الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 8

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّخْرِيجُ وَالاِسْتِخْرَاجُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَالاِسْتِنْبَاطِ

وَالْمَنَاطُ: مَوْضِعُ التَّعْلِيقِ.

وَمَنَاطُ الْحُكْمِ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: عِلَّتُهُ. (١)

وَتَخْرِيجُ الْمَنَاطِ هُوَ: النَّظَرُ وَالاِجْتِهَادُ فِي إِثْبَاتِ عِلَّةِ الْحُكْمِ، إِذَا دَل النَّصُّ أَوِ الإِْجْمَاعُ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ عِلَّتِهِ،

وَذَلِكَ أَنْ يَسْتَخْرِجَ الْمُجْتَهِدُ الْعِلَّةَ بِرَأْيِهِ. كَالاِجْتِهَادِ فِي إِثْبَاتِ كَوْنِ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ عِلَّةً لِتَحْرِيمِ شُرْبِ الْخَمْرِ، وَكَوْنِ الْقَتْل الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ عِلَّةً لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْمُحَدَّدِ، وَكَوْنِ الطَّعْمِ عِلَّةَ رِبَا الْفَضْل فِي الْبُرِّ وَنَحْوِهِ حَتَّى يُقَاسَ عَلَيْهِ كُل مَا سِوَاهُ فِي عِلَّتِهِ. (٢)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْمُنَاسَبَةُ:

٢ - وَهِيَ: تَعْيِينُ الْعِلَّةِ بِإِبْدَاءِ وُجُودِ الْعَلاَقَةِ بَيْنَ

_________

(١) مختار الصحاح، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط " خرج "، و" ناط "

(٢) الأحكام للآمدي ٣ / ٦٣، والمستصفى للغزالي ٢ / ٢٣٣، وروضة الناظر ص ١٤٧

الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ، بِحَيْثُ يُدْرِكُهُ الْعَقْل السَّلِيمُ مَعَ السَّلاَمَةِ مِنَ الْقَوَادِحِ. وَيُسَمَّى اسْتِخْرَاجُ الْمُنَاسَبَةِ: تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ (١) .

وَبِذَلِكَ يَكُونُ تَخْرِيجُ الْمَنَاطِ أَعَمَّ مِنَ الْمُنَاسَبَةِ؛ إِذْ قَدْ يَكُونُ بِاسْتِخْرَاجِ الْمُنَاسَبَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - عَدَّ بَعْضُ الأُْصُولِيِّينَ تَخْرِيجَ الْمَنَاطِ مَسْلَكًا مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ؛ إِذْ هُوَ اجْتِهَادٌ فِي اسْتِخْرَاجِهَا، لَكِنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الرُّتْبَةِ دُونَ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَتَنْقِيحِهِ. وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِي الأَْخْذِ بِهِ، فَأَنْكَرَهُ أَهْل الظَّاهِرِ وَالشِّيعَةُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ الْبَغْدَادِيِّينَ، وَقَال الْغَزَالِيُّ عَنْهُ: الْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ عِنْدَنَا لاَ يَجُوزُ التَّحَكُّمُ بِهَا، بَل قَدْ تُعْلَمُ بِالإِْيمَاءِ وَإِشَارَةِ النَّصِّ فَتُلْحَقُ بِالْمَنْصُوصِ، وَقَدْ تُعْلَمُ بِالسَّبْرِ. . إِلَخْ ثُمَّ قَال: وَكُل ذَلِكَ قَرِيبٌ مِنَ الْقِسْمَيْنِ الأَْوَّلَيْنِ (تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَتَنْقِيحِهِ) وَالْقِسْمُ الأَْوَّل (تَحْقِيقُ الْمَنَاطِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالثَّانِي (تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ) مُسَلَّمٌ مِنَ الأَْكْثَرِينَ. (٢)

وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

_________

(١) جمع الجوامع ٢ / ٢٧٣، وإرشاد الفحول للشوكاني ص ٢١٤

(٢) الأحكام للآمدي ٣ / ٦٣، والمستصفى للغزالي ٢ / ٢٣٣، ٢٣٤، وهامش جمع الجوامع ٢ / ٢٩٣

تَخَصُّرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - لِلتَّخَصُّرِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ، مِنْهَا: أَنَّهُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَصْرِ، وَمِثْلُهُ الاِخْتِصَارُ.

وَالْخَصْرُ مِنَ الإِْنْسَانِ: وَسَطُهُ وَهُوَ الْمُسْتَدَقُّ فَوْقَ الْوَرِكَيْنِ، وَالْجَمْعُ خُصُورٌ، مِثْل فَلْسٍ وَفُلُوسٍ. وَالْخَصْرَانِ وَالْخَاصِرَتَانِ: مَعْرُوفَانِ.

وَالاِخْتِصَارُ وَالتَّخَصُّرُ: أَنْ يَضَعَ الرَّجُل يَدَهُ عَلَى خَصْرِهِ فِي الصَّلاَةِ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الاِتِّكَاءِ عَلَى الْمِخْصَرَةِ، وَهِيَ: مَا يُتَوَكَّأُ عَلَيْهِ مِنْ عَصًا وَنَحْوِهَا. وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُل مُخْتَصِرًا وَمُتَخَصِّرًا (١) .

قِيل: هُوَ مِنَ الْمِخْصَرَةِ، وَقِيل: مَعْنَاهُ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُل وَهُوَ وَاضِعٌ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ: الاِخْتِصَارُ فِي الصَّلاَةِ رَاحَةُ أَهْل النَّارِ (٢) أَيْ أَنَّهُ فِعْل الْيَهُودِ فِي صَلاَتِهِمْ.

_________

(١) حديث: " نهى أن يصلي الرجل مختصرا " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٨٨ - ط السلفية) ومسلم (١ / ٣٨٧ - ط الحلبي)

(٢) حديث: " الاختصار في الصلاة. . . " أخرجه البيهقي في سننه (٢ / ٢٨٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) . وضعفه الذهبي في الميزان (٢ / ٣٩٢ ط الحلبي)

وَهُمْ أَهْل النَّارِ قَال ابْنُ مَنْظُورٍ: لَيْسَ الرَّاحَةُ الْمَنْسُوبَةُ لأَِهْل النَّارِ هِيَ رَاحَتُهُمْ فِي النَّارِ؛ إِذْ لاَ رَاحَةَ لَهُمْ فِيهَا، وَإِنَّمَا هِيَ رَاحَتُهُمْ فِي صَلاَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا. يَعْنِي أَنَّهُ إِذَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَصْرِهِ كَأَنَّهُ اسْتَرَاحَ بِذَلِكَ، وَسَمَّاهُمْ أَهْل النَّارِ لِمَصِيرِهِمْ إِلَيْهَا، لاَ لأَِنَّ ذَلِكَ رَاحَتُهُمْ فِي النَّارِ. (١)

وَهُوَ: أَيِ التَّخَصُّرُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ (٢) .

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ التَّخَصُّرَ فِي الصَّلاَةِ مَكْرُوهٌ، أَيْ تَنْزِيهًا.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا؛ لِمُنَافَاتِهِ هَيْئَةَ الصَّلاَةِ الْمَأْثُورَةِ، وَالتَّشَبُّهِ بِالْجَبَابِرَةِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُل مُخْتَصِرًا (٣) وَعَنْهُ ﵁ أَنَّ

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح مادة: " خصر "

(٢) الاختيار شرح المختار ١ / ٦٠ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٦، والمهذب للشيرازي ١ / ٩٦، الشرح الكبير ١ / ٢٥٤، وجواهر الإكليل ١ / ٥٤، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٣٧٢ م النصر الحديثة، ونيل المآرب بشرح دليل الطالب ١ / ٤٧ م الفلاح، وفتح الباري شرح صحيح البخاري ٣ / ٨٩

(٣) حديث: " نهى أن يصلي الرجل مختصرا " سبق تخريجه (ف / ١)

رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلاَةِ (١) وَالْمُرَادُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ.

وَفِي رِوَايَةٍ: نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُل مُتَخَصِّرًا - بِتَشْدِيدِ الصَّادِ - وَهُوَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ - وَهُوَ يُصَلِّي - مَا لَمْ تَكُنْ بِهِ حَاجَةٌ تَدْعُو إِلَى وَضْعِهَا. فَإِنْ كَانَ بِهِ عُذْرٌ كَمَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ لِوَجَعٍ فِي جَنْبِهِ أَوْ تَعَبٍ فِي قِيَامِ اللَّيْل، فَتَخَصَّرَ، جَازَ لَهُ ذَلِكَ فِي حُدُودِ مَا تَقْتَضِي بِهِ الْحَاجَةُ، وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ بِقَدْرِهَا. (٢)

وَفِيهِ وَرَدَ حَدِيثُ: الْمُتَخَصِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمُ النُّورُ (٣) . وَقَال ثَعْلَبٌ: أَيِ الْمُصَلُّونَ

_________

(١) حديث: " نهي عن الخصر في الصلاة " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٨٨ - ط السلفية)

(٢) الاختيار شرح المختار ١ / ٦٠ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٦، وابن عابدين ١ / ٤٣٢، وحاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ١٩٠ - ١٩١ ط دار الإيمان، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٩٦، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٥٩، والشرح الكبير ١ / ٢٥٤، وجواهر الإكليل ١ / ٥٤، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٣٧٢ م النصر الحديثة، ونيل المآرب بشرح دليل الطالب ١ / ٤٧ م الفلاح، ومنار السبيل في شرح الدليل ١ / ٩٥ المكتب الإسلامي، وفتح الباري شرح صحيح البخاري ٣ / ٨٨ - ٨٩، ونزهة المتقين شرح رياض الصالحين للنووي ٢ / ١١٩٢

(٣) حديث: " المتخصرون يوم القيامة على وجوههم النور " ورد هكذا في كتاب النهاية لابن الأثير (٢ / ٣٦ - ط دار إحياء الكتب العربية عيسى الحلبي) وتاج العروس (١١ / ١٧٥ ط الكويت) ولم نجد له تخريجا في كتب الحديث

بِاللَّيْل، فَإِذَا تَعِبُوا وَضَعُوا أَيْدِيَهُمْ عَلَى خَوَاصِرِهِمْ. وَتَابَعَهُ صَاحِبُ الْقَامُوسِ فَفَسَّرَ الْحَدِيثَ بِغَيْرِ ذَلِكَ. (١)

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ زِيَادٍ قَال: صَلَّيْتُ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى خَاصِرَتَيَّ. فَلَمَّا صَلَّى قَال: هَذَا. الصَّلْبُ فِي الصَّلاَةِ، وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهُ (٢) .

وَأَمَّا التَّخَصُّرُ خَارِجَ الصَّلاَةِ فَقَدْ جَاءَ فِي تَنْوِيرِ الأَْبْصَارِ وَشَرْحِهِ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ تَنْزِيهًا. (٣)

لأَِنَّهُ فِعْل الْمُتَكَبِّرِينَ (ر: الصَّلاَةُ: مَكْرُوهَاتُ الصَّلاَةِ) .

وَأَمَّا الاِخْتِصَارُ بِمَعْنَى الاِتِّكَاءِ فِي الصَّلاَةِ عَلَى الْمِخْصَرَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل حُكْمِهِ فِي مُصْطَلَحِ (اسْتِنَادٌ) . (٤)

الاِتِّكَاءُ عَلَى الْمِخْصَرَةِ وَنَحْوِهَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ:

٣ - تَوَكُّؤُ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِخْصَرَةِ فِي حَال خُطْبَةِ

_________

(١) شرح القاموس والنهاية لابن الأثير مادة: " خصر "

(٢) حديث: " هذا الصلب في الصلاة. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٥٥٦ - ط عزت عبيد دعاس) وصححه العراقي في تخريج الإحياء (١ / ١٥٦ - ط المكتبة التجارية)

(٣) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٣ / ٨٩، وابن عابدين ١ / ٤٣٢ وتفسير ابن كثير ٢ / ٣٧٧ دار القرآن الكريم بيروت

(٤) الموسوعة الفقهية ٤ / ١٠٤

الْجُمُعَةِ مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ سُنَنِ الْخُطْبَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَيَجْعَلُهَا بِيَمِينِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَيُسْتَحَبُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي يَدِهِ الْيُسْرَى كَعَادَةِ مَنْ يُرِيدُ الضَّرْبَ بِالسَّيْفِ وَالرَّمْيَ بِالْقَوْسِ، وَيَشْغَل يَدَهُ الْيُمْنَى بِحَرْفِ الْمِنْبَرِ. وَجَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ: أَنْ يَجْعَلَهَا بِإِحْدَى يَدَيْهِ، إِلاَّ أَنَّ صَاحِبَ الْفُرُوعِ ذَكَرَ أَنَّهُ يَتَوَجَّهُ بِالْيُسْرَى وَيَعْتَمِدُ بِالأُْخْرَى عَلَى حَرْفِ الْمِنْبَرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ، فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يَجْعَل الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى أَوْ يُرْسِلُهُمَا وَلاَ يَعْبَثُ بِهِمَا. (١)

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - كَمَا جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ - إِلَى كَرَاهَةِ اتِّكَاءِ الْخَطِيبِ عَلَى قَوْسٍ أَوْ عَصًا فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّمَا يَتَقَلَّدُ الْخَطِيبُ السَّيْفَ فِي كُل بَلْدَةٍ فُتِحَتْ بِهِ. (٢)

وَمِثْل الْعَصَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: الْقَوْسُ وَالسَّيْفُ، وَالْعَصَا أَوْلَى مِنَ الْقَوْسِ وَالسَّيْفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِالْقَوْسِ كَمَا جَاءَ فِي الدُّسُوقِيِّ قَوْسُ النُّشَّابِ، وَهِيَ الْقَوْسُ الْعَرَبِيَّةُ لِطُولِهَا وَاسْتِقَامَتِهَا، لاَ الْعَجَمِيَّةُ لِقِصَرِهَا وَعَدَمِ اسْتِقَامَتِهَا.

وَاسْتَدَل الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى

_________

(١) حاشية قليوبي ١ / ٢٨٢ - ٢٨٣ ط. حلبي، وكشاف القناع ٢ / ٣٦ ط النصر، والزرقاني ٢ / ٦٠ ط الفكر

(٢) الفتاوى الهندية ١ / ١٤٨ ط المكتبة الإسلامية

مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنَ اتِّكَاءِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِخْصَرَةِ فِي حَال الْخُطْبَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ حَزْنٍ: قَال: وَفَدْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَشَهِدْنَا مَعَهُ الْجُمُعَةَ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصَا مُخْتَصِرًا (١) .

قَال مَالِكٌ: وَذَلِكَ مِمَّا يُسْتَحَبُّ لِلأَْئِمَّةِ أَصْحَابِ الْمَنَابِرِ أَنْ يَخْطُبُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَعَهُمُ الْعَصَا، يَتَوَكَّئُونَ عَلَيْهَا فِي قِيَامِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا. (٢)

_________

(١) حديث الحكم بن حزن أخرجه أبو داود (١ / ٦٥٩ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر في التلخيص (٢ / ٦٥ - شركة الطباعة الفنية)

(٢) جواهر الإكليل ١ / ٩٧ ط دار المعرفة، وحاشية الدسوقي ١ / ٣٨٢ - ٣٨٣ ط الفكر، والزرقاني ٢ / ٦٠ ط الفكر، والمدونة الكبرى ١ / ١٥١ ط دار صادر، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢ ط المكتب الإسلامي، وحاشية قليوبي ١ / ٢٨٢ - ٢٨٣ ط حلبي، وكشاف القناع ٢ / ٣٦ النصر، والإنصاف ٢ / ٣٩٧ ط التراث، وانظر ما جاء في المغني ٢ / ٣٠٩ الرياض

تَخْصِيصٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - تَخْصِيصُ الإِْنْسَانِ بِالشَّيْءِ: تَفْضِيلُهُ بِهِ عَلَى غَيْرِهِ.

وَفِي اصْطِلاَحِ جُمْهُورِ الأُْصُولِيِّينَ يُطْلَقُ عَلَى: قَصْرِ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ بِدَلِيلٍ يَدُل عَلَى ذَلِكَ، سَوَاءٌ أَكَانَ هَذَا الدَّلِيل مُسْتَقِلًّا أَمْ غَيْرَ مُسْتَقِلٍّ، مُقَارِنًا أَمْ غَيْرَ مُقَارِنٍ. (١)

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: قَصْرُ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ مُقَارِنٍ، فَخَرَجَ الاِسْتِثْنَاءُ وَالصِّفَةُ وَنَحْوُهُمَا؛ لأَِنَّ الْقَصْرَ حَصَل فِيمَا ذُكِرَ بِدَلِيلٍ غَيْرِ مُسْتَقِلٍّ. وَخَرَجَ النَّسْخُ؛ لأَِنَّهُ قَصْرٌ بِدَلِيلٍ غَيْرِ مُقَارِنٍ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - النَّسْخُ:

٢ - النَّسْخُ هُوَ: الرَّفْعُ وَالإِْزَالَةُ.

وَفِي اصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّينَ: رَفْعُ الشَّارِعِ

_________

(١) كشاف اصطلاحات الفنون ٢ / ٤٢٨، وجمع الجوامع ٢ / ٢، ٣

(٢) مسلم الثبوت ١ / ٣٠٠، ٣٠١، وكشف الأسرار للبزدوي ١ / ٣٠٦، والتوضيح شرح التنقيح لصدر الشريعة ٢ / ٢٠

الْحُكْمَ الْمُتَقَدِّمَ بِحُكْمٍ مُتَأَخِّرٍ بِدَلِيلٍ يَدُل عَلَى ذَلِكَ.

فَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّسْخِ وَبَيْنَ التَّخْصِيصِ: أَنَّ التَّخْصِيصَ لَيْسَ فِيهِ رَفْعٌ لِلْحُكْمِ، وَأَمَّا النَّسْخُ فَهُوَ رَفْعُ الْحُكْمِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ. وَالتَّخْصِيصُ قَصْرٌ بِدَلِيلٍ مُقَارِنٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَالنَّسْخُ فِيهِ تَرَاخٍ. (١)

ب - التَّقْيِيدُ:

٣ - التَّقْيِيدُ: تَقْلِيل شُيُوعِ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ بِاقْتِرَانِهِ بِلَفْظٍ آخَرَ يَدُل عَلَى تَقْيِيدِهِ بِشَرْطٍ أَوْ صِفَةٍ أَوْ حَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

وَمِثَالُهُ لَفْظُ " رَجُلٍ " إِذَا اقْتَرَنَ بِلَفْظِ " مُؤْمِنٍ " مَثَلًا، وَقِيل: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ، فَإِنَّ لَفْظَ " رَجُلٍ " مُطْلَقٌ وَهُوَ شَائِعٌ وَمُنْتَشِرٌ فِي كُل مَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنَاهُ، وَهُوَ أَيُّ ذَكَرٍ بَالِغٍ مِنْ نَوْعِ الإِْنْسَانِ، مُؤْمِنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ، وَلَمَّا اقْتَرَنَ بِهِ لَفْظُ " مُؤْمِنٍ " قَلَّل مِنْ شُيُوعِهِ وَانْتِشَارِهِ، وَجَعَلَهُ مَقْصُورًا عَلَى مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا دُونَ غَيْرِهِ.

فَالتَّقْيِيدُ إِنَّمَا يَكُونُ لِلأَْلْفَاظِ الْمُطْلَقَةِ، لِيُقَلِّل مِنْ شُيُوعِهَا وَانْتِشَارِهَا فِيمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ مَعْنَاهَا، وَيَجْعَلُهَا مَقْصُورَةً عَلَى مَا يُوجَدُ فِيهِ الْقَيْدُ دُونَ مَا عَدَاهُ.

أَمَّا التَّخْصِيصُ: فَإِنَّهُ يَكُونُ فِي الأَْلْفَاظِ

_________

(١) المستصفى للغزالي ١ / ١٠٧، وكشف الأسرار للبزدوي ١ / ٣٠٧