الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 10

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَالْحَنَابِلَةُ يَرَوْنَ أَنَّ التَّخْلِيل فِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ آكَدُ، وَعَلَّلُوا اسْتِحْبَابَ التَّخْلِيل بِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إِزَالَةِ الدَّرَنِ وَالْوَسَخِ مِنْ بَيْنِ الأَْصَابِعِ. (١)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ إِلَى وُجُوبِ التَّخْلِيل فِي أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَاسْتِحْبَابِهِ فِي أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا وَجَبَ تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ دُونَ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ لِعَدَمِ شِدَّةِ الْتِصَاقِهَا، فَأَشْبَهَتِ الأَْعْضَاءَ الْمُسْتَقِلَّةَ، بِخِلاَفِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ لِشِدَّةِ الْتِصَاقِهَا، فَأَشْبَهَ مَا بَيْنَهَا الْبَاطِنُ.

وَفِي الْقَوْل الآْخَرِ عِنْدَهُمْ: يَجِبُ التَّخْلِيل فِي الرِّجْلَيْنِ كَالْيَدَيْنِ.

وَمُرَادُ الْمَالِكِيَّةِ بِوُجُوبِ التَّخْلِيل إِيصَال الْمَاءِ لِلْبَشَرَةِ بِالدَّلْكِ. (٢)

٣ - وَكَذَلِكَ يُسَنُّ تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ فِي الْغُسْل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلاَمِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، حَيْثُ ذَكَرُوا فِي بَيَانِ الْغُسْل الْكَامِل الْمُشْتَمِل عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ أَنْ يَتَوَضَّأَ كَامِلًا قَبْل أَنْ يَحْثُوَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثًا، لِقَوْلِهِ ﷺ: ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ (٣) وَقَدْ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٨٠، ومغني المحتاج ١ / ٦٠، والمغني لابن قدامة ١ / ١٠٨، وكشاف القناع ١ / ١٠٢

(٢) الدسوقي مع الشرح الكبير ١ / ٨٩، والفواكه الدواني ١ / ١٦٣، ١٦٦، والشرح الصغير ١ / ١٠٦، ١٠٧

(٣) حديث: " ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة. . . " لفعله ﷺ كما ذكرت عائشة. أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٦٠ - ط السلفية)، ومسلم (١ / ٢٥٤ ط عيسى الحلبي)

سَبَقَ أَنَّ تَخْلِيل الأَْصَابِعِ سُنَّةٌ عِنْدَهُمْ فِي الْوُضُوءِ، فَكَذَلِكَ فِي الْغُسْل. (١)

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ إِلَى وُجُوبِ تَخْلِيل أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ كَأَصَابِعِ الْيَدَيْنِ فِي الْغُسْل؛ لأَِنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِيهِ الْمُبَالَغَةُ عَلَى خِلاَفِ مَا قَالُوا فِي الْوُضُوءِ مِنِ اسْتِحْبَابِ تَخْلِيل أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ. (٢)

ب - تَخْلِيل الأَْصَابِعِ فِي التَّيَمُّمِ:

٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي أَنَّ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فَرْضٌ فِي التَّيَمُّمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٣)

كَذَلِكَ يَجِبُ تَعْمِيمُ وَاسْتِيعَابُ مَحَل الْفَرْضِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، وَلِهَذَا صَرَّحُوا بِوُجُوبِ نَزْعِ الْخَاتَمِ وَالسِّوَارِ إِذَا كَانَا ضَيِّقَيْنِ يُخْشَى عَدَمُ وُصُول الْغُبَارِ إِلَى مَا تَحْتَهُمَا، حَتَّى إِنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا بِوُجُوبِ نَزْعِ الْخَاتَمِ، وَلَوْ كَانَ وَاسِعًا، وَإِلاَّ كَانَ حَائِلًا.

وَعَلَى ذَلِكَ يَجِبُ تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ إِنْ لَمْ يَدْخُل بَيْنَهَا غُبَارٌ، أَوْ لَمْ تُمْسَحْ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ.

_________

(١) ابن عابدين ١ / ١٠٥، ونهاية المحتاج ١ / ٢٠٨، وكشاف القناع ١ / ١٥٢

(٢) الفواكه الدواني ١ / ١٦٦

(٣) سورة المائدة / ٦

أَمَّا تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ بَعْدَ مَسْحِهِمَا، فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِاسْتِحْبَابِهِ احْتِيَاطًا، وَهُوَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِنْ فَرَّقَ أَصَابِعَهُ فِي الضَّرْبَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُفَرِّقْهَا فِيهِمَا، أَوْ فَرَّقَهَا فِي الأُْولَى دُونَ الثَّانِيَةِ وَجَبَ التَّخْلِيل. وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ مَا يُوَافِقُ مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، حَيْثُ قَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ وُجُوبَ التَّخْلِيل بِعَدَمِ وُصُول الْغُبَارِ إِلَى الأَْصَابِعِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ تَعْمِيمُ يَدَيْهِ لِكُوعَيْهِ مَعَ تَخْلِيل أَصَابِعِهِ مُطْلَقًا. (١)

كَيْفِيَّةُ تَخْلِيل الأَْصَابِعِ:

٥ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ تَخْلِيل أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ يَكُونُ بِالتَّشْبِيكِ بَيْنَهُمَا. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يُدْخِل أَصَابِعَ إِحْدَاهُمَا بَيْنَ أَصَابِعِ الأُْخْرَى، سَوَاءٌ أَدَخَل مِنَ الظَّاهِرِ أَوِ الْبَاطِنِ، وَلاَ يَكْرَهُونَ التَّشْبِيكَ فِي الْوُضُوءِ.

وَقَال بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِكَرَاهَةِ التَّشْبِيكِ، مُسْتَدِلِّينَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ١٥٨، ١٥٩، والزيلعي ١ / ٣٨، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ١٥٥، ومغني المحتاج ١ / ١٠٠، ونهاية المحتاج ١ / ٢٨٥، والمغني لابن قدامة ١ / ٢٥٤، وكشاف القناع ١ / ١٧٩

أَتَى الْمَسْجِدَ، كَانَ فِي صَلاَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ، فَلاَ يَفْعَل هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ (١) .

أَمَّا تَخْلِيل أَصَابِعِ الرِّجْل، فَيُسْتَحَبُّ فِيهِ أَنْ يَبْدَأَ بِخِنْصَرِ الرِّجْل الْيُمْنَى، وَيَخْتِمَ بِخِنْصَرِ الرَّجُل الْيُسْرَى لِيَحْصُل التَّيَامُنُ، وَهُوَ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ؛ لِحَدِيثِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ فَخَلَّل أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصَرِهِ (٢) وَلِمَا وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي وُضُوئِهِ (٣) إِلاَّ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ قَالُوا: التَّخْلِيل يَكُونُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى؛ لأَِنَّهَا مُعَدَّةٌ لإِزَالَةِ الْوَسَخِ وَالدَّرَنِ مِنْ بَاطِنِ رِجْلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ أَبْلَغُ.

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٨٠، والفواكه الدواني ١ / ١٦٣، والدسوقي ١ / ٨٧، ومغني المحتاج ١ / ٦٠، وكشاف القناع ١ / ١٠٢، ومطالب أولي النهى ١ / ٩٦. حديث: " إذا توضأ أحدكم. . . " أخرجه الحاكم (١ / ٢٠٦ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي

(٢) حديث: المستورد بن شداد: رأيت رسول الله ﷺ " توضأ فخلل. . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ١٥٢ ط - عيسى الحلبي) . صححه ابن القطان (التلخيص لابن حجر ١ / ٩٤ - ط شركة الطباعة الفنية)

(٣) حديث: " كان يحب التيامن في وضوئه. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٢٣ - ط السلفية) . مسلم (١ / ٢٢٦ - ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة ﵂

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَكُونُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُمْنَى أَوِ الْيُسْرَى، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَكُونُ بِسَبَّابَتَيْهِ. (١)

ج - تَخْلِيل الشَّعْرِ:

(١) تَخْلِيل اللِّحْيَةِ:

٦ - اللِّحْيَةُ الْخَفِيفَةُ - وَهِيَ الَّتِي تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ تَحْتَهَا وَلاَ تَسْتُرُهَا عَنِ الْمُخَاطَبِ - يَجِبُ غَسْل ظَاهِرِهَا وَإِيصَال الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَهَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْل، وَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ تَخْلِيلِهَا بِغَيْرِ خِلاَفٍ، وَذَلِكَ لِفَرْضِيَّةِ غَسْل الْوَجْهِ بِعُمُومِ الآْيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ . . الآْيَةَ. (٢)

أَمَّا اللِّحْيَةُ الْكَثِيفَةُ - وَهِيَ الَّتِي لاَ تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ تَحْتَهَا - فَيَجِبُ غَسْل ظَاهِرِهَا، وَلَوْ كَانَتْ مُسْتَرْسِلَةً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ. (٣)

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - وَهُوَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - أَنَّهُ لاَ يَجِبُ غَسْل مَا اسْتَرْسَل مِنَ اللِّحْيَةِ، لأَِنَّهُ خَارِجٌ عَنْ دَائِرَةِ الْوَجْهِ، فَأَشْبَهَ مَا نَزَل مِنْ شَعْرِ الرَّأْسِ. (٤)

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٨٠، والفواكه الدواني ١ / ١٦٦، والدسوقي ١ / ٨٩، ومغني المحتاج ١ / ٦٠، وكشاف القناع ١ / ١٠٢، والمغني ١ / ١٠٨

(٢) سورة المائدة / ٦

(٣) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ٨٦، ومغني المحتاج ١ / ٥١، والمغني لابن قدامة ١ / ١١٧

(٤) ابن عابدين ١ / ٦٨، ٦٩، ومغني المحتاج ١ / ٥٢، ٦٠، والمغني لابن قدامة ١ / ١١٧، وكشاف القناع ١ / ٩٦

وَلأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِغَسْل الْوَجْهِ، وَهُوَ مَا تَحْصُل بِهِ الْمُوَاجَهَةُ، وَفِي اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ تَحْصُل الْمُوَاجَهَةُ بِالشَّعْرِ الظَّاهِرِ.

أَمَّا بَاطِنُهَا فَلاَ يَجِبُ غَسْلُهُ اتِّفَاقًا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ فَغَسَل وَجْهَهُ، أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ أَخَذَ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَجَعَل بِهَا هَكَذَا: أَضَافَهَا إِلَى يَدِهِ الأُْخْرَى، فَغَسَل بِهَا وَجْهَهُ (١) وَكَانَتْ لِحْيَتُهُ الْكَرِيمَةُ كَثِيفَةً، وَبِالْغَرْفَةِ الْوَاحِدَةِ لاَ يَصِل الْمَاءُ إِلَى بَاطِنِهَا غَالِبًا، وَيَعْسُرُ إِيصَال الْمَاءِ إِلَيْهِ.

٧ - وَيُسَنُّ تَخْلِيل اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ تَحْتَ حَنَكِهِ فَخَلَّل بِهِ لِحْيَتَهُ، وَقَال: هَكَذَا أَمَرَنِي رَبِّي (٢) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَخْلِيل شَعْرِ اللِّحْيَةِ الْكَثِيفَةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ: الْوُجُوبُ، وَالْكَرَاهَةُ

_________

(١) حديث " أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٢٤٠ ط السلفية)

(٢) ابن عابدين ١ / ٧٩، ٨٠، والمغني ١ / ١٠٥، وكشاف القناع ١ / ١٠٦. وحديث: " كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء تحت حنكه. . . " أخرجه أبو داود (١ / ١٠١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أنس، وهو صحيح لطرقه. التلخيص لابن حجر (١ / ٨٦ ط شركة الطباعة الفنية)

وَالاِسْتِحْبَابُ، أَظْهَرُهَا الْكَرَاهَةُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّعَمُّقِ. (١)

٨ - أَمَّا فِي الْغُسْل فَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّخْلِيل، بَل يَجِبُ إِيصَال الْمَاءِ إِلَى أُصُول شَعْرِ اللِّحْيَةِ وَلَوْ كَثِيفَةً اتِّفَاقًا بَيْنَ الْمَذَاهِبِ، لِقَوْلِهِ ﷺ: تَحْتَ كُل شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ (٢) .

وَلِكَيْ يَتَأَكَّدَ مِنْ وُصُول الْمَاءِ إِلَى أُصُول الشَّعْرِ وَيَتَجَنَّبَ الإِْسْرَافَ قَالُوا: يُدْخِل الْمُغْتَسِل أَصَابِعَهُ الْعَشْرَ يَرْوِي بِهَا أُصُول الشَّعْرِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ لِيَكُونَ أَبْعَدَ عَنِ الإِْسْرَافِ فِي الْمَاءِ.

وَمَنْ عَبَّرَ بِوُجُوبِ تَخْلِيل اللِّحْيَةِ كَالْمَالِكِيَّةِ، أَرَادَ بِذَلِكَ أَيْضًا إِيصَال الْمَاءِ إِلَى أُصُول الشَّعْرِ. (٣)

(٢) تَخْلِيل شَعْرِ الرَّأْسِ:

٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ إِرْوَاءُ أُصُول شَعْرِ الرَّأْسِ فِي الْغُسْل، سَوَاءٌ كَانَ الشَّعْرُ خَفِيفًا أَوْ كَثِيفًا (٤)، لِمَا رَوَتْ أَسْمَاءُ ﵂ أَنَّهَا سَأَلَتِ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ غُسْل الْجَنَابَةِ فَقَال: تَأْخُذُ

_________

(١) الدسوقي ١ / ٨٦، والفواكه الدواني ١ / ١٦٢

(٢) حديث: " تحت كل شعرة جنابة. . . " أخرجه أبو داود (١ / ١٧٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة وقال ابن حجر: مداره على الحارث بن وجبة وهو ضعيف جدا. (التلخيص الحبير ١ / ١٤٢ - ط شركة الطباعة الفنية)

(٣) ابن عابدين ١ / ١٠٣، وحاشية الدسوقي مع الشرح الكبير ١ / ١٣٤، ومغني المحتاج ١ / ٧٤، والمهذب ١ / ٣٤، وكشاف القناع ١ / ١٥٤

(٤) ابن عابدين ١ / ١٠٤، وحاشية الدسوقي ١ / ١٣٤، وكشاف القناع ١ / ١٥٤، والمغني لابن قدامة ١ / ٢٢٧، ومغني المحتاج ١ / ٧٣

إِحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَتَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا فَتُدَلِّكُهُ، حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ (١)، وَعَنْ عَلِيٍّ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِل بِهِ مِنَ النَّارِ كَذَا وَكَذَا، قَال عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْت شَعْرِي (٢) وَعَلَى ذَلِكَ فَلاَ يُجْزِي مُجَرَّدُ تَخْلِيل الشَّعْرِ فِي الْغُسْل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. (٣)

وَقَدْ صَرَّحَ فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ بِوُجُوبِ تَخْلِيل شَعْرِ الرَّأْسِ وَلَوْ كَثِيفًا، لِلتَّأَكُّدِ مِنْ وُصُول الْمَاءِ إِلَى أُصُولِهِ، حَيْثُ قَالُوا: وَيَجِبُ تَخْلِيل شَعْرٍ وَلَوْ كَثِيفًا وَضَغْثُ مَضْفُورِهِ - أَيْ جَمْعُهُ وَتَحْرِيكُهُ - لِيَعُمَّهُ بِالْمَاءِ، (٤) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَلاَ يَخْتَلِفُ حُكْمُ الشَّعْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِ الْمُحْرِمِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، لَكِنَّ الْمُحْرِمَ يُخَلِّل

_________

(١) حديث: " تأخذ إحداكن ماءها وسدرتها فتطهر. . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٦١ - ط عيسى الحلبي) من حديث أسماء

(٢) حديث: " من ترك موضع شعرة من جنابة. . . " أخرجه أبو داود (١ / ١٧٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث علي بن أبي طالب وفي إسناده راو مختلط. التلخيص الحبير لابن حجر (١ / ١٤٢ - ط شركة الطباعة الفنية)

(٣) ابن عابدين ١ / ١٠٣، ١٠٤، وجواهر الإكليل ١ / ١٣، ومغني المحتاج ١ / ٧٣، والمغني لابن قدامة ١ / ٢٢٧، ٢٢٨

(٤) جواهر الإكليل ١ / ٢٣، والشرح الصغير ١ / ١٠٦، ١٠٧

بِرِفْقٍ لِئَلاَّ يَتَسَاقَطَ الشَّعْرُ. وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ التَّخْلِيل لِلْمُحْرِمِ. (١)

ثَانِيًا: تَخْلِيل الأَْسْنَانِ:

١٠ - تَنْظِيفُ الأَْسْنَانِ بِالسِّوَاكِ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْفِطْرَةِ، وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (اسْتِيَاكٌ) .

١١ - أَمَّا تَخْلِيلُهَا بَعْدَ الأَْكْل بِالْخِلاَل لإِخْرَاجِ مَا بَيْنَهَا مِنَ الطَّعَامِ، فَقَدْ ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي آدَابِ الأَْكْل. قَال الْبُهُوتِيُّ الْحَنْبَلِيُّ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلِّل أَسْنَانَهُ إِنْ عَلِقَ بِهَا شَيْءٌ مِنَ الطَّعَامِ، قَال فِي الْمُسْتَوْعَبِ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: تَرْكُ الْخِلاَل يُوهِنُ الأَْسْنَانَ. وَرُوِيَ: تَخَلَّلُوا مِنَ الطَّعَامِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَشَدَّ عَلَى الْمَلَكَيْنِ أَنْ يَرَيَا بَيْنَ أَسْنَانِ صَاحِبِهِمَا طَعَامًا وَهُوَ يُصَلِّي (٢) .

قَال الأَْطِبَّاءُ: وَهُوَ نَافِعٌ أَيْضًا لِلِّثَةِ وَمِنْ تَغَيُّرِ النَّكْهَةِ. وَلاَ يُخَلِّل أَسْنَانَهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّعَامِ، بَل إِذَا فَرَغَ. (٣) وَمِثْلُهُ مَا ذُكِرَ فِي كُتُبِ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ. (٤)

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٧٩، وجواهر الإكليل ١ / ١٨٩، ومغني المحتاج ١ / ٦٠

(٢) حديث: " تخللوا من الطعام فإنه ليس شيء أشد على. . . " قال الهيثمي: رواه الطبراني أحمد، وفي إسناده واصل بن السائب وهو ضعيف. (مجمع الزوائد ٥ / ٣٠ - ط القدسي)

(٣) كشاف القناع عن متن الإقناع ٥ / ١٧٨

(٤) انظر بلغة السالك للدردير ٤ / ٧٥٢، وأسنى المطالب ٣ / ٢٢٨

مَا تُخَلَّل بِهِ الأَْسْنَانُ:

١٢ - يُسَنُّ التَّخْلِيل قَبْل السِّوَاكِ وَبَعْدَهُ، وَمِنْ أَثَرِ الطَّعَامِ، وَكَوْنُ الْخِلاَل مِنْ عُودٍ، وَيُكْرَهُ بِالْحَدِيدِ وَنَحْوِهِ، وَبِعُودٍ يَضُرُّهُ كَرُمَّانٍ وَآسٍ، وَلاَ يُخَلِّل بِمَا يَجْهَلُهُ لِئَلاَّ يَكُونَ مِمَّا يَضُرُّهُ، وَكَذَا مَا يَجْرَحُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ. (١)

وَلاَ يَجُوزُ تَخْلِيل الأَْسْنَانِ أَوِ الشَّعْرِ بِآلَةٍ مِنَ الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ، (٢) وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (آنِيَةٌ) .

وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ بَلْعِ مَا يَخْرُجُ مِنْ خِلاَل الأَْسْنَانِ: فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، يُلْقِي مَا أَخْرَجَهُ الْخَلاَّل، وَيُكْرَهُ أَنْ يَبْتَلِعَهُ، وَإِنْ قَلَعَهُ بِلِسَانِهِ لَمْ يُكْرَهُ ابْتِلاَعُهُ كَسَائِرِ مَا بِفَمِهِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ بَلْعُ مَا بَيْنَ الأَْسْنَانِ إِلاَّ لِخَلْطِهِ بِدَمٍ، فَلَيْسَ مُجَرَّدُ التَّغَيُّرِ يُصَيِّرُهُ نَجَسًا خِلاَفًا لِمَا قِيل. (٣)

_________

(١) الإقناع للشربيني ١ / ٣٢، وكشاف القناع ٥ / ١٧٨، وأسنى المطالب ٣ / ٢٢٨

(٢) تكملة فتح القدير ٨ / ٨١ ط بولاق، وابن عابدين ٥ / ٢١٧، وحاشية الدسوقي ١ / ٦٤، والمجموع ١ / ٢٤٦، ٢٥٠، ٢٥٤، والمغني لابن قدامة ١ / ٧٥ ٧٧ ط الرياض

(٣) أسنى المطالب ٣ / ٢٢٨، وكشاف القناع ٥ / ١٧٨، والشرح الصغير ٤ / ٧٥٢