الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 12

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

الْجِهَادِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الأَْعْرَابِ وَمَنْ لاَ يَعُدُّ نَفْسَهُ لِلْجِهَادِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِحُصُول النُّصْرَةِ بِهِ، فَلَمَّا مَاتَ أُعْطِيَ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ، وَهُمُ الْمُقَاتِلَةُ دُونَ غَيْرِهِمْ. (١) وَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ الْفَيْءِ وَمَصْرِفِهِ تَفَاصِيل تُنْظَرُ فِي (فَيْءٍ) .

ج - تَخْمِيسُ الأَْرْضِ الْمَغْنُومَةِ عَنْوَةً:

٤ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ، وَرِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ - تَخْمِيسَ الأَْرْضِ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً؛ لأَِنَّ الأَْرْضَ غَنِيمَةٌ كَسَائِرِ مَا ظَهَرَ عَلَيْهِ الإِْمَامُ مِنْ قَلِيل أَمْوَال الْمُشْرِكِينَ أَوْ كَثِيرِهِ، وَحُكْمُ اللَّهِ ﷿ فِي الْغَنِيمَةِ أَنْ تُخَمَّسَ. (٢)

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلْمَالِكِيَّةِ - إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَخْمِيسِ الأَْرْضِ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً وَتَقْسِيمِهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ، كَسَائِرِ الْمَغْنَمِ بَعْدَ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ لِجِهَاتِهِ، كَمَا فَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ

_________

(١) بدائع الصنائع ٧ / ١١٦ ط الجمالية، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٩، وبداية المجتهد ١ / ٤٠٢، ٤٠٣، وروضة الطالبين ٦ / ٣٥٥، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٢٦ ط الحلبي، والكافي ٤ / ٣١٨، ٣١٩ نشر المكتب الإسلامي

(٢) الأم للشافعي ٤ / ١٠٣ ط الأميرية، والأحكام السلطانية للماوردي ص ١٣٧، وحاشية العدوي ٢ / ٨، والكافي ٤ / ٣٢٨

بِخَيْبَرَ، وَبَيْنَ إِقْرَارِ أَهْلِهَا عَلَيْهَا وَوَضْعِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ وَضَرْبِ الْخَرَاجِ عَلَى أَرَاضِيِهِمْ، كَمَا فَعَل عُمَرُ ﵁ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ بِمُوَافَقَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَال صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: الأَْوَّل أَوْلَى عِنْدَ حَاجَةِ الْغَانِمِينَ. (١)

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ إِنَّمَا فَعَلَهُ لأَِنَّهُ كَانَ هُوَ الأَْصْلَحُ إِذْ ذَاكَ، كَمَا يُعْلَمُ مِنَ الْقِصَّةِ، لاَ لِكَوْنِهِ هُوَ اللاَّزِمَ. كَيْفَ وَقَدْ قَسَّمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَرْضَ خَيْبَرَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَعُلِمَ أَنَّ الإِْمَامَ مُخَيَّرٌ فِي فِعْل مَا هُوَ الأَْصْلَحُ فَيَفْعَلُهُ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ - إِلَى أَنَّ الأَْرْضَ الْمَفْتُوحَةَ عَنْوَةً لاَ تُخَمَّسُ وَلاَ تُقْسَمُ، بَل تُوقَفُ وَيُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ؛ لأَِنَّ الأَْئِمَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ لَمْ يَقْسِمُوا أَرْضًا افْتَتَحُوهَا. (٢)

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الإِْمَامَ يُخَيَّرُ فِي الأَْرْضِ الْمَغْنُومَةِ عَنْوَةً، بَيْنَ قِسْمَتِهَا كَمَنْقُولٍ، وَبَيْنَ وَقْفِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِذَا قَسَّمَ الإِْمَامُ الأَْرْضَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، فَمُقْتَضَى كَلاَمِ الْمَجْدِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ يُخَمِّسُهَا حَيْثُ قَالُوا " كَالْمَنْقُول " قَال: وَعُمُومُ

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ٢٢٩، والهداية مع شروحها ٤ / ٣٠٣، ٣٠٤ ط الأميرية، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ٨

(٢) حاشية العدوي ٢ / ٨، والكافي ٤ / ٣٢٨، والإنصاف ٤ / ١٩٠ ط دار إحياء التراث العربي

كَلاَمِ أَحْمَدَ وَالْقَاضِي وَقِصَّةِ خَيْبَرَ، تَدُل عَلَى أَنَّهَا لاَ تُخَمَّسُ؛ لأَِنَّهَا فَيْءٌ وَلَيْسَتْ بِغَنِيمَةٍ. (١)

د - تَخْمِيسُ السَّلَبِ:

٥ - إِنَّ السَّلَبَ لاَ يُخَمَّسُ، سَوَاءٌ أَقَال الإِْمَامُ: مَنْ قَتَل قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، أَمْ لَمْ يَقُلْهُ. لِمَا رَوَى عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي السَّلَبِ لِلْقَاتِل، وَلَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ (٢) .

وَبِهَذَا قَال الشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْل الأَْوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ (٣) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ لِلإِْمَامِ تَنْفِيل السَّلَبِ قَبْل حُصُول الْغَنِيمَةِ فِي يَدِ الْغَانِمِينَ، وَلاَ خُمُسَ فِيمَا يُنَفَّل؛ لأَِنَّ الْخُمُسَ إِنَّمَا يَجِبُ فِي غَنِيمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ بَيْنَ الْغَانِمِينَ، وَالنَّفَل مَا أَخْلَصَهُ الإِْمَامُ لِصَاحِبِهِ وَقَطَعَ شَرِكَةَ الأَْغْيَارِ عَنْهُ، فَلاَ يَجِبُ فِيهِ الْخُمُسُ. (٤)

_________

(١) الكافي ٤ / ٣٢٨، والإنصاف ٤ / ١٩٠

(٢) حديث: " قضى في السلب للقاتل،. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ١٦٥ - ط عزت عبيد دعاس) وقال ابن حجر في التلخيص (٣ / ١٠٥ ط شركة الطباعة الفنية) وهو في صحيح مسلم (٥ / ١٤٩ - ط دار الفكر)

(٣) روضة الطالبين ٦ / ٣٧٥ نشر المكتب الإسلامي، وكشاف القناع ٣ / ٥٥ ط أنصار السنة، والكافي ٤ / ٢٩٣، والمغني على الشرح الكبير ١ / ٤٢٦

(٤) بدائع الصنائع ٦ / ١١٥ ط الجمالية، وفتح القدير ٤ / ٣٣٣، ٣٣٤ ط الأميرية

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ السَّلَبَ مِنْ جُمْلَةِ النَّفَل، يَسْتَحِقُّهُ كُل مَنْ قَتَل قَتِيلًا بَعْدَ قَوْل الإِْمَامِ: مَنْ قَتَل قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ، وَلاَ يُعْطِيهِ الإِْمَامُ إِلاَّ مِنَ الْخُمُسِ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِهِ؛ لأَِنَّ النَّفَل لاَ يَكُونُ إِلاَّ مِنَ الْخُمُسِ، أَيْ لاَ مِنَ الأَْرْبَعَةِ الأَْخْمَاسِ، فَكَذَا السَّلَبُ. (١)

أَمَّا إِذَا لَمْ يَجْعَل الإِْمَامُ السَّلَبَ لِلْقَاتِل، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِيِّ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ - أَنَّ الْقَاتِل لاَ يَسْتَحِقُّ سَلَبَ الْمَقْتُول فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، بِمَعْنَى أَنَّ السَّلَبَ يُخَمَّسُ، فَيُدْفَعُ خُمُسُهُ لأَِهْل الْخُمُسِ، ثُمَّ يُقْسَمُ بَاقِيهِ كَسَائِرِ الْمَغْنَمِ، الْقَاتِل وَغَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ. (٢)

وَهُنَاكَ قَوْلٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ يُقَابِل الْمَشْهُورَ، بِتَخْمِيسِ السَّلَبِ وَدَفْعِ خُمُسِهِ لأَِهْل الْخُمُسِ بَاقِيهِ لِلْقَاتِل، ثُمَّ تَقْسِيمُ بَاقِي الْغَنِيمَةِ. (٣)

وَلِلْفُقَهَاءِ فِي تَعْرِيفِ السَّلَبِ وَشُرُوطِ اسْتِحْقَاقِهِ تَفَاصِيل يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي (تَنْفِيلٍ، وَسَلَبٍ، وَغَنِيمَةٍ) .

_________

(١) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ١٤ نشر دار المعرفة، والمغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٤٢٧

(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١١٥، وفتح القدير ٤ / ٣٣٣، ٣٣٤، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ٢ / ١٤، وبداية المجتهد ١ / ٣٩٧ ط دار المعرفة، والمغني مع الشرح الكبير ١٠ / ٤٢٦ - ٤٢٧، وكشاف القناع ٣ / ٥٥ ط أنصار السنة

(٣) روضة الطالبين ٦ / ٣٧٥

هـ - تَخْمِيسُ الرِّكَازِ:

٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي تَخْمِيسِ الرِّكَازِ (١)

بِشُرُوطٍ ذَكَرُوهَا؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ (٢) وَلأَِنَّهُ مَال كَافِرٍ مَظْهُورٍ عَلَيْهِ بِالإِْسْلاَمِ فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ كَالْغَنِيمَةِ (٣) .

وَفِي تَعْرِيفِ الرِّكَازِ وَأَنْوَاعِهِ وَحُكْمِ كُل نَوْعٍ وَشُرُوطِ إِخْرَاجِ الْخُمُسِ مِنْهُ وَمَصْرِفِهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ (رِكَازٌ، وَزَكَاةٌ)

.

تَخْمِينٌ

انْظُرْ: خَرْصٌ

_________

(١) الركاز: المال المدفون في الجاهلية. المصباح مادة: " ركز "

(٢) حديث: " العجماء جبار. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٦٤ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٣٢ - ط الحلبي) اللفظ للبخاري

(٣) بدائع الصنائع ٢ / ٦٦، والزيلعي ١ / ٢٨٨، وحاشية العدوي ١ / ٤٣٦ نشر دار المعرفة، ومغني المحتاج ١ / ٣٩٥ ط مصطفى الحلبي، وروضة الطالبين ٢ / ٢٨٦، والكافي ١ / ٣١٣، والمغني مع الشرح الكبير ٢ / ٦١٢

تَخَنُّثٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّخَنُّثُ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى: التَّثَنِّي وَالتَّكَسُّرِ، وَتَخَنَّثَ الرَّجُل إِذَا فَعَل فِعْل الْمُخَنَّثِ. وَخَنَّثَ الرَّجُل كَلاَمَهُ: إِذَا شَبَّهَهُ بِكَلاَمِ النِّسَاءِ لِينًا وَرَخَامَةً. (١)

وَالتَّخَنُّثُ اصْطِلاَحًا كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَعْرِيفِ ابْنِ عَابِدِينَ لِلْمُخَنَّثِ: هُوَ التَّزَيِّي بِزِيِّ النِّسَاءِ وَالتَّشَبُّهُ بِهِنَّ فِي تَلْيِينِ الْكَلاَمِ عَنِ اخْتِيَارٍ، أَوِ الْفِعْل الْمُنْكَرِ.

وَقَال صَاحِبُ الدُّرِّ: الْمُخَنَّثُ بِالْفَتْحِ مَنْ يَفْعَل الرَّدِيءَ. وَأَمَّا بِالْكَسْرِ فَالْمُتَكَسِّرُ الْمُتَلَيِّنُ فِي أَعْضَائِهِ وَكَلاَمِهِ وَخَلْقِهِ. وَيُفْهَمُ مِنَ الْقَلْيُوبِيِّ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْفَتْحِ وَالْكَسْرِ فِي الْمَعْنَى، فَهُوَ عِنْدَهُ الْمُتَشَبِّهُ بِحَرَكَاتِ النِّسَاءِ (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَال التَّخَنُّثُ وَالتَّشَبُّهُ بِالنِّسَاءِ

_________

(١) لسان العرب المصباح مادة: " خنث "

(٢) ابن عابدين ٤ / ٣٨١ و٥ / ٢٣٩، وجواهر الإكليل ٢ / ٤٠، ٤١، وقليوبي ٤ / ٣٢٠، والمغني ٦ / ٥٦٢، وفتح الباري ٢ / ١٨٨

فِي اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ، وَكَذَلِكَ فِي الْكَلاَمِ وَالْمَشْيِ، لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَال: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَال وَالْمُتَرَجِّلاَتِ مِنَ النِّسَاءِ (١) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَال (٢) قَال ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ: وَالنَّهْيُ مُخْتَصٌّ بِمَنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ أَصْل خِلْقَتِهِ، فَإِنَّمَا يُؤْمَرُ بِتَكَلُّفِ تَرْكِهِ وَالإِْدْمَانِ (٣) عَلَى ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل وَتَمَادَى دَخَلَهُ الذَّمُّ، وَلاَ سِيَّمَا إِذَا بَدَا مِنْهُ مَا يَدُل عَلَى الرِّضَا بِهِ، وَأَمَّا إِطْلاَقُ مَنْ قَال: إِنَّ الْمُخَنَّثَ خِلْقَةً لاَ يَتَّجِهُ عَلَيْهِ الذَّمُّ، فَمَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَرْكِ التَّثَنِّي وَالتَّكَسُّرِ فِي الْمَشْيِ وَالْكَلاَمِ بَعْدَ تَعَاطِيهِ الْمُعَالَجَةَ لِتَرْكِ ذَلِكَ (٤)

. إِمَامَةُ الْمُخَنَّثِ:

٣ - الْمُخَنَّثُ بِالْخِلْقَةِ، وَهُوَ مَنْ يَكُونُ فِي كَلاَمِهِ لِينٌ وَفِي أَعْضَائِهِ تَكَسُّرٌ خِلْقَةً، وَلَمْ يَشْتَهِرْ بِشَيْءٍ

_________

(١) حديث: " لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٣٣ - ط السلفية)

(٢) حديث: " لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٣٢ - ط السلفية)

(٣) أي المواظبة والملازمة

(٤) فتح الباري ١٠ / ٣٣٢، وانظر ابن عابدين ٤ / ٣٨١

مِنَ الأَْفْعَال الرَّدِيئَةِ لاَ يُعْتَبَرُ فَاسِقًا، وَلاَ يَدْخُلُهُ الذَّمُّ وَاللَّعْنَةُ الْوَارِدَةُ فِي الأَْحَادِيثِ، فَتَصِحُّ إِمَامَتُهُ، لَكِنَّهُ يُؤْمَرُ بِتَكَلُّفِ تَرْكِهِ وَالإِْدْمَانِ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّدْرِيجِ، فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى تَرْكِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ لَوْمٌ. (١)

أَمَّا الْمُتَخَلِّقُ بِخُلُقِ النِّسَاءِ حَرَكَةً وَهَيْئَةً، وَاَلَّذِي يَتَشَبَّهُ بِهِنَّ فِي تَلْيِينِ الْكَلاَمِ وَتَكَسُّرِ الأَْعْضَاءِ عَمْدًا، فَإِنَّ ذَلِكَ عَادَةٌ قَبِيحَةٌ وَمَعْصِيَةٌ وَيُعْتَبَرُ فَاعِلُهَا آثِمًا وَفَاسِقًا. وَالْفَاسِقُ تُكْرَهُ إِمَامَتُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَقَال الْحَنَابِلَةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، بِبُطْلاَنِ إِمَامَةِ الْفَاسِقِ (٢)، كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي مُصْطَلَحِ: (إِمَامَةٌ) .

وَنَقَل الْبُخَارِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَوْلَهُ: لاَ نَرَى أَنْ يُصَلَّى خَلْفَ الْمُخَنَّثِ إِلاَّ مِنْ ضَرُورَةٍ لاَ بُدَّ مِنْهَا (٣) .

شَهَادَةُ الْمُخَنَّثِ:

٤ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُخَنَّثَ الَّذِي لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ هُوَ الَّذِي فِي كَلاَمِهِ لِينٌ وَتَكَسُّرٌ، إِذَا كَانَ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ تَشَبُّهًا بِالنِّسَاءِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي

_________

(١) الزيلعي ٤ / ٢٢١، وفتح الباري ١٠ / ٣٣٢، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٨٣

(٢) مراقي الفلاح ص ١٥٦، وجواهر الإكليل ١ / ٧٨ - ٨٢، ومغني المحتاج ١ / ٢٤٢، وكشاف القناع ١ / ٤٧٥

(٣) فتح الباري ٢ / ١٩٠

كَلاَمِهِ لِينٌ، وَفِي أَعْضَائِهِ تَكَسُّرٌ خِلْقَةً، وَلَمْ يَشْتَهِرْ بِشَيْءٍ مِنَ الأَْفْعَال الرَّدِيئَةِ، فَهُوَ عَدْلٌ مَقْبُول الشَّهَادَةِ.

وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ التَّشَبُّهَ بِالنِّسَاءِ مُحَرَّمًا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَلاَ يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّشَبُّهِ التَّعَمُّدُ، لاَ الْمُشَابَهَةُ الَّتِي تَأْتِي طَبْعًا.

وَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ الْمُجُونَ مِمَّا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ، وَمِنَ الْمُجُونِ التَّخَنُّثُ.

وَعَلَيْهِ تَكُونُ الْمَذَاهِبُ مُتَّفِقَةً فِي التَّفْصِيل الَّذِي أَوْرَدَهُ الْحَنَفِيَّةُ، وَتَفْصِيلُهُ فِي (شَهَادَةٍ) . (١)

نَظَرُ الْمُخَنَّثِ لِلنِّسَاءِ:

هـ - الْمُخَنَّثُ بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ، وَاَلَّذِي لَهُ أَرَبٌ فِي النِّسَاءِ، لاَ خِلاَفَ فِي حُرْمَةِ اطِّلاَعِهِ عَلَى النِّسَاءِ وَنَظَرِهِ إِلَيْهِنَّ؛ لأَِنَّهُ فَحْلٌ فَاسِقٌ - كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ.

أَمَّا إِذَا كَانَ مُخَنَّثًا بِالْخِلْقَةِ، وَلاَ إِرْبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ، فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُ يُرَخَّصُ بِتَرْكِ مِثْلِهِ مَعَ النِّسَاءِ، وَلاَ بَأْسَ بِنَظَرِهِ إِلَيْهِنَّ، اسْتِدْلاَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِيمَنْ يَحِل لَهُمُ النَّظْرُ إِلَى النِّسَاءِ، وَيَحِل لِلنِّسَاءِ الظُّهُورُ أَمَامَهُمْ مُتَزَيِّنَاتٍ، حَيْثُ عُدَّ مِنْهُمْ أَمْثَال

_________

(١) تبيين الحقائق للزيلعي ٤ / ٢٢١، وابن عابدين ٤ / ٣٨١، والقليوبي ٢ / ٣٢٠، ٣٢١، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٣٣، والحطاب ٦ / ١٥٢، والمغني ٩ / ١٧٤

هَؤُلاَءِ، وَهُوَ ﴿أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِْرْبَةِ مِنَ الرِّجَال﴾ (١) . . .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْمُخَنَّثَ - وَلَوْ كَانَ لاَ إِرْبَ لَهُ فِي النِّسَاءِ - لاَ يَجُوزُ نَظَرُهُ إِلَى النِّسَاءِ، وَحُكْمُهُ فِي هَذَا كَالْفَحْل: اسْتِدْلاَلًا بِحَدِيثِ لاَ يَدْخُلَنَّ هَؤُلاَءِ عَلَيْكُنَّ (٢) .

عُقُوبَةُ الْمُخَنَّثِ:

٦ - الْمُخَنَّثُ بِالاِخْتِيَارِ مِنْ غَيْرِ ارْتِكَابِ الْفِعْل الْقَبِيحِ مَعْصِيَةٌ لاَ حَدَّ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةَ، فَعُقُوبَتُهُ عُقُوبَةٌ تَعْزِيرِيَّةٌ تُنَاسِبُ حَالَةَ الْمُجْرِمِ وَشِدَّةَ الْجُرْمِ. وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَزَّرَ الْمُخَنَّثِينَ بِالنَّفْيِ، فَأَمَرَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَقَال: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ (٣) وَكَذَلِكَ فَعَل الصَّحَابَةُ مِنْ بَعْدِهِ. (٤)

أَمَّا إِنْ صَدَرَ مِنْهُ مَعَ تَخَنُّثِهِ تَمْكِينُ الْغَيْرِ مِنْ فِعْل الْفَاحِشَةِ بِهِ، فَقَدِ اُخْتُلِفَ فِي عُقُوبَتِهِ،

_________

(١) سورة النور / ٣١

(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٣٩، وأسنى المطالب ٣ / ١١٢، والبجيرمي على الخطيب ٣ / ٣١٤، والقرطبي ١٢ / ٢٣٤، والمغني ٦ / ٥٦١، ٥٦٢. وحديث: " لا يدخلن هؤلاء عليكن ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٣٣ - ط السلفية)

(٣) حديث: " أخرجوهم من بيوتكم ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٣٣ - ط السلفية)

(٤) تبصرة الحكام على هامش فتح العلي المالك ٢ / ٢٦٠، وفتح الباري ١٠ / ٣٣٢