الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
الإِْبِل تَسْوِيدًا: إِذَا دَقَّ الْمِسْحَ الْبَالِيَ مِنْ شَعْرٍ فَدَاوَى بِهِ أَدْبَارَهَا. (١)
وَالتَّسْوِيدُ فِي الاِصْطِلاَحِ يُرِيدُ بِهِ الْفُقَهَاءُ الْمَعْنَيَيْنِ الأَْوَّلَيْنِ غَالِبًا.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّبْيِيضُ:
٢ - التَّبْيِيضُ: مَصْدَرُ بَيَّضَ، يُقَال: بَيَّضَ الشَّيْءَ أَيْ جَعَلَهُ أَبْيَضَ، ضِدُّ سَوَّدَهُ.
وَالْبَيَاضُ ضِدُّ السَّوَادِ، وَالْبَيَّاضُ: الرَّجُل الَّذِي يُبَيِّضُ الثِّيَابَ.
وَالْمُبَيِّضَةُ: أَصْحَابُ الْبَيَاضِ، وَهُمْ فِرْقَةٌ مِنَ الثَّنَوِيَّةِ سُمُّوا كَذَلِكَ لِتَبْيِيضِهِمُ الثِّيَابَ، مُخَالَفَةً لِلْمُسَوِّدَةِ مِنَ الْعَبَّاسِيِّينَ (٢) .
ب - التَّعْظِيمُ:
٣ - التَّعْظِيمُ: مَصْدَرُ عَظَّمَ، يُقَال: عَظَّمَهُ تَعْظِيمًا أَيْ: كَبَّرَهُ وَفَخَّمَهُ. وَالتَّعْظِيمُ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ وَالْكَيْفِيَّةِ، وَيُقَابِلُهُ التَّحْقِيرُ فِيهِمَا بِحَسَبِ الْمَنْزِلَةِ وَالرُّتْبَةِ (٣) .
_________
(١) المصباح المنير ١ / ٢٩٤، ولسان العرب ٢ / ٢٣٥ - ٢٣٦، وتاج العروس ٢ / ٣٨٤ - ٣٨٦، والمفردات في غريب القرآن ٢٤٧.
(٢) القاموس المحيط، ولسان العرب.
(٣) القاموس المحيط، ولسان العرب، والمصباح المنير، والكليات ١ / ٩٥.
ج - التَّفْضِيل:
٤ - التَّفْضِيل: مَصْدَرُ فَضَّل، يُقَال: فَضَّلْتُهُ عَلَى غَيْرِهِ تَفْضِيلًا أَيْ: صَيَّرْتُهُ أَفْضَل مِنْهُ، وَفَضَّلَهُ أَيْ مَزَّاهُ.
وَالتَّفْضِيل دُونَ التَّسْوِيدِ - بِمَعْنَى السِّيَادَةِ - لَكِنَّهُ سَبَبٌ لَهُ وَطَرِيقٌ إِلَيْهِ (١) .
د - التَّكْرِيمُ:
٥ - التَّكْرِيمُ: أَنْ يُوصَل إِلَى الإِْنْسَانِ نَفْعٌ لاَ يَلْحَقُهُ فِيهِ غَضَاضَةٌ، أَوْ أَنْ يَجْعَل مَا يُوصَل إِلَى الإِْنْسَانِ شَيْئًا كَرِيمًا أَيْ شَرِيفًا. وَهُوَ مَصْدَرُ كَرَّمَ، يُقَال: كَرَّمَهُ تَكْرِيمًا أَيْ عَظَّمَهُ وَنَزَّهَهُ.
وَالإِْكْرَامُ وَالتَّكْرِيمُ بِمَعْنًى، وَالْكَرَمُ ضِدُّ اللُّؤْمِ (٢) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّسْوِيدِ بِاخْتِلاَفِ مَعْنَاهُ وَمَبْحَثِهِ الْفِقْهِيِّ.
فَالتَّسْوِيدُ يَأْتِي بِمَعْنَى: السِّيَادَةِ، وَيُبْحَثُ حُكْمُهُ فِي مَوَاطِنَ مِنْهَا: تَسْوِيدُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلاَةِ وَفِي غَيْرِهَا، وَتَسْوِيدُ غَيْرِهِ ﷺ وَتَسْوِيدُ الْمُنَافِقِ.
_________
(١) القاموس المحيط، والمصباح المنير، ولسان العرب، والمفردات في غريب القرآن مادة: " فضل ".
(٢) القاموس المحيط، والمصباح المنير، ولسان العرب، والمفردات في غريب القرآن مادة: " كرم ".
وَيَأْتِي التَّسْوِيدُ بِمَعْنَى: التَّلْوِينِ بِالسَّوَادِ، وَيُبْحَثُ حُكْمُهُ فِي مَوَاطِنَ مِنْهَا: التَّعْزِيرُ، وَالْخِضَابُ، وَالْحِدَادُ، وَالتَّعْزِيَةُ، وَاللِّبَاسُ وَالْعِمَامَةُ، وَشَعْرُ الْمَبِيعِ.
(أَوَّلًا)
التَّسْوِيدُ مِنَ السِّيَادَةِ
تَسْوِيدُ النَّبِيِّ ﷺ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَسْوِيدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلاَةِ، وَحُكْمِ تَسْوِيدِهِ ﷺ فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ.
أ - فِي الصَّلاَةِ:
٧ - وَرَدَ لَفْظُ الصَّلَوَاتِ الإِْبْرَاهِيمِيَّةِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ مَأْثُورًا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ (سَيِّدِنَا) قَبْل اسْمِهِ ﵊. وَأَمَّا إِضَافَةُ لَفْظِ (سَيِّدِنَا) فَرَأَى مَنْ لَمْ يَقُل بِزِيَادَتِهَا الاِلْتِزَامَ بِمَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ لأَِنَّ فِيهِ امْتِثَالًا لِمَا وَرَدَ عَنْهُ ﷺ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فِي الأَْذْكَارِ وَالأَْلْفَاظِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُ، كَالأَْذَانِ وَالإِْقَامَةِ وَالتَّشَهُّدِ وَالصَّلاَةِ الإِْبْرَاهِيمِيَّةِ.
وَأَمَّا بِخُصُوصِ زِيَادَةِ (سَيِّدِنَا) فِي الصَّلاَةِ الإِْبْرَاهِيمِيَّةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ، فَقَدْ ذَهَبَ إِلَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ كَالْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلاَمِ وَالرَّمْلِيِّ وَالْقَلْيُوبِيِّ وَالشَّرْقَاوِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَصْكَفِيِّ وَابْنِ عَابِدِينَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ مُتَابَعَةً لِلرَّمْلِيِّ
الشَّافِعِيِّ، كَمَا صَرَّحَ بِاسْتِحْبَابِهِ النَّفَرَاوِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَقَالُوا: إِنَّ ذَلِكَ مِنْ قَبِيل الأَْدَبِ، وَرِعَايَةُ الأَْدَبِ خَيْرٌ مِنَ الاِمْتِثَال، كَمَا قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ (١) .
ب - فِي غَيْرِ الصَّلاَةِ:
٨ - أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ثُبُوتِ السِّيَادَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى عَلَمِيَّتِهِ فِي السِّيَادَةِ. قَال الشَّرْقَاوِيُّ: فَلَفْظُ (سَيِّدِنَا) عَلَمٌ عَلَيْهِ ﷺ.
وَمَعَ ذَلِكَ خَالَفَ بَعْضُهُمْ وَقَالُوا: إِنَّ لَفْظَ السَّيِّدِ لاَ يُطْلَقُ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ قَال: قَال أَبِي: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَال: السَّيِّدُ اللَّهُ ﵎. قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا، قَال: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلاَ يَسْخَرْ بِكُمُ الشَّيْطَانُ. (٢) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ
_________
(١) رد المحتار على الدار المختار ١١ / ٣٤٥، والفواكه الدواني على رسالة القيرواني ٢ / ٤٦٤، والقليوبي ١ / ١٦٧، وشرح الروض ١ / ١٦٦، وحاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب ١ / ٢١، ١٩٣، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٤١ - ٥٤٢ - ٥٤٣ - ونيل الأوطار ٢ / ٣٢٦، والقول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ص ١٠١، وفتاوى ابن حجر العسقلاني نقلا عن " إصلاح المساجد من البدع والعوائد " للقاسمي ١٤٠ ط (٥) والمكتب الإسلامي.
(٢) حديث: " قولوا بقولكم أو بعض قولكم. . . " أخرجه أبو داود (٥ / ١٥٥ - ط عزت عبيد دعاس) . وقال ابن حجر في الفتح (٥ / ١٧٩ - ط السلفية): رجاله ثقات.
فَقَال: أَنْتَ سَيِّدُ قُرَيْشٍ، فَقَال ﷺ: السَّيِّدُ اللَّهُ. (١)
قَال ابْنُ الأَْثِيرِ فِي النِّهَايَةِ: أَيْ هُوَ الَّذِي يَحِقُّ لَهُ السِّيَادَةُ، كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُحْمَدَ فِي وَجْهِهِ، وَأَحَبَّ التَّوَاضُعَ. وَمِنْهُ الْحَدِيثُ لَمَّا قَالُوا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، قَال: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ أَيِ ادْعُونِي نَبِيًّا وَرَسُولًا كَمَا سَمَّانِي اللَّهُ، وَلاَ تُسَمُّونِي سَيِّدًا كَمَا تُسَمُّونَ رُؤَسَاءَكُمْ، فَإِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِهِمْ مِمَّنْ يَسُودُكُمْ فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا.
وَأَضَافَ ابْنُ مُفْلِحٍ إِلَى مَا سَبَقَ: وَالسَّيِّدُ يُطْلَقُ عَلَى الرَّبِّ، وَالْمَالِكِ، وَالشَّرِيفِ، وَالْفَاضِل، وَالْحَكِيمِ، وَمُتَحَمِّل أَذَى قَوْمِهِ، وَالزَّوْجِ، وَالرَّئِيسِ، وَالْمُقَدَّمِ.
وَقَال أَبُو مَنْصُورٍ: كَرِهَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يُمْدَحَ فِي وَجْهِهِ وَأَحَبَّ التَّوَاضُعَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَجَعَل السِّيَادَةَ لِلَّذِي سَادَ الْخَلْقَ أَجْمَعِينَ. وَلَيْسَ هَذَا بِمُخَالِفٍ لِقَوْلِهِ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ﵁ حِينَ قَال لِقَوْمِهِ الأَْنْصَارِ: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ (٢) أَرَادَ أَنَّهُ أَفْضَلُكُمْ رَجُلًا وَأَكْرَمُكُمْ. وَأَمَّا صِفَةُ اللَّهِ جَل
_________
(١) حديث: " السيد الله " أخرجه أحمد (٤ / ٢٤ - ط الميمنية) . من حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير وإسناده صحيح.
(٢) حديث: " قوموا إلى سيدكم " أخرجه البخاري (٦ / ١٦٥ - الفتح - ط السلفية) .
ذِكْرُهُ بِالسَّيِّدِ فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ مَالِكُ الْخَلْقِ، وَالْخَلْقُ كُلُّهُمْ عَبِيدُهُ (أَيْ فَلاَ يُطْلَقُ لَفْظُ السَّيِّدِ بِهَذَا الْمَعْنَى عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى) وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ فَخْرَ (١) أَرَادَ أَنَّهُ أَوَّل شَفِيعٍ، وَأَوَّل مَنْ يُفْتَحُ لَهُ بَابُ الْجَنَّةِ، قَال ذَلِكَ إِخْبَارًا عَمَّا أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَضْل وَالسُّؤْدُدِ، وَتَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ عِنْدَهُ، وَإِعْلاَمًا مِنْهُ؛ لِيَكُونَ إِيمَانُهُمْ بِهِ عَلَى حَسَبِهِ وَمُوجِبِهِ، وَلِهَذَا أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ: وَلاَ فَخْرَ أَيْ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ الَّتِي نِلْتُهَا كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، لَمْ أَنَلْهَا مِنْ قِبَل نَفْسِي، وَلاَ بَلَغْتُهَا بِقُوَّتِي، فَلَيْسَ لِي أَنْ أَفْتَخِرَ بِهَا
وَقَال السَّخَاوِيُّ: إِنْكَارُهُ ﷺ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ تَوَاضُعًا مِنْهُ ﷺ وَكَرَاهَةً مِنْهُ أَنْ يُحْمَدَ وَيُمْدَحَ مُشَافَهَةً، أَوْ لأَِنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ تَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَوْ لِمُبَالَغَتِهِمْ فِي الْمَدْحِ، وَقَدْ صَحَّ قَوْلُهُ ﷺ: أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَقَوْلُهُ لِلْحَسَنِ ﵁: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ (٢) وَوَرَدَ قَوْل سَهْل بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ لِلنَّبِيِّ ﷺ: " يَا سَيِّدِي " فِي حَدِيثٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي عَمَل الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ،
_________
(١) حديث: " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر " أخرجه مسلم (٣ / ١٧٨٢ - ط الحلبي) دون قوله " ولا فخر "، فهي في الترمذي (٥ / ٣٠٨ - ط الحلبي) .
(٢) حديث: " إن ابني هذا سيد " يأتي مطولا ويأتي تخرجه في (ف ٩) .
وَقَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ: " اللَّهُمَّ صَل عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ. وَفِي كُل هَذَا دَلاَلَةٌ وَاضِحَةٌ وَبَرَاهِينُ لاَئِحَةٌ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَالْمَانِعُ يَحْتَاجُ إِلَى إِقَامَةِ دَلِيلٍ، سِوَى مَا تَقَدَّمَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَنْهَضُ دَلِيلًا مَعَ الاِحْتِمَالاَتِ السَّابِقَةِ. (١)
تَسْوِيدُ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ
: ٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ إِطْلاَقِ لَفْظِ السَّيِّدِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ: فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ إِلَى جَوَازِ إِطْلاَقِ لَفْظِ السَّيِّدِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى فِي يَحْيَى ﵇: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) أَيْ أَنَّهُ فَاقَ غَيْرَهُ عِفَّةً وَنَزَاهَةً عَنِ الذُّنُوبِ. وَقَوْلِهِ ﷿ فِي امْرَأَةِ الْعَزِيزِ: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ (٣) أَيْ زَوْجَهَا وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِل: مَنِ السَّيِّدُ؟ قَال: يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ﵈ قَالُوا: فَمَا فِي أُمَّتِكَ مِنْ سَيِّدٍ؟ قَال: بَلَى، مَنْ
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار ١١ / ٣٤٥، والفواكه الدواني على رسالة القيرواني ٢ / ٤٦٤، وحاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب ١ / ٢١، والآداب الشرعية والمنح المرعية ٣ / ٤٦٤ - ٤٦٥، والقول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع ص ١٠١، ولسان العرب ٢ / ٢٣٥.
(٢) من الآية ٣٩ من سورة آل عمران.
(٣) من الآية ٢٥ من سورة يوسف.
آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، وَرُزِقَ سَمَاحَةً، فَأَدَّى شُكْرَهُ، وَقَلَّتْ شِكَايَتُهُ فِي النَّاسِ (١)
وَبِقَوْلِهِ ﷺ لِلأَْنْصَارِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ: قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ (٢) يَعْنِي سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ.
وَقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ كَمَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ - إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَل اللَّهَ يُصْلِحُ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣) وَكَذَلِكَ كَانَ.
وَقَوْلِهِ ﷺ لِلأَْنْصَارِ: مَنْ سَيِّدُكُمْ؟ قَالُوا: الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ عَلَى أَنَّا نُبَخِّلُهُ، قَال ﷺ: وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ الْبُخْل (٤) . وَبِقَوْلِهِ ﷺ: كُل بَنِي آدَمَ سَيِّدٌ، فَالرَّجُل سَيِّدُ أَهْلِهِ، وَالْمَرْأَةُ سَيِّدَةُ بَيْتِهَا. (٥)
وَمِنْهُ حَدِيثُ أُمِّ الدَّرْدَاءِ ﵂: حَدَّثَنِي سَيِّدِي أَبُو الدَّرْدَاءِ. وَبِقَوْل عُمَرَ
_________
(١) حديث: " سئل من السيد؟ قال: يوسف. . . " قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه نافع أبو هرمز وهو متروك (مجمع الزوائد ٨ / ٢٠٢ - ط القدسي) .
(٢) حديث: " قوموا إلى سيدكم " سبق تخرجه ف ٨.
(٣) حديث: " إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٣٠٧ - ط السلفية) .
(٤) حديث: " من سيدكم. . . " أخرجه أبو الشيخ في الأمثال من حديث كعب بن مالك كما في الفتح (٥ / ١٧٩ وكتاب الأمثال ط السلفية) وقال: رجال هذا الإسناد ثقات.
(٥) حديث: " كل بني آدم سيد فالرجل. . . " أخرجه ابن عدي في الكامل (٤ / ١٥٢١ - ط دار الفكر) . وإسناده حسن.
﵁ لَمَّا سُئِل: مَنِ الَّذِي إِلَى جَانِبِكَ، فَأَجَابَ: هَذَا سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ﵁.
وَقَالُوا: إِنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَلاَ فِي حَدِيثٍ مُتَوَاتِرٍ أَنَّ السَّيِّدَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى؛ وَلأَِنَّ إِطْلاَقَ لَفْظِ السَّيِّدِ عَلَى اللَّهِ ﷿ لِكَوْنِهِ سُبْحَانَهُ مَالِكَ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، وَلاَ مَالِكَ لَهُمْ سِوَاهُ، وَإِطْلاَقُ هَذَا اللَّفْظِ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يَكُونُ بِهَذَا الْمَعْنَى الْجَامِعِ الْكَامِل، بَل بِمَعَانٍ قَاصِرَةٍ عَنْ ذَلِكَ.
وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ لَفْظَ السَّيِّدِ لاَ يُطْلَقُ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ ﷾، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ مُطَرِّفٍ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ.
وَقَال الْخَطَّابِيُّ: لاَ يُقَال السَّيِّدُ وَلاَ الْمَوْلَى عَلَى الإِْطْلاَقِ مِنْ غَيْرِ إِضَافَةٍ إِلاَّ فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّ لَفْظَ السَّيِّدِ يَجُوزُ إِطْلاَقُهُ عَلَى مَالِكِ الْعَبْدِ أَوْ مَالِكَتِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، وَلاَ يَقُولَنَّ الْمَمْلُوكُ: رَبِّي وَرَبَّتِي، وَلْيَقُل الْمَالِكُ: فَتَايَ وَفَتَاتِي. وَلْيَقُل الْمَمْلُوكُ: سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي، فَإِنَّهُمُ الْمَمْلُوكُونَ، وَالرَّبُّ: اللَّهُ تَعَالَى (١) قَال
_________
(١) حديث: " لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي. . . " أخرجه أبو داود (٥ / ٢٥٧ - ط عزت عبيد دعاس) وأصله في مسلم (٣ / ١٧٦٤ - ط الحلبي) .
صَاحِبُ عَوْنِ الْمَعْبُودِ: كَانَ بَعْضُ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ يَأْخُذُ بِهَذَا، وَيَكْرَهُ أَنْ يُخَاطِبَ أَحَدًا بِلَفْظِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ بِالسَّيِّدِ، وَيَتَأَكَّدُ هَذَا إِذَا كَانَ الْمُخَاطَبُ غَيْرَ تَقِيٍّ. (١)
مَنْ يَسْتَحِقُّ التَّسْوِيدَ:
١٠ - لَفْظُ السَّيِّدِ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّؤْدُدِ، وَهُوَ: الْمَجْدُ وَالشَّرَفُ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْمُتَوَلِّي لِلْجَمَاعَةِ. وَمِنْ شَرْطِهِ وَشَأْنِهِ أَنْ يَكُونَ مُهَذَّبَ النَّفْسِ شَرِيفًا. وَعَلَى مَنْ قَامَ بِهِ بَعْضُ خِصَال الْخَيْرِ مِنَ الْفَضْل وَالشَّرَفِ وَالْعِبَادَةِ وَالْوَرَعِ وَالْحِلْمِ وَالْعَقْل وَالنَّزَاهَةِ وَالْعِفَّةِ وَالْكَرَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
إِطْلاَقُ لَفْظِ السَّيِّدِ عَلَى الْمُنَافِقِ
١١ - الْمُنَافِقُ لَيْسَ مِنْ هَذِهِ الْخِصَال فِي شَيْءٍ؛ لأَِنَّهُ كَاذِبٌ مُدَلِّسٌ خَائِنٌ، لاَ تُوَافِقُ سَرِيرَتُهُ عَلاَنِيَتَهُ. وَفِي الْعَقِيدَةِ: يُبْطِنُ الْكُفْرَ وَيُظْهِرُ الإِْسْلاَمَ. وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ إِطْلاَقِ لَفْظِ السَّيِّدِ عَلَى الْمُنَافِقِ فِيمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ سَيِّدٌ، (٢) فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدُكُمْ فَقَدْ
_________
(١) تفسير القرطبي ٤ / ٧٦ - ٧٧، صحيح البخاري ٧ / ١٣٠ ط. استنبول، وعون المعبود ١٣ / ٣٢١ - ٣٢٤، والكامل في ضعفاء الرجال ٤ / ١٥٢١ وحاشية الشرقاوي ١ / ٢١، والآداب الشرعية ٣ / ٤٦٥ - ٤٦٧.
(٢) في بعض الرواية " سيدا " بالنصب.