الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢
وَمِنْ ثَمَّ عَظَّمَ اللَّهُ أَمْرَ الْكَيْل وَالْوَزْنِ، وَأَمَرَ بِالْوَفَاءِ فِيهِمَا فِي عِدَّةِ آيَاتٍ، فَقَال سُبْحَانَهُ: ﴿أَوْفُوا الْكَيْل وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَْرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (١) وَقَال تَعَالَى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْل إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ (٢) كَمَا تَوَعَّدَ اللَّهُ الْمُطَفِّفِينَ بِالْوَيْل، وَهَدَّدَهُمْ بِعَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقَال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلاَ يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ . (٣)
وَفِي الْحَدِيثِ: خَمْسٌ بِخَمْسٍ، قِيل: يَا رَسُول اللَّهِ وَمَا خَمْسٌ بِخَمْسٍ؟ قَال: مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إِلاَّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ، وَمَا حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَل اللَّهُ إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الْفَقْرُ، وَمَا ظَهَرَتْ فِيهِمُ الْفَاحِشَةُ إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلاَ طَفَّفُوا الْكَيْل إِلاَّ مُنِعُوا النَّبَاتَ وَأُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَلاَ مَنَعُوا الزَّكَاةَ إِلاَّ حُبِسَ
_________
(١) سورة الشعراء / ١٨٢ - ١٨٣.
(٢) سورة الإسراء / ٣٥.
(٣) سورة المطففين / ١ - ٦، وانظر الزواجر ١ / ٢٠٠ ط المطبعة الأزهرية، والكبائر للذهبي ص ١٦٢ ط مؤسسة علوم القرآن، والحسبة في الإسلام لابن تيمية ص ١٣ نشر المكتبة العلمية، وتفسير القرطبي ٧ / ٢٤٨.
عَنْهُمُ الْمَطَرُ. (١)
قَال نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمُرُّ بِالْبَائِعِ فَيَقُول لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، أَوْفِ الْكَيْل وَالْوَزْنَ، فَإِنَّ الْمُطَفِّفِينَ يُوقَفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُلْجِمَهُمُ الْعَرَقُ.
وَنَقَل ابْنُ حَجَرٍ تَصْرِيحَ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ، وَاسْتَظْهَرَهُ (٢) .
مَنْعُ التَّطْفِيفِ، وَتَدَابِيرُهُ:
٤ - مِمَّا يَتَأَكَّدُ عَلَى الْمُحْتَسِبِ: الْمَنْعُ مِنَ التَّطْفِيفِ وَالْبَخْسُ فِي الْمَكَايِيل وَالْمَوَازِينِ وَالصَّنَجَاتِ. فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ الْكَيَّالِينَ وَالْوَزَّانِينَ وَيُخَوِّفَهُمْ عُقُوبَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْبَخْسِ وَالتَّطْفِيفِ. وَمَتَى ظَهَرَ لَهُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِيَانَةٌ عَزَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَشْهَرَهُ، حَتَّى يَرْتَدِعَ بِهِ غَيْرُهُ (٣) .
وَإِذَا وَقَعَ فِي التَّطْفِيفِ تَخَاصُمٌ جَازَ أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ الْمُحْتَسِبُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ التَّخَاصُمِ فِيهِ
_________
(١) حديث: " خمس بخمس. . . " أخرجه الطبراني في الكبير ١١ / ٤٥ ط الوطن العربي، قال المنذري: رواه الطبراني في الكبير وسنده قريب من الحسن وله شواهد (الترغيب والترهيب ١ / ٥٤٤ ط مصطفى الحلبي) .
(٢) التفسير الكبير للرازي ٣١ / ٨٨، ٨٩، وتفسير الخازن ٤ / ٣٥٩ ط دار المعرفة، والفتوحات الإلهية ٤ / ٥٠٢ ط مطبعة حجازي، والزواجر لابن حجر الهيثمي المكي ١ / ١٩٢.
(٣) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٩٩ ط دار الكتب العلمية، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٢٠ ط مطبعة السعادة، ومعالم القربة في أحكام الحسبة ص ٨٦ ط دار الفنون بكمبرج، والحسبة في الإسلام لابن تيمية ص ١٣.
تَجَاحُدٌ وَتَنَاكُرٌ. فَإِنْ أَفْضَى إِلَى التَّجَاحُدِ وَالتَّنَاكُرِ كَانَ الْقُضَاةُ أَحَقَّ بِالنَّظَرِ فِيهِ مِنْ وُلاَةِ الْحِسْبَةِ؛ لأَِنَّهُمْ بِالأَْحْكَامِ أَحَقُّ. وَكَانَ التَّأْدِيبُ فِيهِ إِلَى الْمُحْتَسِبِ.
فَإِنْ تَوَلاَّهُ الْحَاكِمُ جَازَ لاِتِّصَالِهِ بِحُكْمِهِ (١) .
وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ الْقَوْل فِي التَّدَابِيرِ الَّتِي تُتَّخَذُ لِلْحَيْلُولَةِ دُونَ التَّطْفِيفِ وَالْبَخْسِ فِي الْكَيْل وَالْوَزْنِ، مِنْ قِيَامِ الْمُحْتَسِبِ بِتَفَقُّدِ عِيَارِ الصَّنْجِ وَنَحْوِهَا عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَصْحَابِهَا، وَتَجْدِيدُ النَّظَرِ فِي الْمَكَايِيل وَرِعَايَةِ مَا يُطَفِّفُونَ بِهِ الْمِكْيَال وَمَا إِلَى ذَلِكَ (٢)، فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ فِي مَوَاطِنِهِ مِنْ كُتُبِ الْحِسْبَةِ، وَفِي مُصْطَلَحَيْ (حِسْبَةٌ، وَغِشٌّ) .
تَطَهُّرٌ
انْظُرْ: طَهَارَةٌ
تَطْهِيرٌ
انْظُرْ: طَهَارَةٌ
_________
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٠٠، وللماوردي ٢٢٠.
(٢) غاية الرتبة في طلب الحسبة ص ١٨ - ٢٠ ط دار الثقافة، ومعالم القربة في أحكام الحسبة ٨٣ - ٨٦ ط دار الفنون بكمبرج.
تَطَوُّعٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّطَوُّعُ: هُوَ التَّبَرُّعُ، يُقَال: تَطَوَّعَ بِالشَّيْءِ: تَبَرَّعَ بِهِ.
وَقَال الرَّاغِبُ: التَّطَوُّعُ فِي الأَْصْل: تَكَلُّفُ الطَّاعَةِ، وَهُوَ فِي التَّعَارُفِ: التَّبَرُّعُ بِمَا لاَ يَلْزَمُ كَالتَّنَفُّل (١) . قَال تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ . (٢)
وَالْفُقَهَاءُ عِنْدَمَا أَرَادُوا أَنْ يُعَرِّفُوا التَّطَوُّعَ، عَدَلُوا عَنْ تَعْرِيفِ الْمَصْدَرِ إِلَى تَعْرِيفِ مَا هُوَ حَاصِلٌ بِالْمَصْدَرِ، فَذَكَرُوا لَهُ فِي الاِصْطِلاَحِ ثَلاَثَةَ مَعَانٍ:
الأَْوَّل: أَنَّهُ اسْمٌ لِمَا شُرِعَ زِيَادَةً عَلَى الْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ، أَوْ مَا كَانَ مَخْصُوصًا بِطَاعَةٍ غَيْرِ وَاجِبَةٍ، أَوْ هُوَ الْفِعْل الْمَطْلُوبُ طَلَبًا غَيْرَ جَازِمٍ. وَكُلُّهَا مَعَانٍ مُتَقَارِبَةٌ. وَهَذَا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَالْمَشْهُورُ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح للجوهري، والنظم المستعذب في شرح غريب المهذب ١ / ٨٩، والمفردات للراغب الأصفهاني.
(٢) سورة البقرة / ١٨٤.
عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَهُوَ رَأْيُ الأُْصُولِيِّينَ مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ (١) .
وَالتَّطَوُّعُ بِهَذَا الْمَعْنَى يُطْلَقُ عَلَى: السُّنَّةِ وَالْمَنْدُوبِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالنَّفَل وَالْمُرَغَّبِ فِيهِ وَالْقُرْبَةِ وَالإِْحْسَانِ وَالْحَسَنِ، فَهِيَ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ.
الثَّانِي: أَنَّ التَّطَوُّعَ هُوَ مَا عَدَا الْفَرَائِضَ وَالْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنَ، وَهُوَ اتِّجَاهُ الأُْصُولِيِّينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، فَفِي كَشْفِ الأَْسْرَارِ: السُّنَّةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ الْمَسْلُوكَةُ فِي الدِّينِ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاضٍ وَلاَ وُجُوبٍ، وَأَمَّا حَدُّ النَّفْل - وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالْمَنْدُوبِ وَالْمُسْتَحَبِّ وَالتَّطَوُّعِ - فَقِيل: مَا فِعْلُهُ خَيْرٌ مِنْ تَرْكِهِ فِي الشَّرْعِ (٢) . . . إِلَخْ.
الثَّالِثُ: التَّطَوُّعُ: هُوَ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَقْلٌ بِخُصُوصِهِ، بَل يُنْشِئُهُ الإِْنْسَانُ ابْتِدَاءً، وَهُوَ اتِّجَاهُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (٣) .
هَذِهِ هِيَ الاِتِّجَاهَاتُ فِي مَعْنَى التَّطَوُّعِ
_________
(١) التعريفات للجرجاني، والبناية في شرح الهداية ٢ / ٥٢٧، وكشاف القناع ١ / ٤١١، والمجموع شرح المهذب ٤ / ٢، والكافي لابن عبد البر ١ / ٢٥٥، والحطاب ٢ / ٧٥، وجمع الجوامع ١ / ٨٩، وشرح الكوكب المنير / ١٢٦، ونهاية المحتاج ٢ / ١٠٠، وإرشاد الفحول ١ / ٦.
(٢) كشف الأسرار ٢ / ٣٠٢ نشر دار الكتاب العربي، وكشاف اصطلاحات الفنون مادتي: " طوع، ونفل ".
(٣) المواق بهامش الحطاب ٢ / ٦٦، ونهاية المحتاج ٢ / ١٠٠، ١٠١، وجمع الجوامع ١ / ٩٠
وَمَا يُرَادِفُهُ. غَيْرَ أَنَّ الْمُتَتَبِّعَ لِمَا ذَكَرَهُ الأُْصُولِيُّونَ مِنْ غَيْرِ الْحَنَفِيَّةِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ - بِمَا فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ - يَجِدُ أَنَّهُمْ يَتَوَسَّعُونَ بِإِطْلاَقِ التَّطَوُّعِ عَلَى مَا عَدَا الْفَرَائِضَ وَالْوَاجِبَاتِ، وَبِذَلِكَ يَكُونُ التَّطَوُّعُ وَالسُّنَّةُ وَالنَّفَل وَالْمَنْدُوبُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ أَلْفَاظًا مُتَرَادِفَةً، وَلِذَلِكَ قَال السُّبْكِيُّ: إِنَّ الْخِلاَفَ لَفْظِيٌّ (١) .
غَايَةُ الأَْمْرِ أَنَّ مَا يَدْخُل فِي دَائِرَةِ التَّطَوُّعِ بَعْضُهُ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ فِي الرُّتْبَةِ، فَأَعْلاَهُ هُوَ السُّنَّةُ الْمُؤَكَّدَةُ، كَالْعِيدَيْنِ، وَالْوِتْرِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. وَيَلِي ذَلِكَ الْمَنْدُوبُ أَوِ الْمُسْتَحَبُّ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَيَلِي ذَلِكَ مَا يُنْشِئُهُ الإِْنْسَانُ ابْتِدَاءً، لَكِنَّ كُل ذَلِكَ يُسَمَّى تَطَوُّعًا (٢) . وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِلرَّجُل - الَّذِي سَأَل بَعْدَمَا عَرَفَ فَرَائِضَ الصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ: هَل عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ فَقَال لَهُ: لاَ، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ (٣) .
_________
(١) البدائع ١ / ٢٨٥، ٢٨٦، ٢٩٠، ٢٩٨، والكافي لابن عبد البر ١ / ٢٥٥، والحطاب ٢ / ٧٥.
(٢) جمع الجوامع ١ / ٩٠، والكوكب المنير / ١٢٦، وإرشاد الفحول / ٦، ونهاية المحتاج ٢ / ١٠١، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٢٢، والكافي لابن عبد البر ١ / ٢٥٥.
(٣) حديث: " لا، إلا أن تطوع " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ١٠٦ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٤١ - ط الحلبي) من حديث طلحة بن عبيد الله ﵁.
أَنْوَاعُ التَّطَوُّعِ:
٢ - مِنَ التَّطَوُّعِ مَا يَكُونُ لَهُ نَظِيرٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ، مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَحَجٍّ وَجِهَادٍ، وَهَذَا هُوَ الأَْصْل، وَهُوَ الْمُتَبَادَرُ حِينَ يُذْكَرُ لَفْظُ التَّطَوُّعِ.
وَالتَّطَوُّعُ فِي الْعِبَادَاتِ يَخْتَلِفُ فِي جِنْسِهِ بِاعْتِبَارَاتٍ، فَهُوَ يَخْتَلِفُ مِنْ حَيْثُ الرُّتْبَةُ، إِذْ مِنْهُ مَا هُوَ مُؤَكَّدٌ كَالرَّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ أَقَل رُتْبَةً كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ أَقَل كَالنَّوَافِل الْمُطْلَقَةِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا.
وَمِنْ ذَلِكَ فِي الصَّوْمِ: صِيَامُ يَوْمَيْ عَاشُورَاءَ وَعَرَفَةَ، فَهُمَا أَعْلَى رُتْبَةً مِنَ الصِّيَامِ فِي غَيْرِهِمَا، وَالاِعْتِكَافُ فِي الْعَشْرِ الأَْوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ أَفْضَل مِنْهُ فِي غَيْرِهَا. كَمَا أَنَّ التَّطَوُّعَ فِي الْعِبَادَاتِ يَخْتَلِفُ فِي جِنْسِهِ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الإِْطْلاَقُ وَالتَّقْيِيدُ، فَمِنْهُ مَا هُوَ مُقَيَّدٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ التَّقْيِيدُ بِوَقْتٍ أَوْ بِسَبَبٍ، كَالضُّحَى وَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَالرَّوَاتِبِ مَعَ الْفُرُوضِ. وَمِنْهُ مَا هُوَ مُطْلَقٌ كَالنَّفْل الْمُطْلَقِ بِاللَّيْل أَوْ بِالنَّهَارِ.
وَيَخْتَلِفُ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ كَالرَّوَاتِبِ مِنَ الْفُرُوضِ، إِذْ هِيَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَشْرٌ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً: اثْنَتَانِ قَبْل الصُّبْحِ، وَاثْنَتَانِ قَبْل الظُّهْرِ (وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَرْبَعٌ) وَاثْنَتَانِ بَعْدَهُ، وَاثْنَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَاثْنَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ. وَالتَّطَوُّعُ فِي النَّهَارِ وَاللَّيْل مَثْنَى مَثْنَى عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الأَْفْضَل أَرْبَعٌ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ. وَمِثْل ذَلِكَ تَطَوُّعُ اللَّيْل عِنْدَ
أَبِي حَنِيفَةَ خِلاَفًا لِلصَّاحِبَيْنِ، وَبِهَذَا يُفْتَى (١) .
وَفِي كُل مَا سَبَقَ تَفْصِيلٌ كَثِيرٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (السُّنَنُ الرَّوَاتِبُ، وَنَفْلٌ) وَفِيمَا لَهُ أَبْوَابٌ مِنْ ذَلِكَ مِثْل: عِيدٌ - كُسُوفٌ - اسْتِسْقَاءٌ. . . إِلَخْ.
وَمِنَ التَّطَوُّعِ مَا يَكُونُ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ كَطَلَبِ عِلْمٍ غَيْرِ مَفْرُوضٍ (٢) .
وَكَذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْمَعْرُوفِ، كَالتَّطَوُّعِ بِالإِْنْفَاقِ عَلَى قَرِيبٍ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، أَوْ عَلَى أَجْنَبِيٍّ مُحْتَاجٍ، أَوْ قَضَاءِ الدَّيْنِ عَنْهُ، أَوْ إِبْرَاءِ الْمُعْسِرِ، أَوِ الْعَفْوِ عَنِ الْقِصَاصِ، أَوِ الإِْرْفَاقِ الْمَعْرُوفِ بِجَعْل الْغَيْرِ يَحْصُل عَلَى مَنَافِعِ الْعَقَارِ، أَوْ إِسْقَاطِ الْحُقُوقِ. . . وَهَكَذَا.
وَمِنْهُ مَا يُعْرَفُ بِعُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ، كَالْقَرْضِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ وَالإِْعَارَةِ وَالْهِبَةِ، إِذْ إِنَّهَا قُرُبَاتٌ شُرِعَتْ لِلتَّعَاوُنِ بَيْنَ النَّاسِ.
٣ - وَمِنَ التَّطَوُّعِ مَا هُوَ عَيْنِيٌّ مَطْلُوبٌ نَدْبًا مِنْ كُل فَرْدٍ، كَالتَّطَوُّعِ بِالْعِبَادَاتِ غَيْرِ الْمَفْرُوضَةِ مِنْ صَلاَةٍ وَصِيَامٍ. . . وَمِنْهُ مَا هُوَ عَلَى الْكِفَايَةِ كَالأَْذَانِ وَغَيْرِهِ. قَال النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: ابْتِدَاءُ السَّلاَمِ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، فَإِنْ كَانَ الْمُسَلِّمُ جَمَاعَةً كَفَى عَنْهُمْ
_________
(١) البدائع ١ / ٢٨٤ - ٢٩٤، ٢٩٥، والهداية ١ / ٦٦، ٦٧، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي / ٢١٥، وجواهر الإكليل ١ / ٧٣ - ٧٦، والحطاب ١ / ٤١٥، ونهاية المحتاج ٢ / ١٠٢ وما بعدها، وكشاف القناع ١ / ٤١١ وما بعدها.
(٢) شرح منتهى الإرادات ١ / ٢٥٣.
تَسْلِيمُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ (١) .
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ التَّطَوُّعِ:
٤ - التَّطَوُّعُ يُقَرِّبُ الْعَبْدَ مِنْ رَبِّهِ وَيَزِيدُهُ ثَوَابًا، وَفِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: وَمَا يَزَال عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِل حَتَّى أُحِبَّهُ. (٢) الْحَدِيثُ. وَالْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّةِ التَّطَوُّعِ هِيَ:
أ - اكْتِسَابُ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى: وَكَذَلِكَ نَيْل ثَوَابِهِ وَمُضَاعَفَةُ الْحَسَنَاتِ، وَقَدْ وَرَدَ فِي ثَوَابِ التَّطَوُّعِ بِالْعِبَادَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ ثَابَرَ عَلَى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ. (٣) وَقَوْلُهُ ﷺ: رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا (٤)
_________
(١) البدائع ١ / ٢٨٨، والفواكه الدواني ٢ / ٣٨٧، والذخيرة / ٨٠، والأذكار للنووي / ٢١٠، ٢١١.
(٢) الحديث القدسي: " وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٣٤١ - ط السلفية) .
(٣) حديث: " من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى الله له بيتا في الجنة " أخرجه الترمذي (٢ / ٢٧٣ - ط الحلبي) من حديث عائشة ﵂، وأصله في مسلم (١ / ٥٠٣ - ط الحلبي) من حديث أم حبيبة ﵂.
(٤) حديث: " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " أخرجه مسلم (١ / ٥٠١ ط الحلبي) من حديث عائشة ﵂.
وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ فِي شَأْنِ الصَّلاَةِ (١) .
وَفِي صَوْمِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ يَقُول النَّبِيُّ ﷺ: إِنِّي لأَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ (٢) وَالْمُرَادُ الصَّغَائِرُ. حَكَاهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنِ الصَّغَائِرُ رُجِيَ التَّخْفِيفُ مِنَ الْكَبَائِرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُفِعَتِ الدَّرَجَاتُ، وَقَال ﷺ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ. (٣)
وَقَال الزُّهْرِيُّ: فِي الاِعْتِكَافِ تَفْرِيغُ الْقَلْبِ عَنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، وَتَسْلِيمُ النَّفْسِ إِلَى بَارِئِهَا، وَالتَّحَصُّنُ بِحِصْنٍ حَصِينٍ، وَمُلاَزَمَةُ بَيْتِ اللَّهِ تَعَالَى. وَقَال عَطَاءٌ: مَثَل الْمُعْتَكِفِ كَمَثَل رَجُلٍ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى عَظِيمٍ يَجْلِسُ عَلَى بَابِهِ، وَيَقُول: لاَ أَبْرَحُ حَتَّى تُقْضَى حَاجَتِي (٤) .
وَمِثْل ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْعِبَادَاتِ. يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ (٥)، وَيَقُول
_________
(١) نهاية المحتاج ٣ / ١٩٩، والمنثور ٣ / ٦١، والبدائع ١ / ٢٨٤.
(٢) حديث: " إني لأحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله " أخرجه مسلم (٢ / ٨١٩ - ط الحلبي) من حديث أبي قتادة ﵁.
(٣) حديث: " من صام رمضان ثم اتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر " أخرجه مسلم (٢ / ٨٢٢ - ط الحلبي) من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁.
(٤) شرح منتهى الإرادات ١ / ٤٥٩، والمبسوط ٣ / ١١٤، ١١٥.
(٥) سورة البقرة / ٢٤٥.