الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 14

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

وَعِشْرِينَ يُخَيَّرُ فِي أَخْذِ زَكَاتِهَا بَيْنَ ثَلاَثِ مُسِنَّاتٍ أَوْ أَرْبَعِ تَبِيعَاتٍ. وَالْخِيَارُ فِي ذَلِكَ لِلسَّاعِي عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلِلْمَالِكِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَهَكَذَا كُلَّمَا أَمْكَنَ أَدَاءُ الْوَاجِبِ مِنَ الأَْتْبِعَةِ أَوِ الْمُسِنَّاتِ.

أَمَّا الإِْبِل فَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ زَكَاتُهَا حِقَّتَانِ أَوْ ثَلاَثُ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَالْخِيَارُ فِيهِ لِلسَّاعِي. فَإِنِ اخْتَارَ السَّاعِي أَحَدَ الصِّنْفَيْنِ، وَكَانَ عِنْدَ رَبِّ الْمَال مِنَ الصِّنْفِ الآْخَرِ أَفْضَل أَجْزَأَهُ مَا أَخَذَهُ السَّاعِي، وَلاَ يُسْتَحَبُّ لَهُ إِخْرَاجُ شَيْءٍ زَائِدٍ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ زَكَاتُهَا ثَلاَثُ بَنَاتِ لَبُونٍ بِلاَ تَخْيِيرٍ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تُسْتَأْنَفُ الْفَرِيضَةُ، (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاةٌ) .

٩ - أَمَّا إِذَا ضَمَّتْ أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لِتَكْمِيل نِصَابِ السَّائِمَةِ، كَأَنْ تَضُمَّ الْعِرَابَ إِلَى الْبَخَاتِيِّ مِنَ الإِْبِل، وَالْجَوَامِيسَ إِلَى الْبَقَرِ، وَالضَّأْنَ إِلَى الْمَعْزِ مِنَ الْغَنَمِ: فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُخَيَّرُ السَّاعِي فِي الأَْخْذِ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ إِذَا تَسَاوَى النَّوْعَانِ الْمَضْمُومَانِ، وَإِذَا لَمْ يَتَسَاوَيَا أَخَذَ مِنَ الأَْكْثَرِ إِذْ الْحُكْمُ لِلأَْغْلَبِ.

_________

(١) حاشية الدسوقي ١ / ٤٣٥ - ٤٣٦، والمجموع ٥ / ٣٨٢، ٤١٦، وكشاف القناع ٢ / ١٨٧، ١٩٢، والبناية ٣ / ٥٢، وفتح القدير ٢ / ١٣١

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ فِي الْمَذْهَبِ:

أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنَ الأَْغْلَبِ، فَإِنِ اسْتَوَيَا يُؤْخَذُ مِنَ الأَْغْبَطِ لِلْمَسَاكِينِ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ، كَاجْتِمَاعِ الْحِقَاقِ وَبَنَاتِ اللَّبُونِ.

وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنَ الأَْعْلَى، كَمَا لَوِ انْقَسَمَتْ إِلَى صِحَاحٍ وَمِرَاضٍ.

وَالْقَوْل الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنَ الْوَسَطِ كَمَا فِي الثِّمَارِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْمَالَيْنِ الْمُزَكَّيَيْنِ، فَإِذَا كَانَ النَّوْعَانِ سَوَاءً، وَقِيمَةُ الْمُخْرَجِ مِنْ أَحَدِهِمَا اثْنَا عَشَرَ، وَالْمُخْرَجُ مِنَ الآْخَرِ خَمْسَةَ عَشَرَ، أَخْرَجَ مِنْ أَحَدِهِمَا مَا قِيمَتُهُ ثَلاَثَةَ عَشَرَ وَنِصْفٍ. (١)

١٠ - فَإِنِ اتَّفَقَ فِي نِصَابٍ فَرْضَانِ، كَالْمِائَتَيْنِ مِنَ الإِْبِل، وَهِيَ نِصَابُ خَمْسِ بَنَاتِ لَبُونٍ وَنِصَابُ أَرْبَعِ حِقَاقٍ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ أَرْبَعَ حِقَاقٍ، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ خَمْسَ بَنَاتِ لَبُونٍ؛ لِحَدِيثِ: فَإِذَا كَانَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ (٢)، وَلأَِنَّهُ وَجَدَ مَا يَقْتَضِي إِخْرَاجَ كُل نَوْعٍ مِنْهُمَا.

_________

(١) حاشية الدسوقي ١ / ٤٣٦، والمجموع ٥ / ٤٢٤، وبدائع الصنائع ٢ / ٣٣، وكشاف القناع ٢ / ١٩٣

(٢) حديث: " فإذا كانت مائتين ففيها. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٢٢٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٣٩٣ - ٣٩٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عمر ﵄ وصححه الحاكم على شرط الشيخين

وَالْخِيَارُ فِي هَذَا لِلْمَالِكِ، وَهَذَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ،

وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ تَجِبُ أَرْبَعُ حِقَاقٍ؛ لأَِنَّهُ إِذَا أَمْكَنَ تَغَيُّرُ الْفَرْضِ بِالسِّنِّ، لَمْ يُغَيَّرْ بِالْعَدَدِ. (١)

ثَالِثًا: التَّخْيِيرُ فِي فِدْيَةِ الْجِنَايَةِ عَلَى الإِْحْرَامِ فِي الْحَجِّ

١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا جَنَى عَلَى إِحْرَامِهِ بِأَنْ حَلَقَ شَعْرَهُ، أَوْ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، أَوْ تَطَيَّبَ، أَوْ لَبِسَ مَخِيطًا، أَنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَهِيَ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ خِصَالٍ ثَلاَثٍ: فَإِمَّا أَنْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يُطْعِمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ يَصُومَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ. (٢) وَتَفْصِيل مُوجِبِ الْفِدْيَةِ تَقَدَّمَ فِي مُصْطَلَحِ: (إِحْرَامٌ) .

١٢ - وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٣) .

وَلِحَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لَهُ: لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّ

_________

(١) حاشية الدسوقي ١ / ٤٣٤، وكشاف القناع ٢ / ١٨٧، والمجموع ٥ / ٤١٠، وفتح القدير ٢ / ١٣٠

(٢) المجموع ٧ / ٣٦٤ - ٣٨٤، وكشاف القناع ٢ / ٤٥١، وفتح القدير ٢ / ٤٥١، وحاشية الدسوقي ٢ / ٦٧

(٣) سورة البقرة / ١٩٦

رَأْسِكَ، قَال: نَعَمْ يَا رَسُول اللَّهِ، فَقَال ﷺ: احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلاَثَةً، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ شَاةً (١) .

وَقَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ التَّخْيِيرَ فِي الْفِدْيَةِ عَلَى أَصْحَابِ الأَْعْذَارِ، أَمَّا غَيْرُ الْمَعْذُورِ فَيَفْدِي بِذَبْحِ شَاةٍ، وَلاَ خِيَارَ لَهُ فِي غَيْرِهَا. وَلَمْ يُفَرِّقِ الْجُمْهُورُ بَيْنَهُمَا.

وَدَلِيل الْحَنَفِيَّةِ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، أَنَّ الآْيَةَ وَارِدَةٌ فِي الْمَعْذُورِ بِدَلِيل حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْمُفَسِّرَةِ لِلآْيَةِ، فَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ: قَال: حُمِلْتُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَالْقَمْل يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَال: مَا كُنْتُ أَرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، أَوْ مَا كُنْتُ أَرَى الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى. أَتَجِدُ شَاةً؟ فَقُلْتُ: لاَ، فَقَال: صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ لِكُل مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ (٢) .

فَدَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَعْذُورًا وَحُمِلَتِ الآْيَةُ عَلَيْهِ. وَدَلِيل الْجُمْهُورِ مَا تَقَدَّمَ فِي الآْيَةِ وَالْحَدِيثِ مِنَ التَّخْيِيرِ بِلَفْظِ " أَوْ ".

١٣ - وَالْحُكْمُ ثَابِتٌ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ

_________

(١) حديث: " لعلك آذاك هوام رأسك. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١٢ ط السلفية) ومسلم (٢ / ٨٦٠ - ط عيسى الحلبي) من حديث كعب بن عجرة واللفظ للبخاري

(٢) حديث كعب بن عجرة أخرجه البخاري (فتح الباري ٨ / ١٨٦ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ٨٦٢ - ط عيسى الحلبي)

تَبَعًا لِلْمَعْذُورِ؛ لأَِنَّ كُل كَفَّارَةٍ ثَبَتَ التَّخْيِيرُ فِيهَا مَعَ الْعُذْرِ ثَبَتَ مَعَ عَدَمِهِ. (١)

١٤ - كَمَا يَثْبُتُ التَّخْيِيرُ فِي كَفَّارَةِ قَتْل الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ. وَيُخَيَّرُ فِيهِ قَاتِلُهُ بَيْنَ ثَلاَثِ خِصَالٍ: فَإِمَّا أَنْ يُهْدِيَ مِثْل مَا قَتَلَهُ مِنَ النَّعَمِ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ، إِنْ كَانَ الصَّيْدُ لَهُ مِثْلٌ مِنَ الإِْبِل أَوِ الْبَقَرِ أَوِ الْغَنَمِ. أَوْ أَنْ يُقَوِّمَهُ بِالْمَال، وَيُقَوِّمَ الْمَال طَعَامًا، وَيَتَصَدَّقَ بِالطَّعَامِ عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الصَّيْدَ يُقَوَّمُ ابْتِدَاءً بِالطَّعَامِ، وَلَوْ قَوَّمَهُ بِالْمَال ثُمَّ اشْتَرَى بِهِ طَعَامًا أَجْزَأَهُ.

وَالْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي يُخَيَّرُ فِيهَا قَاتِل الصَّيْدِ أَنْ يَصُومَ عَنْ كُل مُدٍّ مِنَ الطَّعَامِ يَوْمًا. (٢) وَدَلِيل الاِتِّفَاقِ عَلَى التَّخْيِيرِ فِي كَفَّارَةِ صَيْدِ الْحَرَمِ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْل ذَلِكَ صِيَامًا﴾ (٣) وَ" أَوْ " تُفِيدُ التَّخْيِيرَ.

رَابِعًا: مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ:

١٥ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إِلَى تَخْيِيرِ مَنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ

_________

(١) المراجع السابقة

(٢) فتح القدير ٣ / ٧، والمجموع ٧ / ٤٢٧، والمغني ٣ / ٥١٩، والحطاب على خليل ٣ / ١٧٩، والشرح الصغير ٢ / ١١٥

(٣) سورة المائدة / ٩٥

مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ، أَوْ أُخْتَانِ، أَوْ مَنْ لاَ يَحِل لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ، فَيُخَيَّرُ فِي إِمْسَاكِ مَنْ أَرَادَ مِنْهُنَّ، بِأَنْ يُمْسِكَ أَرْبَعًا أَوْ أَقَل، أَوْ أَنْ يُمْسِكَ إِحْدَى الأُْخْتَيْنِ، وَهَكَذَا. وَيُفْسَخُ نِكَاحُهُ مِمَّنْ سِوَى مَنِ اخْتَارَهُنَّ. (١) وَذَلِكَ لِحَدِيثِ قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ قَال: أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَال: اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا (٢) .

وَلِحَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ: أَنَّ غَيْلاَنَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا (٣) . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ خَمْسُ نِسْوَةٍ فَصَاعِدًا أَوْ أُخْتَانِ بَطَل نِكَاحُهُنَّ، إِنْ كَانَ قَدْ تَزَوَّجَهُنَّ بِعَقْدٍ

_________

(١) نهاية المحتاج ٦ / ٢٩١، وروضة الطالبين ٧ / ١٥٦، وكشاف القناع ٥ / ١٢٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٧١، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٣٩٧

(٢) قول قيس بن الحارث " أسلمت وتحتي ثمان نسوة. . . الحديث " أخرجه أبو داود (٢ / ٦٧٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وفي رواية: الحارث بن قيس قال الشوكاني: قال أبو عمر ابن عبد البر: ليس له إلا حديث واحد ولم يأت من وجه صحيح (نيل الأوطار ٦ / ١٦٩ - ط مصطفى الحلبي)

(٣) حديث محمد بن سويد الثقفي في قصة غيلان أخرجه الترمذي (٣ / ٤٣٥ - ط عيسى الحلبي) وصححه ابن القطان كما في التلخيص الحبير لابن حجر (٣ / ١٦٩ - ط شركة الطباعة الفنية)

وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ قَدْ رَتَّبَ فَالآْخِرُ هُوَ الَّذِي يَبْطُل. (١)

وَدَلِيلُهُمْ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ أَنَّ هَذِهِ الْعُقُودَ فَاسِدَةٌ، وَلَكِنَّا لاَ نَتَعَرَّضُ لَهُمْ؛ لأَِنَّا أُمِرْنَا بِتَرْكِهِمْ وَمَا يَدِينُونَ، فَإِذَا أَسْلَمُوا بَطَلَتِ الأَْنْكِحَةُ الْفَاسِدَةُ.

١٦ - وَمِنْ أَحْكَامِ التَّخْيِيرِ فِي هَذَا الْبَابِ وَآثَارِهِ: أَنَّ الاِخْتِيَارَ يَحْصُل بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ (٢) كَأَنْ يَقُول: اخْتَرْتُ نِكَاحَ هَؤُلاَءِ، أَوِ اخْتَرْتُ إِمْسَاكَهُنَّ، كَمَا يَحْصُل بِأَنْ يُطَلِّقَ بَعْضَهُنَّ؛ لأَِنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ لِزَوْجَةٍ.

كَمَا يَحْصُل إِذَا وَطِئَهَا، وَإِذَا وَطِئَ الْكُل يَتَعَيَّنُ الأَْرْبَعُ الأُْوَل لِلإِْمْسَاكِ، وَمَا عَدَاهُنَّ يَتَعَيَّنُ لِلتَّرْكِ.

وَخَالَفَ الشَّافِعِيَّةُ (٣) فِي اعْتِبَارِ الْوَطْءِ اخْتِيَارًا؛ لأَِنَّ الاِخْتِيَارَ رَهْنًا كَالاِبْتِدَاءِ، وَلاَ يَصِحُّ ابْتِدَاءُ النِّكَاحِ وَاسْتِدَامَتُهُ إِلاَّ بِالْقَوْل.

وَإِذَا لَمْ يَخْتَرْ أُجْبِرَ عَلَى الاِخْتِيَارِ بِالْحَبْسِ أَوْ بِالتَّعْزِيرِ بِالضَّرْبِ وَغَيْرِهِ؛ لأَِنَّ الاِخْتِيَارَ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَأُلْزِمَ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ إِنِ امْتَنَعَ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ.

وَعَنِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لاَ يُضْرَبُ مَعَ الْحَبْسِ، بَل يُشَدِّدُ عَلَيْهِ الْحَبْسَ،

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٩٧

(٢) نهاية المحتاج ٦ / ٢٩٩، وكشاف القناع ٥ / ١٢٣، ١٢٤

(٣) روضة الطالبين ٧ / ١٦٧

فَإِنْ أَصَرَّ عُزِّرَ ثَانِيًا وَثَالِثًا إِلَى أَنْ يَخْتَارَ. وَإِذَا حُبِسَ لاَ يُعَزَّرُ عَلَى الْفَوْرِ. فَلَعَلَّهُ يُؤَخَّرُ لِيُفَكِّرَ فَيَتَخَيَّرَ بَعْدَ رَوِيَّةٍ وَإِمْعَانِ نَظَرٍ. وَمُدَّةُ الإِْمْهَال ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ. وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَخْتَارَ عَلَى الْمُمْتَنِعِ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ رَغْبَةٍ، فَكَانَ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ. (١)

وَمِنَ الأَْحْكَامِ كَذَلِكَ: أَنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ بَعْضُ زَوْجَاتِهِ، وَلَيْسَ الْبَوَاقِي كِتَابِيَّاتٍ، فَيَنْحَصِرُ تَخْيِيرُهُ فِي الْمُسْلِمَاتِ فَقَطْ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ لَمْ يُسْلِمْنَ؛ لِعَدَمِ حِلِّهِنَّ لَهُ. (٢)

وَمِنَ الأَْحْكَامِ أَنَّهُ يَلْزَمُ الزَّوْجَ النَّفَقَةُ لِجَمِيعِهِنَّ فِي مُدَّةِ التَّخْيِيرِ إِلَى أَنْ يَخْتَارَ؛ لأَِنَّهُنَّ مَحْبُوسَاتٌ لأَِجْلِهِ، وَهُنَّ فِي حُكْمِ الزَّوْجَاتِ. (٣)

خَامِسًا: تَخْيِيرُ الطِّفْل فِي الْحَضَانَةِ:

١٧ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى تَخْيِيرِ الْمَحْضُونِ بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ إِذَا تَنَازَعَا فِيهِ عَلَى مَا يَأْتِي مِنَ التَّفْصِيل، فَيُلْحَقُ بِأَيِّهِمَا اخْتَارَ. فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمَحْضُونُ عِنْدَ أَحَدِهِمَا جَازَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَبْقَى التَّخْيِيرُ وَإِنْ أَسْقَطَ أَحَدُهُمَا حَقَّهُ قَبْل التَّخْيِيرِ - خِلاَفًا لِلْمَاوَرْدِيِّ وَالرُّويَانِيِّ - وَلاَ فَرْقَ فِي التَّخْيِيرِ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى.

_________

(١) نهاية المحتاج ٦ / ٣٠٠، وكشاف القناع ٥ / ١٢٤

(٢) كشاف القناع ٥ / ١٢٣

(٣) نهاية المحتاج ٦ / ٣٠٠، وكشاف القناع ٥ / ١٢٣

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يُخَيَّرُ الْغُلاَمُ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ عَاقِلًا؛ لأَِنَّهَا السِّنُّ الَّتِي أَمَرَ الشَّرْعُ فِيهَا بِمُخَاطَبَتِهِ بِالصَّلاَةِ. وَحَدَّهُ الشَّافِعِيَّةُ بِالتَّمْيِيزِ بِأَنْ يَأْكُل وَحْدَهُ، وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا بُلُوغَهُ السَّابِعَةَ حَدًّا، فَلَوْ جَاوَزَ السَّبْعَ بِلاَ تَمْيِيزٍ بَقِيَ عِنْدَ أُمِّهِ، وَلاَ فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى. وَهَذَا يُخَالِفُ فِي ظَاهِرِهِ مَا وَرَدَ مِنْ أَمْرِهِ بِالصَّلاَةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَعَدَمُ أَمْرِهِ بِهَا قَبْل أَنْ يَبْلُغَهَا وَإِنْ مَيَّزَ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ فِي أَمْرِهِ بِالصَّلاَةِ قَبْل السَّبْعِ مَشَقَّةً، فَخَفَّفَ عَنْهُ ذَلِكَ. بِخِلاَفِ الْحَضَانَةِ؛ لأَِنَّ الْمَدَارَ فِي التَّخْيِيرِ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا فِيهِ صَلاَحُ نَفْسِهِ وَعَدَمِهِ، فَيُقَيَّدُ بِالتَّمْيِيزِ، وَإِنْ لَمْ يُجَاوِزِ السَّبْعَ.

وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، فَيُخَيَّرُ الصَّبِيُّ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، أَمَّا الْبِنْتُ فَتَكُونُ فِي حَضَانَةِ وَالِدِهَا إِذَا تَمَّ لَهَا سَبْعُ سِنِينَ، حَتَّى سِنِّ الْبُلُوغِ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ تَكُونُ عِنْدَ الأَْبِ أَيْضًا إِلَى الزِّفَافِ وُجُوبًا، وَلَوْ تَبَرَّعَتِ الأُْمُّ بِحَضَانَتِهَا؛ لأَِنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْحَضَانَةِ الْحِفْظُ، وَالأَْبُ أَحْفَظُ لَهَا. وَلأَِنَّهَا تُخْطَبُ مِنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ تَحْتَ نَظَرِهِ (١)

١٨ - وَالتَّخْيِيرُ فِي الْحَضَانَةِ مَشْرُوطٌ بِالسَّلاَمَةِ مِنَ الْفَسَادِ، فَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ يَخْتَارُ أَحَدَهُمَا لِيُمَكِّنَهُ مِنَ

_________

(١) نهاية المحتاج ٧ / ٢١٩، وكشاف القناع ٥ / ٥٠١

الْفَسَادِ، وَيَكْرَهُ الآْخَرَ لِمَا سَيُلْزِمُهُ بِهِ مِنْ أَدَبٍ، لَمْ يُعْمَل بِمُقْتَضَى اخْتِيَارِهِ؛ لأَِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الشَّهْوَةِ، فَيَكُونُ فِيهِ إِضَاعَةٌ لَهُ.

كَمَا أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِأَنْ يَظْهَرَ لِلْحَاكِمِ مَعْرِفَتُهُ بِأَسْبَابِ الاِخْتِيَارِ.

١٩ - وَدَلِيل التَّخْيِيرِ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ وَنَفَعَنِي، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: هَذَا أَبُوكِ وَهَذِهِ أُمُّكِ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ، فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ (١) "

وَمَا وَرَدَ مِنْ قَضَاءِ عُمَرَ بِذَلِكَ.

٢٠ - وَمِنْ أَحْكَامِ التَّخْيِيرِ: أَنَّهُ لَوْ امْتَنَعَ الْمُخْتَارُ مِنْ كَفَالَةِ الْمَحْضُونِ كَفَلَهُ الآْخَرُ، فَإِنْ رَجَعَ الْمُمْتَنِعُ مِنْهَا أُعِيدَ التَّخْيِيرُ.

وَإِنِ امْتَنَعَا أَيِ الأَْبُ وَالأُْمُّ، خُيِّرَ بَيْنَ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ، وَإِلاَّ أُجْبِرَ عَلَيْهَا مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ؛ لأَِنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ الْكَفَالَةِ. (٢)

٢١ - وَمِنْ أَحْكَامِهِ كَذَلِكَ أَنَّ الْمُمَيِّزَ الَّذِي لاَ أَبَ لَهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أُمٍّ وَإِنْ عَلَتْ وَجَدٍّ وَإِنْ عَلاَ، عِنْدَ

_________

(١) حديث: " هذا أبوك وهذه أمك " أخرجه أبو داود (٢ / ٧٠٨ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي هريرة. وصححه ابن القطان. (التلخيص الحبير ٤ / ١٢ - ط شركة الطباعة الفنية)

(٢) نهاية المحتاج ٧ / ٢١٩، وكشاف القناع ٥ / ٥٠١