الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ تُطَبَّقُ عَلَيْهِ عُقُوبَةُ الزِّنَى:
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ عُقُوبَتَهُ تَعْزِيرِيَّةٌ قَدْ تَصِل إِلَى الْقَتْل أَوِ الإِْحْرَاقِ أَوِ الرَّمْيِ مِنْ شَاهِقِ جَبَلٍ مَعَ التَّنْكِيسِ؛ لأَِنَّ الْمَنْقُول عَنِ الصَّحَابَةِ اخْتِلاَفُهُمْ فِي هَذِهِ الْعُقُوبَةِ، وَيُرَاجَعُ فِي هَذَا مُصْطَلَحُ: (حَدٌّ عُقُوبَةٌ، تَعْزِيرٌ، وَلِوَاطٌ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٧ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ التَّخَنُّثِ فِي مَبَاحِثِ خِيَارِ الْعَيْبِ إِذَا كَانَ الْعَبْدُ الْمَبِيعُ مُخَنَّثًا، وَيَذْكُرُونَهَا فِي بَحْثِ الشَّهَادَةِ، وَالنِّكَاحِ، وَالنَّظَرِ إِلَى الْمَرْأَةِ الأَْجْنَبِيَّةِ، وَفِي مَسَائِل اللِّبَاسِ وَالزِّينَةِ وَأَبْوَابِ الْحَظْرِ وَالإِْبَاحَةِ وَنَحْوِهَا.
تَخْوِيفٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّخْوِيفُ مَصْدَرٌ مِنْ بَابِ التَّفْعِيل، وَمَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ: جَعْل الشَّخْصِ يَخَافُ، أَوْ جَعْلُهُ بِحَالَةٍ يَخَافُ النَّاسَ. يُقَال: خَوَّفَهُ تَخْوِيفًا: أَيْ جَعَلَهُ يَخَافُ، أَوْ صَيَّرَهُ بِحَالٍ يَخَافُهُ النَّاسُ. وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيزِ: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ (١) أَيْ يَجْعَلُكُمْ تَخَافُونَ أَوْلِيَاءَهُ، وَقَال ثَعْلَبٌ: مَعْنَاهُ يُخَوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ. (٢)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الإِْنْذَارُ:
٢ - الإِْنْذَارُ هُوَ: التَّخْوِيفُ مَعَ إِعْلاَمِ مَوْضِعِ الْمَخَافَةِ. فَإِذَا خَوَّفَ الإِْنْسَانُ غَيْرَهُ وَأَعْلَمَهُ حَال مَا يُخَوِّفُهُ بِهِ، فَقَدْ أَنْذَرَهُ.
فَالإِْنْذَارُ أَخَصُّ مِنَ التَّخْوِيفِ.
_________
(١) سورة آل عمران / ١٧٥
(٢) محيط المحيط، والقاموس المحيط، ولسان العرب مادة: " خوف "
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
مَا يَكُونُ التَّخْوِيفُ بِهِ إِكْرَاهًا:
أ - التَّخْوِيفُ بِالْقَتْل وَالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ:
٣ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ - أَنَّ الإِْكْرَاهَ يَحْصُل بِتَخْوِيفٍ بِقَتْلٍ أَوْ ضَرْبٍ شَدِيدٍ أَوْ حَبْسٍ طَوِيلٍ. (١)
أَمَّا التَّخْوِيفُ بِالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ الْيَسِيرَيْنِ فَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ طَبَقَاتِ النَّاسِ وَأَحْوَالِهِمْ، فَالتَّخْوِيفُ بِضَرْبِ سَوْطٍ أَوْ حَبْسِ يَوْمٍ فِي حَقِّ مَنْ لاَ يُبَالِي لَيْسَ بِإِكْرَاهٍ، إِلاَّ أَنَّ التَّخْوِيفَ بِهِمَا يُعْتَبَرُ إِكْرَاهًا فِي حَقِّ ذِي جَاهٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَسْتَضِرُّ بِهِمَا، كَمَا يَتَضَرَّرُ وَاحِدٌ مِنْ أَوْسَاطِ النَّاسِ بِالضَّرْبِ الشَّدِيدِ، وَذَلِكَ كَالْقَاضِي وَعَظِيمِ الْبَلَدِ، فَإِنَّ مُطْلَقَ الْقَيْدِ وَالْحَبْسِ إِكْرَاهٌ فِي حَقِّهِ. (٢)
وَقَال الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ
_________
(١) نهاية المحتاج ٦ / ٤٣٦ - ٤٣٧ ط مصطفى الحلبي، والبناية شرح الهداية ٨ / ١٧٣، وجواهر الإكليل ١ / ٣٤٠، والمغني مع الشرح الكبير ٨ / ٢٦٠، و٢٦١، والإنصاف ٨ / ٤٣٩ - ٤٤٠ ط دار إحياء التراث العربي
(٢) نهاية المحتاج ٦ / ٤٣٧، وروضة الطالبين ٨ / ٥٩، والبناية شرح الهداية ٨ / ١٧٥، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٨١، والمغني مع الشرح الكبير ٨ / ٢٦١، ٢٦٢، والإنصاف ٨ / ٤٤٠، وجواهر الإكليل ١ / ٣٤٠، وبلغة السالك ٢ / ١٦٩ ط عيسى الحلبي
الشَّافِعِيَّةِ - حَكَاهُ الْحَنَّاطِيُّ - أَنَّ الإِْكْرَاهَ يَحْصُل بِالتَّخْوِيفِ بِالْقَتْل فَقَطْ.
وَهُنَاكَ وَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ التَّخْوِيفَ بِالْحَبْسِ لاَ يَكُونُ إِكْرَاهًا. (١)
ب - التَّخْوِيفُ بِأَخْذِ الْمَال وَإِتْلاَفِهِ:
٤ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - حُصُول الإِْكْرَاهِ بِالتَّخْوِيفِ بِأَخْذِ الْمَال " إِذَا قَال مُتَغَلِّبٌ لِرَجُلٍ: إِمَّا أَنْ تَبِيعَنِي هَذِهِ الدَّارَ أَوْ أَدْفَعَهَا إِلَى خَصْمِكَ، فَبَاعَهَا مِنْهُ، فَهُوَ بَيْعُ مُكْرَهٍ.
وَيَشْتَرِطُ الْقُهُسْتَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ لِحُصُول الإِْكْرَاهِ - كَمَا يُفْهَمُ مِنْ سِيَاقِ عِبَارَةِ رَدِّ الْمُحْتَارِ - كَوْنُ التَّخْوِيفِ بِإِتْلاَفِ كُل الْمَال. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي وَجْهٍ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - إِنَّ الإِْكْرَاهَ يَحْصُل بِأَخْذِ الْمَال الْكَثِيرِ وِإِتْلاَفِهِ. وَهُنَاكَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - وَهُوَ أَحَدُ الأَْقْوَال الثَّلاَثَةِ لِلْمَالِكِيَّةِ - أَنَّ التَّخْوِيفَ بِأَخْذِ الْمَال لَيْسَ إِكْرَاهًا. (٣)
وَلِلْفُقَهَاءِ تَفَاصِيل فِي مَعْنَى الإِْكْرَاهِ وَأَنْوَاعِهِ
_________
(١) نهاية المحتاج ٦ / ٤٣٧، وروضة الطالبين ٨ / ٥٩ - ٦٠، والإنصاف ٨ / ٤٤٠
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٨٠ ط بولاق، وبلغة السالك ٢ / ١٦٩ ط عيسى الحلبي
(٣) بلغة السالك ٢ / ١٦٩، ونهاية المحتاج ٦ / ٤٣٧، وروضة الطالبين ٨ / ٥٩ - ٦٠، والإنصاف ٨ / ٤٣٩ - ٤٤٠
وَشُرُوطِهِ وَأَثَرِهِ وَمَا يَكُونُ التَّخْوِيفُ بِهِ إِكْرَاهًا تُنْظَرُ فِي مَوَاطِنِهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَفِي مُصْطَلَحِ (إِكْرَاهٌ) .
الْقَتْل تَخْوِيفًا:
٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي إِمْكَانِ حُصُول الْقَتْل بِالتَّخْوِيفِ. كَمَنْ شَهَرَ سَيْفًا فِي وَجْهِ إِنْسَانٍ، أَوْ دَلاَّهُ مِنْ مَكَانٍ شَاهِقٍ فَمَاتَ مِنْ رَوْعَتِهِ، وَكَمَنْ صَاحَ فِي وَجْهِ إِنْسَانٍ فَجْأَةً فَمَاتَ مِنْهَا، وَكَمَنْ رَمَى عَلَى شَخْصٍ حَيَّةً فَمَاتَ رُعْبًا وَمَا إِلَى ذَلِكَ. (١)
وَتُنْظَرُ التَّفَاصِيل الْمُتَعَلِّقَةُ بِأَنْوَاعِ الْقَتْل، وَصِفَةِ كُل نَوْعٍ، وَحُكْمِ الْقَتْل بِالتَّخْوِيفِ فِي مُخْتَلَفِ صُوَرِهِ فِي مُصْطَلَحِ (قَتْلٌ) .
الإِْجْهَاضُ بِسَبَبِ التَّخْوِيفِ:
٦ - يَرَى الْفُقَهَاءُ وُجُوبَ الضَّمَانِ عَلَى مَنْ خَوَّفَ امْرَأَةً فَأَجْهَضَتْ بِسَبَبِ التَّخْوِيفِ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ فِي الإِْجْهَاضِ الْمُعَاقَبِ عَلَيْهِ، (٢) وَعُقُوبَةُ الإِْجْهَاضِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (إِجْهَاضٌ) .
_________
(١) المغني مع الشرح الكبير ٩ / ٥٧٨، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٧ ط بولاق، وبدائع الصنائع ٧ / ٢٣٥ ط الجمالية، والشرح الصغير للدردير ٤ / ٣٤٢، ونهاية المحتاج ٧ / ٣٢٩، ٣٣٠، وقليوبي وعميرة ٤ / ١٤٥
(٢) قليوبي وعميرة ٤ / ١٥٩، والشرح الصغير للدردير ٤ / ٣٧٧، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٣٧٧ ط بولاق، وكشاف القناع ٦ / ١٦ ط عالم الكتب
تَخْيِيرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّخْيِيرُ لُغَةً: مَصْدَرُ خَيَّرَ، يُقَال: خَيَّرْتُهُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، أَيْ: فَوَّضْتُ إِلَيْهِ الْخِيَارَ، وَتَخَيَّرَ الشَّيْءَ: اخْتَارَهُ، وَالاِخْتِيَارُ: الاِصْطِفَاءُ وَطَلَبُ خَيْرِ الأَْمْرَيْنِ، وَكَذَلِكَ التَّخَيُّرُ. وَالاِسْتِخَارَةُ: طَلَبُ الْخِيرَةِ فِي الشَّيْءِ، وَخَارَ اللَّهُ لَكَ أَيْ: أَعْطَاكَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ. وَالْخَيْرَةُ - بِسُكُونِ الْيَاءِ - الاِسْمُ مِنْهُ (١)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: لاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِمُصْطَلَحِ (تَخْيِيرٌ) عَنْ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ.
فَهُوَ عِنْدَهُمْ: تَفْوِيضُ الأَْمْرِ إِلَى اخْتِيَارِ الْمُكَلَّفِ فِي انْتِقَاءِ خَصْلَةٍ مِنْ خِصَالٍ مُعَيَّنَةٍ شَرْعًا، وَيُوكَل إِلَيْهِ تَعْيِينُ أَحَدِهَا، بِشُرُوطٍ مَعْلُومَةٍ،
كَتَخْيِيرِهِ بَيْنَ خِصَال الْكَفَّارَةِ، وَتَخْيِيرِهِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالْعَفْوِ، وَتَخْيِيرِهِ فِي جِنْسِ مَا يُخْرَجُ فِي الزَّكَاةِ، وَتَخْيِيرِهِ فِي فِدْيَةِ الْحَجِّ، وَتَخْيِيرِهِ فِي
_________
(١) تهذيب الأسماء واللغات ط المنيرية، والمصباح المنير مادة: " خير "
التَّصَرُّفِ فِي الأَْسْرَى، وَتَخْيِيرِهِ فِي حَدِّ الْمُحَارِبِ، وَغَيْرِهَا مِنَ الأَْحْكَامِ.
وَالتَّخْيِيرُ بِهَذَا دَلِيلٌ عَلَى سَمَاحَةِ الشَّرِيعَةِ وَيُسْرِهَا وَمُرَاعَاتِهَا لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ فِيمَا فَوَّضَتْ إِلَيْهِمُ اخْتِيَارَهُ، مِمَّا يَجْلِبُ النَّفْعَ لَهُمْ وَيَدْفَعُ الضُّرَّ عَنْهُمْ.
التَّخْيِيرُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:
٢ - يَتَكَلَّمُ الأُْصُولِيُّونَ عَلَى التَّخْيِيرِ فِي الْمُبَاحِ، وَالْمَنْدُوبِ، وَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَالْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ، وَالنَّهْيِ عَلَى جِهَةِ التَّخْيِيرِ، وَالرُّخْصَةِ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْبَاحَةُ:
٣ - الإِْبَاحَةُ فِي اللُّغَةِ: الإِْحْلاَل، يُقَال: أَبَحْتُكَ الشَّيْءَ أَيْ: أَحْلَلْتُهُ لَكَ، وَالْمُبَاحُ خِلاَفُ الْمَحْظُورِ.
وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: الإِْذْنُ بِالإِْتْيَانِ بِالْفِعْل حَسَبَ مَشِيئَةِ الْفَاعِل فِي حُدُودِ الإِْذْنِ (١) .
ب - التَّفْوِيضُ:
٤ - التَّفْوِيضُ مَصْدَرُ فَوَّضَ، يُقَال: فَوَّضَ إِلَيْهِ الاِخْتِيَارَ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، فَاخْتَارَ أَحَدَهُمَا، وَمِنْهُ
_________
(١) الموسوعة ١ / ١٢٦ مصطلح: (إباحة)
تَفْوِيضُ الزَّوْجِ إِلَى زَوْجَتِهِ طَلاَقَ نَفْسِهَا أَوْ بَقَاءَهَا فِي عِصْمَتِهِ (١) .
أَحْكَامُ التَّخْيِيرِ:
لِلتَّخْيِيرِ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ نُبَيِّنُهَا فِيمَا يَلِي:
أَوَّلًا: تَخْيِيرُ الْمُصَلِّي فِي أَدَاءِ الصَّلاَةِ فِي الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْقَوْل بِتَخْيِيرِ الْمُصَلِّي فِي أَدَاءِ الصَّلاَةِ فِي الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ، وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي وُكِّل إِيقَاعُ الصَّلاَةِ فِيهِ لاِخْتِيَارِ الْمُصَلِّي، فَإِنْ شَاءَ أَوْقَعَهَا فِي أَوَّلِهِ، أَوْ فِي وَسَطِهِ، أَوْ فِي آخِرِهِ، وَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ فِيمَا يَخْتَارُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى الْقَوْل بِالإِْثْمِ إِنْ أَخَّرَ إِلَى وَقْتِ الْكَرَاهَةِ فِي بَعْضِ الأَْوْقَاتِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ) .
٦ - وَتَجِبُ الصَّلاَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِأَوَّل الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لاَ يَأْثَمُ بِتَأْخِيرِهَا. فَلَوْ أَخَّرَهَا عَازِمًا عَلَى فِعْلِهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لَمْ يَأْثَمْ؛ لأَِنَّهُ فَعَل مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ، إِذْ هُوَ بِالْخِيَارِ فِي أَدَاءِ الصَّلاَةِ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ وَقْتِهَا، وَالْمَوْتُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، فَلاَ يَأْثَمُ بِالتَّخَيُّرِ. إِلاَّ أَنْ يَظُنَّ الْمَوْتَ، وَلَمْ يُؤَدِّ حَتَّى مَاتَ، فَإِنَّهُ
_________
(١) المصباح المنير، وتهذيب الأسماء واللغات مادة: " فوض "
يَمُوتُ عَاصِيًا. وَكَذَا إِذَا تَخَلَّفَ ظَنُّهُ فَلَمْ يَمُتْ؛ لأَِنَّ الْمُوَسَّعَ صَارَ فِي حَقِّهِ مُضَيَّقًا، وَانْتَفَى بِذَلِكَ اخْتِيَارُهُ. فَإِنْ أَخَّرَهَا غَيْرَ عَازِمٍ عَلَى الْفِعْل أَثِمَ بِالتَّأْخِيرِ، وَإِنْ أَخَّرَهَا بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَتَّسِعُ لِجَمِيعِ الصَّلاَةِ أَثِمَ أَيْضًا.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَجِبُ فِي أَوَّل الْوَقْتِ عَلَى التَّعْيِينِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِي جُزْءٍ مِنَ الْوَقْتِ غَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَالتَّعْيِينُ لِلْمُصَلِّي بِاخْتِيَارِهِ مِنْ حَيْثُ الْفِعْل.
فَإِذَا شَرَعَ فِي أَوَّل الْوَقْتِ يَجِبُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَذَا إِذَا شَرَعَ فِي وَسَطِهِ أَوْ آخِرِهِ. وَمَتَى لَمْ يُعَيِّنْ بِالْفِعْل حَتَّى بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَسَعُ الصَّلاَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ تَعْيِينُ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلأَْدَاءِ فِعْلًا، حَتَّى يَأْثَمَ بِتَرْكِ التَّعْيِينِ؛ لأَِنَّهُ لاَ خِيَارَ لَهُ فِي غَيْرِهِ. (١)
٧ - وَدَلِيل التَّخْيِيرِ فِي أَدَاءِ الصَّلاَةِ فِي الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ حَدِيثُ جِبْرِيل ﵇ الَّذِي يَرْوِيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: أَمَّنِي جِبْرِيل عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الأُْولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الْفَيْءُ مِثْل الشِّرَاكِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ كُل
_________
(١) روضة الطالبين ١ / ١٨٣ ط المكتب الإسلامي، والمغني ١ / ٣٩٥ ط الرياض الحديثة - السعودية، وحاشية الدسوقي ١ / ١٧٦ - ط دار الفكر بيروت مصورة عن الطبعة الأميرية. بدائع الصنائع ١ / ٩٦ الطبعة الأولى ١٣٢٧ هـ - شركة المطبوعات العلمية - مصر
شَيْءٍ مِثْل ظِلِّهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرِقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، وَصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَهُ، لِوَقْتِ الْعَصْرِ بِالأَْمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِل كُل شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الأَْوَّل، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الآْخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْل، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتِ الأَْرْضُ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيل وَقَال: يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الأَْنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ (١) .
وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عَنْ مُسْلِمٍ: وَقْتُ صَلاَتِكُمْ بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ (٢) .
ثَانِيًا: التَّخْيِيرُ فِي نَوْعِ مَا يَجِبُ إِخْرَاجُهُ فِي الزَّكَاةِ
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْبَقَرَ إِذَا بَلَغَتْ مِائَةً
_________
(١) حديث: " أمني جبريل عند البيت مرتين. . . " أخرجه الترمذي (١ / ٢٧٩ - ٢٨٠ ط مصطفى الحلبي من حديث ابن عباس) وقال ابن حجر: وفي إسناده عبد الرحمن بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة، مختلف فيه، لكنه توبع. أخرجه عبد الرزاق عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه عن ابن عباس نحوه، قال ابن دقيق العيد: هي متابعة حسنة (التلخيص الحبير لابن حجر ١ / ١٧٣ - ط شركة الطباع
(٢) حديث بريدة: " وقت صلاتكم بين ما رأيتم ". أخرجه مسلم (١ / ٤٢٨ - ط عيسى الحلبي)