الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 17

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

حَقَّانِ مُخْتَلِفَانِ يَجِبَانِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَلَمْ يَدْخُل أَحَدُهُمَا فِي الآْخَرِ كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ، فَإِنْ نَوَى الْوُضُوءَ دُونَ الْغُسْل أَوْ عَكْسَهُ، فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ مَا نَوَى. (١)

الثَّالِثُ، وَاخْتَارَهُ أَيْضًا أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ: أَنَّهُ يَأْتِي بِخَصَائِصِ الْوُضُوءِ، بِأَنْ يَتَوَضَّأَ مُرَتَّبًا، ثُمَّ يَغْسِل سَائِرَ الْبَدَنِ؛ لأَِنَّهُمَا مُتَّفِقَانِ فِي الْغُسْل وَمُخْتَلِفَانِ فِي التَّرْتِيبِ، فَمَا اتَّفَقَا فِيهِ تَدَاخَلاَ، وَمَا اخْتَلَفَا فِيهِ لَمْ يَتَدَاخَلاَ. (٢)

الرَّابِعُ، وَهُوَ مَا حَكَاهُ أَبُو حَاتِمٍ الْقَزْوِينِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ أَصْحَابِهِمْ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ: أَنَّهُمَا يَتَدَاخَلاَنِ فِي الأَْفْعَال دُونَ النِّيَّةِ؛ لأَِنَّهُمَا عِبَادَتَانِ مُتَجَانِسَتَانِ صُغْرَى وَكُبْرَى، فَدَخَلَتِ الصُّغْرَى فِي الْكُبْرَى فِي الأَْفْعَال دُونَ النِّيَّةِ، كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ (٣) .

هَذَا، وَجَاءَ فِي الإِْنْصَافِ عَنِ الدَّيْنَوَرِيِّ فِي وَجْهٍ حَكَاهُ: أَنَّهُ إِنْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ فَلاَ

_________

(١) المهذب ١ / ٣٩ ط. دار المعرفة، والكافي ١ / ٦١ ط المكتب الإسلامي، ومنتهى الإرادات ١ / ٣٢ ط العروبة، والإنصاف ١ / ٢٥٩ ط التراث

(٢) المهذب ١ / ٣٩ ط. دار المعرفة، والإنصاف ١ / ٢٥٩ ط التراث

(٣) المهذب ١ / ٣٩ ط دار المعرفة، والمجموع ٢ / ١٩٤ - ١٩٥ ط السلفية، والإنصاف ١ / ٢٥٩ ط التراث، وكشاف القناع ١ / ١٥٦ ط النصر

تَدَاخُل، وَجَاءَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّ مَنْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ، أَوْ أَجْنَبَ ثُمَّ أَحْدَثَ يَكْفِيهِ الْغُسْل عَلَى الأَْصَحِّ، وَهُوَ مُمَاثِلٌ لِمَا حَكَاهُ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْوَجْهِ الأَْوَّل. (١)

ثَانِيًا: التَّدَاخُل فِي الصَّلاَةِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ:

أ - تَدَاخُل تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَصَلاَةِ الْفَرْضِ:

٩ - ذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الأَْشْبَاهِ، وَالْقَرَافِيُّ فِي الْفُرُوقِ: أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ تَدْخُل فِي صَلاَةِ الْفَرْضِ مَعَ تَعَدُّدِ سَبَبِهِمَا، فَإِنَّ سَبَبَ التَّحِيَّةِ هُوَ دُخُول الْمَسْجِدِ، وَسَبَبُ الظُّهْرِ مَثَلًا هُوَ الزَّوَال، فَيَقُومُ سَبَبُ الزَّوَال مَقَامَ سَبَبِ الدُّخُول، فَيَكْتَفِي بِهِ.

وَذَكَرَ الزَّرْكَشِيُّ فِي الْمَنْثُورِ أَنَّ التَّدَاخُل فِي الْعِبَادَاتِ إِنْ كَانَ فِي مَسْنُونٍ، وَكَانَ ذَلِكَ الْمَسْنُونُ مِنْ جِنْسِ الْمَفْعُول، دَخَل تَحْتَهُ، كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ مَعَ صَلاَةِ الْفَرْضِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ تَدْخُل فِي الْفَرْضِ وَالسُّنَّةِ الرَّاتِبَةِ. (٢)

ب - تَدَاخُل سُجُودِ السَّهْوِ:

١٠ - جَاءَ صَرِيحًا فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ - مِنْ

_________

(١) الإنصاف ١ / ٢٥٩

(٢) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون ٢ / ٢٩ ط دار المعرفة، والأشباه لابن نجيم / ١٣٢ ط. الهلال، والمنثور ١ / ٢٦٩ - ٢٧٠ ط الأولى، وكشاف القناع ١ / ٣٢٤ و٢ / ٤٦

كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ - فِيمَنْ تَكَرَّرَ سَهْوُهُ بِحَيْثُ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى تَرْكِ جَمِيعِ وَاجِبَاتِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ إِلاَّ سَجْدَتَانِ.

وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا جَاءَ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ فِيمَنْ نَسِيَ تَكْبِيرَةً أَوْ تَكْبِيرَتَيْنِ، أَوْ نَسِيَ " سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ " مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، أَوْ نَسِيَ التَّشَهُّدَ أَوِ التَّشَهُّدَيْنِ.

وَجَاءَ فِي الْمَنْثُورِ وَالأَْشْبَاهِ مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ جُبْرَانَاتِ الصَّلاَةِ تَتَدَاخَل لاِتِّحَادِ الْجِنْسِ، فَسُجُودُ السَّهْوِ وَإِنْ تَعَدَّدَ سَجْدَتَانِ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ بِسُجُودِ السَّهْوِ إِرْغَامُ أَنْفِ الشَّيْطَانِ، وَقَدْ حَصَل بِالسَّجْدَتَيْنِ آخِرَ الصَّلاَةِ، بِخِلاَفِ جُبْرَانَاتِ الإِْحْرَامِ فَلاَ تَتَدَاخَل؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ جَبْرُ النُّسُكِ وَهُوَ لاَ يَحْصُل إِلاَّ بِالتَّعَدُّدِ. (١)

وَقَال صَاحِبُ الْمُغْنِي: إِذَا سَهَا سَهْوَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ جِنْسٍ كَفَاهُ سَجْدَتَانِ لِلْجَمِيعِ، لاَ نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ فِيهِ. وَإِنْ كَانَ السَّهْوُ مِنْ جِنْسَيْنِ، فَكَذَلِكَ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَوْلًا لأَِحْمَدَ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ أَهْل الْعِلْمِ، مِنْهُمْ: النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ فِيهِ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: مَا ذَكَرْنَا.

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٤٩٧ ط بولاق، والمدونة ١ / ١٣٨ ط. دار صادر، والمنثور ١ / ٢٧٠ ط. الأولى، والأشباه للسيوطي / ١٢٦ ط العلمية

وَالثَّانِي: يَسْجُدُ سُجُودَيْنِ، قَال الأَْوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: إِذَا كَانَ عَلَيْهِ سُجُودَانِ، أَحَدُهُمَا قَبْل السَّلاَمِ، وَالآْخَرُ بَعْدَهُ سَجَدَهُمَا فِي مَحَلَّيْهِمَا؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لِكُل سَهْوٍ سَجْدَتَانِ (١) . وَهَذَانِ سَهْوَانِ، فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَجْدَتَانِ؛ وَلأَِنَّ كُل سَهْوٍ يَقْتَضِي سُجُودًا، وَإِنَّمَا تَدَاخَلاَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ لاِتِّفَاقِهِمَا، وَهَذَانِ مُخْتَلِفَانِ. (٢)

ج - التَّدَاخُل فِي سُجُودِ التِّلاَوَةِ:

١١ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ سَجْدَةَ التِّلاَوَةِ مَبْنَاهَا عَلَى التَّدَاخُل دَفْعًا لِلْحَرَجِ.

وَالتَّدَاخُل فِيهَا تَدَاخُلٌ فِي السَّبَبِ دُونَ الْحُكْمِ؛ لأَِنَّهَا عِبَادَةٌ، فَتَنُوبُ الْوَاحِدَةُ عَمَّا قَبْلَهَا وَعَمَّا بَعْدَهَا، وَلاَ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهَا إِلاَّ بِاخْتِلاَفِ الْمَجْلِسِ أَوِ اخْتِلاَفِ التِّلاَوَةِ (أَيِ الآْيَةِ) أَوِ السَّمَاعِ، فَمَنْ تَلاَ آيَةً وَاحِدَةً فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ مِرَارًا تَكْفِيهِ سَجْدَةٌ وَاحِدَةٌ وَأَدَاءُ السَّجْدَةِ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ الأُْولَى أَوْلَى.

وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيل ﵇ كَانَ يَنْزِل بِالْوَحْيِ فَيَقْرَأُ آيَةَ السَّجْدَةِ

_________

(١) حديث: " لكل سهو سجدتان ". أخرجه أبو داود (١ / ١٠٣٨ - ط تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث ثوبان، وأصله في صحيح مسلم (١ / ٤٠٢ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود

(٢) المغني ٢ / ٣٩ - ٤٠ ط الرياض

عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ وَرَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَسْمَعُ وَيَتَلَقَّنُ، ثُمَّ يَقْرَأُ عَلَى أَصْحَابِهِ، وَكَانَ لاَ يَسْجُدُ إِلاَّ مَرَّةً وَاحِدَةً (١) .

وَإِنْ تَلاَهَا فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ فَسَجَدَ، ثُمَّ دَخَل فِي الصَّلاَةِ فَتَلاَهَا فِيهَا، سَجَدَ أُخْرَى. وَلَوْ لَمْ يَسْجُدْ أَوَّلًا كَفَتْهُ وَاحِدَةٌ؛ لأَِنَّ الصَّلاَتِيَّةَ أَقْوَى مِنْ غَيْرِهَا، فَتَسْتَتْبِعُ غَيْرَهَا وَإِنِ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ. وَلَوْ لَمْ يَسْجُدْ فِي الصَّلاَةِ سَقَطَتَا فِي الأَْصَحِّ. (٢)

وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَاعِدَةُ الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ تَكْرِيرُ سَجْدَةِ التِّلاَوَةِ، إِنْ كَرَّرَ حِزْبًا فِيهِ سَجْدَةً، وَلاَ تَكْفِيهِ السَّجْدَةُ الأُْولَى؛ لِوُجُودِ الْمُقْتَضِي لِلسُّجُودِ، بِاسْتِثْنَاءِ الْمُعَلِّمِ وَالْمُتَعَلِّمِ فَقَطْ عِنْدَ الإِْمَامِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَاخْتَارَهُ الْمَازِرِيُّ، خِلاَفًا لأَصْبَغَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْقَائِلَيْنِ بِعَدَمِ السُّجُودِ عَلَيْهِمَا وَلاَ فِي أَوَّل مَرَّةٍ.

وَمَحَل الْخِلاَفِ كَمَا فِي حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ إِذَا حَصَل التَّكْرِيرُ لِحِزْبٍ فِيهِ سَجْدَةٌ، وَأَمَّا قَارِئُ

_________

(١) حديث: " كان يسمع ويتلقن ثم يقرأ. . . " يدل على ذلك حديث البخاري عن ابن عباس " كان رسول الله ﷺ إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي ﷺ كما قرأه ". فهذا شامل للآيات التي فيها سجدات وقد كان يسجد فيها سجدة واح (فتح الباري ١ / ٢٩)

(٢) ابن عابدين ١ / ٥٢٠، ٥٢١ ط. بولاق، بدائع الصنائع ١ / ١٨١ ط. الجمالية، وتبيين الحقائق ١ / ٢٠٧ ط. دار المعرفة، والبحر الرائق ٢ / ١٣٥، ١٣٦ ط. العلمية، والاختيار ١ / ٧٦ ط. دار المعرفة

الْقُرْآنِ بِتَمَامِهِ فَإِنَّهُ يَسْجُدُ جَمِيعَ سَجَدَاتِهِ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ وَفِي الصَّلاَةِ، حَتَّى لَوْ قَرَأَهُ كُلَّهُ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ مُعَلِّمًا أَمْ مُتَعَلِّمًا اتِّفَاقًا. (١)

وَجَاءَ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا قَرَأَ آيَاتِ السَّجَدَاتِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، سَجَدَ لِكُل وَاحِدَةٍ، وَمِثْل ذَلِكَ قِرَاءَتُهُ الآْيَةَ الْوَاحِدَةَ فِي مَجْلِسَيْنِ.

فَلَوْ كَرَّرَ الآْيَةَ الْوَاحِدَةَ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ نُظِرَ، إِنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلْمَرَّةِ الأُْولَى كَفَاهُ سُجُودٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ سَجَدَ لِلأُْولَى فَثَلاَثَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا يَسْجُدُ مَرَّةً أُخْرَى لِتَجَدُّدِ السَّبَبِ، وَالثَّانِي تَكْفِيهِ الأُْولَى، وَالثَّالِثُ إِنْ طَال الْفَصْل سَجَدَ أُخْرَى، وَإِلاَّ فَتَكْفِيهِ الأُْولَى.

وَلَوْ كَرَّرَ الآْيَةَ الْوَاحِدَةَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَةٍ فَكَالْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ، وَإِنْ كَانَ فِي رَكْعَتَيْنِ فَكَالْمَجْلِسَيْنِ. وَلَوْ قَرَأَ مَرَّةً فِي الصَّلاَةِ، وَمَرَّةً خَارِجَهَا فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ وَسَجَدَ لِلأُْولَى، فَلَمْ يَرَ النَّوَوِيُّ فِيهِ نَصًّا لِلأَْصْحَابِ، وَإِطْلاَقُهُمْ يَقْتَضِي طَرْدَ الْخِلاَفِ فِيهِ. (٢)

_________

(١) جواهر الإكليل ١ / ٧٣ ط دار المعرفة، والدسوقي ١ / ٣١١ ط الفكر، والزرقاني ١ / ٢٧٧، ٢٧٨ ط الفكر، ومواهب الجليل مع التاج والإكليل ٢ / ٦٥، ٦٦ ط النجاح

(٢) روضة الطالبين ١ / ٣٢٠ - ٣٢١ ط. المكتب الإسلامي، وحاشية قليوبي ١ / ٢٠٨ ط. الحلبي، ونهاية المحتاج ٢ / ٩٧ ط المكتبة الإسلامية

وَتَذْكُرُ كُتُبُ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا أَنَّ سُجُودَ التِّلاَوَةِ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ التِّلاَوَةِ، حَتَّى فِي طَوَافٍ مَعَ قَصْرِ فَصْلٍ.

وَذَكَرَ صَاحِبُ الإِْنْصَافِ وَجْهَيْنِ فِي إِعَادَةِ سُجُودِ مَنْ قَرَأَ بَعْدَ سُجُودِهِ، وَكَذَا يَتَوَجَّهُ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ إِنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ.

وَقَال ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ قَرَأَ سَجْدَةً فَسَجَدَ، ثُمَّ قَرَأَهَا فِي الْحَال مَرَّةً أُخْرَى، لاَ لأَِجْل السُّجُودِ، فَهَل يُعِيدُ السُّجُودَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَقَال الْقَاضِي فِي تَخْرِيجِهِ: إِنْ سَجَدَ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ ثُمَّ صَلَّى فَقَرَأَهَا فِيهَا أَعَادَ السُّجُودَ، وَإِنْ سَجَدَ فِي صَلاَةٍ ثُمَّ قَرَأَهَا فِي غَيْرِ صَلاَةٍ لَمْ يَسْجُدْ. وَقَال: إِذَا قَرَأَ سَجْدَةً فِي رَكْعَةٍ فَسَجَدَ، ثُمَّ قَرَأَهَا فِي الثَّانِيَةِ، فَقِيل يُعِيدُ السُّجُودَ، وَقِيل لاَ. (١)

ثَالِثًا: تَدَاخُل صَوْمِ رَمَضَانَ وَصَوْمِ الاِعْتِكَافِ:

١٢ - مِنَ الْمُقَرَّرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ اشْتِرَاطُ الصَّوْمِ لِصِحَّةِ الاِعْتِكَافِ مُطْلَقًا، وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ ذَكَرَ الْقَرَافِيُّ أَنَّ صَوْمَ الاِعْتِكَافِ يَدْخُل فِي صَوْمِ رَمَضَانَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الاِعْتِكَافَ سَبَبٌ لِتَوَجُّهِ الأَْمْرِ بِالصَّوْمِ، وَرُؤْيَةُ هِلاَل رَمَضَانَ هِيَ سَبَبُ تَوَجُّهِ الأَْمْرِ بِصَوْمِ رَمَضَانَ، فَيَدْخُل السَّبَبُ الَّذِي هُوَ الاِعْتِكَافُ فِي

_________

(١) كشاف القناع ١ / ٤٤٩ ط. النصر، ومنتهى الإرادات ١ / ١٠٣ دار العروبة، والإنصاف ٢ / ١٩٥، ١٩٦ ط التراث

السَّبَبِ الآْخَرِ وَهُوَ رُؤْيَةُ الْهِلاَل فَيَكْتَفِي بِهِ وَيَتَدَاخَل الاِعْتِكَافُ وَرُؤْيَةُ الْهِلاَل. (١)

رَابِعًا: تَدَاخُل الطَّوَافِ وَالسَّعْيِ لِلْقَارِنِ:

١٣ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالإِْمَامُ أَحْمَدَ فِيمَا اشْتُهِرَ عَنْهُ إِلَى أَنَّ مَنْ قَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي إِحْرَامٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُ يَطُوفُ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَيَسْعَى لَهُمَا سَعْيًا وَاحِدًا، وَهُوَ قَوْل ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵃، وَبِهِ قَال عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنُ وَمُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْنَا بِعُمْرَةٍ. . . (٢) . الْحَدِيثَ. وَفِيهِ: وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا؛

وَلأَِنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَإِذَا اجْتَمَعَتَا دَخَلَتْ أَفْعَال الصُّغْرَى فِي الْكُبْرَى كَالطَّهَارَتَيْنِ.

وَأَيْضًا فَإِنَّ الْجَامِعَ بَيْنَهُمَا نَاسِكٌ يَكْفِيهِ حَلْقٌ وَاحِدٌ وَرَمْيٌ وَاحِدٌ، فَكَفَاهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ كَالْفَرْدِ.

_________

(١) الفروق للقرافي، الفرق السابع والخمسون ٢ / ٢٩ ط دار المعرفة

(٢) حديث: " خرجنا مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٤٩٤ - ط السلفية)

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَمْ تُشْتَهَرْ إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ طَوَافَيْنِ وَسَعْيَيْنِ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵄، وَبِهِ قَال الشَّعْبِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى مُسْتَدِلِّينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١) وَتَمَامُهُمَا أَنْ يَأْتِيَ بِأَفْعَالِهِمَا عَلَى الْكَمَال بِلاَ فَرْقٍ بَيْنَ الْقَارِنِ وَغَيْرِهِ.

وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَعَلَيْهِ طَوَافَانِ (٢) وَلأَِنَّهُمَا نُسُكَانِ، فَكَانَ لَهُمَا طَوَافَانِ، كَمَا لَوْ كَانَا مُنْفَرِدَيْنِ.

وَأَثَرُ هَذَا الْخِلاَفِ يَظْهَرُ فِي الْقَارِنِ إِذَا قَتَل صَيْدًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ جَزَاءٌ وَاحِدٌ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِالتَّدَاخُل. (٣)

_________

(١) سورة البقرة / ١٩٦

(٢) حديث: " من جمع بين الحج والعمرة فعليه طوافان. . . " ورد من فعله ﷺ ولم يرد من قوله، أخرجه الدارقطني في سننه (٢ / ٢٥٨ - ط شركة الطباعة الفنية) وقال: لم يروه عن الحكم - يعني ابن عتيبة - غير الحسن بن عمارة، وهو متروك الحديث

(٣) مسلم الثبوت ٢ / ٤٨ ط. الأميرية، وابن عابدين ٢ / ١٩٢ ط المصرية، والخرشي ٢ / ٣٠٩ ط دار صادر، والدسوقي ٢ / ٢٨ ط. الفكر، وجواهر الإكليل ١ / ١٧١ ط دار المعرفة، والقرطبي ٢ / ٣٦٩ ط دار الكتب، وروضة الطالبين ٣ / ٤٤ ط المكتب الإسلامي، والمنثور للزركشي ١ / ٢٧٢ ط الأولى، وفتح الباري ٣ / ٤٩٣، ٤٩٤ ط، الرياض، وكشاف القناع ٢ / ٤١٢ ط النصر، والمغني ٣ / ٤٦٥، ٤٦٦ ط الرياض

خَامِسًا: تَدَاخُل الْفِدْيَةِ:

١٤ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْفِدْيَةَ تَتَدَاخَل. وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ قَلَّمَ أَظَافِرَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَإِنَّ عَلَيْهِ دَمًا وَاحِدًا؛ لأَِنَّهَا مِنَ الْمَحْظُورَاتِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ قَضَاءِ التَّفَثِ، وَهِيَ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، فَلاَ يُزَادُ عَلَى دَمٍ وَاحِدٍ. وَإِنْ كَانَ قَلَّمَهَا فِي مَجَالِسَ، فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ؛ لأَِنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّدَاخُل كَكَفَّارَةِ الْفِطْرِ.

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ يَجِبُ لِكُل يَدٍ دَمٌ، وَلِكُل رِجْلٍ دَمٌ إِذَا تَعَدَّدَ الْمَجْلِسُ؛ لأَِنَّ الْغَالِبَ فِي الْفِدْيَةِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فَيَتَقَيَّدُ التَّدَاخُل بِاتِّحَادِ الْمَجْلِسِ كَمَا فِي آيَةِ السَّجْدَةِ؛ وَلأَِنَّ هَذِهِ الأَْعْضَاءَ مُتَبَايِنَةٌ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا جُعِلَتِ الْجِنَايَةُ - وَهِيَ تَقْلِيمُ الأَْظَافِرِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ - جِنَايَةً وَاحِدَةً فِي الْمَعْنَى لاِتِّحَادِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الرِّفْقُ. (١)

وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِمِثْل ذَلِكَ فِيمَنْ فَعَل شَيْئًا مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ، وَجَامَعَ بَعْدَهُ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ فِدْيَةَ الْمُقَدِّمَةِ تَدْخُل فِي الْبَدَنَةِ الْوَاجِبَةِ جَزَاءً عَنِ الْجِمَاعِ. (٢)

وَقَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ الْحَنَابِلَةُ فِيمَنْ حَلَقَ شَعْرَ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ، بِأَنَّ عَلَيْهِ فِدْيَةً وَاحِدَةً فِي أَصَحِّ

_________

(١) تبيين الحقائق ٢ / ٥٥ ط دار المعرفة، والاختيار ١ / ١٦٢ ط، دار المعرفة

(٢) حاشية قليوبي ٢ / ١٣٧ ط. الحلبي، والمنثور ١ / ٢٧٢ ط الأولى، ونهاية المحتاج ٣ / ٣٢٩ ط المكتبة الإسلامية