ (أَيْ تَتَحَمَّلُهُ عَاقِلَتُهُ) إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَقَل مِنَ الثُّلُثِ فَفِي مَالِهِ. وَإِنْ كَانَ لاَ يُحْسِنُ، أَوْ غُرَّ مِنْ نَفْسِهِ فَيُعَاقَبُ (٣) . وَمَنْ أَمَرَ خَتَّانًا لِيَخْتِنَ صَبِيًّا، فَفَعَل الْخَتَّانُ ذَلِكَ فَقَطَعَ حَشَفَتَهُ، وَمَاتَ الصَّبِيُّ مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَى عَاقِلَةِ الْخَتَّانِ نِصْفُ دِيَةٍ؛ لأَِنَّ الْمَوْتَ حَصَل بِفِعْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: مَأْذُونٌ فِيهِ، وَهُوَ قَطْعُ الْقُلْفَةِ.

وَالآْخَرُ: غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، وَهُوَ قَطْعُ الْحَشَفَةِ، فَيَجِبُ نِصْفُ الضَّمَانِ.

أَمَّا إِذَا بَرِئَ، جُعِل قَطْعُ الْجِلْدَةِ - وَهُوَ مَأْذُونٌ فِيهِ - كَأَنْ لَمْ يَكُنْ، وَقَطْعُ الْحَشَفَةِ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِيهِ، فَوَجَبَ ضَمَانُ الْحَشَفَةِ كَامِلًا، وَهُوَ الدِّيَةُ (٤) .

_________

(١) مختصر الطحاوي ١٢٩.

(٢) المغني لابن قدامة ٥ / ٥٤٣ م الرياض الحديثة، ومنهاج الطالبين ٣ / ٧٠.

(٣) جواهر الإكليل ٢ / ١٩١.

(٤) ابن عابدين ٥ / ٤٠٠.

تَطْبِيقٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّطْبِيقُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ طَبَّقَ، وَمِنْ مَعَانِيهِ: الْمُسَاوَاةُ وَالتَّعْمِيمُ وَالتَّغْطِيَةُ قَال فِي الْمِصْبَاحِ: وَأَصْل الطَّبَقِ: الشَّيْءُ عَلَى مِقْدَارِ الشَّيْءِ مُطْبِقًا لَهُ مِنْ جَمِيع جَوَانِبه كَالْغِطَاءِ لَهُ وَيُقَال: طَبَّقَ السَّحَابُ الْجَوَّ: إِذَا غَشَّاهُ، وَطَبَّقَ الْمَاءُ وَجْهَ الأَْرْضِ: إِذَا غَطَّاهُ، وَطَبَّقَ الْغَيْمُ: عَمَّ بِمَطَرِهِ (١) .

وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ: أَنْ يَجْعَل الْمُصَلِّي بَطْنَ إِحْدَى كَفَّيْهِ عَلَى بَطْنِ الأُْخْرَى، وَيَجْعَلُهُمَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ وَفَخِذَيْهِ (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ كَرَاهَةَ التَّطْبِيقِ فِي الرُّكُوعِ. وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ

_________

(١) أساس البلاغة للزمخشري، والقاموس المحيط، والصحاح، والمصباح المنير مادة: " طبق ".

(٢) المبدع في شرح المقنع ١ / ٤٤٦ ط المكتب الإسلامي، والمجموع للنووي ٣ / ٤٠٧ ط المنيرية، ونيل الأوطار ٢ / ٢٤٤ ط العثمانية.

مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَال: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ أَبِي، فَطَبَّقْتُ بَيْنَ كَفَّيَّ، ثُمَّ وَضَعْتُهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ، فَنَهَانِي أَبِي وَقَال: كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ، وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ. (١)

وَمِنَ الْمَعْرُوفِ أَنَّ قَوْل الصَّحَابِيِّ: كُنَّا نَفْعَل، وَأُمِرْنَا وَنُهِينَا، مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ مَرْفُوعٌ (٢) .

وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ لأَِنَسٍ ﵁: إِذَا رَكَعْتَ فَضَعْ يَدَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، وَفَرِّجْ بَيْنَ أَصَابِعِكَ. (٣)

قَال النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: وَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ وَصَاحِبَاهُ عَلْقَمَةُ وَالأَْسْوَدُ إِلَى أَنَّ السُّنَّةَ التَّطْبِيقُ، فَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَْسْوَدِ أَنَّهُمَا دَخَلاَ عَلَى

_________

(١) حديث مصعب قال: " صليت إلى جنب أبي فطبقت بين كفي. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٢٧٣ ط السلفية)، ومسلم (١ / ٣٨٠ ط الحلبي) واللفظ للبخاري.

(٢) البناية ٢ / ١٧٨، ١٧٩ ط دار الفكر، والمجموع ٣ / ٤١١، وكشاف القناع ١ / ٣٤٦ ط مكتبة النصر الإسلامية، والكافي لابن عبد البر ١ / ٢٠٣ نشر مكتبة الرياض، وعمدة القاري ٦ / ٦٣ ط المنيرية، وصحيح مسلم بشرح النووي ٥ / ١٥ ط المطبعة المصرية بالأزهر، ونيل الأوطار ٢ / ٢٢٤ ط العثمانية.

(٣) حديث: " إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك. . . " أخرجه ابن عدي في الكامل من حديث أنس (الكامل ٦ / ٢٠٨٦ ط دار الفكر) وأعله براويه، وهو كثير بن عبد الله الناجي الأبلي.

عَبْدِ اللَّهِ ﵁ فَقَال: أُصَلِّي مِنْ خَلْفِكُمْ؟ قَالاَ: نَعَمْ. فَقَامَ بَيْنَهُمَا وَجَعَل أَحَدَهُمَا عَنْ يَمِينِهِ، وَالآْخَرَ عَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ رَكَعْنَا، فَوَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا، فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا، ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَعَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى قَال: هَكَذَا فَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ. (١)

قَال الْعَيْنِيُّ: وَأَخَذَ بِذَلِكَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ. وَعَلَّل النَّوَوِيُّ فِعْلَهُمْ: بِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّاسِخُ، وَهُوَ حَدِيثُ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ الْمُتَقَدِّمُ (٢) .

_________

(١) حديث علقمة والأسود وغيرهما فقال: " أصلى من خلفكم؟ " أخرجه (مسلم ١ / ٣٧٩ - ٣٨٠ ط الحلبي) .

(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ٥ / ١٥ - ١٧، وعمدة القاري ٦ / ٦٤، والمجموع ٣ / ٤١١، والبناية ٢ / ١٧٨.

تَطَفُّلٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّطَفُّل فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ تَطَفَّل. يُقَال: هُوَ مُتَطَفِّلٌ فِي الأَْعْرَاسِ وَالْوَلاَئِمِ أَيْ: هُوَ طُفَيْلِيٌّ. قَال الأَْصْمَعِيُّ: الطُّفَيْلِيُّ: هُوَ الَّذِي يَدْخُل عَلَى الْقَوْمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْعُوَهُ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى.

فَقَدْ عَرَّفَهُ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: بِدُخُول الشَّخْصِ لِمَحَل غَيْرِهِ لِتَنَاوُل طَعَامِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَلاَ عَلِمَ رِضَاهُ، أَوْ ظَنَّهُ بِقَرِينَةٍ مُعْتَبَرَةٍ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الضَّيْفُ:

٢ - الضَّيْفُ فِي اللُّغَةِ: النَّزِيل الزَّائِرُ. وَأَصْلُهُ مَصْدَرُ ضَافَ، وَلِذَا يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿قَال إِنَّ هَؤُلاَءِ ضَيْفِي

_________

(١) المصباح المنير، ولسان العرب، وتاج العروس، ومحيط المحيط، ومتن اللغة، ومختار الصحاح مادة: " طفل ".

(٢) نهاية المحتاج ٦ / ٣٧٧.

فَلاَ تَفْضَحُونِ﴾ (١) وَتَجُوزُ الْمُطَابَقَةُ، فَيُقَال: هَذَانِ ضَيْفَانِ

أَمَّا (الضَّيْفَنُ) فَهُوَ مَنْ يَجِيءُ مَعَ الضَّيْفِ مُتَطَفِّلًا، فَالضَّيْفَنُ أَخَصُّ مِنَ الطُّفَيْلِيِّ، وَيُطْلَقُ عَلَى الدَّاخِل عَلَى الْقَوْمِ فِي شَرَابِهِمْ بِلاَ دَعْوَةٍ (الْوَاغِل) . (٢) وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: الضَّيْفُ: هُوَ مَنْ حَضَرَ طَعَامَ غَيْرِهِ بِدَعْوَتِهِ وَلَوْ عُمُومًا، أَوْ بِعِلْمِ رِضَاهُ وَضِدُّ الضَّيْفِ الطُّفَيْلِيُّ (٣) .

ب - الْفُضُولِيُّ:

٣ - الْفُضُولِيُّ: مِنَ الْفُضُول، جَمْعُ فَضْلٍ. وَقَدِ اسْتُعْمِل الْجَمْعُ اسْتِعْمَال الْفَرْدِ فِيمَا لاَ خَيْرَ فِيهِ. وَلِهَذَا نُسِبَ إِلَيْهِ عَلَى لَفْظِهِ، فَقِيل فُضُولِيٌّ: لِمَنْ يَشْتَغِل بِمَا لاَ يَعْنِيهِ وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ التَّصَرُّفُ عَنِ الْغَيْرِ بِلاَ إِذْنٍ وَلاَ وِلاَيَةٍ. وَأَظْهَرُ مَا يَكُونُ فِي الْعُقُودِ. أَمَّا التَّطَفُّل فَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ فِي الْمَادِّيَّاتِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الْمَعْنَوِيَّاتِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلتَّطَفُّل:

٤ - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ

_________

(١) سورة الحجر / ٦٨.

(٢) محيط المحيط، والمصباح المنير.

(٣) محيط المحيط، والمصباح المنير، وقليوبي وعميرة ٣ / ٣٩٨.

الْمُتَبَادَرُ مِنْ أَقْوَال الْحَنَفِيَّةِ - أَنَّ حُضُورَ طَعَامِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ، وَبِغَيْرِ عِلْمِ رِضَاهُ حَرَامٌ، بَل يُفَسَّقُ بِهِ إِنْ تَكَرَّرَ. لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ دَخَل عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَل سَارِقًا، وَخَرَجَ مُغِيرًا (١) فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ دُخُولَهُ عَلَى الطَّعَامِ الَّذِي لَمْ يُدْعَ إِلَيْهِ بِدُخُول السَّارِقِ الَّذِي يَدْخُل بِغَيْرِ إِرَادَةِ الْمَالِكِ، لأَِنَّهُ اخْتَفَى بَيْنَ الدَّاخِلِينَ. وَشَبَّهَ خُرُوجَهُ بِخُرُوجِ مَنْ نَهَبَ قَوْمًا، وَخَرَجَ ظَاهِرًا بَعْدَمَا أَكَل. بِخِلاَفِ الدُّخُول، فَإِنَّهُ دَخَل مُخْتَفِيًا، خَوْفًا مِنْ أَنْ يُمْنَعَ، وَبَعْدَ الْخُرُوجِ قَدْ قَضَى حَاجَتَهُ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى التَّسَتُّرِ (٢) .

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ مِنَ التَّطَفُّل: أَنْ يُدْعَى عَالِمٌ أَوْ صُوفِيٌّ، فَيَحْضُرُ جَمَاعَتُهُ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الدَّاعِي وَلاَ عِلْمِ رِضَاهُ بِذَلِكَ.

وَيَرَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: أَنَّهُ إِذَا عُرِفَ مِنْ حَال الْمَدْعُوِّ أَنَّهُ لاَ يَحْضُرُ إِلاَّ وَمَعَهُ أَحَدٌ مِمَّنْ يُلاَزِمُهُ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ كَالإِْذْنِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (دَعْوَةٌ) . (٣)

_________

(١) حديث: " من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ١٢٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عبد الله بن عمر ﵄. وأعله أبو داود بجهالة أحد رواته.

(٢) قليوبي وعميرة ٣ / ٢٩٨، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٦٩، والخرشي ٣ / ١٣٩، ١٤٠، ونيل الأوطار للشوكاني ٤ / ١٧٥، ١٨٠ ط المطبعة العثمانية المصرية سنة ١٣٥٧ هـ.

(٣) الدسوقي ٢ / ٣٣٨، وكشاف القناع ٥ / ١٨٠، وحاشية القليوبي ٣ / ٢٩٨.

شَهَادَةُ الطُّفَيْلِيِّ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الطُّفَيْلِيَّ - إِنْ تَكَرَّرَ تَطَفُّلُهُ - تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ؛ وَلأَِنَّهُ يَأْكُل مُحَرَّمًا، وَيَفْعَل مَا فِيهِ سَفَهٌ وَدَنَاءَةٌ وَذَهَابُ مُرُوءَةٍ.

قَال ابْنُ الصَّبَّاغِ: وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ تَكَرُّرُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ شُبْهَةٌ حَتَّى يَمْنَعَهُ صَاحِبُ الطَّعَامِ، وَإِذَا تَكَرَّرَ صَارَ دَنَاءَةً وَقِلَّةَ مُرُوءَةٍ (١) .

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ٣٢٦، وابن عابدين ٤ / ٣٨١، والفتاوى الهندية ٣ / ٤٦٩، والزيلعي ٤ / ٣٣٣، والخرشي ٣ / ١٧٩، ٣ / ٩٧٧، وروضة الطالبين ١١ / ٢٣٢، والمغني ٩ / ١٨١.

تَطْفِيفٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّطْفِيفُ لُغَةً: الْبَخْسُ فِي الْكَيْل وَالْوَزْنِ. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (١) فَالتَّطْفِيفُ: نَقْصٌ يَخُونُ بِهِ صَاحِبَهُ فِي كَيْلٍ أَوْ وَزْنٍ (٢) .

وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

التَّوْفِيَةُ:

٢ - تَوْفِيَةُ الشَّيْءِ: بَذْلُهُ وَافِيًا (٣) .

فَالتَّطْفِيفُ ضِدُّ التَّوْفِيَةِ (٤) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - التَّطْفِيفُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْخِيَانَةِ وَأَكْل الْمَال بِالْبَاطِل، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ الْمُرُوءَةِ.

_________

(١) سورة المطففين / ١.

(٢) لسان العرب، وتاج العروس، والصحاح مادة: " طفف ".

(٣) المفردات للراغب الأصفهاني، والصحاح مادة: " وفى ".

(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٨٩٥ ط عيسى الحلبي.