الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
تَدَارَكَ مَا فَاتَهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى الْمِيقَاتِ وَالإِْحْرَامِ مِنْهُ فَلاَ دَمَ عَلَيْهِ. وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ إِنْ رَجَعَ قَبْل أَنْ يُحْرِمَ، أَمَّا إِنْ أَحْرَمَ مِنْ مَكَانِهِ دُونَ الْمِيقَاتِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ، فَقَدْ قِيل: يَسْتَقِرُّ الدَّمُ عَلَيْهِ وَلاَ يَنْفَعُهُ التَّدَارُكُ. وَقِيل: يَنْفَعُهُ. وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَامٌ) (١) .
ب - التَّدَارُكُ فِي الطَّوَافِ:
١٩ - إِنْ تَرَكَ جُزْءًا مِنَ الطَّوَافِ الْمَشْرُوعِ، كَمَا لَوْ طَافَ دَاخِل الْحِجْرِ بَعْضَ طَوَافِهِ، لَمْ يَصِحَّ حَتَّى يَأْتِيَ بِمَا تَرَكَهُ، قَال الْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: فِي وَقْتٍ قَرِيبٍ؛ لاِشْتِرَاطِ الْمُوَالاَةِ بَيْنَ الطَّوَافَاتِ. وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْبَعْضُ الْمُوَالاَةَ، وَمِمَّنْ قَال ذَلِكَ: سَائِرُ الشَّافِعِيَّةِ، بَل هُوَ عِنْدَهُمْ مُسْتَحَبٌّ. (٢)
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ شَكَّ فِي شَيْءٍ مِنْ شُرُوطِ حَجِّهِ يَجِبُ التَّدَارُكُ مَا لَمْ يَتَحَلَّل، وَلاَ يُؤَثِّرُ الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ. (٣)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ غَيْرَ ابْنِ الْهُمَامِ: الْفَرْضُ فِي الطَّوَافِ أَكْثَرُهُ - وَهُوَ أَرْبَعُ طَوْفَاتٍ - وَمَا زَادَ وَاجِبٌ، أَمَّا عِنْدَ ابْنِ الْهُمَامِ فَالسَّبْعُ كُلُّهَا فَرْضٌ،
_________
(١) المغني لابن قدامة ٣ / ٢٦٦، وابن عابدين ٢ / ١٥٤، وفتح القدير ٣ / ٤٠، والدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٢٤، ٢٥، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢ / ٩٤.
(٢) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢ / ١٠٨، والمغني ٣ / ٣٩٦
(٣) شرح المنهاج ٢ / ١٠٨
كَقَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ. وَعَلَى قَوْل جُمْهُورِ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ تَرَكَ ثَلاَثَ طَوْفَاتٍ مِنْ طَوَافِ الزِّيَارَةِ أَوْ أَقَل صَحَّ طَوَافُهُ لِفَرْضِهِ، وَعَلَيْهِ دَمٌ لِمَا نَقَصَ مِنَ الْوَاجِبِ. لَكِنْ إِنْ تَدَارَكَ فَطَافَ الأَْشْوَاطَ الْبَاقِيَةَ صَحَّ وَسَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ، وَلَوْ كَانَ طَوَافُهُ بَعْدَ فَتْرَةٍ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ إيقَاعُ الطَّوْفَاتِ الْمُتَمِّمَةِ قَبْل آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. (١)
وَإِنْ تَرَكَ الْحَاجُّ طَوَافَ الْقُدُومِ، أَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ طَافَ لِلْقُدُومِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَلاَ يَلْزَمُهُ التَّدَارُكُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لأَِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُفْرِدِ، قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَفِي فَوَاتِهِ بِالتَّأْخِيرِ - أَيْ عَنْ قُدُومِ مَكَّةَ - وَجْهَانِ، أَصَحُّهُمَا: لاَ يَفُوتُ إِلاَّ بِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَإِذَا فَاتَ فَلاَ يُقْضَى. (٢) عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي مُلاَحَظَةُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ طَوَافَ الْقُدُومِ، أَوْ طَافَهُ وَلَمْ يَصِحَّ لَهُ، كَأَنْ طَافَهُ مُحْدِثًا وَلَمْ يَتَدَارَكْهُ، فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ السَّعْيِ عِنْدَ كُل مَنْ شَرَطَ لِصِحَّةِ السَّعْيِ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ الطَّوَافُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ (٣) (ر: سَعْيٌ) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ طَافَ لِلْقُدُومِ، أَوْ تَطَوُّعًا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ، فَعَلَيْهِ دَمٌ إِنْ كَانَ جُنُبًا؛ لِوُجُوبِ الطَّوَافِ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا
_________
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢ / ٢٥٠
(٢) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢ / ١٠٢
(٣) الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٣٤
فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ لاَ غَيْرَ. وَيُمْكِنُهُ التَّدَارُكُ بِإِعَادَةِ الطَّوَافِ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ أَوِ الصَّدَقَةُ. وَالْحُكْمُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَذَلِكَ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ. (١)
أَمَّا الرَّمَل وَالاِضْطِبَاعُ فِي الطَّوَافِ فَهُمَا سُنَّتَانِ فِي حَقِّ الرِّجَال، فِي الأَْشْوَاطِ الثَّلاَثَةِ الأُْولَى مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ خَاصَّةً، فَلَوْ تَرَكَهُمَا فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلاَ يُشْرَعُ لَهُ تَدَارُكُهُمَا، وَمِثْلُهُمَا تَرْكُ الرَّمَل بَيْنَ الْمِيلَيْنِ (الأَْخْضَرَيْنِ) فِي السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ أَوِ الأَْظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلاَمِ الْحَنَفِيَّةِ، قَال ابْنُ الْهُمَامِ: إِنْ تَرَكَ الرَّمَل فِي أَشْوَاطِ الطَّوَافِ الأُْولَى لاَ يَرْمُل بَعْدَ ذَلِكَ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ خِلاَفُ الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْل الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يَقْضِي الاِضْطِبَاعَ فِي طَوَافِ الإِْفَاضَةِ. (٢)
ج - التَّدَارُكُ فِي السَّعْيِ:
٢٠ - الْحَاجُّ الْمُفْرِدُ إِنْ لَمْ يَسْعَ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ وَجَبَ عَلَيْهِ تَدَارُكُ السَّعْيِ، فَيَسْعَى بَعْدَ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ وَلاَ بُدَّ، وَإِلاَّ لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لأَِنَّ السَّعْيَ عِنْدَهُمْ رُكْنٌ. وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَفِي قَوْل الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَاجِبٌ
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٢٠٩، والدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٣٤
(٢) الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٤٣، والمغني لابن قدامة ٣ / ٣٧٥ - ٣٧٧، ٣٨٨، وشرح المنهاج للمحلي ٢ / ١٠٨، وفتح القدير ٢ / ٣٥٨.
فَقَطْ، فَإِنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ يُجْبَرُ بِدَمٍ وَحَجُّهُ تَامٌّ. وَهَذَا إِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ السَّعْيَ كُلَّهُ أَوْ أَكْثَرَهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ ثَلاَثَةَ أَشْوَاطٍ أَوْ أَقَل فَلَيْسَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِلاَّ التَّصَدُّقُ بِنِصْفِ صَاعٍ عَنْ كُل شَوْطٍ، وَكُل هَذَا عِنْدَهُمْ إِنْ كَانَ التَّرْكُ بِلاَ عُذْرٍ، فَإِنْ كَانَ بِعُذْرٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا فِي جَمِيعِ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ. (١)
وَلَوْ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَتَرَكَ بَعْضَ الأَْشْوَاطِ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا، أَوْ تَرَكَ فِي بَعْضِهَا أَنْ يَصِل إِلَى الصَّفَا أَوْ إِلَى الْمَرْوَةِ لَمْ يَصِحَّ سَعْيُهُ، وَلَوْ كَانَ مَا تَرَكَهُ ذِرَاعًا وَاحِدًا، وَعَلَيْهِ أَنْ يَتَدَارَكَ مَا فَاتَهُ، وَيُمْكِنُ التَّدَارُكُ بِالإِْتْيَانِ بِالْبَعْضِ الَّذِي تَرَكَهُ وَلَوْ بَعْدَ أَيَّامٍ. وَلاَ يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ السَّعْيِ كُلِّهِ؛ لأَِنَّ الْمُوَالاَةَ غَيْرُ مُشْتَرَطَةٍ فِيهِ بِخِلاَفِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ. (٢) وَقِيل: هِيَ مُشْتَرَطَةٌ فِي السَّعْيِ أَيْضًا، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ.
وَمِثْل ذَلِكَ: مَا لَوْ سَعَى مُبْتَدِئًا بِالْمَرْوَةِ، فَإِنَّ الشَّوْطَ الأَْوَّل لاَ يُعْتَبَرُ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) الآْيَةَ ثُمَّ قَال: نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ وَفِي رِوَايَةٍ ابْدَءُوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ (٤)
_________
(١) الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٣٤، وشرح المحلي على المنهاج ٢ / ١١٠، والمغني ٣ / ٣٨٨، وفتح القدير ٢ / ٤٦٦
(٢) المغني ٣ / ٣٩٦
(٣) سورة البقرة / ١٥٨.
(٤) حديث " نبدأ بما بدأ الله " وفي رواية " ابدؤوا بما بدأ الله به " أخرجه مسلم (٢ / ٨٨٨ - ط الحلبي) من حديث جابر ﵁ بلفظ: " أبدأ بما بدأ الله "، وأخرجه مالك في الموطأ (١ / ٣٧٢ ط الحلبي) من حديثه كذلك بلفظ: " نبدأ بما بدأ الله ". ولمح الحافظ ابن حجر في التلخيص (٢ / ٢٥٠ ط شركة الطباعة الفنية) إلى شذوذ رواية " ابدؤوا ".
د - الْخَطَأُ فِي الْوُقُوفِ:
٢١ - إِذَا وَقَفَ الْحَجِيجُ يَوْمَ الْعَاشِرِ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ، وَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُمْ، فَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ أَجْزَأَهُمُ الْوُقُوفُ وَلاَ يُعِيدُونَ، دَفْعًا لِلْحَرَجِ الشَّدِيدِ، وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ يُجْزِئُهُمُ الْوُقُوفُ إِلاَّ أَنْ يَقِلُّوا عَلَى خِلاَفِ الْعَادَةِ فِي الْحَجِيجِ، فَيَقْضُونَ هَذَا الْحَجَّ فِي الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ فِي قَضَائِهِمْ مَشَقَّةٌ عَامَّةٌ.
أَمَّا إِذَا وَقَفُوا فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ، ثُمَّ عَلِمُوا بِخَطَئِهِمْ، وَأَمْكَنَهُمُ التَّدَارُكُ قَبْل الْفَوَاتِ، أَعَادُوا عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أَيْضًا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ) وَالرِّوَايَةُ الأُْخْرَى عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُمُ الْوُقُوفُ دُونَ تَدَارُكٍ؛ لأَِنَّهُمْ لَوْ أَعَادُوا الْوُقُوفَ لَتَعَدَّدَ، وَهُوَ بِدْعَةٌ، كَمَا قَال الشَّيْخُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ.
أَمَّا لَوْ عَلِمُوا بِخَطَئِهِمْ، بِحَيْثُ لاَ يُمْكِنُهُمُ التَّدَارُكُ، لِلْفَوَاتِ، فَالْحُكْمُ فِي الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يُجْزِئُهُمْ هَذَا الْوُقُوفُ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ لِهَذَا الْحَجِّ.
وَفَرَّقُوا بَيْنَ تَأْخِيرِ الْعِبَادَةِ عَنْ وَقْتِهَا وَتَقْدِيمِهَا عَلَيْهِ بِأَنَّ التَّأْخِيرَ أَقْرَبُ إِلَى الاِحْتِسَابِ مِنَ التَّقْدِيمِ، وَبِأَنَّ اللَّفْظَ فِي التَّقْدِيمِ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ؛ لأَِنَّهُ يَقَعُ الْغَلَطُ فِي الْحِسَابِ، أَوِ الْخَلَل فِي الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِتَقْدِيمِ الْهِلاَل، وَالْغَلَطُ بِالتَّأْخِيرِ قَدْ يَكُونُ بِالْغَيْمِ الْمَانِعِ مِنْ رُؤْيَةِ الْهِلاَل، وَمِثْل ذَلِكَ لاَ يُمْكِنُ الاِحْتِرَازُ عَنْهُ.
وَهَذَا أَحَدُ التَّخْرِيجَيْنِ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ.
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ التَّخْرِيجُ الآْخَرُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُمْ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِمْ؛ لأَِنَّ الْوُقُوفَ مَرَّتَيْنِ فِي عَامٍ وَاحِدٍ بِدْعَةٌ - كَمَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ - وَلأَِنَّ الْقَوْل بِعَدَمِ الإِْجْزَاءِ فِيهِ حَرَجٌ بَيِّنٌ - كَمَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ - (١)
هـ - التَّدَارُكُ فِي وُقُوفِ عَرَفَةَ:
٢٢ - لَوْ تَرَكَ الْحَاجُّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ جَهْلًا حَتَّى طَلَعَ فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ، فَلاَ يُمْكِنُ التَّدَارُكُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُحِل بِعُمْرَةٍ. (٢)
وَلَوْ وَقَفَ نَهَارًا، ثُمَّ دَفَعَ قَبْل الْغُرُوبِ، فَقَدْ أَتَى بِالرُّكْنِ، وَتَرَكَ وَاجِبَ الْوُقُوفِ فِي جُزْءٍ مِنَ اللَّيْل، فَيَكُونُ عَلَيْهِ دَمٌ وُجُوبًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ
_________
(١) الهداية والعناية ٣ / ٨٥، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٨، وشرح المحلي مع المنهاج ٢ / ١١٥، و١١٦، والفروع ٣ / ٥٢٤، وكشاف القناع ٢ / ٥٢٥.
(٢) شرح المنهاج ٢ / ١١٥، والمغني ٣ / ٣٩٦.
وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. لَكِنَّ الرَّاجِحَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ اسْتِحْبَابُ إِرَاقَةِ الدَّمِ؛ لأَِنَّ أَخْذَ جُزْءٍ مِنَ اللَّيْل عَلَى هَذَا الْقَوْل سُنَّةٌ لاَ غَيْرَ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ الدَّمُ خُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ.
وَلَوْ تَدَارَكَ مَا فَاتَهُ بِالرُّجُوعِ إِلَى عَرَفَةَ قَبْل غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَبَقِيَ إِلَى مَا بَعْدَ الْغُرُوبِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ اتِّفَاقًا. وَلَوْ رَجَعَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ؛ لأَِنَّ الدَّمَ عِنْدَهُمْ لَزِمَهُ بِالدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ، فَلاَ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ إِلَيْهَا.
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَلاَ يَدْفَعُ الْحَاجُّ مِنْ عَرَفَةَ إِلاَّ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنْ دَفَعَ قَبْل الْغُرُوبِ فَعَلَيْهِ الْعَوْدُ لَيْلًا (تَدَارُكًا) وَإِلاَّ بَطَل حَجُّهُ. (١)
و تَدَارُكُ الْوُقُوفِ بِالْمُزْدَلِفَةِ:
٢٣ - عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ الْوُجُودُ بِمُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ وَلَوْ لَحْظَةً، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ اللَّيْل بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَلاَ يُشْتَرَطُ الْمُكْثُ، بَل يَكْفِي مُجَرَّدُ الْمُرُورِ بِهَا.
وَمَنْ دَفَعَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْل مُنْتَصَفِ اللَّيْل، وَعَادَ إِلَيْهَا قَبْل الْفَجْرِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ أَتَى
_________
(١) المغني ٣ / ٤٩٤، وابن عابدين ٢ / ١٧٦، ٢٠٦، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٩٠، والفواكه الدواني ١ / ٤٢١، والقوانين الفقهية (٩٠)، والشرح الكبير مع الدسوقي ٢ / ٣٧.
بِالْوَاجِبِ، فَإِنْ لَمْ يَعُدْ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْل حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَعَلَيْهِ دَمٌ عَلَى الأَْرْجَحِ.
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: فَيَجِبُ الْوُقُوفُ بِمُزْدَلِفَةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقِفَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَوْ لَحْظَةً، فَإِنْ تَرَكَ الْوُقُوفَ لِعُذْرٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَالْعُذْرُ كَأَنْ يَكُونَ بِهِ ضَعْفٌ أَوْ عِلَّةٌ أَوْ كَانَتِ امْرَأَةٌ تَخَافُ الزِّحَامَ، وَإِنْ أَفَاضَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْل ذَلِكَ لاَ لِعُذْرٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَظَاهِرٌ أَنَّهُ إِنْ تَدَارَكَ الْوُقُوفَ بِالرُّجُوعِ إِلَى مُزْدَلِفَةَ قَبْل طُلُوعِ الشَّمْسِ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: النُّزُول بِمُزْدَلِفَةَ بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَال - وَإِنْ لَمْ تَحُطَّ بِالْفِعْل - وَاجِبٌ، فَإِنْ لَمْ يَنْزِل بِهَا بِقَدْرِ حَطِّ الرِّحَال حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَالدَّمُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ إِلاَّ لِعُذْرٍ، فَإِنْ تَرَكَ النُّزُول لِعُذْرٍ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ. (١)
ز - تَدَارُكُ رَمْيِ الْجِمَارِ:
٢٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ رَمْيَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ - عَمْدًا أَوْ سَهْوًا - تَدَارَكَهُ فِي بَاقِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى الأَْظْهَرِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ أَدَاءً، وَفِي قَوْلٍ قَضَاءً، وَلاَ دَمَ مَعَ التَّدَارُكِ.
_________
(١) شرح فتح القدير ٢ / ٣٨٠، وابن عابدين ٢ / ١٧٨، والشرح الكبير وعليه حاشية الدسوقي ٢ / ٤٤، وشرح المنهاج للمحلي ٢ / ١١٦، والفروع ٣ / ٥١٠.
وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ مَنْ أَخَّرَ الرَّمْيَ فِي الْيَوْمِ الأَْوَّل وَالثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إِلَى اللَّيْل، فَرَمَى قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ وَلاَ شَيْءِ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ اللَّيْل وَقْتٌ لِلرَّمْيِ فِي أَيَّامِ الرَّمْيِ.
وَأَمَّا رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَمْتَدُّ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنْ لَمْ يَرْمِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَرَمَى قَبْل طُلُوعِ الْفَجْرِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّانِي أَجْزَأَهُ، وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ تَأْخِيرَ الرَّمْيِ إِلَى اللَّيْل يَكُونُ تَدَارُكُهُ قَضَاءً، وَعَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ. (١)
ح - تَدَارُكُ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ:
٢٥ - مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ مَنْ طَافَ بَعْدَ عَرَفَةَ طَوَافًا صَحِيحًا - سَوَاءٌ أَكَانَ وَاجِبًا أَمْ نَفْلًا - وَقَعَ عَنْ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ.
أَمَّا مَنْ تَرَكَ الطَّوَافَ بَعْدَ عَرَفَةَ، وَخَرَجَ إِلَى بَلَدِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ مُحْرِمًا لِيَطُوفَ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ، وَيَبْقَى مُحْرِمًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النِّسَاءِ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافًا صَحِيحًا.
وَهُنَاكَ تَفْصِيلاَتٌ فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي الْحَجِّ.
_________
(١) البدائع ٢ / ١٣٧، وفتح القدير ٣ / ٨٦، والدسوقي ٢ / ٥١، وجواهر الإكليل ١ / ١٨٢، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي ٢ / ١٢٣ - ١٢٤، والمغني ٣ / ٥، والفروع لابن مفلح ٣ / ٥١٨ - ٥١٩.
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ مَنْ تَرَكَ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ، لَكِنَّهُ طَافَ طَوَافَ الصَّدْرِ (الْوَدَاعِ) أَوْ طَوَافَ نَفْلٍ، وَقَعَ الطَّوَافُ عَمَّا نَوَاهُ، وَلاَ يَقَعُ عَنْ طَوَافِ الإِْفَاضَةِ، حَتَّى لَوْ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ بَعْدَ هَذَا الطَّوَافِ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ مُحْرِمًا، لِيَطُوفَ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ لأَِنَّهُ رُكْنٌ، وَيَبْقَى مُحْرِمًا أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى النِّسَاءِ. (١)
ط - تَدَارُكُ طَوَافِ الْوَدَاعِ:
٢٦ - طَوَافُ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ عَلَى غَيْرِ الْحَائِضِ يُجْبَرُ تَرْكُهُ بِدَمٍ، وَلَوْ كَانَ تَرْكُهُ لِنِسْيَانٍ أَوْ جَهْلٍ، وَهَذَا قَوْل الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ. وَالثَّانِي عِنْدَهُمْ: هُوَ سُنَّةٌ لاَ يَجِبُ جَبْرُهُ، فَعَلَى قَوْل الْوُجُوبِ قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ خَرَجَ بِلاَ وَدَاعٍ وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِتَدَارُكِهِ إِنْ كَانَ قَرِيبًا، أَيْ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، فَإِنْ عَادَ قَبْل مَسَافَةِ الْقَصْرِ فَطَافَ لِلْوَدَاعِ سَقَطَ عَنْهُ الإِْثْمُ وَالدَّمُ، وَإِنْ تَجَاوَزَ مَسَافَةَ الْقَصْرِ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الدَّمُ، فَلَوْ تَدَارَكَهُ بَعْدَهَا لَمْ يَسْقُطِ الدَّمُ، وَقِيل: يَسْقُطُ. (٢)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: طَوَافُ الْوَدَاعِ وَاجِبٌ، وَيُجْزِئُ
_________
(١) المغني ٣ / ٤٦٤، والقليوبي على شرح المنهاج ٢ / ١٠٣، ١١٠، والدر المختار ٢ / ١٨٧، والدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٣٦.
(٢) شرح المنهاج وحاشية القليوبي ٢ / ١٢٥، والمغني ٣ / ٤٥٨ - ٤٦٢.