الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
الْعَامَّةِ؛ لِيُقَلِّل مِنْ شُمُولِهَا وَيَقْصُرَهَا عَلَى بَعْضِ مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنَاهَا دُونَ بَعْضِهَا الآْخَرِ.
ج - الاِسْتِثْنَاءُ:
٤ - الاِسْتِثْنَاءُ: إِخْرَاجٌ مِنْ مُتَعَدِّدٍ بِإِلاَّ أَوْ إِحْدَى أَخَوَاتِهَا. (١) أَوْ هُوَ الْمَنْعُ مِنْ دُخُول بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ صَدْرُ الْكَلاَمِ فِي حُكْمِهِ بِإِلاَّ أَوْ إِحْدَى أَخَوَاتِهَا. (٢)
وَالاِسْتِثْنَاءُ نَوْعٌ مِنَ الْمُخَصِّصَاتِ لِلْعَامِّ عِنْدَ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ، وَلَيْسَ مُخَصِّصًا لِلْعَامِّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ قَاصِرٌ لِلْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ (٣) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٥ - التَّخْصِيصُ جَائِزٌ عَقْلًا وَوَاقِعٌ اسْتِقْرَاءً، وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ إِلَى وَاحِدٍ، إِذَا لَمْ يَكُنْ لَفْظُ الْعَامِّ جَمْعًا، وَإِلَى أَقَل الْجَمْعِ إِذَا كَانَ جَمْعًا. وَيَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِالْعَقْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا يَجُوزُ بِاللَّفْظِ. (٤)
وَاخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي أَنَّ الْعَامَّ بَعْدَ التَّخْصِيصِ يَبْقَى عَامًّا فِي الْبَاقِي بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ
_________
(١) روضة الناظر ص ١٣٢، وجمع الجوامع ٢ / ٩ - ١٠، والمستصفى للغزالي ٢ / ١٦٣
(٢) التوضيح ٢ / ٢٠، ومسلم الثبوت ١ / ٣١٦
(٣) مسلم الثبوت ١ / ٣٠٠، ٣٠١، وجمع الجوامع ٢ / ٩
(٤) مسلم الثبوت ١ / ٣٠٦، ٣٠٧، وجمع الجوامع ٢ / ٣
أَمْ يَصِيرُ مَجَازًا؟ وَالأَْشْبَهُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْبَعْضِ الْبَاقِي، وَهَذَا رَأْيُ الْحَنَابِلَةِ وَكَثِيرٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ كَانَ الْبَاقِي غَيْرَ مُنْحَصِرٍ، وَبَعْضُهُمْ بِقُيُودٍ أُخْرَى.
قَال الْبَزْدَوِيُّ: مَنْ شَرَطَ فِي الْعَامِّ الاِجْتِمَاعَ دُونَ الاِسْتِغْرَاقِ قَال: إِنَّهُ يَبْقَى حَقِيقَةً فِي الْعُمُومِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَمَنْ قَال: شَرْطُهُ الاِسْتِيعَابُ وَالاِسْتِغْرَاقُ قَال: يَصِيرُ مَجَازًا بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَإِنْ خُصَّ مِنْهُ فَرْدٌ وَاحِدٌ. (١)
وَهَل يَبْقَى الْعَامُّ حُجَّةً بَعْدَ التَّخْصِيصِ أَمْ لاَ؟ قَال أَكْثَرُ الأُْصُولِيِّينَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الْعَامَّ يَبْقَى حُجَّةً بَعْدَ التَّخْصِيصِ، مَعْلُومًا كَانَ الْمَخْصُوصُ أَوْ مَجْهُولًا. وَبَعْضُهُمْ قَيَّدَ حُجِّيَّتَهُ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَخْصُوصُ مَعْلُومًا لاَ مَجْهُولًا. وَقَال الْكَرْخِيُّ: لاَ يَبْقَى حُجَّةً أَصْلًا، وَهُوَ قَوْل أَبِي ثَوْرٍ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
_________
(١) كشف الأسرار للبزدوي ١ / ٣٠٧، وجمع الجوامع ٢ / ٥، ٦
(٢) كشف الأسرار للبزدوي ١ / ٣٠٦، ٣٠٧، وجمع الجوامع ٢ / ٦، ٧، ومسلم الثبوت ١ / ٣٠٨
تَخَطِّي الرِّقَابِ
التَّعْرِيفُ:
١ - يُقَال فِي اللُّغَةِ: تَخَطَّى النَّاسَ وَاخْتَطَاهُمْ أَيْ: جَاوَزَهُمْ. وَيُقَال: تَخَطَّيْتُ رِقَابَ النَّاسِ إِذَا تَجَاوَزْتُهُمْ. قَال ابْنُ الْمُنِيرِ: التَّفْرِقَةُ بَيْنَ اثْنَيْنِ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا بِقَوْلِهِ ﷺ: فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ (١) تَتَنَاوَل الْقُعُودَ بَيْنَهُمَا وَإِخْرَاجَ أَحَدِهِمَا وَالْقُعُودَ مَكَانَهُ. وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُجَرَّدِ التَّخَطِّي. وَفِي التَّخَطِّي زِيَادَةُ رَفْعِ رِجْلَيْهِ عَلَى رُءُوسِهِمَا أَوْ أَكْتَافِهِمَا، وَرُبَّمَا تَعَلَّقَ بِثِيَابِهِمَا شَيْءٌ مِمَّا فِي رِجْلَيْهِ. (٢)
وَلاَ يَخْرُجُ فِي مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيِّ عَنْ هَذَا.
حُكْمُهُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - لِتَخَطِّي الرِّقَابِ أَحْكَامٌ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ حَالاَتِهِ.
_________
(١) حديث: " فلم يفرق بين اثنين " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣٩٢ - ط السلفية)
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ١٢١، وفتح الباري ٢ / ٣٩٢، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٤٩ ط الرياض الحديثة
فَفِي الْجُمُعَةِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُتَخَطِّي هُوَ الإِْمَامَ أَوْ غَيْرَهُ.
فَإِنْ كَانَ الْمُتَخَطِّي هُوَ الإِْمَامَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلاَّ أَنْ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ لِيَصِل إِلَى مَكَانِهِ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ لأَِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ.
وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الإِْمَامِ: فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ قَبْل أَنْ يَشْرَعَ الإِْمَامُ فِي الْخُطْبَةِ أَوْ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا.
فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ: فَإِنَّهُ لاَ بَأْسَ بِالتَّخَطِّي إِنْ كَانَ لاَ يَجِدُ إِلاَّ فُرْجَةً أَمَامَهُ، فَيَتَخَطَّى إِلَيْهَا لِلضَّرُورَةِ، مَا لَمْ يُؤْذِ بِذَلِكَ أَحَدًا؛ لأَِنَّهُ يُنْدَبُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَقَدَّمَ وَيَدْنُوَ مِنَ الْمِحْرَابِ إِذَا لَمْ يَكُنْ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ؛ لِيَتَّسِعَ الْمَكَانُ لِمَنْ يَجِيءُ بَعْدَهُ، وَيَنَال فَضْل الْقُرْبِ مِنَ الإِْمَامِ.
فَإِذَا لَمْ يَفْعَل الأَْوَّل ذَلِكَ فَقَدْ ضَيَّعَ الْمَكَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَكَانَ لِلَّذِي جَاءَ بَعْدَهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ الْمَكَانَ
وَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ الْمَسْجِدَ وَالإِْمَامُ يَخْطُبُ: فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي أَوَّل مَكَانٍ يَجِدُهُ؛ لأَِنَّ مَشْيَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَتَقَدُّمَهُ فِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَقَوْلِهِ: وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا (١) وَقَوْلِهِ لِلَّذِي
_________
(١) حديث: " ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا " أخرجه أبو داود (١ / ٦٦٦ - ط عزت عبيد دعاس) وابن خزيمة (٣ / ١٥٧ - ١٥٨ ط المكتب الإسلامي) وإسناده حسن
جَاءَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ: اجْلِسْ: فَقَدْ آذَيْتَ وَآنَيْتَ (١) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَجُوزُ لِدَاخِل الْمَسْجِدِ أَنْ يَتَخَطَّى الصُّفُوفَ لِفُرْجَةٍ قَبْل جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَلاَ يَجُوزُ التَّخَطِّي بَعْدَهُ وَلَوْ لِفُرْجَةٍ. (٢)
وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلدَّاخِل مَوْضِعٌ وَبَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةٌ لاَ يَصِل إِلَيْهَا إِلاَّ بِتَخَطِّي رَجُلٍ أَوْ رَجُلَيْنِ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ يَسِيرٌ. وَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَإِنْ رَجَا إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ أَنْ يَتَقَدَّمُوا جَلَسَ حَتَّى يَقُومُوا، وَإِنْ لَمْ يَرْجُ أَنْ يَتَقَدَّمُوا جَازَ أَنْ يَتَخَطَّى لِيَصِل إِلَى الْفُرْجَةِ؛ لأَِنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، وَهَذِهِ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ لِلدَّاخِل إِذَا رَأَى فُرْجَةً لاَ يَصِل إِلَيْهَا إِلاَّ بِالتَّخَطِّي جَازَ لَهُ ذَلِكَ. (٣)
_________
(١) حديث: " اجلس فقد آذيت وآنيت " أخرجه أحمد (٤ / ١٨٨ - ط الميمنية)، وأبو داود (١ / ٦٦٨ - ط عزت عبيد دعاس) وقواه ابن حجر في الفتح (٢ / ٣٩٢ - ط السلفية)
(٢) ابن عابدين ١ / ٥٥٣، والفتاوى الهندية ١ / ١٤٧ - ١٤٨، ومنهاج الطالبين ١ / ٢٨٧، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٤٩ - ٣٥٠ وجواهر الإكليل ١ / ٩٧، والشرح الكبير ١ / ٣٨٥
(٣) الفتاوى الهندية ١ / ١٤٨، وجواهر الإكليل ١ / ٩٧، والشرح الكبير ١ / ٣٨٥، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ١٢١، ومنهاج الطالبين ١ / ٢٨٧، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٤٩ - ٣٥٠
٣ - وَإِذَا جَلَسَ فِي مَكَانٍ، ثُمَّ بَدَتْ لَهُ حَاجَةٌ أَوِ احْتَاجَ الْوُضُوءَ فَلَهُ الْخُرُوجُ وَلَوْ بِالتَّخَطِّي. قَال عُقْبَةُ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَقَال: ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ (١) فَإِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ (٢) وَحُكْمُهُ فِي التَّخَطِّي إِلَى مَوْضِعِهِ حُكْمُ مَنْ رَأَى بَيْنَ يَدَيْهِ فُرْجَةً عَلَى نَحْوِ مَا مَرَّ. (٣)
٤ - وَيَجُوزُ التَّخَطِّي بَعْدَ الْخُطْبَةِ وَقَبْل الصَّلاَةِ، وَلَوْ لِغَيْرِ فُرْجَةٍ، كَمَشْيٍ بَيْنَ الصُّفُوفِ وَلَوْ حَال الْخُطْبَةِ. قَال بِهِ الْمَالِكِيَّةُ. (٤)
وَالتَّخَطِّي لِلسُّؤَال كَرِهَهُ الْحَنَفِيَّةُ، فَلاَ يَمُرُّ السَّائِل بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، وَلاَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، وَلاَ يَسْأَل النَّاسَ إِلْحَافًا إِلاَّ إِذَا كَانَ لأَِمْرٍ لاَ بُدَّ مِنْهُ. (٥)
وَيَجُوزُ تَخَطِّي رِقَابِ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ عَلَى
_________
(١) حديث: " ذكرت شيئا من تبر عندنا. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٣٣٧ - ط السلفية)
(٢) حديث: " من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به " أخرجه مسلم (٤ / ١٧١٥ - ط الحلبي)
(٣) المغني لابن قدامة ٢ / ٣٥٠ م الرياض الحديثة
(٤) الشرح الكبير ١ / ٣٨٥
(٥) الفتاوى الهندية ١ / ١٤٨، وابن عابدين ١ / ٥٥٤
أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ حَيْثُ لاَ حُرْمَةَ لَهُمْ، عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ. (١)
٥ - وَيُكْرَهُ التَّخَطِّي فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ مِنْ مَجَامِعِ النَّاسِ بِلاَ أَذًى، فَإِنْ كَانَ فِيهِ أَذًى حَرُمَ (٢)
٦ - وَيَحْرُمُ إِقَامَةُ شَخْصٍ، وَلَوْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ؛ لِيَجْلِسَ مَكَانَهُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ يُقِيمُ الرَّجُل الرَّجُل مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ وَلَكِنْ يَقُول تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا (٣) وَقَال ﷺ: مَنْ سَبَقَ إِلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ (٤) وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُومَ الرَّجُل مِنْ مَجْلِسِهِ، ثُمَّ يَجْلِسَ مَكَانَهُ.
فَإِنْ قَعَدَ وَاحِدٌ مِنَ النَّاسِ فِي مَوْضِعٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُقِيمَهُ حَتَّى يَقْعُدَ مَكَانَهُ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لاَ يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ لْيُخَالِفْ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُول: افْسَحُوا (٥)
_________
(١) المغني لابن قدامة ٢ / ٣٥٠
(٢) حاشية قليوبي على منهاج الطالبين ١ / ٢٨٧
(٣) حديث: " لا يقم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه ولكن تفحسوا وتوسعوا ". أخرجه مسلم (٤ / ١٧١٤ - ط الحلبي)
(٤) حديث: " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له ". أخرجه أبو داود (٣ / ٤٥٣ - ط عزت عبيد دعاس) وفي إسناده جهالة، ستغربه المنذري. (عون المعبود ٣ / ١٤٢ - نشر دار الكتاب العربي)
(٥) حديث: " لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة، ثم ليخالف. . . " أخرجه مسلم (٤ / ١٧١٥ - ط الحلبي)
قَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيل لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (١) فَإِنْ قَامَ رَجُلٌ وَأَجْلَسَهُ مَكَانَهُ بِاخْتِيَارِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَجْلِسَ. وَأَمَّا صَاحِبُ الْمَوْضِعِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَنْتَقِل إِلَيْهِ مِثْل الأَْوَّل فِي سَمَاعِ كَلاَمِ الإِْمَامِ لَمْ يُكْرَهْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمَوْضِعُ الَّذِي انْتَقَل إِلَيْهِ دُونَ الَّذِي كَانَ فِيهِ فِي الْقُرْبِ مِنَ الإِْمَامِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ آثَرَ غَيْرَهُ فِي الْقُرْبَةِ، وَفِيهِ تَفْوِيتُ حَظِّهِ.
٧ - وَإِذَا أَمَرَ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا أَنْ يُبَكِّرَ إِلَى الْجَامِعِ فَيَأْخُذَ لَهُ مَكَانًا يَقْعُدُ فِيهِ لاَ يُكْرَهُ، فَإِذَا جَاءَ الآْمِرُ يَقُومُ مِنَ الْمَوْضِعِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ كَانَ يُرْسِل غُلاَمَهُ إِلَى مَجْلِسٍ لَهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَيَجْلِسُ لَهُ فِيهِ، فَإِذَا جَاءَ قَامَ لَهُ مِنْهُ (٢) .
تَخْفِيفٌ
انْظُرْ: تَيْسِيرٌ
_________
(١) سورة المجادلة / ١١
(٢) المهذب في فقه الشافعي ١ / ١٢١، وقليوبي على المنهاج ١ / ٢٨٧، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٥١ ط الرياض الحديثة، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٧ / ٢٩٧ - ٢٩٨
تَخَلُّلٌ
انْظُرْ: تَخْلِيلٌ
تَخَلِّي
انْظُرْ: قَضَاءَ الْحَاجَةِ
تَخْلِيلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّخْلِيل لُغَةً يَأْتِي بِمَعَانٍ، مِنْهَا: تَفْرِيقُ شَعْرِ اللِّحْيَةِ وَأَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، يُقَال: خَلَّل الرَّجُل لِحْيَتَهُ: إِذَا أَوْصَل الْمَاءَ إِلَى خِلاَلِهَا، وَهُوَ الْبَشَرَةُ الَّتِي بَيْنَ الشَّعْرِ. وَأَصْلُهُ مِنْ إِدْخَال الشَّيْءِ فِي خِلاَل الشَّيْءِ، وَهُوَ وَسَطُهُ. وَيُقَال: خَلَّل الشَّخْصُ أَسْنَانَهُ تَخْلِيلًا: إِذَا أَخْرَجَ
مَا يَبْقَى مِنَ الْمَأْكُول بَيْنَهَا. وَخَلَّلْتُ النَّبِيذَ تَخْلِيلًا: جَعَلْتُهُ خَلًّا (١) .
وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ كَلِمَةَ التَّخْلِيل بِهَذِهِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ.
أَحْكَامُ التَّخْلِيل بِأَنْوَاعِهِ:
أَوَّلًا: التَّخْلِيل فِي الطَّهَارَةِ:
أ - تَخْلِيل الأَْصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل:
٢ - إِيصَال الْمَاءِ بَيْنَ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ بِالتَّخْلِيل أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مُتَمِّمَاتِ الْغُسْل، (٢) فَهُوَ فَرْضٌ فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (٣) .
أَمَّا التَّخْلِيل بَعْدَ دُخُول الْمَاءِ خِلاَل الأَْصَابِعِ، فَعِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) أَنَّ تَخْلِيل الأَْصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِلَقِيطِ بْنِ صَبْرَةَ: أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّل بَيْنَ الأَْصَابِعِ (٤)، وَقَدْ
_________
(١) لسان العرب صباح المنير مادة: " خلل "
(٢) ابن عابدين ١ / ٨٠، وجواهر الإكليل ١ / ١٤، ومغني المحتاج ١ / ٦٠، والإقناع للشربيني ١ / ٤٥، وكشاف القناع ١ / ٩٧
(٣) سورة المائدة / ٦
(٤) حديث: " أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع. . . " أخرجه الترمذي (٤ / ١٥٥ - ط عيسى الحلبي) من حديث لقيط بن صبرة، وصححه ابن حجر في الإصابة (٣ / ٣٢٩ - ط مطبعة السعادة)