الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
ثَالِثًا: تَخْلِيل الْخَمْرِ:
١٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ إِذَا تَخَلَّلَتْ بِغَيْرِ عِلاَجٍ، بِأَنْ تَغَيَّرَتْ مِنَ الْمَرَارَةِ إِلَى الْحُمُوضَةِ وَزَالَتْ أَوْصَافُهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْخَل حَلاَلٌ طَاهِرٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ: نِعْمَ الأُْدْمُ أَوِ الإِْدَامُ الْخَل (١)، وَلأَِنَّ عِلَّةَ النَّجَاسَةِ وَالتَّحْرِيمِ الإِْسْكَارُ، وَقَدْ زَالَتْ، وَالْحُكْمُ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا (٢) .
وَكَذَلِكَ إِذَا تَخَلَّلَتْ بِنَقْلِهَا مِنْ شَمْسٍ إِلَى ظِلٍّ وَعَكْسِهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ: (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ) وَبِهِ قَال الْحَنَابِلَةُ إِذَا كَانَ النَّقْل لِغَيْرِ قَصْدِ التَّخْلِيل. (٣)
١٤ - وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَخْلِيل الْخَمْرِ بِإِلْقَاءِ شَيْءٍ فِيهَا، كَالْخَل وَالْبَصَل وَالْمِلْحِ وَنَحْوِهِ. فَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: إِنَّهُ لاَ يَحِل تَخْلِيل الْخَمْرِ بِالْعِلاَجِ، وَلاَ تَطْهُرُ بِذَلِكَ، لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: سُئِل النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلًّا، قَال: لاَ (٤) .
_________
(١) حديث: " نعم الأدم أو الإدام الخل ". أخرجه مسلم (٤ / ١٦٢١ - ط عيسى الحلبي) من حديث عائشة ﵂
(٢) ابن عابدين ١ / ٢٠٩، ٥ / ٢٩٠، وتبيين الحقائق للزيلعي ١ / ٤٨، والدسوقي ١ / ٥٢، والحطاب ١ / ٩٧، ٩٨، ونهاية المحتاج ١ / ٢٣٠، ٢٣١، وكشاف القناع ١ / ١٨٧، والمغني ١ / ٧٢
(٣) المراجع السابقة
(٤) حديث: " سئل النبي ﷺ عن الخمر تتخذ خلا؟ . . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٥٧٣ - ط عيسى الحلبي) من حديث أنس
وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِإِهْرَاقِهَا. (١) وَلأَِنَّ الْخَمْرَ نَجِسَةٌ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاجْتِنَابِهَا، وَمَا يُلْقَى فِي الْخَمْرِ يَتَنَجَّسُ بِأَوَّل الْمُلاَقَاةِ، وَمَا يَكُونُ نَجِسًا لاَ يُفِيدُ الطَّهَارَةَ. (٢)
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بِجَوَازِ تَخْلِيل الْخَمْرِ، فَتَصِيرُ بَعْدَ التَّخْلِيل طَاهِرَةً حَلاَلًا عِنْدَهُمْ، لِقَوْلِهِ ﵊: نِعْمَ الإِْدَامُ الْخَل (٣) فَيَتَنَاوَل جَمِيعَ أَنْوَاعِهَا؛
وَلأَِنَّ بِالتَّخْلِيل إِزَالَةَ الْوَصْفِ الْمُفْسِدِ وَإِثْبَاتَ الصَّلاَحِ، وَالإِْصْلاَحُ مُبَاحٌ كَمَا فِي دَبْغِ الْجِلْدِ، فَإِنَّ الدِّبَاغَ يُطَهِّرُهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ: أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ (٤) . وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (خَمْرٌ)
_________
(١) حديث: " أمر بإهراقها " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣٧ - السلفية)، ومسلم (٣ / ١٥٧١ - ط عيسى الحلبي) من حديث أنس بن مالك
(٢) نهاية المحتاج ١ / ١٣١، ١٣٢، وكشاف القناع ١ / ١٨٧، والحطاب ١ / ٩٨
(٣) حديث: " نعم الإدام الخل " سبق تخريجه (ف ١٣)
(٤) الزيلعي ٣ / ٤٨، وحاشية ابن عابدين على الدر ١ / ٢٠٩، ٥ / ٢٩٠، والحطاب ١ / ٩٨، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٢. وحديث: " أيما إهاب دبغ. . . " أخرجه النسائي ٧ / ١٧٣ ط المكتبة التجارية من حديث ابن عباس ﵄، وأصله في صحيح مسلم (١ / ١٧٧، ط عيسى الحلبي) بلفظ " إذا دبغ الإهاب فقد طهر "
تَخْلِيَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّخْلِيَةُ لُغَةً: مَصْدَرُ خَلَّى، وَمِنْ مَعَانِيهَا فِي اللُّغَةِ: التَّرْكُ وَالإِْعْرَاضُ. (١)
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: تَمْكِينُ الشَّخْصِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الشَّيْءِ دُونَ مَانِعٍ. فَفِي الْبَيْعِ مَثَلًا إِذَا أَذِنَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ مَعَ عَدَمِ وُجُودِ الْمَانِعِ حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ، وَيُعْتَبَرُ الْمُشْتَرِي قَابِضًا لِلْمَبِيعِ مُطْلَقًا. (٢)
وَتُسْتَعْمَل التَّخْلِيَةُ أَحْيَانًا بِمَعْنَى الإِْفْرَاجِ، كَمَا يَقُولُونَ: يُحْبَسُ الْقَاتِل وَلاَ يُخَلَّى بِكَفِيلٍ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْقَبْضُ:
٢ - قَبْضُ الشَّيْءِ: أَخْذُهُ. وَاسْتَعْمَلَهُ الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَى حِيَازَةِ الشَّيْءِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ التَّصَرُّفِ
_________
(١) تاج العروس ومتن اللغة مادة: " خلا "
(٢) البدائع ٥ / ٢٤٤، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣ / ١٤٥، وحاشية القليوبي ٢ / ٢١٥، والمغني لابن قدامة ٤ / ١٢٥، ١٢٦ - ومجلة الأحكام العدلية مادة: " ٢٦٣ "
(٣) القليوبي ٤ / ١٢٢
فِيهِ (١)، فَالْفَرْقُ بَيْنَ التَّخْلِيَةِ وَالْقَبْضِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنَّ التَّخْلِيَةَ نَوْعٌ مِنَ الْقَبْضِ، وَيَحْصُل الْقَبْضُ بِأُمُورٍ أُخْرَى أَيْضًا، كَالتَّنَاوُل بِالْيَدِ وَالنَّقْل، وَكَذَلِكَ الإِْتْلاَفُ، فَإِذَا أَتْلَفَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ فِي يَدِ الْبَائِعِ مَثَلًا صَارَ قَابِضًا لَهُ. (٢)
الثَّانِي: أَنَّ التَّخْلِيَةَ تَكُونُ مِنْ قِبَل الْمُعْطِي، وَالْقَبْضَ مِنْ قِبَل الآْخِذِ، فَإِذَا خَلَّى الْبَائِعُ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي بِرَفْعِ الْحَائِل بَيْنَهُمَا، حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ مِنَ الْبَائِعِ وَالْقَبْضُ مِنَ الْمُشْتَرِي. (٣)
ب - التَّسْلِيمُ:
٣ - تَسْلِيمُ الشَّيْءِ: إِعْطَاؤُهُ وَجَعْلُهُ سَالِمًا خَالِصًا، يُقَال: سَلَّمَ الشَّيْءَ لَهُ أَخْلَصَهُ وَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ التَّخْلِيَةِ فِي الْمَعْنَى، حَتَّى إِنَّ الأَْحْنَافَ قَالُوا: التَّسْلِيمُ عِنْدَنَا هُوَ التَّخْلِيَةُ. (٤)
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ التَّخْلِيَةَ تَسْلِيمٌ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَقَارًا، أَمَّا فِي الْمَنْقُول فَبِحَسَبِهِ أَوْ بِالْعُرْفِ، كَمَا سَيَأْتِي.
_________
(١) شرح مرشد الحيران ١ / ٥٨، والبدائع ٥ / ٢٤٦، وقليوبي ٢ / ٢١٥، والحطاب ٤ / ٤٧٨، والمغني ٤ / ٢٢٦
(٢) البدائع ٥ / ٢٤٦، وكشاف القناع ٣ / ٢٤٤، وقليوبي ٢ / ٢١١ - ٢١٧
(٣) القليوبي ٢ / ٢١٥، والوجيز للغزالي ١ / ١٤٦، والبدائع ٥ / ٢٤٤، والمغني ٤ / ١٢٥
(٤) معجم اللغة مادة " سلم " بدائع الصنائع ٥ / ٢٤٤
وَالأَْصْل أَنَّ التَّخْلِيَةَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ التَّسْلِيمِ، وَالْقَبْضَ أَثَرٌ لَهُمَا، فَالتَّسْلِيمُ قَدْ يَكُونُ بِالنَّقْل وَالتَّحْوِيل، وَقَدْ يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ، فَإِذَا بَاعَ دَارًا مَثَلًا، وَخَلَّى الْبَائِعُ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي، بِرَفْعِ الْحَائِل بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، أَصْبَحَ الْبَائِعُ مُسَلِّمًا لِلْمَبِيعِ وَالْمُشْتَرِي قَابِضًا لَهُ. (١)
الأَْحْكَامُ الإِْجْمَالِيَّةُ لِلتَّخْلِيَةِ:
٤ - التَّخْلِيَةُ قَبْضٌ فِي الْعَقَارِ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ فِي بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٢)
أَمَّا تَخْلِيَةُ مَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ مِنَ الأَْعْيَانِ فَاخْتَلَفُوا فِيهَا:
قَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ التَّخْلِيَةَ قَبْضٌ حُكْمًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بِلاَ كُلْفَةٍ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلاَفِ الْمَبِيعِ، فَفِي نَحْوِ حِنْطَةٍ فِي بَيْتٍ مَثَلًا دَفْعُ الْمِفْتَاحِ إِذَا أَمْكَنَهُ الْفَتْحُ بِلاَ كُلْفَةٍ قَبْضٌ، وَفِي نَحْوِ بَقَرٍ فِي مَرْعًى بِحَيْثُ يُرَى وَيُشَارُ إِلَيْهِ قَبْضٌ، وَفِي نَحْوِ ثَوْبٍ بِحَيْثُ لَوْ مَدَّ يَدَهُ فَتَصِل إِلَيْهِ قَبْضٌ، وَفِي
_________
(١) البدائع ٥ / ٢٤٤، والدسوقي ٣ / ١٤٥، والمجموع ٩ / ٢٦٥، ٢٧٢، والمغني لابن قدامة ٤ / ١٢٥
(٢) شرح معاني الآثار للطحاوي ٤ / ٣٦، وجواهر الإكليل ٢ / ٥٢، والمجموع للنووي ٩ / ٢٦٥، ٢٦٦، والمغني ٤ / ١١٨، ١١٩
نَحْوِ فَرَسٍ أَوْ طَيْرٍ فِي بَيْتٍ يُمْكِنُ أَخْذُهُ مِنْهُ بِلاَ مُعِينٍ قَبْضٌ. (١)
وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لاِعْتِبَارِ التَّخْلِيَةِ قَبْضًا أَنْ يَقُول الْبَائِعُ: خَلَّيْتُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمَبِيعِ، فَلَوْ لَمْ يَقُلْهُ، أَوْ كَانَ بَعِيدًا لَمْ يَصِرْ قَابِضًا، وَالْمُرَادُ بِهِ الإِْذْنُ بِالْقَبْضِ، لاَ خُصُوصُ لَفْظِ التَّخْلِيَةِ. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُعْتَمَدِ: إِنَّ مَا يُنْقَل فِي الْعَادَةِ، كَالأَْخْشَابِ وَالْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا، فَقَبْضُهُ بِالنَّقْل إِلَى مَكَانٍ لاَ اخْتِصَاصَ لِلْبَائِعِ بِهِ، وَمَا يُتَنَاوَل بِالْيَدِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالثَّوْبِ وَالْكِتَابِ فَقَبْضُهُ بِالتَّنَاوُل. (٣)
وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَابِلَةُ. (٤) فَلاَ تَكْفِي التَّخْلِيَةُ فِي الْمَنْقُول عِنْدَهُمْ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ قَبْضَ الْعَقَارِ يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ لِلْمُشْتَرِي وَتَمْكِينُهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، بِتَسْلِيمِ مَفَاتِيحِهِ إِنْ كَانَتْ، وَقَبْضُ غَيْرِهِ يَكُونُ حَسَبَ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ كَحِيَازَةِ الثَّوْبِ وَاسْتِلاَمِ مِقْوَدِ الدَّابَّةِ. (٥)
٥ - وَفِي الْمَوَاضِيعِ الَّتِي تُعْتَبَرُ التَّخْلِيَةُ فِيهَا تَسْلِيمًا وَقَبْضًا يَنْتَقِل الضَّمَانُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُخَلِّي إِلَى ذِمَّةِ
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٤٣، والمجموع للنووي ٩ / ٢٦٥ - ٢٧٠، والمغني لابن قدامة ٤ / ١٢٥
(٢) ابن عابدين ٤ / ٤٣
(٣) المجموع للنووي ٩ / ٢٧٠ - ٢٧٢
(٤) المغني لابن قدامة ٤ / ١٢٦، ١٢٩
(٥) جواهر الإكليل ٢ / ٥١
الْقَابِضِ، وَهُوَ يَتَحَمَّل الْخَسَارَةَ، فَفِي عَقْدِ الْبَيْعِ مَثَلًا إِذَا حَصَل الْقَبْضُ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالْمُشْتَرِي فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لأَِنَّ ضَمَانَ الْمَبِيعِ بَعْدَ الْقَبْضِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالاِتِّفَاقِ. (١) انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (ضَمَانٌ) .
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الضَّمَانَ يَحْصُل فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ، وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْقَبْضِ إِلاَّ فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا: بَيْعُ الْغَائِبِ وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ وَالْبَيْعُ بِالْخِيَارِ، وَبَيْعُ مَا فِيهِ حَقُّ التَّوْفِيَةِ بِالْكَيْل أَوِ الْوَزْنِ أَوِ الْعَدَدِ. (٢)
وَهُنَاكَ عُقُودٌ لاَ تَتِمُّ إِلاَّ بِالْقَبْضِ، كَعَقْدِ الرَّهْنِ وَالْقَرْضِ وَالْعَارِيَةِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا، مَعَ تَفْصِيلٍ فِي بَعْضِهَا، فَفِي هَذِهِ الْعُقُودِ إِذَا حَصَلَتِ التَّخْلِيَةُ بِشُرُوطِهَا، وَاعْتُبِرَتْ قَبْضًا، تَمَّ الْعَقْدُ وَتَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ آثَارُهُ.
وَتَفْصِيل هَذِهِ الْمَسَائِل وَمَا يَتَعَلَّقُ بِآثَارِ الْقَبْضِ وَالتَّخْلِيَةِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قَبْضٌ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٦ - بَحَثَ الْفُقَهَاءُ التَّخْلِيَةَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ فِي بَحْثِ كَيْفِيَّةِ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَفِي السَّلَمِ وَالرَّهْنِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا
_________
(١) البدائع ٥ / ٢٤٠، والقوانين الفقهية ص ١٦٤، والوجيز للغزالي ١ / ١٤٦، والمغني ٤ / ١٢٠، ١٢٥
(٢) الدسوقي ٣ / ١٤٦، والقوانين الفقهية ص ١٦٤
حُكْمُ الْقَبْضِ فِيمَا إِذَا كَانَ مَوْضُوعُهَا عَقَارًا أَوْ مَنْقُولًا، (١) كَمَا ذَكَرَهَا بَعْضُهُمْ بِمَعْنَى الإِْفْرَاجِ فِي بَحْثِ الْجِنَايَاتِ وَتَخْلِيَةِ الْمَحْبُوسِ بِالْكَفَالَةِ. (٢) وَبَحَثَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ تَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ بِمَعْنَى كَوْنِ الطَّرِيقِ خَالِيًا مِنْ مَانِعٍ، كَعَدُوٍّ وَنَحْوِهِ، فِي كِتَابِ الْحَجِّ (٣) .
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٤٢، ٤٤، وجواهر الإكليل ٢ / ٥٠ - ٥٢، وقليوبي ٢ / ٢١٥، والمغني ٤ / ١٢٥، ١٢٦
(٢) القليوبي ٤ / ١٢٢
(٣) المغني ٣ / ١٦٣
تَخْمِيسٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّخْمِيسُ فِي اللُّغَةِ: جَعْل الشَّيْءِ خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ، وَاشْتُهِرَ اسْتِعْمَال هَذَا اللَّفْظِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي أَخْذِ خُمُسِ الْغَنَائِمِ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أ - تَخْمِيسُ الْغَنِيمَةِ:
٢ - يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ تَخْمِيسُ الْغَنِيمَةِ وَتَوْزِيعُ الأَْرْبَعَةِ الأَْخْمَاسِ عَلَى الْغَانِمِينَ، بَعْدَ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُول وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيل﴾ (٢)، وَلاَ يُعْلَمُ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَا يُعْتَبَرُ غُنَيْمَةً يُخَمَّسُ.
وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ وَجْهًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ عَدَمِ تَخْمِيسِ الْغَنِيمَةِ إِذَا شَرَطَهُ الإِْمَامُ لِضَرُورَةٍ، فَقَدْ قَال عَنْهُ النَّوَوِيُّ: شَاذٌّ وَبَاطِلٌ. (٣)
_________
(١) المصباح المنير، وتاج العروس مادة: " خمس "
(٢) سورة الأنفال / ٤١
(٣) الزيلعي ٣ / ٢٥٤ ط دار المعرفة، وفتح القدير ٤ / ٣٢٠، وروضة الطالبين ٦ / ٣٧٦، ٣٨٥، ٣٨٦، ومغني المحتاج ٣ / ١٠١ نشر دار إحياء التراث العربي، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٨ نشر دار المعرفة، وبداية المجتهد ١ / ٣٩٠ ط دار المعرفة، وجواهر الإكليل ١ / ٢٦٠، والمغني مع الشرح الكبير ٧ / ٢٩٩
وَلِلْفُقَهَاءِ فِيمَا يُعْتَبَرُ غَنِيمَةً وَمَا لاَ يُعْتَبَرُ، صَرْفُ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ، وَكَيْفِيَّةُ قِسْمَةِ الأَْرْبَعَةِ الأَْخْمَاسِ، وَشُرُوطُ مَنْ يَسْتَحِقُّهَا خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (غَنِيمَةٌ) .
ب - تَخْمِيسُ الْفَيْءِ:
٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّ الْفَيْءَ لاَ يُخَمَّسُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوَجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ (١) فَجَعَلَهُ كُلَّهُ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ.
قَال عُمَرُ ﵁ لَمَّا قَرَأَ هَذِهِ الآْيَةَ: اسْتَوْعَبَتِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَئِنْ عِشْتُ لَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ - وَهُوَ بِسَرْوِ حِمْيَرَ - (٢) نَصِيبُهُ مِنْهَا لَمْ يَعْرَقْ فِيهَا جَبِينُهُ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْخِرَقِيُّ مِنَ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - تَخْمِيسُ الْفَيْءِ، وَصَرْفُ خُمُسِهِ إِلَى مَنْ يُصْرَفُ إِلَيْهِ خُمُسُ الْغَنِيمَةِ.
وَقَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الْفَيْءَ لأَِهْل
_________
(١) سورة الحشر / ٦
(٢) سرو حمير: منازل حمير بأرض اليمن