الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 18

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ أَيْضًا؛ لأَِنَّ شَعْرَ الرَّأْسِ وَالْبَدَنِ وَاحِدٌ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ: إِنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمًا مُنْفَرِدًا. وَكَذَا لَوْ لَبِسَ أَوْ تَطَيَّبَ فِي ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ عَلَيْهِ فِدْيَةً وَاحِدَةً. (١)

وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِتَدَاخُل الْفِدْيَةِ، إِلاَّ أَنَّهُمْ أَوْرَدُوا أَرْبَعَ صُوَرٍ تَتَّحِدُ فِيهَا الْفِدْيَةُ وَهِيَ أَنْ يَظُنَّ الْفَاعِل الإِْبَاحَةَ:

أ - بِأَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ إِحْرَامِهِ فَيَفْعَل أُمُورًا كُلٌّ مِنْهَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ.

ب - أَوْ يَتَعَدَّدُ مُوجِبُهَا مِنْ لُبْسٍ وَتَطَيُّبٍ وَقَلْمِ أَظْفَارٍ وَقَتْل دَوَابَّ بِفَوْرٍ.

ج - أَوْ يَتَرَاخَى مَا بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ، لَكِنَّهُ عِنْدَ الْفِعْل الأَْوَّل أَوْ إِرَادَتُهُ نَوَى تَكْرَارَ الْفِعْل الْمُوجِبِ لَهَا.

د - أَوْ يَتَرَاخَى مَا بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ، إِلاَّ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ التَّكْرَارَ عِنْدَ الْفِعْل الأَْوَّل مِنْهُمَا، لَكِنَّهُ قَدَّمَ مَا نَفْعُهُ أَعَمُّ، كَتَقْدِيمِهِ لُبْسَ الثَّوْبِ عَلَى لُبْسِ السَّرَاوِيل. (٢)

وَتَفْصِيلُهُ فِي مَحْظُورَاتِ الْحَجِّ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ

_________

(١) الإنصاف ٣ / ٤٥٨، ٤٥٩ ط التراث، وكشاف القناع ٢ / ٤٢٣ ط النصر

(٢) الدسوقي ٢ / ٦٥، ٦٦ ط الفكر، وجواهر الإكليل ١ / ١٩١ ط. دار المعرفة

سَادِسًا: تَدَاخُل الْكَفَّارَاتِ:

أ - تَدَاخُلُهَا فِي إِفْسَادِ صَوْمِ رَمَضَانَ بِالْجِمَاعِ:

١٥ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ كَفَّارَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى مَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْجِمَاعُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ؛ لأَِنَّ الْفِعْل الثَّانِيَ لَمْ يُصَادِفْ صَوْمًا، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِيمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ الْفِعْل فِي يَوْمَيْنِ، أَوْ فِي رَمَضَانَيْنِ، وَلَمْ يُكَفِّرْ لِلأَْوَّل، فَذَهَبَ مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ، وَالزُّهْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّهُ تَكْفِيهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لأَِنَّهَا جَزَاءٌ عَنْ جِنَايَةٍ تَكَرَّرَ سَبَبُهَا قَبْل اسْتِيفَائِهَا، فَتَتَدَاخَل كَالْحَدِّ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الَّذِي اخْتَارَهُ بَعْضُهُمْ لِلْفَتْوَى وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ أَيْضًا الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ الْوَاحِدَةَ لاَ تُجْزِئُهُ، بَل عَلَيْهِ كَفَّارَتَانِ؛ لأَِنَّ كُل يَوْمٍ عِبَادَةٌ مُنْفَرِدَةٌ، فَإِذَا وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ بِإِفْسَادِهِ لَمْ تَتَدَاخَل كَالْعُمْرَتَيْنِ وَالْحَجَّتَيْنِ، (١) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (كَفَّارَةٌ) .

ب - تَدَاخُل الْكَفَّارَاتِ فِي الأَْيْمَانِ:

١٦ - لاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَحَنِثَ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ١١٠ ط بولاق، الفروق للقرافي ٢ / ٢٩، الفرق السابع والخمسون ط دار المعرفة، والأشباه والنظائر للسيوطي ١٢٧ ط العلمية. وحاشية قليوبي ٢ / ٧١ ط الحلبي، والمهذب للشيرازي ١ / ١٩١ ط دار المعرفة، والإنصاف ٣ / ٣١٩ ط التراث، وكشاف القناع ٦ / ٢٣٢ ط النصر، والمغني ٣ / ١٣٢، ١٣٣ ط. الرياض

فِيهَا وَأَدَّى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْكَفَّارَةِ، أَنَّهُ لَوْ حَلَفَ يَمِينًا أُخْرَى وَحَنِثَ فِيهَا تَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى، وَلاَ تُغْنِي الْكَفَّارَةُ الأُْولَى عَنْ كَفَّارَةِ الْحِنْثِ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلاَفُ فِيمَنْ حَلَفَ أَيْمَانًا وَحَنِثَ فِيهَا. ثُمَّ أَرَادَ التَّكْفِيرَ، هَل تَتَدَاخَل الْكَفَّارَاتُ فَتُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؟ أَوْ لاَ تَتَدَاخَل فَيَجِبُ عَلَيْهِ لِكُل يَمِينٍ كَفَّارَةٌ؟ تَتَدَاخَل الْكَفَّارَاتُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَأَحَدِ الأَْقْوَال عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَلاَ تَتَدَاخَل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَلاَ الشَّافِعِيَّةِ، (١) وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ.

سَابِعًا: تَدَاخُل الْعِدَّتَيْنِ:

١٧ - مَعْنَى التَّدَاخُل فِي الْعِدَدِ: أَنْ تَبْتَدِئَ الْمَرْأَةُ عِدَّةً جَدِيدَةً وَتَنْدَرِجَ بَقِيَّةُ الْعِدَّةِ الأُْولَى فِي الْعِدَّةِ الثَّانِيَةِ، وَالْعِدَّتَانِ إِمَّا أَنْ تَكُونَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْ رَجُلَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَا مِنْ جِنْسَيْنِ كَذَلِكَ أَيْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ أَوْ رَجُلَيْنِ، وَعَلَى هَذَا فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا لَزِمَهَا عِدَّتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَتَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُمَا تَتَدَاخَلاَنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاِتِّحَادِهِمَا فِي الْجِنْسِ وَالْقَصْدِ. مِثَال ذَلِكَ: مَا لَوْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلاَثًا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا فِي الْعِدَّةِ وَوَطِئَهَا، وَقَال: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِل لِي. أَوْ طَلَّقَهَا بِأَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ، فَوَطِئَهَا فِي

_________

(١) الموسوعة الفقهية ٧ / ٣٠٠ نشر وزارة الأوقاف الكويتية

الْعِدَّةِ، فَإِنَّ الْعِدَّتَيْنِ تَتَدَاخَلاَنِ، فَتَعْتَدُّ ثَلاَثَةَ أَقْرَاءٍ ابْتِدَاءً مِنَ الْوَطْءِ الْوَاقِعِ فِي الْعِدَّةِ، وَيَنْدَرِجُ مَا بَقِيَ مِنَ الْعِدَّةِ الأُْولَى فِي الْعِدَّةِ الثَّانِيَةِ. أَمَّا إِذَا كَانَتَا لِرَجُلَيْنِ فَإِنَّهُمَا تَتَدَاخَلاَنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ التَّعَرُّفُ عَلَى فَرَاغِ الرَّحِمِ، وَقَدْ حَصَل بِالْوَاحِدَةِ فَتَتَدَاخَلاَنِ. وَمِثَالُهُ: الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا إِذَا وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، فَهَاتَانِ عِدَّتَانِ مِنْ رَجُلَيْنِ وَمِنْ جِنْسَيْنِ. وَمِثَال الْعِدَّتَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ وَمِنْ رَجُلَيْنِ: الْمُطَلَّقَةُ إِذَا تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا فَوَطِئَهَا الثَّانِي، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، تَتَدَاخَلاَنِ وَتَعْتَدُّ مِنْ بَدْءِ التَّفْرِيقِ، وَيَنْدَرِجُ مَا بَقِيَ مِنَ الْعِدَّةِ الأُْولَى فِي الْعِدَّةِ الثَّانِيَةِ.

وَأَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ والْحَنَابِلَةِ فَلاَ تَتَدَاخَلاَنِ؛ لأَِنَّهُمَا حَقَّانِ مَقْصُودَانِ لآِدَمِيَّيْنِ، فَلَمْ يَتَدَاخَلاَ كَالدَّيْنَيْنِ؛ وَلأَِنَّ الْعِدَّةَ احْتِبَاسٌ يَسْتَحِقُّهُ الرِّجَال عَلَى النِّسَاءِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْمُعْتَدَّةُ فِي احْتِبَاسِ رَجُلَيْنِ كَاحْتِبَاسِ الزَّوْجَةِ.

وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَتِ الْعِدَّتَانِ فِي الْجِنْسِ، وَكَانَتَا لِرَجُلَيْنِ، فَإِنَّهُمَا تَتَدَاخَلاَنِ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَجَلٌ، وَالآْجَال تَتَدَاخَل. وَلاَ تَدَاخُل بَيْنَهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حَقٌّ مَقْصُودٌ لِلآْدَمِيِّ، فَعَلَيْهَا أَنْ تَعْتَدَّ لِلأَْوَّل لِسَبْقِهِ، ثُمَّ تَعْتَدَّ لِلثَّانِي، وَلاَ تَتَقَدَّمُ عِدَّةُ الثَّانِي عَلَى عِدَّةِ الأَْوَّل إِلاَّ بِالْحَمْل.

وَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسَيْنِ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ تَدَاخَلَتَا أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ

الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّهُمَا لِرَجُلٍ وَاحِدٍ. وَلاَ تَدَاخُل بَيْنَهُمَا عَلَى مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاِخْتِلاَفِهِمَا فِي الْجِنْسِ. (١)

وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ لَخَصَّ ابْنُ جُزَيٍّ مَذْهَبَهُمْ فِي تَدَاخُل الْعِدَدِ بِقَوْلِهِ: فُرُوعٌ فِي تَدَاخُل الْعِدَّتَيْنِ:

(الْفَرْعُ الأَْوَّل) مَنْ طَلُقَتْ طَلاَقًا رَجْعِيًّا، ثُمَّ مَاتَ زَوْجُهَا فِي الْعِدَّةِ انْتَقَلَتْ إِلَى عِدَّةِ الْوَفَاةِ؛ لأَِنَّ الْمَوْتَ يَهْدِمُ عِدَّةَ الرَّجْعِيِّ بِخِلاَفِ الْبَائِنِ.

(الْفَرْعُ الثَّانِي) إِنْ طَلَّقَهَا رَجْعِيًّا ثُمَّ ارْتَجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ، ثُمَّ طَلَّقَهَا، اسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ مِنَ الطَّلاَقِ الثَّانِي، سَوَاءٌ كَانَ قَدْ وَطِئَهَا أَمْ لاَ؛ لأَِنَّ الرَّجْعَةَ تَهْدِمُ الْعِدَّةَ، وَلَوْ طَلَّقَهَا ثَانِيَةً فِي الْعِدَّةِ مِنْ غَيْرِ رَجْعَةٍ بَانَتِ اتِّفَاقًا، وَلَوْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً ثَانِيَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا فِي الْعِدَّةِ أَوْ بَعْدَهَا، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْل الْمَسِيسِ بَنَتْ عَلَى عِدَّتِهَا الأُْولَى، وَلَوْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُول اسْتَأْنَفَتْ مِنَ الطَّلاَقِ الثَّانِي.

_________

(١) الأشباه لابن نجيم ص ١٣٤ ط الهلال، وابن عابدين ٢ / ٦٠٨، ٦٠٩ ط بولاق، وتبيين الحقائق ٣ / ٣١ ط دار المعرفة، وفتح القدير ٣ / ٢٨٣، ٢٨٤ ط الأميرية، والأشباه والنظائر للسيوطي / ١٢٨ ط العلمية، وحاشية قليوبي ٤ / ٤٦، ٤٧ ط الحلبي، وروضة الطالبين ٨ / ٣٨٤ - ٣٩٤ ط المكتب الإسلامي، والمهذب للشيرازي ٢ / ١٥١ - ١٥٣ ط دار المعرفة، والمنثور للزركشي ١ / ٢٧٦، ٢٧٧ ط الأولى، ونهاية المحتاج ٧ / ١٣٢ - ١٣٥ ط المكتب الإسلامي، والكافي ٣ / ٣١٦ - ٣٢٠ ط المكتب الإسلامي، وكشاف القناع ٢ / ٤٢٥ - ٤٢٨ ط النصر، والمغني ٧ / ٤٨٢ ط الرياض

(الْفَرْعُ الثَّالِثُ) إِذَا تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا مِنَ الطَّلاَقِ، فَدَخَل بِهَا الثَّانِي، ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، اعْتَدَّتْ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الأَْوَّل، ثُمَّ اعْتَدَّتْ مِنَ الثَّانِي، وَقِيل: تَعْتَدُّ مِنَ الثَّانِي وَتُجْزِيهَا عَنْهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَالْوَضْعُ يُجْزِي عَنِ الْعِدَّتَيْنِ اتِّفَاقًا. (١)

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (عِدَّةٌ) .

ثَامِنًا: تَدَاخُل الْجِنَايَاتِ عَلَى النَّفْسِ وَالأَْطْرَافِ:

١٨ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْجِنَايَاتِ عَلَى النَّفْسِ وَالأَْطْرَافِ إِذَا تَعَدَّدَتْ، كَمَا لَوْ قَطَعَ عُضْوًا مِنْ أَعْضَائِهِ، ثُمَّ قَتَلَهُ، فَإِنَّهَا لاَ تَتَدَاخَل إِلاَّ فِي حَالَةِ اجْتِمَاعِ جِنَايَتَيْنِ عَلَى وَاحِدٍ، وَلَمْ يَتَخَلَّلْهُمَا بُرْءٌ، وَصُوَرُهَا سِتَّ عَشْرَةَ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ نُجَيْمٍ فِي الأَْشْبَاهِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا قَطَعَ ثُمَّ قَتَل، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَا عَمْدَيْنِ أَوْ خَطَأَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا عَمْدًا وَالآْخَرُ خَطَأً، وَكُلٌّ مِنَ الأَْرْبَعَةِ إِمَّا عَلَى وَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ، وَكُلٌّ مِنَ الثَّمَانِيَةِ. إِمَّا أَنْ يَكُونَ الثَّانِي قَبْل الْبُرْءِ أَوْ بَعْدَهُ. (٢)

_________

(١) القوانين الفقهية لابن جزي ص ١٥٧، والدسوقي ٢ / ٤٩٩ ط الفكر، والزرقاني ٤ / ٢٣٥ ط الفكر، وجواهر الإكليل ١ / ٣٩٨ ط دار المعرفة، والخرشي ٤ / ١٧٢ - ١٧٥ ط دار صادر، ومواهب الجليل ٤ / ١٧٦ - ١٧٨ ط النجاح

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم / ١٣٤ ط الهلال

وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الطَّرَفِ تَنْدَرِجُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ، أَيْ فِي الْقِصَاصِ، إِنْ تَعَمَّدَهَا الْجَانِي، سَوَاءٌ أَكَانَ الطَّرَفُ لِلْمَقْتُول أَمْ لِغَيْرِهِ بِأَنْ قَطَعَ يَدَ شَخْصٍ عَمْدًا، وَفَقَأَ عَيْنَ آخَرَ عَمْدًا، فَيُقْتَل فَقَطْ وَلاَ يُقْطَعُ شَيْءٌ مِنْ أَطْرَافِهِ وَلاَ تُفْقَأُ عَيْنُهُ، إِنْ لَمْ يَقْصِدِ الْجَانِي بِجِنَايَتِهِ عَلَى الطَّرَفِ مُثْلَةً - أَيْ تَمْثِيلًا وَتَشْوِيهًا - فَإِنْ قَصَدَهَا فَلاَ يَنْدَرِجُ الطَّرَفُ فِي الْقَتْل، فَيُقْتَصُّ مِنَ الطَّرَفِ، ثُمَّ يُقْتَل.

أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَعَمَّدِ الْجَانِي الْجِنَايَةَ عَلَى الطَّرَفِ، فَإِنَّهَا لاَ تَنْدَرِجُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ يَدَ شَخْصٍ خَطَأً، ثُمَّ قَتَلَهُ عَمْدًا عُدْوَانًا، فَإِنَّهُ يُقْتَل بِهِ، وَدِيَةُ الْيَدِ عَلَى عَاقِلَتِهِ. (١)

وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى النَّفْسِ وَالأَْطْرَافِ إِذَا اتَّفَقَتَا فِي الْعَمْدِ أَوِ الْخَطَأِ، وَكَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ بَعْدَ انْدِمَال الْجِنَايَةِ عَلَى الطَّرَفِ وَجَبَتْ دِيَةُ الطَّرَفِ بِلاَ خِلاَفٍ. أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْجِنَايَةُ عَلَى النَّفْسِ قَبْل انْدِمَال الْجِنَايَةِ عَلَى الطَّرَفِ فَوَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: دُخُول الْجِنَايَةِ عَلَى الطَّرَفِ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى النَّفْسِ، بِحَيْثُ لاَ يَجِبُ إِلاَّ مَا يَجِبُ فِي النَّفْسِ كَالسِّرَايَةِ.

وَثَانِيهِمَا: عَدَمُ التَّدَاخُل بَيْنَ الْجِنَايَتَيْنِ، خَرَّجَهُ ابْنُ سُرَيْجٍ، وَبِهِ قَال الإِْصْطَخْرِيُّ، وَاخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ.

_________

(١) جواهر الإكليل ٢ / ٢٦٥ ط دار المعرفة

أَمَّا إِذَا كَانَتْ إِحْدَاهُمَا عَمْدًا وَالأُْخْرَى خَطَأً، وَقُلْنَا بِالتَّدَاخُل عِنْدَ الاِتِّفَاقِ، فَهُنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا التَّدَاخُل أَيْضًا.

وَأَصَحُّهُمَا: لاَ، لاِخْتِلاَفِهِمَا (١) .

والْحَنَابِلَةُ يَقُولُونَ: التَّدَاخُل فِي الْقِصَاصِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ فِيمَا لَوْ جَرَحَ رَجُلٌ رَجُلًا، ثُمَّ قَتَلَهُ قَبْل انْدِمَال جُرْحِهِ، وَاخْتَارَ الْوَلِيُّ الْقِصَاصَ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَيْسَ لِلْوَلِيِّ إِلاَّ ضَرْبُ عُنُقِهِ بِالسَّيْفِ. لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ قَوَدَ إِلاَّ بِالسَّيْفِ (٢)، وَلَيْسَ لَهُ جُرْحُهُ أَوْ قَطْعُ طَرَفِهِ؛ لأَِنَّ الْقِصَاصَ أَحَدُ بَدَلَيِ النَّفْسِ، فَدَخَل الطَّرَفُ فِي حُكْمِ الْجُمْلَةِ كَالدِّيَةِ.

وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَفْعَل بِالْجَانِي مِثْلَمَا فَعَل، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ (٣)

أَمَّا إِذَا عَفَا الْوَلِيُّ عَنِ الْقِصَاصِ، أَوْ صَارَ الأَْمْرُ إِلَى الدِّيَةِ لِكَوْنِ الْفِعْل خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ، فَالْوَاجِبُ حِينَئِذٍ دِيَةٌ وَاحِدَةٌ؛ لأَِنَّهُ قُتِل قَبْل اسْتِقْرَارِ الْجُرْحِ، فَدَخَل أَرْشُ الْجِرَاحَةِ فِي أَرْشِ النَّفْسِ (٤) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (جِنَايَةٌ) .

_________

(١) روضة الطالبين ٩ / ٣٠٧ ط المكتب الإسلامي

(٢) حديث: " لا قود إلا بالسيف " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٨٩ - ط الحلبي) وقال ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٩ - ط شركة الطباعة الفنية): إسناده ضعيف

(٣) سورة النحل / ١٢٦

(٤) المغني ٧ / ٦٨٥، ٦٨٦ ط الرياض

تَاسِعًا: تَدَاخُل الدِّيَاتِ:

١٩ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الدِّيَاتِ قَدْ تَتَدَاخَل، فَيَدْخُل الأَْدْنَى مِنْهَا فِي الأَْعْلَى، وَمِنْ ذَلِكَ دُخُول دِيَةِ الأَْعْضَاءِ وَالْمَنَافِعِ فِي دِيَةِ النَّفْسِ، وَدُخُول أَرْشِ الْمُوضِحَةِ الْمُذْهِبَةِ لِلْعَقْل فِي دِيَةِ الْعَقْل، وَدُخُول حُكُومَةِ الثَّدْيِ فِي دِيَةِ الْحَلَمَةِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْفُرُوعِ. (١) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (دِيَةٌ) .

عَاشِرًا: تَدَاخُل الْحُدُودِ:

٢٠ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحُدُودَ - كَحَدِّ الزِّنَى وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ - إِذَا اتَّفَقَتْ فِي الْجِنْسِ وَالْمُوجِبِ أَيِ الْحَدِّ فَإِنَّهَا تَتَدَاخَل، فَمَنْ زَنَى مِرَارًا، أَوْ سَرَقَ مِرَارًا، أَوْ شَرِبَ مِرَارًا، أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدٌّ وَاحِدٌ لِلزِّنَى الْمُتَكَرِّرِ، وَآخَرُ لِلسَّرِقَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ. وَآخَرُ لِلشُّرْبِ الْمُتَكَرِّرِ؛ لأَِنَّ مَا تَكَرَّرَ مِنْ هَذِهِ الأَْفْعَال هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا سَبَقَهُ، فَدَخَل تَحْتَهُ.

وَمِثْل ذَلِكَ حَدُّ الْقَذْفِ إِذَا قَذَفَ شَخْصًا وَاحِدًا مِرَارًا، أَوْ قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي فِيهِ بِحَدٍّ وَاحِدٍ اتِّفَاقًا، بِخِلاَفِ مَا لَوْ

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٣٧٤ ط المصرية، وتبيين الحقائق ٦ / ١٣٥ ط دار المعرفة، والفروق للقرافي ٢ / ٣٠ ط دار المعرفة، وروضة الطالبين ٩ / ٢٨٥ و٣٠٦ - ٣٠٧ ط المكتب الإسلامي، والمهذب ٢ / ١٩٢ ط دار المعرفة، والمغني ٨ / ٣٨ ط الرياض

قَذَفَ جَمَاعَةً بِكَلِمَاتٍ، أَوْ خَصَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقَذْفٍ.

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ شَرِبَ، فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، ثُمَّ صَدَرَ مِنْهُ أَحَدُ هَذِهِ الأَْفْعَال مَرَّةً أُخْرَى، فَإِنَّهُ يُحَدُّ ثَانِيًا، وَلاَ يَدْخُل تَحْتَ الْفِعْل الَّذِي سَبَقَهُ، وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى عَدَمِ التَّدَاخُل بَيْنَ هَذِهِ الأَْفْعَال عِنْدَ اخْتِلاَفِهَا فِي الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهَا، فَمَنْ زَنَى وَسَرَقَ وَشَرِبَ حُدَّ لِكُل فِعْلٍ مِنْ هَذِهِ الأَْفْعَال؛ لاِخْتِلاَفِهَا فِي الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهَا، فَلاَ تَتَدَاخَل. أَمَّا إِذَا اتَّحَدَتْ فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ وَاخْتَلَفَتْ فِي الْجِنْسِ، كَالْقَذْفِ وَالشُّرْبِ مَثَلًا، فَلاَ تَدَاخُل بَيْنَهَا عِنْدَ غَيْرِ الْمَالِكِيَّةِ، وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَتَتَدَاخَل؛ لاِتِّفَاقِهَا فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِيهَا، وَهُوَ الْحَدُّ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِي الْقَذْفِ ثَمَانُونَ جَلْدَةً وَفِي الشُّرْبِ أَيْضًا مِثْلُهُ، فَإِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ أَحَدُهُمَا سَقَطَ عَنْهُ الآْخَرُ.

وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ عِنْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ إِلاَّ وَاحِدًا فَقَطْ، ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ شَرِبَ أَوْ قَذَفَ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِمَا ضُرِبَ لَهُ عَمَّا ثَبَتَ.

وَمِثْل ذَلِكَ عِنْدَهُمْ - أَيِ الْمَالِكِيَّةِ - مَا لَوْ سَرَقَ وَقَطَعَ يَمِينَ آخَرَ، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي فِيهِ بِحَدٍّ وَاحِدٍ. وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي تِلْكَ الْحُدُودِ الْقَتْل، فَإِنْ كَانَ فِيهَا الْقَتْل، فَإِنَّهُ يَكْتَفِي بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لِقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ: مَا كَانَتْ حُدُودٌ فِيهَا قَتْلٌ إِلاَّ أَحَاطَ الْقَتْل بِذَلِكَ كُلِّهِ،