الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
فَقْدِ مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْهُ، أَوْ قِيَامِ مَانِعٍ بِهِ لِوُجُودِ الْوِلاَدَةِ فِي الْكُل.
٢٢ - وَمِنْ أَحْكَامِهِ كَذَلِكَ أَنَّ الْمُمَيِّزَ إِنْ اخْتَارَ أَحَدَ الأَْبَوَيْنِ، ثُمَّ اخْتَارَ الآْخَرَ حُوِّل إِلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ الأَْمْرُ عَلَى خِلاَفِ مَا ظَنَّهُ، أَوْ يَتَغَيَّرُ حَال مَنِ اخْتَارَهُ أَوَّلًا. إِلاَّ إِذَا ظَهَرَ أَنَّ سَبَبَ اخْتِيَارِهِ لِلآْخَرِ قِلَّةُ عَقْلِهِ، فَيُجْعَل عِنْدَ أُمِّهِ وَإِنْ بَلَغَ، كَمَا قَبْل التَّمْيِيزِ.
٢٣ - وَمِنَ الأَْحْكَامِ كَذَلِكَ: أَنَّ الْمَحْضُونَ إِذَا اخْتَارَ أَبَوَيْهِ مَعًا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا لاِنْتِفَاءِ الْمُرَجِّحِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَخْتَرْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الأُْمُّ أَوْلَى؛ لأَِنَّهَا أَشْفَقُ وَاسْتِصْحَابًا لِمَا كَانَ عَلَيْهِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا؛ لأَِنَّهُ لاَ أَوْلَوِيَّةَ حِينَئِذٍ لأَِحَدِهِمَا، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ. فَإِذَا اخْتَارَ الْمَحْضُونُ غَيْرَ مَنْ قُدِّمَ بِالْقُرْعَةِ رُدَّ إِلَيْهِ، كَمَا لَوِ اخْتَارَهُ ابْتِدَاءً.
وَلاَ يُخَيَّرُ الْغُلاَمُ إِذَا كَانَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ لَيْسَ مِنْ أَهْل الْحَضَانَةِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ أَهْلٍ فَيَكُونُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْغُلاَمُ عِنْدَ الآْخَرِ. وَإِنِ اخْتَارَ ابْنُ سَبْعٍ أَبَاهُ ثُمَّ زَال عَقْلُهُ رُدَّ إِلَى الأُْمِّ؛ لِحَاجَتِهِ إِلَى مَنْ يَتَعَهَّدُهُ كَالصَّغِيرِ، وَبَطَل اخْتِيَارُهُ لأَِنَّهُ لاَ حُكْمَ لِكَلاَمِهِ. (١)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ لاَ خِيَارَ لِلصَّغِيرِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، وَأَنَّ الأُْمَّ أَحَقُّ بِهِمَا. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَبْقَى الصَّبِيُّ عِنْدَ أُمِّهِ إِلَى أَنْ
_________
(١) المراجع السابقة
يَسْتَغْنِيَ بِنَفْسِهِ، بِأَنْ يَأْكُل وَحْدَهُ وَيَشْرَبَ وَحْدَهُ وَيَسْتَنْجِيَ وَحْدَهُ وَيَلْبَسَ وَحْدَهُ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى الْبُلُوغِ فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَيُقَابِل الْمَشْهُورَ مَا قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ: إِنَّ أَمَدَ الْحَضَانَةِ فِي الذَّكَرِ حَتَّى يَبْلُغَ عَاقِلًا غَيْرَ زَمِنٍ. أَمَّا الْبِنْتُ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ تَبْقَى حَضَانَةُ أُمِّهَا إِلَى أَنْ تَحِيضَ. وَبَعْدَ الْبُلُوغِ تَحْتَاجُ إِلَى التَّحْصِينِ وَالْحِفْظِ وَالأَْبُ فِيهِ أَقْوَى.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّ الْبِنْتَ تُدْفَعُ إِلَى الأَْبِ إِذَا بَلَغَتْ حَدَّ الشَّهْوَةِ، لِتَحَقُّقِ الْحَاجَةِ إِلَى الصِّيَانَةِ.
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَتَبْقَى عِنْدَ أُمِّهَا إِلَى أَنْ يَدْخُل بِهَا زَوْجُهَا؛ لأَِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ آدَابِ النِّسَاءِ، وَالْمَرْأَةُ عَلَى ذَلِكَ أَقْدَرُ. (١)
٢٤ - وَالْعِلَّةُ فِي عَدَمِ تَخْيِيرِ الْمَحْضُونِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ هِيَ: قُصُورُ عَقْلِهِ الدَّاعِي إِلَى قُصُورِ اخْتِيَارِهِ. فَقَدْ يَخْتَارُ مَنْ عِنْدَهُ الدَّعَةُ وَالتَّخْلِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنِ اللَّعِبِ، فَلاَ يَتَحَقَّقُ الْمَقْصُودُ مِنَ الْحَضَانَةِ وَهُوَ النَّظَرُ فِي مَصَالِحِ الْمَحْضُونِ.
وَمَا وَرَدَ مِنْ أَحَادِيثَ تُفِيدُ تَخْيِيرَ الطِّفْل، جَاءَ فِيهَا أَنَّ اخْتِيَارَهُ كَانَ لِدُعَاءِ النَّبِيِّ ﷺ أَنْ يَهْدِيَهُ إِلَى الأَْصْلَحِ. كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ سِنَانٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ، وَأَبَتِ امْرَأَتُهُ أَنْ تُسْلِمَ فَقَالَتْ: ابْنَتِي وَهِيَ فَطِيمٌ، وَقَال رَافِعٌ: ابْنَتِي. فَأَقْعَدَ النَّبِيُّ ﷺ الأُْمَّ نَاحِيَةً، وَالأَْبَ نَاحِيَةً، وَأَقْعَدَ الصَّبِيَّةَ نَاحِيَةً
_________
(١) فتح القدير ٤ / ١٨٩، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٢٦
وَقَال لَهُمَا: اُدْعُوَاهَا فَمَالَتِ الصَّبِيَّةُ إِلَى أُمِّهَا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: اللَّهُمَّ اهْدِهَا فَمَالَتْ إِلَى أَبِيهَا (١)﴾ .
وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ ابْنُهُمَا وَلَيْسَتْ بِنْتَهُمَا، وَلَعَلَّهُمَا قَضِيَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ.
كَمَا يُحْمَل مَا وَرَدَ فِي تَخْيِيرِ الْغُلاَمِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَالِغًا، بِدَلِيل أَنَّهُ كَانَ يَسْتَسْقِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ، وَمَنْ يَكُونُ دُونَ الْبُلُوغِ لاَ يُرْسَل إِلَى الآْبَارِ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِ مِنَ السُّقُوطِ.
سَادِسًا: تَخْيِيرُ الإِْمَامِ فِي الأَْسْرَى:
٢٥ - اتَّفَقَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى تَخْيِيرِ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَسْرَى الْحَرْبِ بَيْنَ خَمْسِ خِصَالٍ: فَإِمَّا أَنْ يَسْتَرِقَّهُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَقْتُلَهُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُمْ، وَإِمَّا أَنْ يَطْلُبَ الْفِدْيَةَ مُقَابِل إِعْتَاقِهِمْ سَوَاءٌ بِالْمَال، أَوْ بِمُفَادَاتِهِمْ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ فِي أَيْدِي الْكُفَّارِ، وَإِمَّا أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ فَيُعْتِقَهُمْ.
وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ الْخَصْلَتَيْنِ الأَْخِيرَتَيْنِ، وَهُمَا الْفِدَاءُ وَالْمَنُّ، فَقَالُوا بِعَدَمِ جَوَازِ الْمَنِّ، وَعَدَمِ جَوَازِ الْمُفَادَاةِ بِالْمَال فِي الْمَشْهُورِ مِنَ الْمَذْهَبِ، أَمَّا الْمُفَادَاةُ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فَلاَ يَجُوزُ فِي قَوْلٍ لأَِبِي حَنِيفَةَ،
_________
(١) حديث رافع بن سنان أخرجه أبو داود (٢ / ٦٧٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال ابن المنذر: لا يثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال (التلخيص الحبير لابن حجر ٤ / ١١ - ط شركة الطباعة الفنية)
وَجَائِزٌ فِي قَوْل الصَّاحِبَيْنِ، وَهُوَ قَوْلٌ لأَِبِي حَنِيفَةَ كَذَلِكَ. (١) وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلاَتٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي بَحْثِ (أَسْرَى) .
وَدَلِيل جَوَازِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٢) .
وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ فَعَل ذَلِكَ فِي أَهْل السَّوَادِ.
٢٦ - وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَخْيِيرِ الإِْمَامِ فِي الأَْسْرَى مَحَلُّهُ فِي الرِّجَال الْبَالِغِينَ، أَمَّا النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ فَلاَ خِيَارَ فِيهِمْ، وَلاَ يُحْكَمُ فِيهِمْ إِلاَّ بِالاِسْتِرْقَاقِ، وَحُكْمُهُمْ حُكْمُ سَائِرِ أَمْوَال الْغَنِيمَةِ. كَمَا فِي سَبَايَا هَوَازِنَ وَخَيْبَرَ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ.
وَجَاءَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ قَتْل النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ. (٣)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لِلإِْمَامِ الْخِيَرَةُ فِيهِمْ بَيْنَ الاِسْتِرْقَاقِ وَالْفِدَاءِ (٤)
٢٧ - وَتَخْيِيرُ الإِْمَامِ بَيْنَ هَذِهِ الْخِصَال مُقَيَّدٌ بِمَا يَظْهَرُ لَهُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ فِي أَحَدِهَا،
_________
(١) فَأَخَذَهَا روضة الطالبين ١٠ / ٢٥٠ - ٢٥١، والخرشي على خليل ٣ / ١٢١، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٨٤، وكشاف القناع ٣ / ٥١ - ٥٤، وفتح القدير ٥ / ٢١٨ - ٢٢١
(٢) سورة التوبة / ٢٩
(٣) حديث: " نهى عن قتل النساء والولدان " أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ١٤٨ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٣٦٤ - ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عمر رضي اله عنهما
(٤) المراجع السابقة
فَيَخْتَارُ الأَْصْلَحَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ بَيْنِهَا. فَإِنْ كَانَ الأَْسِيرُ ذَا قُوَّةٍ وَشَوْكَةٍ فَقَتْلُهُ هُوَ الْمَصْلَحَةُ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا صَاحِبَ مَالٍ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي أَخْذِ الْفِدْيَةِ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُرْجَى إِسْلاَمُهُ فَيَمُنُّ عَلَيْهِ تَقْرِيبًا وَتَأْلِيفًا لِقَلْبِهِ عَلَى الإِْسْلاَمِ. وَإِنْ تَرَدَّدَ نَظَرُ الإِْمَامِ وَرَأْيُهُ فِي اخْتِيَارِ الأَْصْلَحِ، فَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) الْقَتْل أَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ كِفَايَةِ شَرِّهِمْ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَحْبِسُهُمْ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ الأَْصْلَحُ. فَالتَّخْيِيرُ فِي تَصَرُّفِ الإِْمَامِ فِي الأَْسْرَى مُقَيَّدٌ بِالْمَصْلَحَةِ بِخِلاَفِ التَّخْيِيرِ فِي خِصَال الْكَفَّارَةِ؛ إِذْ هُوَ تَخْيِيرٌ مُطْلَقٌ أُبِيحَ لِلْحَانِثِ بِمُوجِبِهِ أَنْ يَخْتَارَ أَيَّ خَصْلَةٍ دُونَ النَّظَرِ إِلَى الْمَصْلَحَةِ. (٢)
٢٨ - أَمَّا إِذَا اخْتَارَ الإِْمَامُ خَصْلَةً بَعْدَ الاِجْتِهَادِ وَتَقْلِيبِ وُجُوهِ الْمَصَالِحِ، ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ بِالاِجْتِهَادِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ فِي غَيْرِهَا، فَقَدْ قَال ابْنُ حَجَرٍ فِي تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لاَ بُدَّ مِنْهُ أَوَّلًا:
فَإِنْ كَانَتْ رِقًّا لَمْ يَجُزْ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهَا مُطْلَقًا، سَوَاءٌ اسْتَرَقَّهُمْ لِسَبَبٍ أَمْ لِغَيْرِ سَبَبٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّ أَهْل الْخُمُسِ مَلَكُوهُمْ بِمُجَرَّدِ ضَرْبِ الرِّقِّ، فَلَمْ يَمْلِكْ إِبْطَالَهُ عَلَيْهِمْ إِلاَّ بِرِضَا مَنْ دَخَلُوا فِي مِلْكِهِمْ.
وَإِنِ اخْتَارَ الْقَتْل جَازَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ تَغْلِيبًا لِحَقْنِ الدِّمَاءِ، كَمَا فِي جَوَازِ رُجُوعِ الْمُقِرِّ بِالزِّنَى
_________
(١) الفروق ٣ / ١٧، وكشاف القناع ٣ / ٥٣
(٢) روضة الطالبين ١٠ / ٢٥١، والفروق ٣ / ١٧
وَسُقُوطِ الْقَتْل عَنْهُ، بَل إِنَّ الرُّجُوعَ عَنْ قَتْل الأَْسِيرِ أَوْلَى؛ لأَِنَّهُ مَحْضُ حَقٍّ لِلَّهِ تَعَالَى، أَمَّا حَدُّ الزِّنَا فَفِيهِ شَائِبَةُ حَقِّ آدَمِيٍّ.
أَمَّا إِذَا كَانَ مَا اخْتَارَهُ الإِْمَامُ أَوَّلًا هُوَ الْمَنُّ أَوِ الْفِدَاءُ فَلاَ يَرْجِعُ عَنْهُ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ؛ لأَِنَّهُ مِنْ قَبِيل نَقْضِ الاِجْتِهَادِ بِالاِجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ، كَمَا أَنَّ الْحَاكِمَ إذَا اجْتَهَدَ فِي قَضِيَّةٍ فَلاَ يَنْقُضُ اجْتِهَادَهُ بِاجْتِهَادٍ آخَرَ.
أَمَّا إِذَا اخْتَارَ أَحَدَهُمَا لِسَبَبٍ، ثُمَّ زَال ذَلِكَ السَّبَبُ، وَظَهَرَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي اخْتِيَارِ الثَّانِي لَزِمَهُ الْعَمَل بِمَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ثَانِيًا، وَلَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيل نَقْضِ الاِجْتِهَادِ بِالاِجْتِهَادِ؛ لأَِنَّهُ انْتِقَالٌ إِلَى الاِخْتِيَارِ الثَّانِي لِزَوَال مُوجِبِ الاِخْتِيَارِ الأَْوَّل.
وَيُشْتَرَطُ فِي الاِسْتِرْقَاقِ وَالْفِدَاءِ اللَّفْظُ الدَّال عَلَى اخْتِيَارِهِمَا، وَلاَ يَكْفِي مُجَرَّدُ الْفِعْل؛ لأَِنَّهُ لاَ يَدُل عَلَيْهِ دَلاَلَةً صَرِيحَةً. أَمَّا فِي غَيْرِهِمَا مِنَ الْخِصَال، فَيَكْفِي الْفِعْل لِدَلاَلَتِهِ الصَّرِيحَةِ عَلَى اخْتِيَارِهَا. (١)
سَابِعًا: تَخْيِيرُ الإِْمَامِ فِي حَدِّ الْمُحَارِبِ:
٢٩ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ حَدَّ الْمُحَارِبِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْجِنَايَةِ، فَلِكُل جِنَايَةٍ عُقُوبَتُهَا، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا
_________
(١) تحفة المحتاج مع الحواشي ٩ / ٢٤٧ - ٢٤٨
أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ مُخَيَّرٌ فِي بَعْضِ جِنَايَاتِ الْمُحَارِبِ دُونَ بَعْضِهَا عَلَى تَفْصِيلٍ عِنْدَهُمْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ بِالْخِيَارِ فِي الْمُحَارِبِ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أُمُورٍ:
أَنْ يَقْتُلَهُ بِلاَ صَلْبٍ، أَوْ أَنْ يَصْلُبَهُ مَعَ الْقَتْل، أَوْ أَنْ يَنْفِيَ الذَّكَرَ الْحُرَّ الْبَالِغَ الْعَاقِل فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ وَيُسْجَنَ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَوْ يَمُوتَ، أَوْ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى.
وَهَذِهِ الأَْرْبَعَةُ فِي حَقِّ الرِّجَال، أَمَّا النِّسَاءُ فَلاَ يُصْلَبْنَ وَلاَ يُنْفَيْنَ، وَحَدُّهُنَّ الْقَتْل أَوِ الْقَطْعُ.
وَتَخْيِيرُ الإِْمَامِ بَيْنَ هَذِهِ الأُْمُورِ يَكُونُ عَلَى أَسَاسِ الْمَصْلَحَةِ (٢) .
ثَامِنًا: تَخْيِيرُ مُلْتَقِطِ اللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِهَا:
٣٠ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُلْتَقِطَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتَمَلَّكَ مَا الْتَقَطَهُ وَيَنْتَفِعَ بِهِ، أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ يَحْفَظَهُ أَمَانَةً إِلَى أَنْ يَظْهَرَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ فَيَدْفَعَهَا إِلَيْهِ، وَهَذَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِهَا.
_________
(١) سورة المائدة / ٣٣
(٢) فتح القدير ٥ / ١٧٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ٤٣٩، وروضة الطالبين ١٠ / ١٥٦، والمغني ٨ / ٢٨٨
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ إِلَى أَنَّ الْمُلْتَقِطَ يَمْلِكُ مَا الْتَقَطَهُ حَتْمًا - كَالْمِيرَاثِ - بِمُجَرَّدِ تَمَامِ التَّعْرِيفِ بِهَا، عَلَى التَّفْصِيل الْمَذْكُورِ فِي مُصْطَلَحِ: (لُقَطَةٌ) .
وَفِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُ اللُّقَطَةَ حَتَّى يَخْتَارَ التَّمَلُّكَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ أَوْ كِنَايَةٍ مَعَ النِّيَّةِ، وَفِي وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَمْلِكُ بِمُجَرَّدِ النِّيَّةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ. (١)
وَدَلِيل التَّمَلُّكِ وَالاِنْتِفَاعِ بِمُجَرَّدِ التَّعْرِيفِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ فَقَال: عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِهَا، وَإِلاَّ فَاسْتَنْفِقْهَا وَفِي أُخْرَى: وَإِلاَّ فَهِيَ كَسَبِيل مَالِكَ وَفِي لَفْظٍ: ثُمَّ كُلْهَا وَفِي لَفْظٍ: فَانْتَفِعْ بِهَا وَفِي لَفْظٍ: فَشَأْنَكَ بِهَا (٢)
٣١ - أَمَّا دَلِيل أَنَّهُ لاَ يَتَمَلَّكُ حَتَّى يَخْتَارَ فَمَا وَرَدَ فِي
_________
(١) الشرح الصغير ٤ / ١٧٢، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٢٠، والبناية شرح الهداية ٦ / ٢٣ - ٢٦، وكشاف القناع ٤ / ٢١٨، والمغني ٥ / ٧٠١، والمهذب ١ / ٤٣٧، وروضة الطالبين ٥ / ٤٠٧، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٤٠
(٢) حديث زيد بن خالد الجهني في اللقطة أخرج البخاري بعض هذه الروايات (فتح الباري ٥ / ٨٠، ٨٤، ٩٣ - ط السلفية) . ومسلم بعضها (٣ / ١٣٤٧، ١٣٤٨، ١٣٤٩، ١٣٥١ ط عيسى الحلبي) وأحمد في المسند (٥ / ١٢٧ - ط الميمنية)
حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلاَّ فَشَأْنَكَ بِهَا (١) فَجَعَلَهُ إِلَى اخْتِيَارِهِ، وَلأَِنَّهُ تَمَلُّكٌ بِبَدَلٍ فَاعْتُبِرَ فِيهِ اخْتِيَارُ التَّمَلُّكِ كَالْمِلْكِ بِالْبَيْعِ.
وَإِنَّمَا جَازَ لِلْمُلْتَقِطِ اخْتِيَارُ التَّصَدُّقِ؛ لأَِنَّ فِيهِ إِيصَالًا لِلْحَقِّ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ، وَهُوَ وَاجِبٌ بِقَدْرِ الإِْمْكَانِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِإِيصَال الْعَيْنِ لِصَاحِبِهَا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِإِيصَال الْعِوَضِ عِنْدَ تَعَذُّرِهِ، وَهُوَ الثَّوَابُ عَلَى اعْتِبَارِ إِجَازَةِ صَاحِبِ اللُّقَطَةِ التَّصَدُّقَ بِهَا. وَلِهَذَا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ عِنْدَ ظُهُورِهِ بَيْنَ إِمْضَاءِ الصَّدَقَةِ أَوِ الرُّجُوعِ بِالضَّمَانِ عَلَى الْمُلْتَقِطِ. (٢) وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلاَتٌ أُخْرَى تُنْظَرُ فِي (لُقَطَةٍ) .
تَاسِعًا: التَّخْيِيرُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ:
٣٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى التَّخْيِيرِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بَيْنَ أَرْبَعِ خِصَالٍ: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ، أَوْ كُسْوَتُهُمْ، أَوْ عِتْقُ رَقَبَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَا يُكَفِّرُ بِهِ مِنْ هَذِهِ الثَّلاَثَةِ - بِأَنْ عَجَزَ عَنِ الإِْطْعَامِ وَالْكُسْوَةِ وَالْعِتْقِ - صَامَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ.
فَهِيَ كَفَّارَةٌ عَلَى التَّخْيِيرِ فِي الثَّلاَثَةِ الأُْولَى، وَعَلَى التَّرْتِيبِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْخَصْلَةِ الرَّابِعَةِ. (٣)
_________
(١) حديث: " فإن جاء صاحبها " تقدم في التخريج السابق
(٢) البناية ٦ / ٢٣ - ٢٦
(٣) كشاف القناع ٦ / ٢٤٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٣٢، ١٣٣، وحاشية قليوبي وعميرة ٤ / ٢٧٤، وفتح القدير ٤ / ٣٦٥
وَالأَْصْل فِي التَّخْيِيرِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١) .
وَالْمَقْصُودُ بِالتَّخْيِيرِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ أَنَّ لِلْمُكَفِّرِ أَنْ يَأْتِيَ بِأَيِّ خَصْلَةٍ شَاءَ، وَأَنْ يَنْتَقِل عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ وَيَمِيل إِلَيْهِ وَمَا يَرَاهُ الأَْسْهَل فِي حَقِّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷾ مَا خَيَّرَهُ إِلاَّ لُطْفًا بِهِ.
وَهَذَا مَا يَفْتَرِقُ بِهِ التَّخْيِيرُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عَنِ التَّخْيِيرِ فِي حَدِّ الْمُحَارِبِ وَالتَّصَرُّفِ بِالأَْسْرَى حَيْثُ قُيِّدَا بِالْمَصْلَحَةِ. (٢)
عَاشِرًا: التَّخْيِيرُ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَالْعَفْوِ:
٣٣ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ وَلِيَّ الدَّمِ مُخَيَّرٌ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ بَيْنَ ثَلاَثِ خِصَالٍ: فَإِمَّا أَنْ يَقْتَصَّ مِنَ الْقَاتِل، أَوْ يَعْفُوَ عَنْهُ إِلَى الدِّيَةِ أَوْ بَعْضِهَا، أَوْ أَنْ يُصَالِحَهُ عَلَى مَالٍ مُقَابِل الْعَفْوِ، أَوْ يَعْفُوَ عَنْهُ مُطْلَقًا. (٣)
_________
(١) سورة المائدة / ٨٩
(٢) الفروق ٣ / ١٦، ١٧
(٣) المغني ٧ / ٧٤٢ - ٧٥٢، وبدائع الصنائع ٧ / ٢٤١ و٢٤٧، وروضة الطالبين ٩ / ٢٣٩، وكشاف القناع ٥ / ٥٤٢، والبناية ١٠ / ٨، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٣٩