الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢
تَطْبِيبٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - لِلتَّطْبِيبِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ، مِنْهَا وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا: أَنَّهُ الْمُدَاوَاةُ.
يُقَال: طَبَّبَ فُلاَنٌ فُلاَنًا: أَيْ دَاوَاهُ. وَجَاءَ يَسْتَطِبُّ لِوَجَعِهِ: أَيْ يَسْتَوْصِفُ الأَْدْوِيَةَ أَيُّهَا يَصْلُحُ لِدَائِهِ.
وَالطِّبُّ: عِلاَجُ الْجِسْمِ وَالنَّفْسِ، وَرَجُلٌ طَبٌّ وَطَبِيبٌ: عَالِمٌ بِالطِّبِّ.
وَالطَّبُّ. وَالطُّبُّ: لُغَتَانِ فِي الطِّبِّ. وَتَطَبَّبَ لَهُ: سَأَل لَهُ الأَْطِبَّاءَ.
وَالطَّبِيبُ فِي الأَْصْل: الْحَاذِقُ بِالأُْمُورِ الْعَارِفُ بِهَا، وَبِهِ سُمِّيَ الطَّبِيبُ الَّذِي يُعَالِجُ الْمَرْضَى وَنَحْوَهُمْ (١)
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّدَاوِي:
٢ - التَّدَاوِي: تَعَاطِي الدَّوَاءِ، وَمِنْهُ الْمُدَاوَاةُ أَيِ
_________
(١) الصحاح ولسان العرب، والمصباح المنير مادة: " طبب ".
الْمُعَالَجَةُ: يُقَال: فُلاَنٌ يُدَاوَى: أَيْ يُعَالَجُ (١) .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّطْبِيبِ وَالتَّدَاوِي: أَنَّ التَّطْبِيبَ تَشْخِيصُ الدَّاءِ وَمُدَاوَاةُ الْمَرِيضِ، وَالتَّدَاوِي تَعَاطِي الدَّوَاءِ.
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - التَّطْبِيبُ تَعَلُّمًا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، فَيَجِبُ أَنْ يَتَوَفَّرَ فِي بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْرِفُ أُصُول حِرْفَةِ الطِّبِّ، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (احْتِرَافٌ) .
أَمَّا التَّطْبِيبُ مُزَاوَلَةً فَالأَْصْل فِيهِ الإِْبَاحَةُ. وَقَدْ يَصِيرُ مَنْدُوبًا إِذَا اقْتَرَنَ بِنِيَّةِ التَّأَسِّي بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي تَوْجِيهِهِ لِتَطْبِيبِ النَّاسِ، أَوْ نَوَى نَفْعَ الْمُسْلِمِينَ لِدُخُولِهِ فِي مِثْل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢) وَحَدِيثُ: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ. (٣)
إِلاَّ إِذَا تَعَيَّنَ شَخْصٌ لِعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِ أَوْ تَعَاقَدَ فَتَكُونُ مُزَاوَلَتُهُ وَاجِبَةً (٤) .
وَيَدُل لِذَلِكَ مَا رَوَى رَجُلٌ مِنَ الأَْنْصَارِ قَال: عَادَ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَجُلًا بِهِ جُرْحٌ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: ادْعُوا لَهُ طَبِيبَ بَنِي فُلاَنٍ. قَال:
_________
(١) لسان العرب، والصحاح مادة: " دوي ".
(٢) سورة المائدة / ٣٢.
(٣) حديث: " من استطاع منكم أن ينفع. . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٧٢٦ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٤) الموسوعة الفقهية بالكويت ٢ / ٧٢، والآداب الشرعية لابن مفلح ٢ / ٣٥٩ - ٣٦٠.
فَدَعَوْهُ فَجَاءَ، فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، وَيُغْنِي الدَّوَاءُ شَيْئًا؟ فَقَال: سُبْحَانَ اللَّهِ. وَهَل أَنْزَل اللَّهُ مِنْ دَاءٍ فِي الأَْرْضِ إِلاَّ جَعَل لَهُ شِفَاءً. (١)
وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الرُّقَى. فَجَاءَ آل عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَإِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى. قَال: فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ. فَقَال: مَا أَرَى بِهَا بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ. (٢)
وَقَال ﷺ: لاَ بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا شِرْكٌ. (٣)
وَلِمَا ثَبَتَ مِنْ فِعْل النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ تَدَاوَى، فَقَدْ رَوَى الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ عُرْوَةَ كَانَ يَقُول لِعَائِشَةَ ﵂: يَا أُمَّتَاهُ، لاَ أَعْجَبُ مِنْ فَهْمِكِ. أَقُول: زَوْجَةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ. وَلاَ أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِكِ بِالشِّعْرِ وَأَيَّامِ النَّاسِ، أَقُول: ابْنَةُ أَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ أَعْلَمَ النَّاسِ أَوْ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ. وَلَكِنْ أَعْجَبُ مِنْ عِلْمِكِ بِالطِّبِّ، كَيْفَ هُوَ؟ وَمِنْ أَيْنَ هُوَ؟ قَال فَضَرَبَتْ
_________
(١) حديث: " عاد رسول الله ﷺ رجلا. . . " أخرجه أحمد (٥ / ٣٧ - ط الميمنية) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (المجمع ٥ / ٨٤ - ط القدسي) .
(٢) حديث: " من استطاع منكم أن ينفع. . . . " تقدم تخريجه ف / ٣.
(٣) حديث: " لا بأس بالرقى ما لم. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٧٢٧ - ط الحلبي) من حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁.
عَلَى مَنْكِبِهِ وَقَالَتْ: " أَيْ عُرَيَّةُ؟ إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْقَمُ عِنْدَ آخِرِ عُمْرِهِ، أَوْ فِي آخِرِ عُمْرِهِ، فَكَانَتْ تَقْدَمُ عَلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُل وَجْهٍ، فَتَنْعَتُ لَهُ الأَْنْعَاتَ، وَكُنْتُ أُعَالِجُهَا، فَمِنْ ثَمَّ ". وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ كَثُرَتْ أَسَقَامُهُ، فَكَانَ يَقْدَمُ عَلَيْهِ أَطِبَّاءُ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، فَيَصِفُونَ لَهُ فَنُعَالِجُهُ. (١)
وَقَال الرَّبِيعُ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُول: الْعِلْمُ عِلْمَانِ: عِلْمُ الأَْدْيَانِ وَعِلْمُ الأَْبْدَانِ (٢) .
نَظَرُ الطَّبِيبِ إِلَى الْعَوْرَةِ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الطَّبِيبِ إِلَى الْعَوْرَةِ وَلَمْسِهَا لِلتَّدَاوِي. وَيَكُونُ نَظَرُهُ إِلَى مَوْضِعِ الْمَرَضِ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ. إِذِ الضَّرُورَاتُ تُقَدَّمُ بِقَدْرِهَا. فَلاَ يَكْشِفُ إِلاَّ مَوْضِعَ الْحَاجَةِ، مَعَ غَضِّ بَصَرِهِ مَا اسْتَطَاعَ إِلاَّ عَنْ مَوْضِعِ الدَّاءِ. وَيَنْبَغِي قَبْل ذَلِكَ أَنْ يُعَلِّمَ امْرَأَةً تَدَاوِي النِّسَاءَ، لأَِنَّ نَظَرَ الْجِنْسِ إِلَى الْجِنْسِ أَخَفُّ.
_________
(١) حديث: " إن عروة كان يقول لعائشة. . . " أخرجه أحمد (٦ / ٦٧ - ط الميمنية) وقال الهيثمي في المجمع (٩ / ٢٤٢ - ط القدسي): فيه عبد الله بن معاوية الزبيري، قال أبو حاتم: مستقيم الحديث، وفيه ضعف.
(٢) الفواكه الدواني ٢ / ٤٣٩، وروضة الطالبين ٢ / ٩٦، والإقناع للشربيني الخطيب ١ / ١٩٣، والمغني لابن قدامة ٥ / ٥٣٩، وزاد المعاد ٣ / ٦٦ وما بعدها ط مصطفى الحلبي، والآداب الشرعية ٢ / ٣١٠ وما بعدها، وتحفة الأحوذي ٦ / ١٩٠ ط الفجالة الجديدة.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّهُ إِذَا كَانَ الطَّبِيبُ أَجْنَبِيًّا عَنِ الْمَرِيضَةِ فَلاَ بُدَّ مِنْ حُضُورِ مَا يُؤْمَنُ مَعَهُ وُقُوعُ مَحْظُورٍ. لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَلاَ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ. (١)
وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ عَدَمَ وُجُودِ امْرَأَةٍ تُحْسِنُ التَّطْبِيبَ إِذَا كَانَ الْمَرِيضُ امْرَأَةً، وَلَوْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ الْمُدَاوِيَةُ كَافِرَةً، وَعُدِمَ وُجُودُ رَجُلٍ يُحْسِنُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الْمَرِيضُ رَجُلًا.
كَمَا شَرَطُوا أَنْ لاَ يَكُونَ غَيْرَ أَمِينٍ مَعَ وُجُودِ أَمِينٍ، وَلاَ ذِمِّيًّا مَعَ وُجُودِ مُسْلِمٍ، أَوْ ذِمِّيَّةً مَعَ وُجُودِ مُسْلِمَةٍ.
قَال الْبُلْقِينِيُّ: يُقَدَّمُ فِي عِلاَجِ الْمَرْأَةِ مُسْلِمَةٌ، فَصَبِيٌّ مُسْلِمٌ غَيْرُ مُرَاهِقٍ، فَمُرَاهِقٌ، فَكَافِرٌ غَيْرُ مُرَاهِقٍ، فَمُرَاهِقٌ، فَامْرَأَةٌ كَافِرَةٌ، فَمَحْرَمٌ مُسْلِمٌ، فَمَحْرَمٌ كَافِرٌ، فَأَجْنَبِيٌّ مُسْلِمٌ، فَكَافِرٌ.
وَاعْتَرَضَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْثَمِيُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْكَافِرَةِ عَلَى الْمَحْرَمِ. وَقَال: وَالَّذِي يُتَّجَهُ تَقْدِيمُ نَحْوِ مَحْرَمٍ مُطْلَقًا عَلَى كَافِرَةٍ، لِنَظَرِهِ مَا لاَ تَنْظُرُ هِيَ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ كَذَلِكَ عَلَى تَقْدِيمِ الأَْمْهَرِ مُطْلَقًا وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ وَالدِّينِ عَلَى غَيْرِهِ.
_________
(١) حديث: " ألا لا يخلون. . . " أخرجه الترمذي (٤ / ٤٦٦ - ط الحلبي) والحاكم (١ / ١١٣، ١١٥) وصححه ووافقه الذهبي.
وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ وُجِدَ مَنْ لاَ يَرْضَى إِلاَّ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل فَإِنَّهُ يَكُونُ كَالْعَدَمِ حِينَئِذٍ حَتَّى لَوْ وُجِدَ كَافِرٌ يَرْضَى بِدُونِهَا وَمُسْلِمٌ لاَ يَرْضَى إِلاَّ بِهَا احْتَمَل أَنَّ الْمُسْلِمَ كَالْعَدَمِ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَى فَرْجِ الْمَرْأَةِ إِلاَّ إِذَا كَانَ لاَ يُتَوَصَّل إِلَى مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إِلاَّ بِرُؤْيَتِهِ بِنَفْسِهِ. أَمَّا لَوْ كَانَ الطَّبِيبُ يَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ النِّسَاءِ لِفَرْجِ الْمَرِيضَةِ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ النَّظَرُ إِلَيْهِ. (١)
اسْتِئْجَارُ الطَّبِيبِ لِلْعِلاَجِ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ اسْتِئْجَارِ الطَّبِيبِ لِلْعِلاَجِ؛ لأَِنَّهُ فِعْلٌ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ وَمَأْذُونٌ فِيهِ شَرْعًا، فَجَازَ الاِسْتِئْجَارُ عَلَيْهِ كَسَائِرِ الأَْفْعَال الْمُبَاحَةِ. غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ شَرَطُوا لِصِحَّةِ هَذَا الْعَقْدِ أَنْ يَكُونَ الطَّبِيبُ مَاهِرًا، بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ خَطَؤُهُ نَادِرًا، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ التَّجْرِبَةُ عِنْدَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَاهِرًا فِي الْعِلْمِ.
وَاسْتِئْجَارُ الطَّبِيبِ يُقَدَّرُ بِالْمُدَّةِ لاَ بِالْبُرْءِ وَالْعَمَل، فَإِنْ تَمَّتِ الْمُدَّةُ وَبَرِئَ الْمَرِيضُ أَوْ لَمْ يَبْرَأْ فَلَهُ الأُْجْرَةُ كُلُّهَا. وَإِنْ بَرِئَ قَبْل تَمَامِ الْمُدَّةِ انْفَسَخَتِ الإِْجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ مَاتَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٦١، ٥ / ٢٣٧، والفواكه الدواني ٢ / ٣٦٦، ٣٦٧، وحواشي الشرواني وابن القاسم على تحفة المحتاج ٧ / ٢٠٢، ٢٠٣، وكشاف القناع ٥ / ١٣.
الْمَرِيضُ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ.
وَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ اشْتِرَاطُ الدَّوَاءِ عَلَى الطَّبِيبِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِمَا فِيهِ مِنِ اجْتِمَاعِ الْجُعْل وَالْبَيْعِ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلٌ آخَرُ بِالْجَوَازِ.
وَالطَّبِيبُ يَسْتَحِقُّ الأُْجْرَةَ بِتَسْلِيمِهِ نَفْسَهُ مَعَ مُضِيِّ زَمَنِ إِمْكَانِ الْمُدَاوَاةِ، فَإِنْ امْتَنَعَ الْمَرِيضُ مِنَ الْعِلاَجِ مَعَ بَقَاءِ الْمَرَضِ اسْتَحَقَّ الطَّبِيبُ الأَْجْرَ، مَا دَامَ قَدْ سَلَّمَ نَفْسَهُ، وَمَضَى زَمَنُ الْمُدَاوَاةِ؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ عَقْدٌ لاَزِمٌ وَقَدْ بَذَل الطَّبِيبُ مَا عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إِذَا سَلَّمَ الطَّبِيبُ نَفْسَهُ وَقَبْل مُضِيِّ زَمَنِ إِمْكَانِ الْمُدَاوَاةِ سَكَنَ الْمَرَضُ، فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ) مُتَّفِقُونَ عَلَى انْفِسَاخِ الإِْجَارَةِ حِينَئِذٍ (١) .
٦ - وَلاَ تَجُوزُ مُشَارَطَةُ الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ. وَنَقَل ابْنُ قُدَامَةَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُوسَى الْجَوَازَ، إِذْ قَال: لاَ بَأْسَ بِمُشَارَطَةِ الطَّبِيبِ عَلَى الْبُرْءِ، لأَِنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ ﵁ حِينَ رَقَى الرَّجُل شَارَطَهُ عَلَى الْبُرْءِ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَكِنْ يَكُونُ جَعَالَةً لاَ إِجَارَةً، فَإِنَّ الإِْجَارَةَ لاَ بُدَّ فِيهَا مِنْ مُدَّةٍ أَوْ عَمَلٍ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٥٠، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٠، والفواكه الدواني ٢ / ١٦٥، وقليوبي وعميرة ٣ / ٧٠، ٧٨، وشرح روض الطالب ٢ / ٤١٣، وكشاف القناع ٤ / ١٤، والمغني ٥ / ٥٣٩، ٥٤٢، ٥٤٣.
مَعْلُومٍ.
وَأَجَازَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ أَيْضًا، فَفِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ: لَوْ شَارَطَهُ طَبِيبٌ عَلَى الْبُرْءِ فَلاَ يَسْتَحِقُّ الأُْجْرَةَ إِلاَّ بِحُصُولِهِ. وَسَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِجَارَةٌ) . (١)
وَإِذَا زَال الأَْلَمُ وَشُفِيَ الْمَرِيضُ قَبْل مُبَاشَرَةِ الطَّبِيبِ كَانَ عُذْرًا تَنْفَسِخُ بِهِ الإِْجَارَةُ.
يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا سَكَنَ الضِّرْسُ الَّذِي اسْتُؤْجِرَ الطَّبِيبُ لِخَلْعِهِ، فَهَذَا عُذْرٌ تَنْفَسِخُ بِهِ الإِْجَارَةُ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ، حَتَّى مَنْ لَمْ يَعْتَبِرِ الْعُذْرَ مُوجِبًا لِلْفَسْخِ، فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَقْلَعَ لَهُ ضِرْسًا فَسَكَنَ الْوَجَعُ، أَوْ لِيُكَحِّل لَهُ عَيْنًا فَبَرِئَتْ قَبْل أَنْ يَقُومَ بِالْعَمَل، انْفَسَخَ الْعَقْدُ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ (٢) .
ضَمَانُ الطَّبِيبِ لِمَا يُتْلِفُهُ:
٧ - يَضْمَنُ الطَّبِيبُ إِنْ جَهِل قَوَاعِدَ الطِّبِّ أَوْ
_________
(١) الموسوعة الفقهية بالكويت ١ / ٢٩٩.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٣٣، ٥٠، والاختيار شرح المختار ١ / ٢٢٥، ٢٢٧ ط مصطفى الحلبي ١٣٣٥ هـ ١٩٣٦ م، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٩٩، والشرح الصغير ٤ / ٤٧، والشرح الكبير ٣ / ٤٦١، وجواهر الإكليل ٢ / ١٥٣، ومنهاج الطاليين وحاشية قليوبي عليه ٣ / ٧٠، ٧٨، وأسنى المطالب ٢ / ٤١٣ المكتب الإسلامي، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٤٠٦، والمغني لابن قدامة ٥ / ٥٣٩، ٥٤١ - ٥٤٣، وتنظر الموسوعة الفقهية ١ / ٣٠٠ - ٣٠١.
كَانَ غَيْرَ حَاذِقٍ فِيهَا، فَدَاوَى مَرِيضًا وَأَتْلَفَهُ بِمُدَاوَاتِهِ، أَوْ أَحْدَثَ بِهِ عَيْبًا. أَوْ عُلِّمَ قَوَاعِدَ التَّطْبِيبِ وَقَصَّرَ فِي تَطْبِيبِهِ، فَسَرَى التَّلَفُ أَوِ التَّعْيِيبُ. أَوْ عُلِّمَ قَوَاعِدَ التَّطْبِيبِ وَلَمْ يُقَصِّرْ وَلَكِنَّهُ طَبَّبَ الْمَرِيضَ بِلاَ إِذْنٍ مِنْهُ. كَمَا لَوْ خَتَنَ صَغِيرًا بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهِ، أَوْ كَبِيرًا قَهْرًا عَنْهُ، أَوْ وَهُوَ نَائِمٌ، أَوْ أَطْعَمَ مَرِيضًا دَوَاءً قَهْرًا عَنْهُ فَنَشَأَ عَنْ ذَلِكَ تَلَفٌ وَعَيْبٌ، أَوْ طَبَّبَ بِإِذْنٍ غَيْرِ مُعْتَبَرٍ لِكَوْنِهِ مِنْ صَبِيٍّ، إِذَا كَانَ الإِْذْنُ فِي قَطْعِ يَدٍ مَثَلًا، أَوْ بِعَضُدٍ أَوْ حِجَامَةٍ أَوْ خِتَانٍ، فَأَدَّى إِلَى تَلَفٍ أَوْ عَيْبٍ، فَإِنَّهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ يَضْمَنُ مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ (١) .
أَمَّا إِذَا أُذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ، وَكَانَ الإِْذْنُ مُعْتَبَرًا، وَكَانَ حَاذِقًا، وَلَمْ تَجْنِ يَدُهُ، وَلَمْ يَتَجَاوَزْ مَا أُذِنَ فِيهِ، وَسَرَى إِلَيْهِ التَّلَفُ فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ؛ لأَِنَّهُ فَعَل فِعْلًا مُبَاحًا مَأْذُونًا فِيهِ (٢) . وَلأَِنَّ مَا يَتْلَفُ بِالسِّرَايَةِ إِنْ كَانَ بِسَبَبٍ مَأْذُونٍ فِيهِ - دُونَ جَهْلٍ أَوْ تَقْصِيرٍ - فَلاَ ضَمَانَ. وَعَلَى هَذَا فَلاَ ضَمَانَ عَلَى طَبِيبٍ وَبَزَّاغٍ (جَرَّاحٍ) وَحَجَّامٍ وَخَتَّانٍ مَا دَامَ قَدْ أُذِنَ لَهُمْ بِهَذَا وَلَمْ يُقَصِّرُوا، وَلَمْ يُجَاوِزُوا الْمَوْضِعَ
_________
(١) جواهر الإكليل ٢ / ٢٩٦، والشرح الكبير ٤ / ٣٥٥، وأسنى المطالب ٢ / ٤٢٧ المكتبة الإسلامية، والمغني لابن قدامة ٥ / ٥٣٨ م الرياض الحديثة.
(٢) منار السبيل في شرح الدليل ١ / ٤٢٢، ط المكتب الإسلامي، ونيل المآرب بشرح دليل الطالب ١ / ١٦٤ م الفلاح.
الْمُعْتَادَ، وَإِلاَّ لَزِمَ الضَّمَانُ (١) .
يَقُول ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا فَعَل الْحَجَّامُ وَالْخَتَّانُ وَالْمُطَبِّبُ مَا أُمِرُوا بِهِ، لَمْ يَضْمَنُوا بِشَرْطَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونُوا ذَوِي حِذْقٍ فِي صِنَاعَتِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ كَانَ فِعْلًا مُحَرَّمًا، فَيَضْمَنُ سِرَايَتَهُ.
الثَّانِي: أَلاَّ يَتَجَاوَزَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْطَعَ، فَإِنْ كَانَ حَاذِقًا وَتَجَاوَزَ، أَوْ قَطَعَ فِي غَيْرِ مَحَل الْقَطْعِ، أَوْ فِي وَقْتٍ لاَ يَصْلُحُ فِيهِ الْقَطْعُ وَأَشْبَاهِ هَذَا، ضَمِنَ فِيهِ كُلَّهُ؛ لأَِنَّهُ إِتْلاَفٌ لاَ يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، فَأَشْبَهَ إِتْلاَفَ الْمَال.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْقَاطِعِ فِي الْقِصَاصِ وَقَاطِعِ يَدِ السَّارِقِ. ثُمَّ قَال: لاَ نَعْلَمُ فِيهِ خِلاَفًا (٢) .
قَال الدُّسُوقِيُّ: إِذَا خَتَنَ الْخَاتِنُ صَبِيًّا، أَوْ سَقَى الطَّبِيبُ مَرِيضًا دَوَاءً، أَوْ قَطَعَ لَهُ شَيْئًا، أَوْ كَوَاهُ فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا لاَ فِي مَالِهِ وَلاَ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ لأَِنَّهُ مِمَّا فِيهِ تَغْرِيرٌ، فَكَأَنَّ صَاحِبَهُ هُوَ الَّذِي عَرَّضَهُ لِمَا أَصَابَهُ. وَهَذَا
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٤٣، والاختيار شرح المختار ١ / ٢٢٦ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٦، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٦ / ٣٢٠، والشرح الصغير ٤ / ٥٠٥، ونهاية المحتاج ٧ / ٢٩١، وقليوبي وعميرة ٤ / ١١٠، والمغني مع الشرح الكبير ٦ / ١٢٠.
(٢) المغني لابن قدامة ٥ / ٥٣٨ م الرياض الحديثة، والموسوعة الفقهية ١ / ٢٢٨ (إتلاف)، ١ / ٢٩٩ - ٣٠٠ (إجارة) .