الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 16

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

وَدَلِيل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُْنْثَى بِالأُْنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (١) الآْيَةَ، وقَوْله تَعَالَى

: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ (٢) الآْيَةَ: أَيْ كَفَّارَةٌ لِلْعَافِي بِصَدَقَتِهِ عَلَى الْجَانِي.

وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: مِنْ قُتِل لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُودِيَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ (٣)

وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَال: مَا رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ رُفِعَ إِلَيْهِ شَيْءٌ فِيهِ قِصَاصٌ إِلاَّ أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ (٤) .

وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّكُمْ يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ قَتَلْتُمْ هَذَا الرَّجُل مِنْ هُذَيْلٍ،

_________

(١) سورة البقرة / ١٧٨

(٢) سورة المائدة / ٤٥

(٣) حديث أبي هريرة: " من قتل له قتيل. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٠٥ - ط السلفية) . ومسلم (٢ / ٩٨٩ - ط عيسى الحلبي)

(٤) حديث أنس: " ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ٦٣٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال الشوكاني: إسناده لا بأس به. (نيل الأوطار ٧ / ٣٢ - ط مصطفى الحلبي)

وَإِنِّي عَاقِلُهُ، فَمَنْ قُتِل لَهُ قَتِيلٌ بَعْدَ الْيَوْمِ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَقْتُلُوا، أَوْ يَأْخُذُوا الْعَقْل (١) .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَوَقُّفِ تَخْيِيرِ وَلِيِّ الدَّمِ فِي أَخْذِ الدِّيَةِ عَلَى رِضَا الْجَانِي.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَعْفُوَ وَلِيُّ الدَّمِ إِلَى الدِّيَةِ إِلاَّ بِرِضَا الْجَانِي، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّمِ جَبْرُ الْجَانِي عَلَى دَفْعِ الدِّيَةِ إِذَا سَلَّمَ نَفْسَهُ لِلْقِصَاصِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمُعْتَمَدِ إِلَى أَنَّ مُوجِبَ الْقَتْل الْعَمْدِ هُوَ الْقَوَدُ، وَأَنَّ الدِّيَةَ بَدَلٌ عَنْهُ عِنْدَ سُقُوطِهِ. فَإِذَا عَفَا عَنِ الْقِصَاصِ وَاخْتَارَ الدِّيَةَ وَجَبَتْ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى رِضَا الْجَانِي. وَهُوَ قَوْل أَشْهَبَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مُوجِبَ الْقَتْل الْعَمْدِ هُوَ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ أَحَدُهُمَا لاَ بِعَيْنِهِ، وَيَتَخَيَّرُ وَلِيُّ الدَّمِ فِي تَعْيِينِ أَحَدِهِمَا. (٢)

٣٤ - أَمَّا دَلِيل الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ فَهُوَ مَا وَرَدَ مِنْ نُصُوصٍ تُوجِبُ الْقِصَاصَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ

_________

(١) حديث: " إنكم يا معشر خزاعة. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٢١ - ط عيسى الحلبي) من حديث أبي شريح الكعبي وقال: حسن صحيح، وقال ابن حجر: أصله متفق عليه. (التلخيص الحبير ٤ / ٢١ - ط شركة الطباعة الفنية)

(٢) بدائع الصنائع ٧ / ٢٤١، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٤٠، وروضة الطالبين ٩ / ٢٣٩، وكشاف القناع ٥ / ٥٤٣

الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (١) مِمَّا يُعَيِّنُ الْقِصَاصَ. فَهُوَ إِخْبَارٌ عَنْ كَوْنِ الْقِصَاصِ هُوَ الْوَاجِبَ، وَهَذَا يُبْطِل الْقَوْل بِأَنَّ الدِّيَةَ وَاجِبَةٌ كَذَلِكَ. وَلَمَّا كَانَ الْقَتْل لاَ يُقَابَل بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ، كَانَ الْقِصَاصُ هُوَ عَيْنَ حَقِّ الْوَلِيِّ، وَالدِّيَةُ بَدَل حَقِّهِ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَعْدِل مِنْ عَيْنِ الْحَقِّ إِلَى بَدَلِهِ مِنْ غَيْرِ رِضَا مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَلِهَذَا لاَ يَجُوزُ اخْتِيَارُ الدِّيَةِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْقَاتِل.

وَأَمَّا دَلِيل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَهُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَدِلَّةِ جَوَازِ الْعَفْوِ إِلَى الدِّيَةِ؛ وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) فَأَوْجَبَ سُبْحَانَهُ عَلَى الْقَاتِل أَدَاءَ الدِّيَةِ إِلَى الْوَلِيِّ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ الرِّضَا، دَفْعًا لِلْهَلاَكِ عَنْ نَفْسِهِ.

وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ تَشْرِيعِ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ هُوَ الزَّجْرَ، فَكَانَ يَنْبَغِي الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي شُرْبِ خَمْرِ الذِّمِّيِّ، إِلاَّ أَنَّهُ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ؛ لأَِنَّ الدِّيَةَ بَدَل النَّفْسِ، وَفِي الْقِصَاصِ مَعْنَى الْبَدَلِيَّةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٣) وَالْبَاءُ تُفِيدُ الْبَدَلِيَّةَ، فَيُؤَدِّي إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الْبَدَلَيْنِ، وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ، فَخُيِّرَ وَلِيُّ الدَّمِ بَيْنَهُمَا.

_________

(١) سورة البقرة / ١٧٨

(٢) سورة البقرة / ١٧٨

(٣» سورة المائدة / ٤٥

تَدَاخُلٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّدَاخُل فِي اللُّغَةِ: تَشَابُهُ الأُْمُورِ وَالْتِبَاسُهَا وَدُخُول بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ. (١)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: دُخُول شَيْءٍ فِي شَيْءٍ آخَرَ بِلاَ زِيَادَةِ حَجْمٍ وَمِقْدَارٍ. وَتَدَاخُل الْعَدَدَيْنِ أَنْ يَعُدَّ أَقَلُّهُمَا الأَْكْثَرَ، أَيْ يُفْنِيهِ، مِثْل ثَلاَثَةٍ وَتِسْعَةٍ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الاِنْدِرَاجُ:

٢ - الاِنْدِرَاجُ مَصْدَرُ انْدَرَجَ، وَمِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الاِنْقِرَاضُ.

وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ بِمَعْنَى دُخُول أَمْرٍ فِي أَمْرٍ آخَرَ أَعَمَّ مِنْهُ، كَالْحَدَثِ الأَْصْغَرِ مَعَ الْجَنَابَةِ فِي الطَّهَارَةِ (٣) .

_________

(١) الصحاح والقاموس واللسان والمصباح مادة: " دخل "

(٢) التعريفات للجرجاني / ٧٦ ط دار الكتاب العربي

(٣) المنثور ١ / ٢٧١ ط الأولى

ب - التَّبَايُنُ:

٣ - مَعْنَى التَّبَايُنِ فِي اللُّغَةِ: التَّهَاجُرُ وَالتَّبَاعُدُ. (١)

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عِبَارَةٌ عَمَّا إِذَا نُسِبَ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ إِلَى الآْخَرِ لَمْ يَصْدُقْ أَحَدُهُمَا عَلَى شَيْءٍ مِمَّا صَدَقَ عَلَيْهِ الآْخَرُ، فَإِنْ لَمْ يَتَصَادَقَا عَلَى شَيْءٍ أَصْلًا فَبَيْنَهُمَا التَّبَايُنُ الْكُلِّيُّ، وَإِنْ صَدَقَا فِي الْجُمْلَةِ فَبَيْنَهُمَا التَّبَايُنُ الْجُزْئِيُّ. كَالْحَيَوَانِ وَالأَْبْيَضِ وَبَيْنَهُمَا الْعُمُومُ مِنْ وَجْهٍ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّدَاخُل وَاضِحٌ، إِذِ التَّدَاخُل إِنَّمَا يَكُونُ فِي الأُْمُورِ الْمُتَشَابِهَةِ وَالْمُتَقَارِبَةِ، أَمَّا التَّبَايُنُ فَيَكُونُ فِي الأُْمُورِ الْمُتَفَاوِتَةِ كُلِّيًّا أَوْ جُزْئِيًّا. (٢)

ج - التَّمَاثُل:

٤ - التَّمَاثُل: مَصْدَرُ تَمَاثَل، وَمَادَّةُ مِثْل فِي اللُّغَةِ تَأْتِي بِمَعْنَى الشَّبَهِ، وَبِمَعْنَى نَفْسِ الشَّيْءِ وَذَاتِهِ

وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَعْمِلُونَ التَّمَاثُل بِمَعْنَى التَّسَاوِي، كَمَا فِي تَمَاثُل الْعَدَدَيْنِ فِي مَسَائِل الإِْرْثِ (٣) .

_________

(١) الصحاح والقاموس مادة: " بين "

(٢) التعريفات للجرجاني ص ٧٢ ط دار الكتاب العربي

(٣) المصباح واللسان مادة: " مثل "، والاختيار ٥ / ١٢٢ ط دار المعرفة، والزرقاني ٨ / ٢٢٠ ط الفكر، ومغني المحتاج ٣ / ٣٣ - ٣٤ ط الحلبي

د - التَّوَافُقُ:

٥ - مَعْنَى التَّوَافُقِ فِي اللُّغَةِ: الاِتِّفَاقُ وَالتَّظَاهُرُ. (١)

وَتَوَافُقُ الْعَدَدَيْنِ: أَلاَّ يَعُدَّ أَقَلُّهُمَا الأَْكْثَرَ، وَلَكِنْ يَعُدُّهُمَا عَدَدٌ ثَالِثٌ، كَالثَّمَانِيَةِ مَعَ الْعِشْرِينَ، يَعُدُّهُمَا أَرْبَعَةٌ، فَهُمَا مُتَوَافِقَانِ بِالرُّبْعِ؛ لأَِنَّ الْعَدَدَ الْعَادَّ مُخْرِجٌ لِجُزْءِ الْوَفْقِ (٢) .

مَحَل التَّدَاخُل:

٦ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ التَّدَاخُل: إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الأَْسْبَابِ: وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الأَْحْكَامِ. وَالأَْلْيَقُ بِالْعِبَادَاتِ الأَْوَّل، وَبِالْعُقُوبَاتِ الثَّانِي، وَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي الْعِنَايَةِ: أَنَّ التَّدَاخُل فِي الْعِبَادَاتِ إِذَا كَانَ فِي الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ كَانَتِ الأَْسْبَابُ بَاقِيَةً عَلَى تَعَدُّدِهَا، فَيَلْزَمُ وُجُودُ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْعِبَادَةِ بِدُونِ الْعِبَادَةِ، وَفِي ذَلِكَ تَرْكُ الاِحْتِيَاطِ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الاِحْتِيَاطُ، فَقُلْنَا بِتَدَاخُل الأَْسْبَابِ فِيهَا لِيَكُونَ جَمِيعُهَا بِمَنْزِلَةِ سَبَبٍ وَاحِدٍ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُكْمُهُ إِذَا وُجِدَ دَلِيل الْجَمْعِ وَهُوَ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، وَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ فَلَيْسَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِيهَا، بَل فِي دَرْئِهَا احْتِيَاطٌ فَيُجْعَل التَّدَاخُل فِي الْحُكْمِ؛ لِيَكُونَ عَدَمُ الْحُكْمِ مَعَ وُجُودِ الْمُوجِبِ مُضَافًا إِلَى

_________

(١) القاموس مادة: " وفق "

(٢) التعريفات للجرجاني ص ٩٥ ط دار الكتاب العربي، وحاشية قليوبي ٣ / ١٥٣ ط الحلبي

عَفْوِ اللَّهِ وَكَرَمِهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْمَوْصُوفُ بِسُبُوغِ الْعَفْوِ وَكَمَال الْكَرَمِ.

وَفَائِدَةُ ذَلِكَ تَظْهَرُ فِيمَا لَوْ تَلاَ آيَةَ سَجْدَةٍ فِي مَكَانٍ فَسَجَدَهَا، ثُمَّ تَلاَهَا فِيهِ مَرَّاتٍ فَإِنَّهُ يَكْفِيهِ تِلْكَ الْوَاقِعَةُ أَوَّلًا؛ إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنِ التَّدَاخُل فِي السَّبَبِ لَكَانَتِ التِّلاَوَةُ الَّتِي بَعْدَ السَّجْدَةِ سَبَبًا، وَحُكْمُهُ قَدْ تَقَدَّمَ، وَذَلِكَ لاَ يَجُوزُ.

وَأَمَّا فِي الْعُقُوبَاتِ: فَإِنَّهُ لَوْ زَنَى، ثُمَّ زَنَى ثَانِيَةً قَبْل أَنْ يُحَدَّ الأُْولَى، فَإِنَّ عَلَيْهِ حَدًّا وَاحِدًا، بِخِلاَفِ مَا لَوْ زَنَى فَحُدَّ، ثُمَّ زَنَى فَإِنَّهُ يُحَدُّ ثَانِيًا. (١)

وَذَكَرَ صَاحِبُ الْفُرُوقِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ التَّدَاخُل مَحَلُّهُ الأَْسْبَابُ لاَ الأَْحْكَامُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الطِّهَارَاتِ وَالْعِبَادَاتِ، كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحُدُودِ وَالأَْمْوَال. بَل ذَكَرَ أَنَّ الْحُدُودَ الْمُتَمَاثِلَةَ إِنِ اخْتَلَفَتْ أَسْبَابُهَا كَالْقَذْفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ، أَوْ تَمَاثَلَتْ كَالزِّنَى مِرَارًا وَالسَّرِقَةِ مِرَارًا وَالشُّرْبِ مِرَارًا قَبْل إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهَا مِنْ أَوْلَى الأَْسْبَابِ بِالتَّدَاخُل؛ لأَِنَّ تَكَرُّرَهَا مُهْلِكٌ. (٢)

وَيَظْهَرُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ فِي الطِّهَارَاتِ وَكَفَّارَةِ الصِّيَامِ، فِيمَا لَوْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْجِمَاعُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ قَبْل

_________

(١) العناية مع فتح القدير ونتائج الأفكار ١ / ٣٩٠ ط الأميرية، والبحر الرائق ٢ / ١٣٥ ط العلمية

(٢) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون ٢ / ٢٩ - ٣٠ ط دار المعرفة

التَّكْفِيرِ، وَفِي الْحُدُودِ إِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَوْ أَجْنَاسٍ أَنَّ التَّدَاخُل عِنْدَهُمْ أَيْضًا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الأَْسْبَابِ دُونَ الأَْحْكَامِ. (١)

هَذَا وَيَظْهَرُ مِمَّا ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّ التَّدَاخُل إِنَّمَا يَكُونُ فِي الأَْحْكَامِ دُونَ الأَْسْبَابِ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ وَالإِْتْلاَفَاتِ. (٢)

آثَارُ التَّدَاخُل الْفِقْهِيَّةِ وَمَوَاطِنُهُ:

٧ - ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ أَنَّ التَّدَاخُل وَقَعَ فِي الشَّرِيعَةِ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ، وَهِيَ الطِّهَارَاتُ وَالصَّلَوَاتُ وَالصِّيَامُ وَالْكَفَّارَاتُ وَالْحُدُودُ وَالأَْمْوَال. (٣)

وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّهُ يَدْخُل فِي ضُرُوبٍ، وَهِيَ: الْعِبَادَاتُ وَالْعُقُوبَاتُ وَالإِْتْلاَفَاتُ. (٤)

وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ وَابْنُ نُجَيْمٍ أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ أَمْرَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَقْصُودُهُمَا، دَخَل أَحَدُهُمَا فِي الآْخَرِ غَالِبًا، كَالْحَدَثِ مَعَ الْجَنَابَةِ. (٥)

_________

(١) كشاف القناع ١ / ١٥٦ و٢ / ٣٢٦ و٦ / ٨٥ - ٨٧ ط النصر، والمغني ٨ / ٢١٣ ط الرياض، والإنصاف ٣ / ٣٢٠ ط النصر، والكافي ١ / ٦١ ط المكتب الإسلامي، ومنتهى الإرادات ١ / ٣٢ ط العروبة

(٢) المنثور ١ / ٢٦٩ - ٢٧٧ ط الأولى

(٣) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون ٢ / ٢٩ - ٣٠ ط دار المعرفة

(٤) المنثور للزركشي ١ / ٢٦٩ - ٢٧٧ ط الأولى

(٥) الأشباه والنظائر للسيوطي / ١٢٦ ط العلمية، والأشباه والنظائر لابن نجيم / ١٣٢ ط الهلال

هَذَا وَالتَّدَاخُل يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ، وَالْفِدْيَةِ وَالْكَفَّارَةِ وَالْعِدَدِ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ وَالأَْطْرَافِ وَالدِّيَاتِ، وَالْحُدُودِ وَالْجِزْيَةِ، وَفِي حِسَابِ الْمَوَارِيثِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي: -

أَوَّلًا - الطِّهَارَاتُ:

٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مِنْ سُنَنِ الْغُسْل: الْوُضُوءَ قَبْلَهُ، لأَِنَّهُ صِفَةُ غُسْل النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ ﵄ وَنَصُّ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اغْتَسَل مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِل يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِل فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلاَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ وَيُدْخِل أَصَابِعَهُ فِي أُصُول الشَّعْرِ، حَتَّى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأَ، حَفَنَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاَثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ، ثُمَّ غَسَل رِجْلَيْهِ (١) .

هَذَا عَنْ تَحْصِيل السُّنَّةِ. أَمَّا الأَْجْزَاءُ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الطِّهَارَاتِ كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْل إِذَا تَكَرَّرَتْ أَسْبَابُهُمَا الْمُخْتَلِفَةُ كَالْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ، أَوِ الْمُتَمَاثِلَةُ كَالْجَنَابَتَيْنِ، وَالْمُلاَمَسَتَيْنِ، فَإِنَّ تِلْكَ الأَْسْبَابَ تَتَدَاخَل، فَيَكْفِي فِي الْجَنَابَتَيْنِ، أَوْ فِي

_________

(١) حديث: " كان إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٣٦٠ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٢٥٣ - ط عيسى الحلبي) واللفظ لمسلم

الْحَيْضِ وَالْجَنَابَةِ، أَوْ فِي الْجَنَابَةِ وَالْمُلاَمَسَةِ غُسْلٌ وَاحِدٌ، لاَ يَحْتَاجُ بَعْدَهُ إِلَى وُضُوءٍ؛ لاِنْدِرَاجِ سَبَبِهِ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلْغُسْل. (١)

وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّ الْفِعْلَيْنِ فِي الْعِبَادَاتِ، إِنْ كَانَا فِي وَاجِبٍ وَلَمْ يَخْتَلِفَا فِي الْقَصْدِ، تَدَاخَلاَ، كَغُسْل الْحَيْضِ مَعَ الْجَنَابَةِ، فَإِذَا أَجْنَبَتْ ثُمَّ حَاضَتْ، كَفَى لَهُمَا غُسْلٌ وَاحِدٌ (٢) .

هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي تَدَاخُل الْوُضُوءِ وَالْغُسْل إِذَا وَجَبَا عَلَيْهِ - كَمَا لَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ أَوْ عَكْسُهُ - أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ، انْفَرَدَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَوَّلِهَا، وَاتَّفَقُوا مَعَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْبَاقِي.

أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدِ انْفَرَدُوا فِيهِ عَنِ الْحَنَابِلَةِ، لَكِنَّ ابْنَ تَيْمِيَّةَ اخْتَارَهُ: أَنَّهُ يَكْفِيهِ الْغُسْل، نَوَى الْوُضُوءَ مَعَهُ أَوْ لَمْ يَنْوِهِ، غَسَل الأَْعْضَاءَ مُرَتَّبَةً أَمْ لاَ؛ لأَِنَّهُمَا طَهَارَتَانِ، فَتَدَاخَلَتَا. (٣)

وَالثَّانِي، وَذَهَبَ إِلَيْهِ أَيْضًا الْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ مِنْ مُفْرَدَاتِ الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَالْغُسْل؛ لأَِنَّهُمَا

_________

(١) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون ٢ / ٢٩ ط دار المعرفة، والأشباه لابن نجيم / ١٣٢ ط الهلال

(٢) المنثور ١ / ٢٦٩ ط الأولى

(٣) نهاية المحتاج ١ / ٢١٣، ٢١٤ ط المكتبة الإسلامية، وتحفة المحتاج ١ / ٢٨٦ ط دار صادر، وحاشية قليوبي ١ / ٦٨ ط دار المعرفة، والمنثور ١ / ٢٦٩ ط الأولى، والمهذب ١ / ٣٩ ط دار المعرفة