الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 22

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

عَنْهُ مَا لَوْ طَافَ نَفْلًا بَعْدَ إِرَادَةِ السَّفَرِ، فَإِنْ سَافَرَ وَلَمْ يَكُنْ فَعَل ذَلِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِتَدَارُكِهِ مَا لَمْ يُجَاوِزِ الْمِيقَاتَ، فَيُخَيَّرُ بَيْنَ إِرَاقَةِ الدَّمِ وَبَيْنَ الرُّجُوعِ بِإِحْرَامٍ جَدِيدٍ بِعُمْرَةٍ، فَيَبْتَدِئُ بِطَوَافِهَا ثُمَّ بِطَوَافِ الْوَدَاعِ، فَإِنْ فَعَل ذَلِكَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ لِتَأْخِيرِهِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: طَوَافُ الْوَدَاعِ مَنْدُوبٌ، فَلَوْ تَرَكَهُ وَخَرَجَ، أَوْ طَافَهُ طَوَافًا بَاطِلًا يَرْجِعُ لِتَدَارُكِهِ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ رُفْقَتِهِ الَّذِينَ يَسِيرُ بِسَيْرِهِمْ، أَوْ خَافَ مَنْعًا مِنَ الْكِرَاءِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. (١)

تَدَارُكُ الْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ لِلْعِبَادَاتِ: أَوَّلًا - بِالنِّسْبَةِ لِلصَّلاَةِ:

٢٧ - لاَ تَدَارُكَ لِمَا فَاتَ مِنْ صَلاَةٍ حَال الْجُنُونِ أَوِ الإِْغْمَاءِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لِعَدَمِ الأَْهْلِيَّةِ وَقْتَ الْوُجُوبِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ. ﷺ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَشِبَّ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِل (٢) .

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ خَمْسَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين على الدر المختار ٢ / ١٨٦، والشرح الكبير والدسوقي عليه ٢ / ٥٣.

(٢) حديث: " رفع القلم عن ثلاثة. . . " أخرجه أحمد (١ / ١١٦ ط الميمنية) والحاكم (٤ / ٣٨٩ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وقال الذهبي: فيه إرسال. ولكن له شاهد من حديث عائشة، أخرجه أبو داود (٤ / ٥٥٨ - ط عزت عبيد دعاس) والحاكم (٢ / ٥٩) وصححه ووافقه الذهبي.

صَلَوَاتٍ - أَوْ سِتًّا عَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ - قَضَاهَا، وَإِنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ نَفْيًا لِلْحَرَجِ، وَقَال بِشْرٌ: الإِْغْمَاءُ لَيْسَ بِمُسْقِطٍ، وَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَإِنْ طَالَتْ مُدَّةُ الإِْغْمَاءِ.

وَفَرَّقَ الْحَنَابِلَةُ بَيْنَ الْجُنُونِ وَالإِْغْمَاءِ، فَلَمْ يُوجِبُوا الْقَضَاءَ عَلَى مَا فَاتَ حَال الْجُنُونِ، وَأَوْجَبُوهُ فِيمَا فَاتَ حَال الإِْغْمَاءِ؛ لأَِنَّ الإِْغْمَاءَ لاَ تَطُول مُدَّتُهُ غَالِبًا، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ عَمَّارًا ﵁ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَال: هَل صَلَّيْتُ؟ قَالُوا: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلاَثٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى تِلْكَ الثَّلاَثَ. وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵄ نَحْوُهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالإِْجْمَاعِ.

٢٨ - وَمَنْ أَدْرَكَ جُزْءًا مِنَ الْوَقْتِ وَهُوَ أَهْلٌ ثُمَّ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مَا أَدْرَكَهُ لاَ يَسَعُ الْفَرْضَ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ. وَإِنْ كَانَ مَا أَدْرَكَهُ يَسَعُ الْفَرْضَ فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ؛ لأَِنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَيَّنُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ إِذَا لَمْ يُوجَدِ الأَْدَاءُ قَبْلَهُ، فَيَسْتَدْعِيَ الأَْهْلِيَّةَ فِيهِ لاِسْتِحَالَةِ الإِْيجَابِ عَلَى غَيْرِ الأَْهْل، وَلَمْ يُوجَدْ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَهُوَ أَيْضًا رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ خِلاَفًا لِبَعْضِ أَهْل الْمَدِينَةِ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، حَيْثُ الْقَضَاءُ عِنْدَهُمْ أَحْوَطُ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ؛ لأَِنَّ الْوُجُوبَ يَثْبُتُ فِي أَوَّل الْوَقْتِ فَلَزِمَ الْقَضَاءُ.

٢٩ - وَإِنْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ أَوِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَلِلْحَنَفِيَّةِ قَوْلاَنِ:

أَحَدُهُمَا، وَهُوَ قَوْل زُفَرَ: لاَ يُصْبِحُ مُدْرِكًا لِلْفَرْضِ إِلاَّ إِذَا بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُ فِيهِ أَدَاءُ الْفَرْضِ.

وَالثَّانِي، لِلْكَرْخِيِّ وَأَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ: أَنَّهُ يَجِبُ الْفَرْضُ وَيَصِيرُ مُدْرِكًا إِذَا أَدْرَكَ مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ التَّحْرِيمَةَ فَقَطْ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجِبُ الْفَرْضُ إِذَا بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ مِقْدَارُ رَكْعَةٍ مِنْ زَمَنٍ يَسَعُ الطُّهْرَ، وَهُوَ قَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ لِلشَّافِعِيَّةِ: إِذَا بَقِيَ مِقْدَارُ رَكْعَةٍ فَقَطْ. (١)

ثَانِيًا: بِالنِّسْبَةِ لِلصَّوْمِ:

٣٠ - إِذَا اسْتَوْعَبَ الْجُنُونُ شَهْرَ رَمَضَانَ بِأَكْمَلِهِ فَلاَ قَضَاءَ عَلَى الْمَجْنُونِ سَوَاءٌ، أَكَانَ الْجُنُونُ

_________

(١) ابن عابدين ١ / ٥١٢، والاختيار ١ / ٧٧، والزيلعي ١ / ٢٠٣ - ٢٠٤، والبدائع ١ / ٩٥ - ٩٦ - ٢٤٦، والفروق للقرافي ٢ / ١٣٧، وجواهر الإكليل ١ / ٣٤، والكافي لابن عبد البر ١ / ٢٣٨، والمهذب ١ / ٦٠ - ٦١ وأسنى المطالب ١ / ١٢٣، والمغني ١ / ٣٧٣ - ٣٩٧ - ٤٠٠، وكشاف القناع ١ / ٢٥٩.

أَصْلِيًّا أَمْ عَارِضًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لِحَدِيثِ: رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاَثٍ. . . وَإِذَا اسْتَوْعَبَ الإِْغْمَاءُ الشَّهْرَ كُلَّهُ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ إِلاَّ عِنْدَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَدَلِيل وُجُوبِ الْقَضَاءِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وَالإِْغْمَاءُ مَرَضٌ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْمَجْنُونِ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ لِلآْيَةِ السَّابِقَةِ، وَالْجُنُونُ مَرَضٌ، وَعَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ مِثْل ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجْنُونِ.

وَإِنْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فِي أَيِّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ عَلَيْهِ قَضَاءُ مَا مَضَى مِنَ الشَّهْرِ اسْتِحْسَانًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ، وَهُوَ قَوْل زُفَرَ.

وَفَرَّقَ مُحَمَّدٌ فَقَال: لاَ قَضَاءَ لِمَا فَاتَ فِي الْجُنُونِ الأَْصْلِيِّ، وَيَجِبُ الْقَضَاءُ إِذَا كَانَ الْجُنُونُ عَارِضًا.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ قَضَاءَ لِمَا فَاتَ زَمَنَ الْجُنُونِ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ - وَيَجِبُ الْقَضَاءُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.

وَيَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ لِمَا فَاتَ عِنْدَ الْجَمِيعِ.

٣١ - أَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإِنَّهُ يُعْتَبَرُ مُدْرِكًا لِصِيَامِ هَذَا الْيَوْمِ إِنْ كَانَ نَوَى الصِّيَامَ مِنَ اللَّيْل، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَاسْتَمَرَّ الْجُنُونُ أَوِ الإِْغْمَاءُ أَكْثَرَ الْيَوْمِ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَسْتَمِرَّ نِصْفَ يَوْمٍ فَأَقَل أَجْزَأَهُ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ.

وَإِنْ كَانَ الإِْغْمَاءُ أَوِ الْجُنُونُ مَعَ الْفَجْرِ أَوْ قَبْلَهُ فَالْقَضَاءُ مُطْلَقًا؛ لِزَوَال الْعَقْل وَقْتَ النِّيَّةِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ، وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الإِْغْمَاءَ لاَ يَضُرُّ صَوْمَهُ إِذَا أَفَاقَ لَحْظَةً مِنْ نَهَارٍ، أَيَّ لَحْظَةٍ كَانَتْ، اكْتِفَاءً بِالنِّيَّةِ مَعَ الإِْفَاقَةِ فِي جُزْءٍ.

وَالثَّانِي لِلشَّافِعِيَّةِ: يَضُرُّ مُطْلَقًا، وَالثَّالِثُ: لاَ يَضُرُّ إِذَا أَفَاقَ أَوَّل النَّهَارِ. وَإِنْ نَوَى الصَّوْمَ ثُمَّ جُنَّ فَفِيهِ قَوْلاَنِ: فِي الْجَدِيدِ يَبْطُل الصَّوْمُ؛ لأَِنَّهُ عَارِضٌ يُسْقِطُ فَرْضَ الصَّلاَةِ فَأَبْطَل الصَّوْمَ، وَقَال فِي الْقَدِيمِ: هُوَ كَالإِْغْمَاءِ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: الْجُنُونُ كَالإِْغْمَاءِ يُجْزِئُ صَوْمُهُ إِذَا كَانَ مُفِيقًا فِي أَيِّ لَحْظَةٍ مِنْهُ مَعَ تَبْيِيتِ النِّيَّةِ.

٣٢ - أَمَّا الْيَوْمُ الَّذِي تَحْدُثُ فِيهِ الإِْفَاقَةُ مِنَ الْجُنُونِ أَوِ الإِْغْمَاءِ، فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ الْمَجْنُونَ جُنُونًا عَارِضًا لَوْ أَفَاقَ فِي النَّهَارِ قَبْل الزَّوَال، فَنَوَى الصَّوْمَ أَجْزَأَهُ. وَفِي الْجُنُونِ الأَْصْلِيِّ خِلاَفٌ، وَيُجْزِئُ فِي الإِْغْمَاءِ بِلاَ خِلاَفٍ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ أَفَاقَ قَبْل الْفَجْرِ أَجْزَأَ ذَلِكَ الْيَوْمُ عَنِ الصِّيَامِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى

عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتِ الإِْفَاقَةُ بَعْدَ الْفَجْرِ فَهُوَ عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ.

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِنْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فِي النَّهَارِ فَعَلَى الأَْصَحِّ لاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُ الإِْمْسَاكُ، وَهَذَا فِي وَجْهٍ. وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي: يَجِبُ الْقَضَاءُ، أَمَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَإِذَا أَفَاقَ أَجْزَأَهُ. وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي قَضَاءِ الْيَوْمِ الَّذِي أَفَاقَ فِيهِ الْمَجْنُونُ وَإِمْسَاكِهِ رِوَايَتَانِ، أَمَّا الْمُغْمَى عَلَيْهِ فَيَصِحُّ صَوْمُهُ إِنْ أَفَاقَ فِي جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ. (١)

ثَالِثًا: بِالنِّسْبَةِ لِلْحَجِّ:

٣٣ - مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَطَرَأَ عَلَيْهِ جُنُونٌ أَوْ إِغْمَاءٌ ثُمَّ أَفَاقَ مِنْهُ قَبْل الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَوَقَفَ، أَجْزَأَهُ الْحَجُّ بِاتِّفَاقٍ.

وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ لِجُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ، وَلَكِنَّهُ أَفَاقَ مِنْ قَبْل الْوُقُوفِ، وَأَحْرَمَ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ أَجْزَأَهُ، عَلَى تَفْصِيلٍ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ عَلَيْهِ.

وَمِثْل ذَلِكَ أَيْضًا الْمَجْنُونُ الَّذِي أَحْرَمَ عَنْهُ وَلِيُّهُ، أَوِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ - عِنْدَ مَنْ يَقُول بِجَوَازِ الإِْحْرَامِ عَنْهُ كَالْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ - إِذَا أَفَاقَا قَبْل الْوُقُوفِ وَوَقَفَا أَجْزَأَهُمَا الْحَجُّ، وَمَنْ وَقَفَ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ١٢٣، والبدائع ٢ / ٨٨ - ٨٩، وفتح القدير ٢ / ٢٨٥، وجواهر الإكليل ١ / ١٤٨، والشرح الصغير ١ / ٢٤٧ ط الحلبي، والمهذب ١ / ١٨٤، ١٩٢، ونهاية المحتاج ٣ / ١٨٣، والمغني ٣ / ٩٨، ٩٩، ١٥٦، ومنتهى الإرادات ١ / ١١٨.

بِعَرَفَةَ وَهُوَ مَجْنُونٌ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ وَهُوَ مُفِيقٌ، أَوْ أَحْرَمَ وَلِيُّهُ عَنْهُ فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ: كَانَ حَجُّهُمَا صَحِيحًا، مَعَ الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ وُقُوعِهِ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَانَ حَجُّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ صَحِيحًا، وَفِي الْمَجْنُونِ خِلاَفٌ. (١)

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل جَمِيعِ مَا مَرَّ فِي الْعِبَادَاتِ فِي: (صَلاَةٍ، صَوْمٍ، حَجٍّ، جُنُونٍ، إِغْمَاءٍ) .

تَدَارُكُ الْمَرِيضِ الْعَاجِزِ عَنِ الإِْيمَاءِ:

٣٤ - مَنْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ فِي الصَّلاَةِ بِرَأْسِهِ لِرُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ أَوْمَأَ بِطَرْفِهِ (عَيْنِهِ) وَنَوَى بِقَلْبِهِ، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁: يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى جَالِسًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى عَلَى جَنْبِهِ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَةِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ، وَرِجْلاَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ، وَأَوْمَأَ بِطَرْفِهِ (٢) .

وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.

فَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ بِطَرْفِهِ أَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ، فَإِنْ

_________

(١) ابن عابدين ٢ / ١٤٧، ١٨٨، ١٨٩، والبدائع ٢ / ١٢١، وجواهر الإكليل ١ / ١٦٠ - ١٦١، ومنح الجليل ١ / ٤٣٤، ٤٧٦، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٣٠، ٢٣٤، ٢٩٠، وأشباه السيوطي ٢٣٤، والمغني ٣ / ٢٤٩، ٢٥٥، ٤١٦، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ١٣، ٥٨.

(٢) الحديث " يصلي المريض قائما. . . " عزاه الزيلعي في نصب الراية (٢ / ١٧٦ ط المجلس العلمي) إلى الدارقطني في سننه، وضعفه.

لَمْ يَسْتَطِعْ أَتَى بِالصَّلاَةِ بِقَدْرِ مَا يُطِيقُ وَلَوْ بِنِيَّةِ أَفْعَالِهَا، وَلاَ تَسْقُطُ عَنْهُ أَبَدًا مَا دَامَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ عَقْلٍ، وَيَأْتِي بِالصَّلاَةِ بِأَنْ يَقْصِدَ الصَّلاَةَ بِقَلْبِهِ مُسْتَحْضِرًا الأَْفْعَال وَالأَْقْوَال إِنْ عَجَزَ عَنِ النُّطْقِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ (١) .

وَهَذَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ غَيْرَ زُفَرَ: الإِْيمَاءُ يَكُونُ بِالرَّأْسِ فَقَطْ وَلاَ يَكُونُ بِعَيْنَيْهِ أَوْ جَبِينِهِ أَوْ قَلْبِهِ؛ لأَِنَّ فَرْضَ السُّجُودِ لاَ يَتَأَتَّى بِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ، بِخِلاَفِ الرَّأْسِ لأَِنَّهُ يَتَأَدَّى بِهِ فَرْضُ السُّجُودِ، فَمَنْ عَجَزَ عَنِ الإِْيمَاءِ بِرَأْسِهِ أَخَّرَ الصَّلاَةَ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ الْحَال لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَرَأَ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ قَضَاءُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لاَ غَيْرَ نَفْيًا لِلْحَرَجِ. (٢)

تَدَارُكُ النَّاسِي وَالسَّاهِي:

٣٥ - النِّسْيَانُ أَوِ السَّهْوُ إِنْ وَقَعَ فِي تَرْكِ مَأْمُورٍ لَمْ يَسْقُطْ، بَل يَجِبُ تَدَارُكُهُ. فَمَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ صَوْمًا أَوْ زَكَاةً أَوْ كَفَّارَةً أَوْ نَذْرًا وَجَبَ عَلَيْهِ الأَْدَاءُ إِنْ أَمْكَنَ، أَوْ أَنْ يَتَدَارَكَهُ بِالْقَضَاءِ بِلاَ خِلاَفٍ،

_________

(١) سورة البقرة / ٢٨٦.

(٢) الاختيار ١ / ٧٦ - ٧٧، والبدائع ١ / ١٠٧، ٢٤٦، والفواكه الدواني ١ / ٢٨٥، ونهاية المحتاج ١ / ٤٥٠، والمهذب ١ / ١٠٨، وكشاف القناع ١ / ٤٩٩، وشرح منتهى الإرادات ١ / ٢٧١.

لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ نَسِيَ صَلاَةً أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا (١) .

وَتَكُونُ الصَّلاَةُ أَدَاءً إِذَا أَدَّى مِنْهَا رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ، أَوِ التَّحْرِيمَةَ عَلَى الْخِلاَفِ فِي ذَلِكَ. وَإِذَا فَاتَ الْوَقْتُ تَدَارَكَهَا بِالْقَضَاءِ. (٢)

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (صَلاَةٍ، صَوْمٍ، زَكَاةٍ) .

تَدَارُكُ مَنْ أَفْسَدَ عِبَادَةً شَرَعَ فِيهَا مِنْ صَلاَةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ حَجٍّ:

٣٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَنْ أَفْسَدَ عِبَادَةً مَفْرُوضَةً وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهَا إِنْ كَانَ وَقْتُهَا يَسَعُهَا كَالصَّلاَةِ، أَوِ الْقَضَاءُ إِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ أَوْ كَانَ لاَ يَسَعُهَا كَالصَّلاَةِ إِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَكَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ لِعَدَمِ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ.

أَمَّا التَّطَوُّعُ بِالْعِبَادَةِ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَتَجِبُ إِتْمَامُهَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: لاَ تَجِبُ بِالشُّرُوعِ، وَيُسْتَحَبُّ الإِْتْمَامُ فِيمَا عَدَا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَيَلْزَمَانِ بِالشُّرُوعِ، وَيَجِبُ إِتْمَامُهُمَا، وَعَلَى ذَلِكَ فَمَنْ

_________

(١) حديث: " من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها ". . أخرجه مسلم (١ / ٤٧٧ - ط الحلبي) .

(٢) أشباه ابن نجيم ٣٠٣، والبدائع ١ / ٢٤٥، وحاشية الدسوقي ١ / ١٨٤، وأشباه السيوطي ٢٠٧، ٤٢٩ ط عيسى الحلبي، وشرح منتهى الإرادات ١ / ١١٨.

دَخَل فِي عِبَادَةِ تَطَوُّعٍ وَأَفْسَدَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١) .

وَلاَ يَجِبُ الْقَضَاءُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي غَيْرِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ: دَخَل عَلَيَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال: هَل عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ: لاَ، فَقَال: إِنِّي إِذًا أَصُومُ، ثُمَّ دَخَل عَلَيَّ يَوْمًا آخَرَ فَقَال: هَل عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَال: إِذًا أُفْطِرُ، وَإِنْ كُنْت قَدْ فَرَضْتُ الصَّوْمَ (٢) .

أَمَّا الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَيَجِبُ قَضَاؤُهُمَا إِذَا أَفْسَدَهُمَا؛ لأَِنَّ الْوُصُول إِلَيْهِمَا لاَ يَحْصُل فِي الْغَالِبِ إِلاَّ بَعْدَ كُلْفَةٍ عَظِيمَةٍ، وَلِهَذَا يَجِبَانِ بِالشُّرُوعِ. (٣)

تَدَارُكُ الْمُرْتَدِّ لِمَا فَاتَهُ:

٣٧ - مَا فَاتَ الْمُرْتَدَّ مِنَ الْعِبَادَاتِ أَيَّامَ الرِّدَّةِ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ، إِذَا تَابَ وَرَجَعَ إِلَى الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مُخَاطَبٍ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ،

_________

(١) سورة محمد / ٣٣.

(٢) حديث عائشة: " هل عندك شيء؟ " أخرجه مسلم (٢ / ٨٠٩ ط الحلبي) والدارقطني في سننه (٢ / ١٧٥ - ط دار المحاسن - مصر) واللفظ له.

(٣) ابن عابدين ١ / ٤٦٣ - ٤٦٤، والبدائع ١ / ٢٩٠ - ٢٩١، والحطاب ٢ / ٩٠، والمهذب ١ / ١٩٥، وكشاف القناع ٢ / ٣٢٤.