الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 19

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ الزَّجْرُ وَقَدْ حَصَل. وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ ذَلِكَ حَدَّ الْقَذْفِ، فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يَدْخُل فِي الْقَتْل، بَل لاَ بُدَّ مِنِ اسْتِيفَائِهِ قَبْلَهُ.

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ لاَ يَكْتَفُونَ بِالْقَتْل، وَلَمْ يَقُولُوا بِالتَّدَاخُل فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، بَل يُقَدِّمُونَ الأَْخَفَّ ثُمَّ الأَْخَفَّ، فَمَنْ سَرَقَ وَزَنَى وَهُوَ بِكْرٌ، وَشَرِبَ وَلَزِمَهُ قَتْلٌ بِرِدَّةٍ، أُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُدُودُ الْوَاجِبَةُ فِيهَا بِتَقْدِيمِ الأَْخَفِّ ثُمَّ الأَْخَفِّ. (١)

الْحَادِيَ عَشَرَ: تَدَاخُل الْجِزْيَةِ:

٢١ - ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ تَتَدَاخَل كَمَا إِذَا اجْتَمَعَ عَلَى الذِّمِّيِّ جِزْيَةُ عَامَيْنِ، فَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهُ إِلاَّ جِزْيَةُ عَامٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّ الْجِزْيَةَ وَجَبَتْ عُقُوبَةً لِلَّهِ تَعَالَى تُؤْخَذُ مِنَ الذِّمِّيِّ عَلَى وَجْهِ الإِْذْلاَل. وَالْعُقُوبَاتُ الْوَاجِبَةُ لِلَّهِ تَعَالَى إِذَا اجْتَمَعَتْ، وَكَانَتْ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، تَدَاخَلَتْ

_________

(١) الأشباه لابن نجيم / ١٣٣ ط الهلال، والاختيار ٤ / ٩٦ - ٩٧ ط دار المعرفة، وفتح القدير مع العناية ٤ / ٢٠٨ - ٢٠٩ ط الأميرية. وجواهر الإكليل ٢ / ٢٩٤ ط دار المعرفة، والخرشي ٨ / ١٠٣ ط دار صادر، الدسوقي ٤ / ٣٤٧ - ٣٤٨ ط الفكر، والفروق للقرافي ٢ / ٣٠ الفرق السابع والخمسون ط دار المعرفة، والأشباه للسيوطي / ١٢٦ ط العلمية، وروضة الطالبين ١٠ / ١٦٦ ط المكتب الإسلامي، والمنثور ١ / ٢٧٠ - ٢٧١ ط الأولى، وكشاف القناع ٦ / ٨٥ - ٨٦ ط النصر، والمغني ٨ / ٢١٣ - ٢١٤ ط الرياض

كَالْحُدُودِ؛ وَلأَِنَّهَا وَجَبَتْ بَدَلًا عَنِ الْقَتْل فِي حَقِّهِمْ وَعَنِ النُّصْرَةِ فِي حَقِّنَا، لَكِنْ فِي الْمُسْتَقْبَل لاَ فِي الْمَاضِي؛ لأَِنَّ الْقَتْل إِنَّمَا يُسْتَوْفَى لِحِرَابٍ قَائِمٍ فِي الْحَال، لاَ لِحِرَابٍ مَاضٍ، وَكَذَا النُّصْرَةُ فِي الْمُسْتَقْبَل لأَِنَّ الْمَاضِيَ وَقَعَتِ الْغُنْيَةُ عَنْهُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهَا لاَ تَتَدَاخَل، وَلاَ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ؛ لأَِنَّ مُضِيَّ الْمُدَّةِ لاَ تَأْثِيرَ لَهُ فِي إِسْقَاطِ الْوَاجِبِ كَالدُّيُونِ.

وَأَمَّا خَرَاجُ الأَْرْضِ فَقِيل عَلَى هَذَا الْخِلاَفِ، وَقِيل لاَ تَدَاخُل فِيهِ بِالاِتِّفَاقِ. (١)

وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِتَدَاخُل الْجِزْيَةِ، وَلَكِنْ يُفْهَمُ التَّدَاخُل مِنْ قَوْل أَبِي الْوَلِيدِ ابْنِ رُشْدٍ: وَمَنِ اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِفِرَارِهِ بِهَا أُخِذَتْ مِنْهُ لِمَا مَضَى، وَإِنْ كَانَ لِعُسْرِهِ لَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُ، وَلاَ يُطَالَبُ بِهَا بَعْدَ غِنَاهُ. (٢) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (جِزْيَةٌ) .

_________

(١) فتح القدير ٤ / ٣٧٦، ٣٧٧ ط الأميرية، وتبيين الحقائق ٣ / ٢٧٩ ط دار المعرفة، وابن عابدين ٣ / ٢٧٠ ط بولاق، والاختيار ٤ / ١٣٩ ط دار المعرفة، وروضة الطالبين ١٠ / ٣١٢ ط المكتب الإسلامي، والمغني ٨ / ٥١٢ ط الرياض

(٢) الدسوقي ٢ / ٢٠٢ ط الفكر، والحطاب ٣ / ٣٨٢، وجواهر الإكليل ١ / ٢٦٧ ط دار المعرفة، والخرشي ٣ / ١٤٥، ١٤٦ ط دار صادر

الثَّانِي عَشَرَ: تَدَاخُل الْعَدَدَيْنِ فِي حِسَابِ الْمَوَارِيثِ:

٢٢ - الْعَدَدَانِ فِي حِسَابِ الْمَوَارِيثِ إِمَّا أَنْ يَكُونَا مُتَمَاثِلَيْنِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَا مُخْتَلِفَيْنِ. وَفِي حَال اخْتِلاَفِهِمَا إِمَّا أَنْ يَفْنَى الأَْكْثَرُ بِالأَْقَل، وَإِمَّا أَنْ يُفْنِيَهُمَا عَدَدٌ ثَالِثٌ، وَإِمَّا أَنْ لاَ يُفْنِيَهُمَا إِلاَّ وَاحِدٌ لَيْسَ بِعَدَدٍ، بَل هُوَ مَبْدَؤُهُ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ. وَقَدْ وَقَعَ التَّدَاخُل فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْهَا، وَهُوَ مَا إِذَا اخْتَلَفَا وَفَنِيَ الأَْكْثَرُ بِالأَْقَل عِنْدَ إِسْقَاطِهِ مِنَ الأَْكْثَرِ مَرَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْهُمَا، فَيُقَال حِينَئِذٍ: إِنَّهُمَا مُتَدَاخِلاَنِ، كَثَلاَثَةٍ مَعَ سِتَّةٍ أَوْ تِسْعَةٍ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَإِنَّ السِّتَّةَ تَفْنَى بِإِسْقَاطِ الثَّلاَثَةِ مَرَّتَيْنِ، وَالتِّسْعَةَ بِإِسْقَاطِهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، وَالْخَمْسَةَ عَشَرَ بِإِسْقَاطِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ؛ لأَِنَّهَا خُمُسُهَا، وَسُمِّيَا مُتَدَاخِلَيْنِ لِدُخُول الأَْقَل فِي الأَْكْثَرِ.

وَحُكْمُ الأَْعْدَادِ الْمُتَدَاخِلَةِ: أَنَّهُ يُكْتَفَى فِيهَا بِالأَْكْبَرِ وَيُجْعَل أَصْل الْمَسْأَلَةِ.

أَمَّا فِي الأَْقْسَامِ الأُْخْرَى، وَهِيَ الأَْوَّل وَالثَّالِثُ وَالرَّابِعُ، فَلاَ تَدَاخُل بَيْنَ الْعَدَدَيْنِ فِيهَا؛ لأَِنَّ الْعَدَدَيْنِ إِنْ كَانَا مُتَمَاثِلَيْنِ - كَمَا فِي الْقِسْمِ الأَْوَّل - فَإِنَّهُ يُكْتَفَى بِأَحَدِهِمَا، فَيُجْعَل أَصْلًا لِلْمَسْأَلَةِ كَالثَّلاَثَةِ وَالثَّلاَثَةِ مَخْرَجَيِ الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ؛ لأَِنَّ حَقِيقَةَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ إِذَا سُلِّطَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآْخَرِ أَفْنَاهُ مَرَّةً وَاحِدَةً.

وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ، وَلاَ يُفْنِيهِمَا إِلاَّ عَدَدٌ ثَالِثٌ - وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ - فَهُمَا مُتَوَافِقَانِ،

وَلاَ تَدَاخُل بَيْنَهُمَا أَيْضًا؛ لأَِنَّ الإِْفْنَاءَ حَصَل بِغَيْرِهِمَا، كَأَرْبَعَةٍ وَسِتَّةٍ بَيْنَهُمَا مُوَافَقَةٌ بِالنِّصْفِ، لأَِنَّك إِذَا سَلَّطْتَ الأَْرْبَعَةَ عَلَى السِّتَّةِ يَبْقَى مِنْهُمَا اثْنَانِ، سَلِّطْهُمَا عَلَى الأَْرْبَعَةِ مَرَّتَيْنِ تَفْنَى بِهِمَا، فَقَدْ حَصَل الإِْفْنَاءُ بِاثْنَيْنِ وَهُوَ عَدَدٌ غَيْرُ الأَْرْبَعَةِ وَالسِّتَّةِ، فَهُمَا مُتَوَافِقَانِ بِجُزْءِ الاِثْنَيْنِ وَهُوَ النِّصْفُ. وَحُكْمُ الْمُتَوَافِقَيْنِ: أَنْ تَضْرِبَ وَفْقَ أَحَدِهِمَا فِي كَامِل الآْخَرِ، وَالْحَاصِل أَصْل الْمَسْأَلَةِ. وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ لاَ يَفْنَى أَكْثَرُهُمَا بِأَقَلِّهِمَا وَلاَ بِعَدَدٍ ثَالِثٍ، بِأَنْ لَمْ يُفْنِهِمَا إِلاَّ الْوَاحِدُ كَمَا فِي الْقِسْمِ الرَّابِعِ فَهُمَا مُتَبَايِنَانِ، وَلاَ تَدَاخُل بَيْنَهُمَا أَيْضًا كَثَلاَثَةٍ وَأَرْبَعَةٍ، لأَِنَّك إِذَا أَسْقَطْتَ الثَّلاَثَةَ مِنَ الأَْرْبَعَةِ يَبْقَى وَاحِدٌ، فَإِذَا سَلَّطْتَهُ عَلَى الثَّلاَثَةِ فَنِيَتْ بِهِ. وَحُكْمُ الْمُتَبَايِنَيْنِ أَنَّكَ تَضْرِبُ أَحَدَ الْعَدَدَيْنِ فِي الآْخَرِ. (١)

وَالتَّفْصِيل فِي بَابِ حِسَابِ الْفَرَائِضِ، وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (إِرْثٌ) .

_________

(١) الاختيار ٥ / ١٢٢ - ١٢٤ ط دار المعرفة، وتبيين الحقائق ٦ / ٢٤٥ ط دار المعرفة، والزرقاني ٨ / ٢٢٠ ط الفكر، والدسوقي ٤ / ٤٧٦ وما بعدها ط الفكر، وجواهر الإكليل ٢ / ٣٣٤، ٣٥٥ ط دار المعرفة، ومغني المحتاج ٣ / ٣٣ - ٣٤ ط الحلبي، ونهاية المحتاج ٦ / ٣٥ ط المكتبة الإسلامية، وحاشية قليوبي ٣ / ١٥٣ - ١٥٤ ط الحلبي، وحاشية الجمل على المنهج ٤ / ٣٥ ط الميمنية، وروضة الطالبين ٦ / ٦٩ - ٧٣ ط المكتب الإسلامي، والكافي ٢ / ٥٣٩ ط المكتب الإسلامي

تَدَارُكٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّدَارُكُ: مَصْدَرُ تَدَارَكَ، وَثُلاَثِيُّهُ: دَرَكَ، وَمَصْدَرُهُ الدَّرْكُ بِمَعْنَى: اللَّحَاقِ وَالْبُلُوغِ. وَمِنْهُ الاِسْتِدْرَاكُ

وَلِلاِسْتِدْرَاكِ فِي اللُّغَةِ اسْتِعْمَالاَنِ: الأَْوَّل: أَنْ يُسْتَدْرَكَ الشَّيْءُ بِالشَّيْءِ.

الثَّانِي: أَنْ يُتَلاَفَى مَا فَرَّطَ فِي الرَّأْيِ أَوِ الأَْمْرِ مِنَ الْخَطَأِ أَوِ النَّقْصِ. (١)

وَلِلاِسْتِدْرَاكِ فِي الاِصْطِلاَحِ مَعْنَيَانِ أَيْضًا:

الأَْوَّل، لِلأُْصُولِيِّينَ وَالنَّحْوِيِّينَ: وَهُوَ رَفْعُ مَا يُتَوَهَّمُ ثُبُوتُهُ، أَوْ إِثْبَاتُ مَا يُتَوَهَّمُ نَفْيُهُ.

وَالثَّانِي: يَرِدُ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ: وَهُوَ إِصْلاَحُ مَا حَصَل فِي الْقَوْل أَوِ الْعَمَل مِنْ خَلَلٍ أَوْ قُصُورٍ أَوْ فَوَاتٍ.

وَقَدْ وَرَدَ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ التَّعْبِيرُ بِالتَّدَارُكِ فِي مَوْضِعِ الاِسْتِدْرَاكِ، الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى فِعْل الشَّيْءِ الْمَتْرُوكِ بَعْدَ مَحَلِّهِ، سَوَاءٌ أَتَرَكَ سَهْوًا أَمْ عَمْدًا، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الرَّمْلِيِّ: إِذَا سَلَّمَ الإِْمَامُ

_________

(١) لسان العرب والمعجم الوسيط مادة: " درك "

مِنْ صَلاَةِ الْجِنَازَةِ، تَدَارَكَ الْمَسْبُوقُ بَاقِيَ التَّكْبِيرَاتِ بِأَذْكَارِهَا (١) . وَقَوْله: لَوْ نَسِيَ تَكْبِيرَاتِ صَلاَةِ الْعِيدِ فَتَذَكَّرَهَا قَبْل رُكُوعِهِ، أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهَا بِالأَْوْلَى - وَشَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ وَإِنْ لَمْ يُتِمَّ فَاتِحَتَهُ - فَاتَتْ فِي الْجَدِيدِ فَلاَ يَتَدَارَكُهَا. (٢)

وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا ذَكَرَهُ الْبُهُوتِيُّ، مِنْ أَنَّهُ لَوْ دُفِنَ الْمَيِّتُ قَبْل الْغُسْل، وَقَدْ أَمْكَنَ غُسْلُهُ، لَزِمَ نَبْشُهُ، وَأَنْ يُخْرَجَ وَيُغَسَّل، تَدَارُكًا لِوَاجِبِ غُسْلِهِ. (٣)

وَعَلَى هَذَا يُمْكِنُ تَعْرِيفُ التَّدَارُكِ فِي الاِصْطِلاَحِ الْفِقْهِيِّ بِأَنَّهُ: فِعْل الْعِبَادَةِ، أَوْ فِعْل جُزْئِهَا إِذَا تَرَكَ الْمُكَلَّفُ فِعْل ذَلِكَ فِي مَحَلِّهِ الْمُقَرَّرِ شَرْعًا مَا لَمْ يَفُتْ.

وَبِالتَّتَبُّعِ وَجَدْنَا الْفُقَهَاءَ لاَ يُطْلِقُونَ التَّدَارُكَ إِلاَّ عَلَى مَا كَانَ اسْتِدْرَاكًا فِي الْعِبَادَةِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

٢ - مِنْهَا الْقَضَاءُ وَالإِْعَادَةُ وَالاِسْتِدْرَاكُ، وَكَذَلِكَ الإِْصْلاَحُ فِي اصْطِلاَحِ الْمَالِكِيَّةِ وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ مَعَانِيهَا، وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّدَارُكِ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِدْرَاكٌ) .

_________

(١) نهاية المحتاج ٢ / ٤٧٣ ط مصطفى الحلبي

(٢) نهاية المحتاج ٢ / ٣٧٩

(٣) كشاف القناع ٢ / ٨٦

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٣ - الأَْصْل أَنَّ تَدَارُكَ رُكْنِ الْعِبَادَةِ الْمَفْرُوضَةِ فَرْضٌ، وَذَلِكَ إِنْ فَاتَ الرُّكْنُ لِعُذْرٍ - كَنِسْيَانٍ أَوْ جَهْلٍ - مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، أَوْ فُعِل عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مُجْزِئٍ.

وَلاَ يَحْصُل الثَّوَابُ الْمُرَتَّبُ عَلَى الرُّكْنِ مَعَ تَرْكِهِ؛ لِعَدَمِ الاِمْتِثَال. وَلاَ تَصِحُّ الْعِبَادَةُ إِلاَّ بِالتَّدَارُكِ.

فَإِنْ لَمْ يَتَدَارَكِ الرُّكْنَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ فِيهِ فَسَدَتِ الْعِبَادَةُ، وَوَجَبَ الاِسْتِدْرَاكُ بِاسْتِئْنَافِ الْعِبَادَةِ أَوْ قَضَائِهَا، بِحَسَبِ اخْتِلاَفِ الأَْحْوَال.

وَأَمَّا تَدَارُكُ الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ. وَيَتَّضِحُ ذَلِكَ مِنَ الأَْمْثِلَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَبِهَا يَتَبَيَّنُ الْحُكْمُ.

التَّدَارُكُ فِي الْوُضُوءِ:

أ - التَّدَارُكُ فِي أَرْكَانِ الْوُضُوءِ:

٤ - أَرْكَانُ الْوُضُوءِ يَتَحَتَّمُ الإِْتْيَانُ بِهَا، فَإِنْ تَرَكَ غَسْل عُضْوٍ مِنَ الثَّلاَثَةِ أَوِ جُزْءًا مِنْهُ، أَوْ تَرَكَ مَسْحَ الرَّأْسِ، فَإِنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ تَدَارُكِهِ، بِالإِْتْيَانِ بِالْفَائِتِ مِنْ غَسْلٍ أَوْ مَسْحٍ ثُمَّ الإِْتْيَانُ بِمَا بَعْدَهُ، فَمَنْ نَسِيَ غَسْل الْيَدَيْنِ، وَتَذَكَّرَهُ بَعْدَ غَسْل الرِّجْلَيْنِ، لَمْ يَصِحَّ وُضُوءُهُ حَتَّى يُعِيدَ غَسْل الْيَدَيْنِ وَيَمْسَحَ بِرَأْسِهِ وَيَغْسِل رِجْلَيْهِ.

وَهَذَا عَلَى قَوْل مَنْ يَجْعَل التَّرْتِيبَ فَرْضًا فِي

الْوُضُوءِ، وَهُمُ الشَّافِعِيَّةُ، وَعَلَى الْقَوْل الْمُقَدَّمِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ.

أَمَّا مَنْ أَجَازُوا الْوُضُوءَ دُونَ تَرْتِيبٍ، وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، فَيُجْزِئُ عِنْدَهُمُ التَّدَارُكُ بِغَسْل الْمَتْرُوكِ وَحْدَهُ. وَإِعَادَةُ مَا بَعْدَهُ مُسْتَحَبٌّ، وَلَيْسَ وَاجِبًا.

وَلَوْ تَرَكَ غَسْل الْيُمْنَى مِنَ الْيَدَيْنِ أَوِ الرِّجْلَيْنِ، وَتَذَكَّرَهُ بَعْدَ غَسْل الْيُسْرَى، أَجْزَأَهُ غَسْل الْيُمْنَى فَقَطْ، وَلاَ يَلْزَمُهُ غَسْل الْيُسْرَى اتِّفَاقًا؛ لأَِنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ عُضْوٍ وَاحِدٍ.

وَإِنَّمَا يُجْزِئُ التَّدَارُكُ بِالإِْتْيَانِ بِالْفَائِتِ وَمَا بَعْدَهُ، أَوْ بِالْفَائِتِ وَحْدَهُ - عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ - إِنْ لَمْ تَفُتِ الْمُوَالاَةُ عِنْدَ مَنْ أَوْجَبَهَا، فَإِنْ طَال الْفَصْل، وَفَاتَتِ الْمُوَالاَةُ، فَلاَ بُدَّ مِنْ إِعَادَةِ الْوُضُوءِ كُلِّهِ. أَمَّا مَنْ لَمْ يُوجِبِ الْمُوَالاَةَ - وَذَلِكَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ - فَإِنَّهُ يُجْزِئُ عِنْدَهُمُ التَّدَارُكُ بِغَسْل الْفَائِتِ وَحْدَهُ. (١)

وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلاَتٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي (وُضُوءٍ) .

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٨٣، والدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٩٩، ونهاية المحتاج ١ / ١٧٨ ط مصطفى الحلبي، وكشاف القناع ١ / ١٠٤

ب - التَّدَارُكُ فِي وَاجِبَاتِ الْوُضُوءِ:

٥ - لَيْسَ لِلْوُضُوءِ وَلاَ لِلْغُسْل وَاجِبَاتٌ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ. (١)

وَمِنْ وَاجِبَاتِ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ مَثَلًا التَّسْمِيَةُ فِي أَوَّلِهِ - وَلَيْسَتْ رُكْنًا فِي الْوُضُوءِ عِنْدَهُمْ - قَالُوا: وَتَسْقُطُ لَوْ تَرَكَهَا سَهْوًا. وَإِنْ ذَكَرَهَا فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ سَمَّى وَبَنَى، أَيْ فَلاَ يَلْزَمُهُ الاِسْتِئْنَافُ. قَالُوا: لأَِنَّهُ لَمَّا عُفِيَ عَنْهَا مَعَ السَّهْوِ فِي جُمْلَةِ الطَّهَارَةِ، فَفِي بَعْضِهَا أَوْلَى. وَهُوَ الْمَذْهَبُ خِلاَفًا لِمَا صَحَّحَهُ فِي الإِْنْصَافِ. (٢)

ج - التَّدَارُكُ فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ:

٦ - أَمَّا سُنَنُ الْوُضُوءِ فَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِعَدَمِ مَشْرُوعِيَّةِ تَدَارُكِهَا إِذَا فَاتَ مَحَلُّهَا.

فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ سُنَّةَ الْوُضُوءِ يُطَالَبُ بِإِعَادَتِهَا لَوْ نَكَّسَهَا سَهْوًا أَوْ عَمْدًا، طَال الْوَقْتُ أَوْ قَصُرَ. (٣) أَمَّا لَوْ تَرَكَهَا بِالْكُلِّيَّةِ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا - وَذَلِكَ مُنْحَصِرٌ عِنْدَهُمْ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالاِسْتِنْشَاقِ وَمَسْحِ الأُْذُنَيْنِ - قَال الدَّرْدِيرُ: يَفْعَلُهَا اسْتِنَانًا دُونَ مَا بَعْدَهَا طَال التَّرْكُ أَوْ لاَ. وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ إِعَادَةُ مَا بَعْدَهُ لِنَدْبِ تَرْتِيبِ السُّنَنِ فِي نَفْسِهَا، أَوْ

_________

(١) الدر المختار بهامش ابن عابدين ١ / ٧٠، والشرح الكبير للدردير ١ / ٩٦ حيث لم يذكر واجبات للوضوء

(٢) كشاف القناع ١ / ٩١

(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٩٩

مَعَ الْفَرَائِضِ. وَالْمَنْدُوبُ - كَمَا قَال الدُّسُوقِيُّ - إِذَا فَاتَ لاَ يُؤْمَرُ بِفِعْلِهِ لِعَدَمِ التَّشْدِيدِ فِيهِ، وَإِنَّمَا يَتَدَارَكُهَا لِمَا يُسْتَقْبَل مِنَ الصَّلَوَاتِ، لاَ إِنْ أَرَادَ مُجَرَّدَ الْبَقَاءِ عَلَى طَهَارَةٍ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بِالْقُرْبِ، أَيْ بِحَضْرَةِ الْمَاءِ وَقَبْل فَرَاغِهِ مِنَ الْوُضُوءِ. (١)

وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ قَدَّمَ مُؤَخَّرًا، كَأَنِ اسْتَنْشَقَ قَبْل الْمَضْمَضَةِ - وَهُمَا عِنْدَهُمْ سُنَّتَانِ - قَال الرَّمْلِيُّ: يُحْتَسَبُ مَا بَدَأَ بِهِ، وَفَاتَ مَا كَانَ مَحَلُّهُ قَبْلَهُ عَلَى الأَْصَحِّ فِي الرَّوْضَةِ، خِلاَفًا لِمَا فِي الْمَجْمُوعِ، أَيْ فَلاَ يَتَدَارَكُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلُهُمْ فِي سُنَنِ الْوُضُوءِ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ، فَيُحْسَبُ مِنْهَا مَا أَوْقَعَهُ أَوَّلًا، فَكَأَنَّهُ تَرَكَ غَيْرَهُ، فَلاَ يُعْتَدُّ بِفِعْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ. (٢)

لَكِنْ فِي التَّسْمِيَةِ فِي أَوَّل الْوُضُوءِ - وَهِيَ سُنَّةٌ عِنْدَهُمْ - قَالُوا: إِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا (أَوْ فِي أَوَّل طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ كَذَلِكَ) يَأْتِي بِهَا فِي أَثْنَائِهِ تَدَارُكًا لِمَا فَاتَهُ، فَيَقُول: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَلاَ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الْوُضُوءِ، بِخِلاَفِ الأَْكْل، فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَا بَعْدَهُ. (٣)

وَشَبِيهٌ بِهَذَا مَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. حَيْثُ قَالُوا: لَوْ نَسِيَهَا، فَسَمَّى فِي خِلاَل الْوُضُوءِ لاَ تَحْصُل

_________

(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ١٠٠

(٢) نهاية المحتاج ١ / ١٧١

(٣) نهاية المحتاج ١ / ١٦٩