الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
أَشْهَبُ: سُئِل مَالِكٌ عَنِ التَّسَمِّي بِجِبْرِيل، فَكَرِهَ ذَلِكَ وَلَمْ يُعْجِبْهُ. وَقَال الْقَاضِي عِيَاضٌ: قَدِ اسْتَظْهَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ التَّسَمِّيَ بِأَسْمَاءِ الْمَلاَئِكَةِ، وَهُوَ قَوْل الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ، وَأَبَاحَ ذَلِكَ غَيْرُهُ. (١)
مَا تَحْرُمُ التَّسْمِيَةُ بِهِ مِنَ الأَْسْمَاءِ:
١٤ - تَحْرُمُ التَّسْمِيَةُ بِكُل اسْمٍ خَاصٍّ بِاللَّهِ ﷾، كَالْخَالِقِ وَالْقُدُّوسِ، أَوْ بِمَا لاَ يَلِيقُ إِلاَّ بِهِ ﷾ كَمَلِكِ الْمُلُوكِ وَسُلْطَانِ السَّلاَطِينِ وَحَاكِمِ الْحُكَّامِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. (٢)
وَأَوْرَدَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِيمَا هُوَ خَاصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى: الأَْحَدُ، وَالصَّمَدُ، وَالْخَالِقُ، وَالرَّازِقُ، وَالْجَبَّارُ، وَالْمُتَكَبِّرُ، وَالأَْوَّل، وَالآْخِرُ، وَالْبَاطِنُ، وَعَلاَّمُ الْغُيُوبِ. (٣)
هَذَا، وَمِمَّا يَدُل عَلَى حُرْمَةِ التَّسْمِيَةِ بِالأَْسْمَاءِ الْخَاصَّةِ بِهِ ﷾ كَمَلِكِ الْمُلُوكِ مَثَلًا: مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وَلَفْظُهُ فِي الْبُخَارِيِّ - قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَخْنَى الأَْسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
_________
(١) تحفة المودود ص ٩٤، ومغني المحتاج ٤ / ٢٥٩.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٨، ومواهب الجليل ٣ / ٢٥٦، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٤، ٢٩٥، وكشاف القناع ٣ / ٢٦، ٢٧.
(٣) تحفة المودود ص ٩٨.
عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَْمْلاَكِ (١)
وَلَفْظُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ: رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الأَْمْلاَكِ، لاَ مَلِكَ إِلاَّ اللَّهُ (٢)
وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ بِالأَْسْمَاءِ الْمُشْتَرَكَةِ الَّتِي تُطْلَقُ عَلَيْهِ ﷾ وَعَلَى غَيْرِهِ فَيَجُوزُ التَّسَمِّي بِهَا كَعَلِيٍّ وَرَشِيدٍ وَبَدِيعٍ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَظَاهِرُهُ الْجَوَازُ وَلَوْ مُعَرَّفًا بِأَل. قَال الْحَصْكَفِيُّ: وَيُرَادُ فِي حَقِّنَا غَيْرُ مَا يُرَادُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى. (٣)
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تَحْرُمُ التَّسْمِيَةُ بِالأَْسْمَاءِ الَّتِي لاَ تَلِيقُ إِلاَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ، وَسَيِّدِ النَّاسِ، وَسَيِّدِ الْكُل؛ لأَِنَّ هَذِهِ الأَْسْمَاءَ كَمَا ذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ لاَ تَلِيقُ إِلاَّ بِهِ ﷺ. (٤)
وَتَحْرُمُ التَّسْمِيَةُ بِكُل اسْمٍ مُعَبَّدٍ مُضَافٍ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ ﷾ كَعَبْدِ الْعُزَّى، وَعَبْدِ الْكَعْبَةِ، وَعَبْدِ الدَّارِ، وَعَبْدِ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ الْحُسَيْنِ، أَوْ عَبْدِ فُلاَنٍ. إِلَخْ.
كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.
_________
(١) حديث: " أخنى الأسماء يوم القيامة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥٨٨ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٨٨ - ط الحلبي) ولفظ مسلم: " أخنع اسم ".
(٢) حديث: " أغيظ رجل على الله يوم القيامة. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٨٨ - ط الحلبي) .
(٣) تحفة المودود ص ١٠٠، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٨، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٦٢، ومواهب الجليل ٣ / ٢٥٧.
(٤) كشاف القناع ٣ / ٢٧، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٩٤.
فَقَدْ جَاءَ فِي حَاشِيَةِ ابْنِ عَابِدِينَ: بِأَنَّهُ لاَ يُسَمِّيهِ عَبْدَ فُلاَنٍ.
وَجَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ التَّسَمِّي بِعَبْدِ الْكَعْبَةِ وَعَبْدِ الْعُزَّى.
وَجَاءَ فِي تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ حُرْمَةُ التَّسْمِيَةِ بِعَبْدِ النَّبِيِّ أَوْ عَبْدِ الْكَعْبَةِ أَوْ عَبْدِ الدَّارِ أَوْ عَبْدِ عَلِيٍّ أَوْ عَبْدِ الْحُسَيْنِ لإِيهَامِ التَّشْرِيكِ. وَمِنْهُ يُؤْخَذُ حُرْمَةُ التَّسْمِيَةِ بِجَارِ اللَّهِ وَرَفِيقِ اللَّهِ وَنَحْوِهِمَا لإِيهَامِهِ الْمَحْذُورَ.
وَجَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ مَا نَصُّهُ: اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ كُل اسْمٍ مُعَبَّدٍ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَعَبْدِ الْعُزَّى، وَعَبْدِ عَمْرٍو، وَعَبْدِ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ الْكَعْبَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَمِثْلُهُ عَبْدُ النَّبِيِّ، وَعَبْدُ الْحُسَيْنِ، وَعَبْدُ الْمَسِيحِ (١) .
هَذَا، وَالدَّلِيل عَلَى تَحْرِيمِ التَّسْمِيَةِ بِكُل مُعَبَّدٍ مُضَافٍ إِلَى غَيْرِ اللَّهِ ﷾ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ هَانِئِ بْنِ يَزِيدَ ﵁ قَال: وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قَوْمٌ، فَسَمِعَهُمْ يُسَمُّونَ: عَبْدَ الْحَجَرِ، فَقَال لَهُ: مَا اسْمُكَ؟ فَقَال: عَبْدُ الْحَجَرِ، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ. (٢)
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٨، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٥، وتحفة المحتاج ١٠ / ٣٧٣، وكشاف القناع ٣ / ٢٧، وتحفة المودود ص ٩٠.
(٢) حديث: " إنما أنت عبد الله. . . " أخرجه ابن أبي شيبة (٨ / ٦٦٥ - ط دار السلفية - بمبي) وإسناده صحيح. (الإصابة لابن حجر ٣ / ٥٩٦ - ط مطبعة السعادة) .
قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: فَإِنْ قِيل: كَيْفَ يَتَّفِقُونَ عَلَى تَحْرِيمِ الاِسْمِ الْمُعَبَّدِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ ﵇ أَنَّهُ قَال: تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْقَطِيفَةِ (١) وَصَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَال: أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبَ. . . أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (٢)
فَالْجَوَابُ: أَمَّا قَوْلُهُ: تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، فَلَمْ يُرِدْ بِهِ الاِسْمَ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْوَصْفَ وَالدُّعَاءَ عَلَى مَنْ تَعَبَّدَ قَلْبُهُ لِلدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، فَرَضِيَ بِعُبُودِيَّتِهِمَا عَنْ عُبُودِيَّةِ رَبِّهِ تَعَالَى، وَذَكَرَ الأَْثْمَانَ وَالْمَلاَبِسَ وَهُمَا جَمَال الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ إِنْشَاءِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الإِْخْبَارِ بِالاِسْمِ الَّذِي عُرِفَ بِهِ الْمُسَمَّى دُونِ غَيْرِهِ، وَالإِْخْبَارُ بِمِثْل ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ تَعْرِيفِ الْمُسَمَّى لاَ يَحْرُمُ فَبَابُ الإِْخْبَارِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الإِْنْشَاءِ. (٣)
_________
(١) حديث: " تعس عبد الدينار. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٢٥٣ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) حديث: " أنا النبي لا كذب. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ٦٩ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ٢٤٠٠ - ط الحلبي) من حديث البراء بن عازب ﵁.
(٣) تحفة المودود ص ٩٠، ٩١، وكشاف القناع ٣ / ٢٧.
تَغْيِيرُ الاِسْمِ وَتَحْسِينُهُ
١٥ - يَجُوزُ تَغْيِيرُ الاِسْمِ عُمُومًا وَيُسَنُّ تَحْسِينُهُ، وَيُسَنُّ تَغْيِيرُ الاِسْمِ الْقَبِيحِ إِلَى الْحَسَنِ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّكُمْ تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ (١)
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵃: أَنَّ ابْنَةً لِعُمَرَ ﵁ كَانَتْ يُقَال لَهَا: عَاصِيَةٌ، فَسَمَّاهَا رَسُول اللَّهِ ﷺ جَمِيلَةً. (٢)
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ قَال: " جَلَسْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَحَدَّثَنِي أَنَّ جَدَّهُ حَزَنًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَال: مَا اسْمُكَ؟ قَال: اسْمِي حَزْنٌ، قَال: بَل أَنْتَ سَهْلٌ، قَال: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي. قَال ابْنُ الْمُسَيِّبِ: فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ (٣)
وَقَدْ غَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ الاِسْمَ الَّذِي يَدُل عَلَى
_________
(١) حديث: " إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم. . . " أخرجه أبو داود (٥ / ٢٣٦ تحقيق عزت عبيد دعاس) وفي إسناده انقطاع بين أبي الدرداء وبين الراوي عنه. (مختصر السنن للمنذري ٧ / ٢٥١ - نشر دار المعرفة) .
(٢) حديث: " إن ابنة لعمر. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٨٧ - ط الحلبي) .
(٣) حديث: " بل أنت سهل " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥٧٥ - ط السلفية) .
التَّزْكِيَةِ إِلَى غَيْرِهِ، فَقَدْ غَيَّرَ اسْمَ بَرَّةٍ إِلَى جُوَيْرِيَةَ أَوْ زَيْنَبَ. (١)
وَقَال أَبُو دَاوُدَ: وَغَيَّرَ النَّبِيُّ ﷺ اسْمَ الْعَاصِ وَعَزِيزٍ وَعَتَلَةَ وَشَيْطَانٍ وَالْحَكَمِ وَغُرَابٍ وَحُبَابٍ وَشِهَابٍ فَسَمَّاهُ: هِشَامًا، وَسَمَّى حَرْبًا: سِلْمًا، وَسَمَّى الْمُضْطَجِعَ: الْمُنْبَعِثَ، وَأَرْضًا تُسَمَّى عَفْرَةً سَمَّاهَا: خَضِرَةً، وَشِعْبُ الضَّلاَلَةِ سَمَّاهُ: شِعْبَ الْهُدَى، وَبَنُو الزِّنْيَةِ سَمَّاهُمْ: بَنِي الرِّشْدَةِ، وَسَمَّى بَنِي مَغْوِيَّةَ: بَنِي رِشْدَةَ. (٢)
هَذَا وَالْفُقَهَاءُ لاَ يَخْتَلِفُونَ فِي جَوَازِ تَغْيِيرِ الاِسْمِ إِلَى اسْمٍ آخَرَ، وَفِي أَنَّ تَغْيِيرَ الاِسْمِ الْقَبِيحِ إِلَى الْحَسَنِ هُوَ مِنَ الأُْمُورِ الْمَطْلُوبَةِ الَّتِي حَثَّ عَلَيْهَا الشَّرْعُ.
وَأَجَازَ الْحَنَابِلَةُ التَّسْمِيَةَ بِأَكْثَرَ مِنَ اسْمٍ (٣) .
نِدَاءُ الزَّوْجِ وَالأَْبِ وَنَحْوِهِمَا بِالاِسْمِ الْمُجَرَّدِ:
١٦ - ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَدْعُوَ الرَّجُل أَبَاهُ،
_________
(١) حديث: " أنه غير اسم برة إلى جويرية " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٥٧٥ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٨٧ - ط الحلبي) .
(٢) حديث: " تغييره لعدة أسماء. . . " ذكره أبو داود في سننه (٥ / ٢٤١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال تركت أسانيدها للاختصار. وتنظر شروح أبي داود مثل عون المعبود (١٣ / ٢٩٨ - ٢٩٩ - ط السلفية) .
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٨، ومواهب الجليل ٣ / ٢٥٦، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٤، وكشاف القناع ٣ / ٢٦ - ٢٨.
وَأَنْ تَدْعُوَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا بِاسْمِهِ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ لَفْظٍ يُفِيدُ التَّعْظِيمَ لِمَزِيدِ حَقِّهِمَا عَلَى الْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ. وَلَيْسَ هَذَا مِنَ التَّزْكِيَةِ؛ لأَِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى الْمَدْعُوِّ بِأَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِمَا يُفِيدُهَا، لاَ إِلَى الدَّاعِي الْمَطْلُوبِ مِنْهُ التَّأَدُّبُ مَعَ مَنْ هُوَ فَوْقَهُ. (١)
وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ كَمَا جَاءَ فِي مُغْنِي الْمُحْتَاجِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِهِمْ: أَنَّهُ يُسَنُّ لِوَلَدِ الشَّخْصِ وَتِلْمِيذِهِ وَغُلاَمِهِ أَنْ لاَ يُسَمِّيَهُ بِاسْمِهِ. (٢)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ - كَمَا جَاءَ فِي مَطَالِبِ أُولِي النُّهَى - إِلَى أَنَّهُ لاَ يَقُول السَّيِّدُ لِرَقِيقِهِ: يَا عَبْدِي، وَلأَِمَتِهِ يَا أَمَتِي، لإِشْعَارِهِ بِالتَّكَبُّرِ وَالاِفْتِخَارِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. وَكَذَلِكَ لاَ يَقُول الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: يَا رَبِّي، وَلاَ يَا مَوْلاَيَ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْيهَامِ. (٣)
تَسْمِيَةُ الأَْشْيَاءِ بِأَسْمَاءِ الْحَيَوَانِ:
١٧ - قَال الرَّحِيبَانِيُّ: وَلاَ بَأْسَ بِتَسْمِيَةِ النُّجُومِ بِالأَْسْمَاءِ الْعَرَبِيَّةِ نَحْوُ: حَمَلٍ وَثَوْرٍ وَجَدْيٍ؛ لأَِنَّهَا أَسْمَاءُ أَعْلاَمٍ، وَاللُّغَةُ وَضْعُ لَفْظٍ دَلِيلًا عَلَى مَعْنًى، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ كَذِبًا، بَل وَضْعُ هَذِهِ الأَْلْفَاظِ لِتِلْكَ الْمَعَانِي تَوَسُّعٌ وَمَجَازٌ، كَمَا سَمَّوْا فِي اللُّغَةِ الْكَرِيمَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٩.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٢٩٥، وحاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٩ / ٣٧٤، وروضة الطالبين ٣ / ٢٣٥.
(٣) مطالب أولي النهى ٢ / ٤٩٦.
بَحْرًا، لَكِنِ اسْتِعْمَال الْبَحْرِ لِلْكَرِيمِ مَجَازٌ، بِخِلاَفِ اسْتِعْمَال تِلْكَ الأَْسْمَاءِ فِي النُّجُومِ، فَإِنَّهَا حَقِيقَةٌ، وَالتَّوَسُّعُ فِي التَّسْمِيَةِ فَقَطْ.
وَلاَ يَخْفَى أَنَّ مِثْل تَسْمِيَةِ النُّجُومِ فِي الْحُكْمِ تَسْمِيَةُ النَّاسِ بِأَسْمَاءِ الْحَيَوَانِ، مَا لَمْ يَكُنْ قَبِيحًا فَقَدْ تَقَدَّمَ حُكْمُهُ. (١)
تَسْمِيَةُ الأَْدَوَاتِ وَالدَّوَابِّ وَالْمَلاَبِسِ
١٨ - ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَسْمِيَةُ الأَْدَوَاتِ وَالدَّوَابِّ وَالْمَلاَبِسِ بِأَسْمَاءٍ خَاصَّةٍ بِهَا تُمَيِّزُهَا عَنْ مَثِيلاَتِهَا أُسْوَةً بِرَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَدْ كَانَ لِسُيُوفِهِ وَدُرُوعِهِ وَرِمَاحِهِ وَقِسِيِّهِ وَحِرَابِهِ وَبَعْضِ أَدَوَاتِهِ وَدَوَابِّهِ وَمَلاَبِسِهِ أَسْمَاءٌ خَاصَّةٌ: فَمِنْ أَسْمَاءِ سُيُوفِهِ ﷺ (مَأْثُورٌ) وَهُوَ أَوَّل سَيْفٍ مَلَكَهُ، وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ، وَ(ذُو الْفِقَارِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا وَهُوَ سَيْفٌ تَنَفَّلَهُ يَوْمَ بَدْرٍ. وَمِنْ أَسْمَاءِ دُرُوعِهِ ﷺ (ذَاتُ الْفُضُول) وَهِيَ الَّتِي رَهَنَهَا عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ عَلَى شَعِيرٍ لِعِيَالِهِ (وَذَاتُ الْوِشَاحِ) (وَذَاتُ الْحَوَاشِي) . إِلَخْ.
وَمِنْ أَسْمَاءِ قِسِيِّهِ ﷺ (الزَّوْرَاءُ) (وَالرَّوْحَاءُ) . وَمِنْ أَسْمَاءِ تُرُوسِهِ ﷺ (الزُّلُوقُ) (وَالْفَتْقُ) . وَمِنْ أَسْمَاءِ رِمَاحِهِ ﷺ (الْمَثْوَى) . وَ(الْمُثَنَّى) وَمِنْ أَسْمَاءِ حِرَابِهِ ﷺ (النَّبْعَةُ) (وَالْبَيْضَاءُ) . وَكَانَتْ لَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ يُقَال لَهَا:
_________
(١) مطالب أولي النهى ٢ / ٤٩٥، وكشاف القناع ٣ / ٢٨.
الْعِقَابُ) وَفُسْطَاطٌ يُسَمَّى (الْكِنَّ) وَمِخْصَرَةٌ تُسَمَّى (الْعُرْجُونَ) وَقَضِيبٌ مِنَ الشَّوْحَطِ يُسَمَّى (الْمَمْشُوقَ) قِيل: وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَتَدَاوَلُهُ الْخُلَفَاءُ. وَمِنْ أَسْمَاءِ أَدَوَاتِهِ ﷺ الَّتِي كَانَ يَسْتَعْمِلُهَا فِي بَيْتِهِ: (الرَّيَّانُ) وَهُوَ اسْمٌ لِقَدَحٍ، (وَالصَّادِرُ) وَهُوَ اسْمٌ لِرَكْوَةٍ، (وَتَوْرٌ) وَهُوَ إِنَاءٌ يَشْرَبُ فِيهِ، (وَالسَّعَةُ) وَهُوَ اسْمٌ لِقَعْبٍ، (وَالْغَرَّاءُ) وَهُوَ اسْمٌ لِقَصْعَةٍ.
وَمِنْ أَسْمَاءِ دَوَابِّهِ ﷺ مِنَ الْخَيْل (السَّكْبُ) (وَالْمُرْتَجِزُ) (وَاللَّحِيفُ)، وَمِنَ الْبِغَال (دُلْدُلٌ) (وَفِضَّةٌ)، وَمِنَ الْحَمِيرِ (عَفِيرٌ)، وَمِنَ الإِْبِل (الْقَصْوَاءُ) (وَالْعَضْبَاءُ) .
وَمِنْ أَسْمَاءِ مَلاَبِسِهِ (السَّحَابُ) وَهُوَ اسْمٌ لِعِمَامَةٍ. (١)
تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ مَا وَرَدَ:
١٩ - يَقُول اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الأَْسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) فَهَذِهِ الآْيَةُ تَدُل عَلَى أَنَّ لِلَّهِ ﷾ أَسْمَاءً خَاصَّةً يُسَمَّى بِهَا؛ لأَِنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ أَيْ سَمُّوهُ بِهَا أَوْ نَادُوهُ بِتِلْكَ الأَْسْمَاءِ، فَالدُّعَاءُ الْمَذْكُورُ فِي هَذِهِ الآْيَةِ كَمَا قَال صَاحِبُ رُوحِ الْمَعَانِي: إِمَّا مِنَ الدَّعْوَةِ بِمَعْنَى
_________
(١) زاد المعاد ١ / ١٣٠ - ١٣٥ ط. المنار.
(٢) سورة الأعراف / ١٨٠.
التَّسْمِيَةِ، كَقَوْلِهِمْ: دَعَوْتُهُ زَيْدًا أَوْ بِزَيْدٍ أَيْ: سَمَّيْتُهُ. أَوْ مِنَ الدُّعَاءِ بِمَعْنَى النِّدَاءِ كَقَوْلِهِمْ: دَعَوْتُ زَيْدًا أَيْ: نَادَيْتُهُ. (١)
قَال الأَْلُوسِيُّ: الإِْلْحَادُ فِي أَسْمَائِهِ ﷾ أَنْ يُسَمَّى بِمَا لاَ تَوْقِيفَ فِيهِ، أَوْ بِمَا يُوهِمَ مَعْنًى فَاسِدًا، كَمَا فِي قَوْل أَهْل الْبَدْوِ فِي دُعَاءِ اللَّهِ: يَا أَبَا الْمَكَارِمِ، يَا أَبْيَضَ الْوَجْهِ يَا سَخِيُّ وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَنُقِل عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الأَْسْمَاءَ تَوْقِيفِيَّةٌ يُرَاعَى فِيهَا مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ، وَأَنَّ كُل اسْمٍ وَرَدَ فِي هَذِهِ الأُْصُول جَازَ إِطْلاَقُهُ عَلَيْهِ جَل شَأْنُهُ، وَمَا لَمْ يَرِدْ فِيهَا لَمْ يَجُزْ وَإِنْ صَحَّ مَعْنَاهُ. وَنُقِل ذَلِكَ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيِّ وَالآْمِدِيِّ (٢) .
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّ الإِْلْحَادَ فِي أَسْمَائِهِ ﷾ يَكُونُ بِثَلاَثَةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: بِالتَّغْيِيرِ فِيهَا كَمَا فَعَلَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ عَدَلُوا بِهَا عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ، فَسَمُّوا بِهَا أَوْثَانَهُمْ، فَاشْتَقُّوا اللاَّتَ مِنَ اللَّهِ، وَالْعُزَّى مِنَ الْعَزِيزِ، وَمَنَاةَ مِنَ الْمَنَّانِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ.
الثَّانِي: بِالزِّيَادَةِ فِيهَا.
الثَّالِثُ: بِالنُّقْصَانِ مِنْهَا، كَمَا يَفْعَلُهُ الْجُهَّال
_________
(١) روح المعاني ٩ / ١٢١، ط المنيرية.
(٢) المرجع السابق.