الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 20

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

السُّنَّةُ، بَل الْمَنْدُوبُ، (١) فَيَأْتِي بِهَا لِئَلاَّ يَخْلُوَ وُضُوءُهُ مِنْهَا.

وَأَمَّا فِي الطَّعَامِ فَتَحْصُل السُّنَّةُ فِي بَاقِيهِ. وَهَل تَكُونُ التَّسْمِيَةُ أَثْنَاءَهُ اسْتِدْرَاكًا لِمَا فَاتَ، فَتَحْصُل فِيهِ، أَمْ لاَ تَحْصُل؟ .

قَال شَارِحُ الْمُنْيَةِ: الأَْوْلَى أَنَّهَا اسْتِدْرَاكٌ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِذَا أَكَل أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فِي أَوَّلِهِ فَلْيَقُل: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ (٢) . وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِذَا قَال فِي الْوُضُوءِ بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، حَصَل اسْتِدْرَاكُ السُّنَّةِ أَيْضًا، بِدَلاَلَةِ النَّصِّ. (٣)

٧ - أَمَّا الْمَضْمَضَةُ وَالاِسْتِنْشَاقُ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فَفِعْلُهُمَا فَرْضٌ؛ لأَِنَّ الْفَمَ وَالأَْنْفَ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَجْهِ، وَلَيْسَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ، وَلِذَا فَلاَ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِيمَا بَيْنَهُمَا. وَيَجِبُ أَنْ يَتَدَارَكَ

_________

(١) السنة عند الحنفية: هي التي واظب عليها النبي ﷺ مع الترك بلا عذر مرة أو مرتين، وحكمها الثواب، وفي تركها العتاب لا العقاب. وأما المندوب عندهم: فهو ما فعله النبي ﷺ مرة أو مرتين ولم يواظب عليه. وحكمه الثواب بفعله وعدم ال

(٢) حديث: " إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى. . . " أخرجه أبو داود (٤ / ١٤٠ - ط عزت عبيد دعاس) والترمذي (٤ / ٢٨٨ ط الحلبي) من حديث عائشة ﵂، وصححه الحاكم (٤ / ١٠٨ ط دائرة المعارف العثمانية) ووافقه الذهبي

(٣) رد المحتار ١ / ٧٤ و٧٥

الْمَضْمَضَةَ بَعْدَ الاِسْتِنْشَاقِ، أَوْ بَعْدَ غَسْل الْوَجْهِ، وَحَتَّى بَعْدَ غَسْل سَائِرِ الأَْعْضَاءِ، (١) إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ تَذَكَّرَهُمَا بَعْدَ غَسْل الْيَدَيْنِ تَدَارَكَهُمَا وَغَسَل مَا بَعْدَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ.

التَّدَارُكُ فِي الْغُسْل:

٨ - التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالاَةُ فِي الْغُسْل غَيْرُ وَاجِبَيْنِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

وَقَال اللَّيْثُ: لاَ بُدَّ مِنَ الْمُوَالاَةِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنِ الإِْمَامِ مَالِكٍ، وَالْمُقَدَّمُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ: وُجُوبُ الْمُوَالاَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ لأَِصْحَابِ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ.

فَعَلَى قَوْل الْجُمْهُورِ: إِذَا تَوَضَّأَ مَعَ الْغُسْل لَمْ يَلْزَمِ التَّرْتِيبُ بَيْنَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ

مِنْ أَجْل ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ تَرَكَ غَسْل عُضْوٍ أَوْ لُمْعَةٍ مِنْ عُضْوٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَمْ فِي غَيْرِهَا، تَدَارَكَ الْمَتْرُوكَ وَحْدَهُ بَعْدُ، طَال الْوَقْتُ أَوْ قَصُرَ، وَلَوْ غَسَل بَدَنَهُ إِلاَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ تَدَارَكَهَا، وَلَمْ يَجِبِ التَّرْتِيبُ بَيْنَهَا. (٢)

وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ قَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ تَرَكَ الْوُضُوءَ فِي الْغُسْل، أَوِ الْمَضْمَضَةَ أَوِ الاِسْتِنْشَاقَ كُرِهَ لَهُ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ وَلَوْ طَال الْفَصْل

_________

(١) كشاف القناع ١ / ٩٣، ٩٤

(٢) شرح منية المصلي ص ٥٠، وحاشية الدسوقي ١ / ١٣٣، والمغني ١ / ٢٢٠، وكشاف القناع ١ / ٥٣

دُونَ إعَادَةٍ لِلْغُسْل. (١) وَيَجِبُ تَدَارُكُهُمَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ إِذْ هُمَا وَاجِبَانِ فِي الْغُسْل عِنْدَهُمْ، بِخِلاَفِهِمَا فِي الْوُضُوءِ، فَهُمَا فِيهِ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَلَيْسَا بِوَاجِبَيْنِ (٢)

تَدَارُكُ غُسْل الْمَيِّتِ:

٩ - عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لَوْ دُفِنَ الْمَيِّتُ دُونَ غُسْلٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ غُسْلُهُ، لَزِمَ نَبْشُهُ وَأَنْ يُخْرَجَ وَيُغَسَّل، تَدَارُكًا لِوَاجِبِ غُسْلِهِ. أَيْ مَا لَمْ يُخْشَ تَغَيُّرُهُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ. وَكَذَلِكَ تَكْفِينُهُ وَالصَّلاَةُ عَلَيْهِ يَجِبُ تَدَارُكُهُمَا بِنَبْشِهِ.

قَال الدَّرْدِيرُ: وَتُدُورِكَ نَدْبًا بِالْحَضْرَةِ (وَهِيَ مَا قَبْل تَسْوِيَةِ التُّرَابِ عَلَيْهِ) وَمِثَال الْمُخَالَفَةِ الَّتِي تُتَدَارَكُ: تَنْكِيسُ رِجْلَيْهِ مَوْضِعَ رَأْسِهِ، أَوْ وَضْعِهِ غَيْرَ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ، أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ، وَكَتَرْكِ الْغُسْل، أَوِ الصَّلاَةِ عَلَيْهِ، وَدَفْنِ مَنْ أَسْلَمَ بِمَقْبَرَةِ الْكُفَّارِ، فَيُتَدَارَكُ إِنْ لَمْ يُخَفْ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ. (٣)

أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: فَلاَ يُنْبَشُ الْمَيِّتُ إِذَا أُهِيل عَلَيْهِ التُّرَابُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا لَوْ دُفِنَ دُونَ

_________

(١) نهاية المحتاج ١ / ٢٠٩

(٢) شرح منية المصلي ص ٤٦

(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٤١٩، والجمل على شرح المنهج ٢ / ٢١١، وكشاف القناع ٢ / ٨٦، ١٤٣

غُسْلٍ أَوْ صَلاَةٍ، وَيُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ دُونَ غُسْلٍ. (١)

التَّدَارُكُ فِي الصَّلاَةِ:

١٠ - إِذَا تَرَكَ الْمُصَلِّي شَيْئًا مِنْ صَلاَتِهِ، أَوْ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مُجْزِئٍ، فَإِنَّ فِي مَشْرُوعِيَّةِ تَدَارُكِهِ تَفْصِيلًا:

أ - (تَدَارُكُ الأَْرْكَانِ):

١١ - إِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ رُكْنًا، وَكَانَ تَرْكُهُ عَمْدًا، بَطَلَتْ صَلاَتُهُ حَالًا لِتَلاَعُبِهِ. وَإِنْ تَرَكَهُ سَهْوًا أَوْ شَكَّ فِي تَرْكِهِ وَجَبَ تَدَارُكُهُ بِفِعْلِهِ، وَإِلاَّ لَمْ تَصِحَّ الرَّكْعَةُ الَّتِي تَرَكَ رُكْنًا مِنْهَا، فَإِنَّ الرُّكْنَ لاَ يَسْقُطُ عَمْدًا وَلاَ سَهْوًا وَلاَ جَهْلًا وَلاَ غَلَطًا، وَيُعِيدُ مَا بَعْدَ الْمَتْرُوكِ لِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ.

وَفِي كَيْفِيَّةِ تَدَارُكِهِ اخْتِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ بَيْنَ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي (أَرْكَانِ الصَّلاَةِ وَسُجُودِ السَّهْوِ) .

وَقَدْ يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ مَعَ تَدَارُكِهِ، عَلَى مَا فِي سُجُودِ السَّهْوِ مِنَ الْخِلاَفِ، فِي كَوْنِهِ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا (٢) عَلَى مَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي سُجُودِ السَّهْوِ.

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٥٨٢، ٦٠٢

(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ١ / ٣٠٢، ٣١٠، ونهاية المحتاج ١ / ٤٣٠، ٥٢١، وكشاف القناع ١ / ٣٣٨، ٤٠٣

تَدَارُكُ الْوَاجِبَاتِ:

١٢ - لَيْسَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَاجِبَاتٌ لِلصَّلاَةِ غَيْرَ الأَْرْكَانِ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَاجِبَاتُ الصَّلاَةِ لاَ تَفْسُدُ الصَّلاَةُ بِتَرْكِهَا، بَل يَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ إِنْ كَانَ تَرْكُهُ سَهْوًا، وَتَجِبُ إِعَادَتُهَا إِنْ كَانَ عَمْدًا مَعَ الْحُكْمِ بِإِجْزَاءِ الأُْولَى. (١)

أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: فَوَاجِبَاتُ الصَّلاَةِ - كَالتَّشَهُّدِ الأَْوَّل، وَالتَّكْبِيرِ لِلاِنْتِقَال، وَتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ - فَإِنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ. وَإِنْ تَرَكَهُ سَهْوًا ثُمَّ تَذَكَّرَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ تَدَارُكُهُ مَا لَمْ يَفُتْ مَحَلُّهُ، بِانْتِقَالِهِ بَعْدَهُ إِلَى رُكْنٍ مَقْصُودٍ؛ إِذْ لاَ يَعُودُ بَعْدَهُ لِوَاجِبٍ. فَيَرْجِعُ إِلَى تَسْبِيحِ رُكُوعٍ قَبْل اعْتِدَالٍ لاَ بَعْدَهُ، وَيَرْجِعُ إِلَى التَّشَهُّدِ الأَْوَّل مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي قِرَاءَةِ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ. ثُمَّ إِنْ فَاتَ مَحَل الْوَاجِبِ - كَمَا لَوْ شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ مَنْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الأَْوَّل - لَمْ يَجُزِ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ. وَفِي كِلاَ الْحَالَيْنِ يَجِبُ سُجُودُ السَّهْوِ. (٢)

- تَدَارُكُ سُنَنِ الصَّلاَةِ:

١٣ - السُّنَنُ لاَ تَبْطُل الصَّلاَةُ بِتَرْكِهَا وَلَوْ عَمْدًا،

_________

(١) شرح منية المصلي ص ١٣

(٢) كشاف القناع ١ / ٣٥٠، ٤٠٤، ٤٠٥

وَلاَ تَجِبُ الإِْعَادَةُ، وَإِنَّمَا حُكْمُ تَرْكِهَا: كَرَاهَةُ التَّنْزِيهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ. (١)

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ نَسِيَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ الصَّلاَةِ يَسْتَدْرِكُهَا مَا لَمْ يَفُتْ مَحَلُّهَا، فَلَوْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الأَْوْسَطَ، وَتَذَكَّرَ قَبْل مُفَارَقَتِهِ الأَْرْضَ بِيَدَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ، يَرْجِعُ لِلإِْتْيَانِ بِهِ، وَإِلاَّ فَقَدْ فَاتَ. وَأَمَّا السُّجُودُ لِلسَّهْوِ بِتَرْكِ سُنَّةٍ، فَعِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلاَتٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي (سُجُودِ السَّهْوِ) . (٢)

وَالسُّنَنُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ نَوْعَانِ: نَوْعٌ هُوَ أَبْعَاضٌ يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ لِتَرْكِهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا، كَالْقُنُوتِ، وَقِيَامِهِ، وَالتَّشَهُّدِ الأَْوَّل، وَقُعُودِهِ، وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ.

وَنَوْعٌ لاَ يُشْرَعُ السُّجُودُ لِتَرْكِهِ، كَأَذْكَارِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَإِنْ سَجَدَ لِشَيْءٍ مِنْهَا عَامِدًا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّهُ زَادَ عَلَى الصَّلاَةِ مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا، إِلاَّ أَنْ يُعْذَرَ بِجَهْلِهِ.

وَعَلَى كُل حَالٍ فَلاَ يُتَدَارَكُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ إِذَا فَاتَ مَحَلُّهُ، كَالاِسْتِفْتَاحِ إِذَا شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ. (٣)

وَكَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لاَ تُتَدَارَكُ السُّنَنُ إِذَا فَاتَ مَحَلُّهَا، كَمَا إِذَا تَرَكَ الاِسْتِفْتَاحَ حَتَّى تَعَوَّذَ، أَوْ تَرَكَ

_________

(١) شرح منية المصلي ص ١٣

(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٢٧٨

(٣) نهاية المحتاج ٢ / ٦٦ - ٦٧، ٤٥٥

التَّعَوُّذَ حَتَّى بَسْمَل، أَوْ تَرَكَ الْبَسْمَلَةَ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ تَرَكَ التَّأْمِينَ حَتَّى شَرَعَ فِي السُّورَةِ. لَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنِ اسْتَعَاذَ فِي الأُْولَى عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا يَسْتَعِيذُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ. وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَدَارُكِ التَّعَوُّذِ الْفَائِتِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يَسْتَعِيذُ لِلْقِرَاءَةِ الثَّانِيَةِ. وَكَمَا لاَ تُتَدَارَكُ السُّنَنُ إِذَا فَاتَ مَحَلُّهَا، فَكَذَلِكَ لاَ يُشْرَعُ السُّجُودُ لِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْهَا سَهْوًا أَوْ عَمْدًا، قَوْلِيَّةً كَانَتْ أَوْ فِعْلِيَّةً، وَإِنْ سَجَدَ لِذَلِكَ فَلاَ بَأْسَ. (١)

د - تَدَارُكُ الْمَسْبُوقِ مَا فَاتَهُ مِنَ الصَّلاَةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ:

١٤ - مَنْ جَاءَ مُتَأَخِّرًا عَنْ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، فَدَخَل مَعَ الإِْمَامِ، لاَ يَتَدَارَكُ مَا فَاتَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ مَعَهُ إِنْ أَدْرَكَهُ قَبْل الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ تَدَارُكُهَا. وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَأَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ تُنْظَرُ فِي صَلاَةِ الْجَمَاعَةِ (صَلاَةِ الْمَسْبُوقِ) (٢)

هـ - تَدَارُكُ سُجُودِ السَّهْوِ:

١٥ - لَوْ نَسِيَ مَنْ سَهَا فِي صَلاَتِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْجُدَ لِلسَّهْوِ حَتَّى سَلَّمَ، ثُمَّ تَذَكَّرَهُ

_________

(١) كشاف القناع ١ / ٣٣٦، ٣٣٩، ٣٥٦، ٣٩٣

(٢) نهاية المحتاج ١ / ٤٧٢، ٢ / ٢٣١ - ٢٣٥

عَنْ قُرْبٍ، يَتَدَارَكُهُ. (١) وَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي بَابِ (سُجُودُ السَّهْوِ) .

و تَدَارُكُ النَّاسِي لِلتَّكْبِيرِ فِي صَلاَةِ الْعِيدِ:

١٦ - إِذَا نَسِيَ تَكْبِيرَاتِ صَلاَةِ الْعِيدِ حَتَّى شَرَعَ فِي الْقِرَاءَةِ، فَاتَتْ فَلاَ يَتَدَارَكُهَا فِي الرَّكْعَةِ نَفْسِهَا، لأَِنَّهَا سُنَّةٌ فَاتَ مَحَلُّهَا، كَمَا لَوْ نَسِيَ الاِسْتِفْتَاحَ أَوِ التَّعَوُّذَ، وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. (٢) وَلأَِنَّهُ إِنْ أَتَى بِالتَّكْبِيرَاتِ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْقِرَاءَةِ، فَقَدْ أَلْغَى الْقِرَاءَةَ الأُْولَى، وَهِيَ فَرْضٌ يَصِحُّ أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعُدْ إِلَى الْقِرَاءَةِ فَقَدْ حَصَلَتِ التَّكْبِيرَاتُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا. لَكِنْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - كَمَا قَال الشَّبْرَامَلِّسِيُّ - يُسَنُّ إِذَا نَسِيَ تَكْبِيرَاتِ الرَّكْعَةِ الأُْولَى أَنْ يَتَدَارَكَهَا فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مَعَ تَكْبِيرَاتِهَا، كَمَا فِي قِرَاءَةِ سُورَةِ (الْجُمُعَةِ) فِي الرَّكْعَةِ الأُْولَى مِنْ صَلاَةِ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَرَكَهَا فِيهَا سُنَّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَهَا مَعَ سُورَةِ (الْمُنَافِقُونَ) فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ. (٣)

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَتَدَارَكُ التَّكْبِيرَاتِ إِذَا نَسِيَهَا، سَوَاءٌ أَذَكَرَهَا أَثْنَاءَ الْقِرَاءَةِ أَمْ بَعْدَ الْقِرَاءَةِ أَثْنَاءَ

_________

(١) المغني ٢ / ٣٤، وكشاف القناع ١ / ٤٠٩، ونهاية المحتاج ٢ / ٨٦، ومراقي الفلاح بحاشية الطحطاوي ص ٢٥٧، وابن عابدين ١ / ٥٠٥، والقوانين الفقهية ص ٥١

(٢) نهاية المحتاج ٢ / ٣٧٩، والقليوبي ١ / ٣٠٥، وكشاف القناع ٢ / ٥٤

(٣) النهاية وحاشية الشبرامسلي ٢ / ٣٧٩، وكشاف القناع ٢ / ٥٤

الرُّكُوعِ. فَإِنْ نَسِيَهَا حَتَّى رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَاتَتْ فَلاَ يُكَبِّرُ. غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ ذَكَرَ أَثْنَاءَ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَبَعْدَهَا، قَبْل أَنْ يَضُمَّ إِلَيْهَا السُّورَةَ، يُعِيدُ بَعْدَ التَّكْبِيرِ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وُجُوبًا، وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ ضَمِّ السُّورَةِ كَبَّرَ وَلَمْ يُعِدِ الْقِرَاءَةَ؛ لأَِنَّ الْقِرَاءَةَ تَمَّتْ فَلاَ يُحْتَمَل النَّقْضُ. (١)

وَقَوْل الْمَالِكِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَرِيبٌ مِنْ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ نَاسِيَ التَّكْبِيرِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا يُكَبِّرُ حَيْثُ تَذَكَّرَ فِي أَثْنَاءِ الْقِرَاءَةِ أَوْ بَعْدَهَا مَا لَمْ يَرْكَعْ. وَيُعِيدُ الْقِرَاءَةَ اسْتِحْبَابًا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ؛ لأَِنَّ الْقِرَاءَةَ الأُْولَى وَقَعَتْ فِي غَيْرِ مَحَلِّهَا.

فَإِنْ رَكَعَ قَبْل أَنْ يَتَذَكَّرَ التَّكْبِيرَ تَمَادَى لِفَوَاتِ مَحَل التَّدَارُكِ، وَلاَ يَرْجِعُ لِلتَّكْبِيرِ، فَإِنْ رَجَعَ فَالظَّاهِرُ الْبُطْلاَنُ. (٢)

ز - تَدَارُكُ الْمَسْبُوقِ تَكْبِيرَاتِ صَلاَةِ الْعِيدِ:

١٧ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَتَدَارَكُ الْمَسْبُوقُ مَا فَاتَهُ مِنْ تَكْبِيرَاتِ صَلاَةِ الْعِيدِ، فَيُكَبِّرُ لِلاِفْتِتَاحِ قَائِمًا، فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالتَّكْبِيرَاتِ وَيُدْرِكَ الرُّكُوعَ فَعَل، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ رَكَعَ، وَاشْتَغَل بِالتَّكْبِيرَاتِ وَهُوَ رَاكِعٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، خِلاَفًا لأَِبِي يُوسُفَ، وَإِنْ رَفَعَ الإِْمَامُ رَأْسَهُ سَقَطَ عَنْهُ مَا بَقِيَ

_________

(١) فتح القدير على الهداية ٢ / ٤٦، والفتاوى الهندية ١ / ١٥١، وابن عابدين ١ / ٥٦٠

(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٣٩٧

مِنَ التَّكْبِيرِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ رَفْعِ رَأْسِهِ قَائِمًا لاَ يَأْتِي بِالتَّكْبِيرِ؛ لأَِنَّهُ يَقْضِي الرَّكْعَةَ مَعَ تَكْبِيرَاتِهَا. (١)

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَتَدَارَكُهَا إِنْ أَدْرَكَ الْقِرَاءَةَ مَعَ الإِْمَامِ، لاَ إِذَا أَدْرَكَهُ رَاكِعًا. ثُمَّ إِنْ أَدْرَكَهُ فِي أَثْنَاءِ التَّكْبِيرَاتِ يُتَابِعُ الإِْمَامَ فِيمَا أَدْرَكَهُ مَعَهُ، ثُمَّ يَأْتِي بِمَا فَاتَهُ. وَلاَ يُكَبِّرُ مَا فَاتَهُ خِلاَل تَكْبِيرِ الإِْمَامِ. وَإِنْ أَدْرَكَهُ فِي الْقِرَاءَةِ كَبَّرَ أَثْنَاءَ قِرَاءَةِ الإِْمَامِ. (٢)

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْجَدِيدِ، وَالْحَنَابِلَةِ: إِنْ حَضَرَ الْمَأْمُومُ، وَقَدْ سَبَقَهُ الإِْمَامُ بِالتَّكْبِيرَاتِ أَوْ بِبَعْضِهَا، لَمْ يَتَدَارَكْ شَيْئًا مِمَّا فَاتَهُ؛ لأَِنَّهُ ذِكْرٌ مَسْنُونٌ فَاتَ مَحَلُّهُ.

وَفِي الْقَدِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَقْضِي؛ لأَِنَّ مَحَلَّهُ الْقِيَامُ وَقَدْ أَدْرَكَهُ. قَال الشِّيرَازِيُّ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. (٣)

التَّدَارُكُ فِي الْحَجِّ:

أ - التَّدَارُكُ فِي الإِْحْرَامِ:

١٨ - إِنْ تَجَاوَزَ الَّذِي يُرِيدُ الْحَجَّ الْمِيقَاتَ دُونَ أَنْ يُحْرِمَ، فَعَلَيْهِ دَمٌ إِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَانِهِ. لَكِنْ إِنْ

_________

(١) الفتاوى الهندية ١ / ١٥١، وشرح فتح القدير ٢ / ٤٦، ومراقي الفلاح ص ٢٩٢

(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٣٩٧.

(٣) الشبرامسلي على النهاية ٢ / ٣٩٧، والجمل على شرح المنهج ٢ / ٩٦، وكشاف القناع ٢ / ٥٤، والمجموع ٥ / ١٥، وانظر القليوبي ١ / ٣٠٥.