الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
الَّذِينَ يَخْتَرِعُونَ أَدْعِيَةً يُسَمُّونَ فِيهَا اللَّهَ تَعَالَى بِغَيْرِ أَسْمَائِهِ، وَيَذْكُرُونَهُ بِغَيْرِ مَا يُذْكَرُ مِنْ أَفْعَالِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ يَلِيقُ بِهِ.
وَنُقِل عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: أَنَّهُ لاَ يُدْعَى اللَّهُ إِلاَّ بِمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. (١)
وَقَال صَاحِبُ رُوحِ الْمَعَانِي: اتَّفَقَ عُلَمَاءُ الإِْسْلاَمِ عَلَى جَوَازِ إِطْلاَقِ الأَْسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ عَلَى الْبَارِي تَعَالَى إِذَا وَرَدَ بِهِمَا الإِْذْنُ مِنَ الشَّارِعِ، وَعَلَى امْتِنَاعِهِ إِذَا وَرَدَ الْمَنْعُ عَنْهُ. وَاخْتَلَفُوا حَيْثُ لاَ إِذْنَ وَلاَ مَنْعَ فِي جَوَازِ إِطْلاَقِ مَا كَانَ ﷾ مُتَّصِفًا بِمَعْنَاهُ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الأَْسْمَاءِ الأَْعْلاَمِ الْمَوْضُوعَةِ فِي سَائِرِ اللُّغَاتِ، إِذْ لَيْسَ جَوَازُ إِطْلاَقِهَا عَلَيْهِ تَعَالَى مَحَل نِزَاعٍ لأَِحَدٍ، وَلَمْ يَكُنْ إِطْلاَقُهُ مُوهِمًا نَقْصًا، بَل كَانَ مُشْعِرًا بِالْمَدْحِ، فَمَنَعَهُ جُمْهُورُ أَهْل الْحَقِّ مُطْلَقًا لِلْخَطَرِ، وَجَوَّزَهُ الْمُعْتَزِلَةُ مُطْلَقًا. (٢)
تَسْمِيَةُ الْمُحَرَّمَاتِ بِغَيْرِ أَسْمَائِهَا:
٢٠ - إِذَا سُمِّيَتِ الْمُحَرَّمَاتُ بِغَيْرِ أَسْمَائِهَا الْمَعْرُوفَةِ، وَهِيَ الَّتِي اقْتَرَنَ بِهَا التَّحْرِيمُ، بِأَنْ سُمِّيَتْ بِأَسْمَاءَ أُخْرَى لَمْ يَقْتَرِنِ التَّحْرِيمُ بِهَا: فَإِنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ لاَ تُزِيل عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ صِفَةَ الْحُرْمَةِ. مِثَال ذَلِكَ: الْخَمْرُ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷾ حَرَّمَهَا بِنَفْسِ هَذَا الاِسْمِ حَيْثُ قَال
_________
(١) القرطبي ٧ / ٣٢٨ ط. دار الكتب المصرية.
(٢) روح المعاني ٩ / ١٢١.
سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَْنْصَابُ وَالأَْزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) فَلَوْ سُمِّيَتْ بِاسْمٍ آخَرَ مِنْ أَسْمَاءِ الأَْشْرِبَةِ الْمُبَاحَةِ، فَإِنَّ تِلْكَ التَّسْمِيَةَ لاَ تُزِيل عَنْهَا صِفَةَ الْحُرْمَةِ، لأَِنَّ الْعِلَّةَ - وَهِيَ الإِْسْكَارُ - لاَ تَزُول بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ، وَهَذَا تَلاَعُبٌ بِالدِّينِ وَاحْتِيَالٌ يَزِيدُ فِي إِثْمِ مُرْتَكِبِ الْحَرَامِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَال: دَخَل عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ فَتَذَاكَرْنَا الطِّلاَءَ فَقَال: حَدَّثَنِي أَبُو مَالِكٍ الأَْشْعَرِيُّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا. (٢) وَالطِّلاَءُ بِالْكَسْرِ وَالْمَدِّ: هُوَ الشَّرَابُ الَّذِي يُطْبَخُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ، وَكَانَ الْبَعْضُ يُسَمِّي الْخَمْرَ طِلاَءً. وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ ﷺ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا أَيْ: يَتَسَتَّرُونَ بِشُرْبِهَا بِأَسْمَاءِ الأَْنْبِذَةِ الْمُبَاحَةِ كَمَاءِ الْعَسَل وَمَاءِ الذُّرَةِ
_________
(١) سورة المائدة / ٩٠.
(٢) حديث: " ليشربن أناس. . . " أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي مالك الأشعري مرفوعا، وفي إسناده مقال، وذكر له ابن حجر شواهد جيدة في الفتح (عون المعبود ٣ / ٣٧٩) ط الهند وسنن ابن ماجه (٢ / ١٣٣٣ ط عيسى الحلبي)، ومسند أحمد بن حنبل (٥ / ٣٤٢ ط الميمنية)، وفتح الباري (١٠ / ٥١ - ٥٢ ط السلفية) .
وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَهُمْ فِيهِ كَاذِبُونَ؛ لأَِنَّ كُل مُسْكِرٍ حَرَامٌ، فَإِنَّ الْمَدَارَ عَلَى حُرْمَةِ الْمُسْكِرِ، وَلِهَذَا لاَ يَضُرُّ شُرْبُ الْقَهْوَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنَ الْبُنِّ حَيْثُ لاَ سُكْرَ فِيهَا مَعَ الإِْكْثَارِ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْقَهْوَةُ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ فَالاِعْتِبَارُ بِالْمُسَمَّى. (١)
ثَالِثًا: التَّسْمِيَةُ بِمَعْنَى تَحْدِيدِ الْعِوَضِ فِي الْعُقُودِ:
٢١ - مِنْ أَمْثِلَةِ هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَهُمْ: الْمَهْرُ، فَإِنَّهُ لاَ تُشْتَرَطُ تَسْمِيَتُهُ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ فَيَصِحُّ النِّكَاحُ وَيَثْبُتُ مَهْرُ الْمِثْل بِالدُّخُول أَوِ الْمَوْتِ.
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا: الأُْجْرَةُ، فَإِنَّ الْجُمْهُورَ يَشْتَرِطُونَ فِيهَا مَا يُشْتَرَطُ فِي الثَّمَنِ فِي الْبَيْعِ، فَيَجِبُ الْعِلْمُ بِالأَْجْرِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَلْيُعْلِمْهُ أَجْرَهُ (٢) فَإِنْ كَانَ الأَْجْرُ دَيْنًا ثَابِتًا فِي الذِّمَّةِ مِمَّا يَصِحُّ ثُبُوتُهُ فِيهَا فَلاَ بُدَّ مِنْ بَيَانِ جِنْسِهِ وَنَوْعِهِ وَصِفَتِهِ وَقَدْرِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي الأَْجْرِ جَهَالَةٌ
_________
(١) عون المعبود ٣ / ٣٢٩، وبدائع الصنائع ٢ / ٢٧٧، ومواهب الجليل ٣ / ٤٩٩، وحاشية الدسوقي ٢ / ٢٩٤، وحاشية قليوبي وعميرة ٣ / ٢٧٥، وكشاف القناع ٥ / ١٢٩.
(٢) حديث: " من استأجر. . . " أخرجه البيهقي ٦ / ١٢٠ ط دائرة المعارف العثمانية من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعا، وأعله البيهقي بالإرسال بين إبراهيم النخعي وابن سعيد.
مُفْضِيَةٌ لِلنِّزَاعِ فَسَدَ الْعَقْدُ، وَيَجِبُ أَجْرُ الْمِثْل عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ. (١)
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ أَيْضًا: الثَّمَنُ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُجُوبِ تَسْمِيَتِهِ فِي الْعَقْدِ بِجَوَازِ الْبَيْعِ. (٢) عَلَى تَفْصِيلٍ يُذْكَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (ثَمَنٌ، وَبَيْعٌ) .
رَابِعًا: التَّسْمِيَةُ بِمَعْنَى التَّعَيُّنِ بِالاِسْمِ مُقَابِل الإِْبْهَامِ:
٢٢ - مِنْ أَمْثِلَتِهِ: تَسْمِيَةُ الشُّهُودِ، أَوْ تَرْكُ تَسْمِيَتِهِمْ لإِثْبَاتِ عَدَالَتِهِمْ. فَالْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يَرَوْنَ أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنْ تَسْمِيَةِ الشُّهُودِ وَبَيَانِ أَنْسَابِهِمْ وَحِلاَهُمْ وَقَبَائِلِهِمْ وَمَحَالِّهِمْ وَأَسْوَاقِهِمْ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ، وَذَلِكَ لإِثْبَاتِ عَدَالَتِهِمْ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُل أَنْ يُعَدِّل آخَرُ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفِ اسْمَهُ وَلاَ كُنْيَتَهُ الْمَشْهُورَ بِهَا وَلاَ اللَّقَبَ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ عَدَالَتِهِ، لأَِنَّ أَسْبَابَ الْعَدَالَةِ كَثِيرَةٌ بِخِلاَفِ الْجَرْحِ. (٣)
_________
(١) انظر مصطلح: (إجارة) وما قيل في الأجرة في الموسوعة الفقهية ١ / ٢٦٣ ط الأولي.
(٢) الفتاوى الهندية ٣ / ١٢٢، والدسوقي ٣ / ١٥، ومغني المحتاج ٢ / ١٦، وكشف القناع ٣ / ١٧٣.
(٣) الفتاوى الهندية ٣ / ٣٧٢، وروضة الطالبين ١١ / ١٦٨، ١٦٩، وكشف القناع ٦ / ٣٥٣، وحاشية العدوي على الرسالة ٢ / ٣١٩.
تَسْنِيمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّسْنِيمُ فِي اللُّغَةِ: رَفْعُ الشَّيْءِ، يُقَال سَنَّمَ الإِْنَاءَ: إِذَا مَلأَهُ حَتَّى صَارَ الْحَبُّ فَوْقَهُ كَالسَّنَامِ، وَكُل شَيْءٍ عَلاَ شَيْئًا فَقَدْ تَسَنَّمَهُ. وَسَنَامُ الْبَعِيرِ وَالنَّاقَةِ: أَعْلَى ظَهْرِهَا، وَالْجَمْعُ أَسْنِمَةٌ، وَفِي الْحَدِيثِ: نِسَاءٌ عَلَى رُءُوسِهِنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ (١)
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ (٢) قَالُوا: هُوَ مَاءٌ فِي الْجَنَّةِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَِنَّهُ يَجْرِي فَوْقَ الْغُرَفِ وَالْقُصُورِ. (٣)
وَالتَّسْنِيمُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: رَفْعُ الْقَبْرِ عَنِ الأَْرْضِ مِقْدَارَ شِبْرٍ أَوْ أَكْثَرَ قَلِيلًا. (٤)
وَفِي النَّظْمِ الْمُسْتَعْذَبِ: التَّسْنِيمُ أَنْ يَجْعَل
_________
(١) حديث: " نساء على رءوسهن. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٦٨٠ ط عيسى الحلبي) .
(٢) سورة المطففين / ٢٧.
(٣) لسان العرب، المصباح المنير، مختار الصحاح مادة: " سنم ".
(٤) ابن عابدين ١ / ٦١، والعناية بهامش فتح القدير ٢ / ١٠١ ط دار إحياء التراث العربي.
أَعْلَى الْقَبْرِ مُرْتَفِعًا، وَيَجْعَل جَانِبَاهُ مَمْسُوحَيْنِ مُسْنَدَيْنِ، مَأْخُوذٌ مِنْ سَنَامِ الْبَعِيرِ. (١) وَيُقَابِلُهُ تَسْطِيحُ الْقَبْرِ، وَهُوَ: أَنْ يُجْعَل مُنْبَسِطًا مُتَسَاوِيَ الأَْجْزَاءِ، لاَ ارْتِفَاعَ فِيهِ وَلاَ انْخِفَاضَ كَسَطْحِ الْبَيْتِ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي اسْتِحْبَابِ رَفْعِ التُّرَابِ فَوْقَ الْقَبْرِ قَدْرَ شِبْرٍ (٣)، وَلاَ بَأْسَ بِزِيَادَتِهِ عَنْ ذَلِكَ قَلِيلًا عَلَى مَا عَلَيْهِ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ؛ (٤) لِيُعْرَفَ أَنَّهُ قَبْرٌ، فَيُتَوَقَّى وَيُتَرَحَّمَ عَلَى صَاحِبِهِ. فَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَفَعَ قَبْرَهُ عَنِ الأَْرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ. (٥) وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَال لِعَائِشَةَ ﵂: " اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ عَنْ ثَلاَثَةِ قُبُورٍ، لاَ مُشْرِفَةٍ
_________
(١) النظم المستعذب في شرح غريب المهذب للركبي بذيل المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ١٤٥، والقواعد الفقهية للمجددي البركتي الرسالة الرابعة ص ٢٢٨.
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب، والصحاح للمرعشلي.
(٣) الفتاوى الهندية ١ / ١٦٦، والاختيار شرح المختار ١ / ٩٦ ن دار المعرفة، وجواهر الإكليل ١ / ١١١، والشرح الكبير ١ / ٤١٨، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ١٤٥. وشرح روض الطالب من أسنى المطالب ١ / ٣٢٧.
(٤) العناية بهامش فتح القدير ٢ / ١٠١، ومراقي الفلاح ٣٣٥.
(٥) حديث " عن جابر أن النبي ﷺ رفع قبره. . . " رواه البيهقي (٣ / ٤١٠ ط دار المعرفة) موصولا ومرسلا، ورجح إرساله. وعزاه الزيلعي في نصب الراية (٢ / ٣٠٣) إلى ابن حبان في صحيحه.
وَلاَ لاَطِئَةٍ، مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ " (١) .
وَاخْتَلَفُوا هَل يُسَنَّمُ الْقَبْرُ أَوْ يُسَطَّحُ؟ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ: يُنْدَبُ تَسْنِيمُهُ كَسَنَامِ الْبَعِيرِ؛ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ مُسَنَّمًا (٢) .
وَعَنِ الْحَسَنِ مِثْلُهُ. وَمَا رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَال: أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ أَنَّهَا مُسَنَّمَةٌ عَلَيْهَا فَلْقُ مَدَرٍ بِيضٍ (٣) وَمَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ جِبْرِيل ﵇ صَلَّى بِالْمَلاَئِكَةِ عَلَى آدَمَ وَجَعَل قَبْرَهُ مُسَنَّمًا. (٤)
وَكَرِهُوا تَسْطِيحَ الْقَبْرِ؛ لأَِنَّ التَّسْطِيحَ يُشْبِهُ أَبْنِيَةَ أَهْل الدُّنْيَا، وَهُوَ أَشْبَهُ بِشِعَارِ أَهْل الْبِدَعِ،
_________
(١) حديث عن القاسم بن محمد قال لعائشة: " اكشفي لي عن قبر. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ٥٤٩ / ٣٢٢٠ ط عبيد الدعاس) والحاكم (١ / ٣٦٩ ط الكتاب العربي) . وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي.
(٢) حديث عن سفيان التمار أنه " رأى قبر النبي ﷺ مسنما " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٣٥٠ ط السلفية) .
(٣) حديث " أخبرني من رأي قبر النبي ﷺ. . . " أخرجه محمد بن الحسن الشيباني في كتاب الآثار (ص ٨٠) قال التهانوي في إعلاء السنن (٨ / ٢٧١) . فيه مجهول.
(٤) حديث " أن جبريل ﵇ صلى بالملائكة على آدم. . . " أخرجه الدارقطني (٢ / ٧١ ط المدني) في سنده عبد الرحمن بن مالك بن مغول. قال الدارقطني: متروك. وانظر الكلام عليه في الكامل لابن عدي (٤ / ١٥٩٨ ط دار الفكر) .
فَكَانَ مَكْرُوهًا لِذَلِكَ عِنْدَهُمْ. وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ تَرْبِيعِ الْقُبُورِ. (١)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُنْدَبُ تَسْطِيحُهُ (أَيْ تَرْبِيعُهُ) وَأَنَّهُ أَفْضَل مِنْ تَسْنِيمِهِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا تُوُفِّيَ جَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ قَبْرَهُ مُسَطَّحًا. (٢)
وَلاَ يُخَالِفُ ذَلِكَ قَوْل عَلِيٍّ ﵁: أَمَرَنِي رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ لاَ تَدَعَ تِمْثَالًا إِلاَّ طَمَسْتَهُ، وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ (٣) لأَِنَّهُ لَمْ يُرِدْ تَسْوِيَتَهُ بِالأَْرْضِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ تَسْطِيحَهُ جَمْعًا بَيْنَ الأَْخْبَارِ. (٤)
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٦٠١، وفتح القدير ٢ / ١٠٠ - ١٠٢ دار إحياء التراث العربي، والاختيار شرح المختار ١ / ٩٦ ن دار المعرفة، والفتاوى الهندية ١ / ١٦٦، ومراقي الفلاح ٣٣٥، وجواهر الإكليل ١ / ١١١، والشرح الكبير ١ / ٤١٨، ومواهب الجليل بشرح مختصر خليل ٢ / ٢٤٢، وكشاف القناع ٢ / ١٣٨ م النصر الحديثة، والمغني لابن قدامة ٢ / ٥٠٥ م الرياض الحديثة. وحديث: " نهى عن تربيع. . " أورده الزيلعي في نصب الراية (١ / ٤٠٣) وعزاه إلى كتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني ولم يتكلم عليه في شيء.
(٢) حديث: " أن إبراهيم بن النبي ﷺ. . . " بمعناه أن النبي ﷺ رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه حصباء. أخرجه الشافعي (١ / ٢١٥) ط دار الكتب الملكية المصرية واللفظ له. والبيهقي (٣ / ٤١١) ط دار المعرفة. وقال الحافظ في التلخيص الحبير (٢ / ١٣٣ ط المدني): رجاله ثقات مع إرساله. وفي سند الشافعي إبراهيم بن محمد. قال عنه الحافظ في التقريب (١ / ٤٢ ط المكتبة العلمية): متروك.
(٣) حديث: أن لا تدع تمثالا إلا. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٦ ط عيسى البابي الحلبي) .
(٤) شرح روض الطالب من أسنى المطالب ١ / ٣٢٧ - ٣٢٨ ن المكتبة الإسلامية، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ١٤٥.
هَذَا إِذَا دُفِنَ الْمُسْلِمُ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ.
٣ - أَمَّا إِنْ دُفِنَ الْمُسْلِمُ فِي غَيْرِ دَارِ الإِْسْلاَمِ، بِأَنْ دُفِنَ فِي بَلَدِ الْكُفَّارِ أَوْ دَارِ حَرْبٍ، وَتَعَذَّرَ نَقْلُهُ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَالأَْوْلَى تَسْوِيَةُ قَبْرِهِ بِالأَْرْضِ، وَإِخْفَاؤُهُ أَوْلَى مِنْ إِظْهَارِهِ وَتَسْنِيمِهِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُنْبَشَ فَيُمَثَّل بِهِ، وَفِي ذَلِكَ صِيَانَةٌ لَهُ عَنْهُمْ. وَأَلْحَقَ بِهِ الأَْذْرَعِيُّ: الأَْمْكِنَةَ الَّتِي يُخَافُ نَبْشُهَا لِسَرِقَةِ كَفَنِهِ أَوْ لِعَدَاوَةٍ وَنَحْوِهِمَا. (١)
وَانْظُرْ بَاقِيَ الأَْحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقَبْرِ فِي مُصْطَلَحِ (قَبْرٌ) .
تَسَوُّكٌ
انْظُرْ: اسْتِيَاكٌ
تَسَوُّلٌ
انْظُرْ. شِحَاذَةٌ
_________
(١) شرح روض الطالب من أسنى المطالب ١ / ٣٢٨ ن المكتبة الإسلامية، وكشاف القناع ٢ / ٣٨ م النصر الحديثة.
تَسْوِيدٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّسْوِيدُ مَصْدَرُ سَوَّدَ، يُقَال: سَوَّدَ تَسْوِيدًا.
وَالتَّسْوِيدُ يَأْتِي بِمَعْنَى التَّلْوِينِ بِالسَّوَادِ - وَهُوَ ضِدُّ الْبَيَاضِ - يُقَال: سَوَّدَ الشَّيْءَ أَيْ: جَعَلَهُ أَسْوَدَ.
وَيَأْتِي التَّسْوِيدُ مِنَ السِّيَادَةِ، فَيَكُونُ بِمَعْنَى: التَّشْرِيفِ، يُقَال: سَوَّدَهُ قَوْمُهُ تَسْوِيدًا أَيْ: جَعَلُوهُ سَيِّدًا عَلَيْهِمْ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ: سَادَ يَسُودُ سِيَادَةً، وَالاِسْمُ السُّؤْدُدُ، وَهُوَ: الْمَجْدُ وَالشَّرَفُ، فَهُوَ سَيِّدٌ وَالأُْنْثَى سَيِّدَةٌ.
وَالسَّيِّدُ: الْمُتَوَلِّي لِلسَّوَادِ أَيِ الْجَمَاعَةِ، وَيُنْسَبُ إِلَى ذَلِكَ فَيُقَال: سَيِّدُ الْقَوْمِ. وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَرْطِ الْمُتَوَلِّي لِلْجَمَاعَةِ أَنْ يَكُونَ مُهَذَّبَ النَّفْسِ، قِيل لِكُل مَنْ كَانَ فَاضِلًا فِي نَفْسِهِ: سَيِّدٌ.
وَيُطْلَقُ السَّيِّدُ عَلَى الرَّبِّ، وَالْمَالِكِ، وَالْحَلِيمِ، وَمُحْتَمِل أَذَى قَوْمِهِ، وَالزَّوْجِ، وَالرَّئِيسِ، وَالْمُقَدَّمِ.
وَيَأْتِي التَّسْوِيدُ - أَيْضًا - لِنَوْعٍ مِنَ الْمُدَاوَاةِ، قَال فِي اللِّسَانِ نَقْلًا عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ: وَيُقَال: سَوَّدَ