الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 66

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

اللَّيْلَةَ مَوْلُودٌ فَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ (١) هَذَا وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ عَابِدِينَ وَلاَ صَاحِبُ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى التَّسْمِيَةِ الْوَقْتَ الَّذِي تَكُونُ فِيهِ. (٢)

قَال ابْنُ الْقَيِّمِ: إِنَّ التَّسْمِيَةَ لَمَّا كَانَتْ حَقِيقَتُهَا تَعْرِيفَ الشَّيْءِ الْمُسَمَّى؛ لأَِنَّهُ إِذَا وُجِدَ وَهُوَ مَجْهُول الاِسْمِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يَقَعُ تَعْرِيفُهُ بِهِ، فَجَازَ تَعْرِيفُهُ يَوْمَ وُجُودِهِ، وَجَازَ تَأْخِيرُ التَّعْرِيفِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَجَازَ إِلَى يَوْمِ الْعَقِيقَةِ عَنْهُ، وَيَجُوزُ قَبْل ذَلِكَ وَبَعْدَهُ، وَالأَْمْرُ فِيهِ وَاسِعٌ. (٣)

ج - تَسْمِيَةُ السِّقْطِ:

٨ - الْمُرَادُ بِالسِّقْطِ هُنَا الْوَلَدُ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى يَخْرُجُ مَيِّتًا مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ قَبْل تَمَامِهِ وَهُوَ مُسْتَبِينُ الْخَلْقِ. يُقَال: سَقَطَ الْوَلَدُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ سُقُوطًا فَهُوَ سِقْطٌ بِالْكَسْرِ، وَالتَّثْلِيثُ لُغَةٌ، وَلاَ يُقَال: وَقَعَ، وَأَسْقَطَتِ الْحَامِل بِالأَْلِفِ: أَلْقَتْ سِقْطًا (٤) .

هَذَا، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَسْمِيَةِ السِّقْطِ.

_________

(١) الحديث: تقدم تخريجه ف / ٧.

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٨، ٢٦٩ ط الأميرية، والفتاوى الهندية ٥ / ٣٦٢ ط المكتبة الإسلامية.

(٣) تحفة المودود ص ٨٨.

(٤) المصباح المنير.

قَال صَاحِبُ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: مَنْ وُلِدَ مَيِّتًا لاَ يُسَمَّى عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلاَفًا لِمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى.

وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ السِّقْطَ لاَ يُسَمَّى. وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ، كَمَا قَال النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: أَنَّ تَسْمِيَةَ السِّقْطِ لاَ تُتْرَكُ. وَفِي النِّهَايَةِ: يُنْدَبُ تَسْمِيَةُ سِقْطٍ نُفِخَتْ فِيهِ الرُّوحُ. (١)

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ، فَقَدْ قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَإِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ أَذَكَرٌ هُوَ أَمْ أُنْثَى؟ سُمِّيَ اسْمًا يَصْلُحُ لِلذَّكَرِ وَالأُْنْثَى، هَذَا عَلَى سَبِيل الاِسْتِحْبَابِ؛ لأَِنَّهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: سَمُّوا أَسْقَاطَكُمْ، فَإِنَّهُمْ أَسْلاَفُكُمْ (٢)

قِيل: إِنَّهُمْ إِنَّمَا يُسَمَّوْنَ لِيُدْعَوْا يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِهِمْ، فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ هَل السِّقْطُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، سُمِّيَ اسْمًا يَصْلُحُ لَهُمَا جَمِيعًا، كَسَلَمَةَ وَقَتَادَةَ وَسُعَادَ وَهِنْدٍ. وَنَحْوِ ذَلِكَ (٣) .

_________

(١) الفتاوى الهندية ٣ / ٣٦٢، وحاشية العدوي على شرح أبي الحسن لرسالة ابن أبي زيد ١ / ٥٢٥، وروضة الطالبين ٣ / ٢٣٢، وحاشية قليوبي ٤ / ٢٥٦، وتحفة المحتاج ٩ / ٣٧٢، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٤ ط دار إحياء التراث العربي، ونهاية المحتاج ٨ / ١٣٩.

(٢) حديث: " سموا أسقاطكم فإنهم. . . " ورد بلفظ: " سموا أسقاطكم فإنهم من أفراطكم " ذكره صاحب كنز العمال وقال: ابن عساكر عن البختري بن عبيد عن أبيه عن أبي هريرة، والبختري ضعيف. (الكنز ١٦ / ٤٢٣ - ط الرسالة) .

(٣) المغني لابن قدامة ٢ / ٥٢٣ ط الرياض.

د - تَسْمِيَةُ مَنْ مَاتَ بَعْدَ الْوِلاَدَةِ

٩ - يَرَى الْفُقَهَاءُ أَنَّ مَنْ مَاتَ بَعْدَ الْوِلاَدَةِ، وَقَبْل أَنْ يُسَمَّى، فَإِنَّهُ يُسَمَّى.

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: إِذَا اسْتَهَل صَارِخًا فَإِنَّهُ يُعْطَى حُكْمَ الْكَبِيرِ، وَتَثْبُتُ لَهُ كَافَّةُ الْحُقُوقِ. (١) وَتَسْمِيَةُ مَنْ مَاتَ بَعْدَ الْوِلاَدَةِ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. (٢)

وَالشَّافِعِيَّةُ يَرَوْنَ أَنَّهُ يُسَمَّى إِذَا مَاتَ قَبْل تَمَامِ السَّبْعِ، كَمَا قَال النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ.

وَقَال صَاحِبُ مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: لَوْ مَاتَ قَبْل التَّسْمِيَةِ اسْتُحِبَّ تَسْمِيَتُهُ. (٣)

وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُمْ يُجِيزُونَ تَسْمِيَةَ مَنْ مَاتَ بَعْدَ الْوِلاَدَةِ؛ لأَِنَّهُمْ يُجِيزُونَ تَسْمِيَةَ السِّقْطِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ، فَعَلَى هَذَا تَسْمِيَةُ مَنْ مَاتَ بَعْدَ الْوِلاَدَةِ جَائِزَةٌ عِنْدَهُمْ، بَل أَوْلَى (٤) .

مَا تُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ بِهِ مِنَ الأَْسْمَاءِ:

١٠ - الأَْصْل جَوَازُ التَّسْمِيَةِ بِأَيِّ اسْمٍ إِلاَّ مَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ مِمَّا سَيَأْتِي.

_________

(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٤١، ٥ / ٢٦٨.

(٢) مواهب الجليل ٣ / ٢٥٦، وجواهر الإكليل ١ / ٢٢٤ ط دار المعرفة، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٥٢٥.

(٣) روضة الطالبين ٣ / ٢٣٢، ومغني المحتاج ٤ / ٢٩٤.

(٤) المغني لابن قدامة ٢ / ٥٢٣.

وَتُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ بِكُل اسْمٍ مُعَبَّدٍ مُضَافٍ إِلَى اللَّهِ ﷾، أَوْ إِلَى أَيِّ اسْمٍ مِنَ الأَْسْمَاءِ الْخَاصَّةِ بِهِ ﷾؛ لأَِنَّ الْفُقَهَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْسَانِ التَّسْمِيَةِ بِهِ.

وَأَحَبُّ الأَْسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ.

وَقَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: أَحَبُّهَا إِلَى اللَّهِ أَسْمَاءُ الأَْنْبِيَاءِ. (١)

وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُل عَلَى أَنَّ أَحَبَّ الأَْسْمَاءِ إِلَيْهِ ﷾: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. وَيَدُل لِذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. (٢)

وَلِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي الْجُشَمِيِّ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: تَسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الأَْنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَْسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا: حَارِثٌ وَهَمَّامٌ، وَأَقْبَحُهَا: حَرْبٌ وَمُرَّةٌ. (٣)

وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ نَقْلًا عَنِ الْمُنَاوِيِّ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ أَفْضَل مُطْلَقًا حَتَّى مِنْ

_________

(١) تحفة المودود ص ٨٩.

(٢) حديث: " أحب أسمائكم إلى الله. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٨٢ - ط الحلبي) .

(٣) حديث: " تسموا بأسماء الأنبياء. . . " أخرجه أبو داود (٥ / ٢٣٧ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وأعله ابن القطان كما في فيض القدير للمناوي (٣ / ٢٤٦ - ط المكتبة التجارية) .

عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَفْضَل الأَْسْمَاءِ بَعْدَهُمَا مُحَمَّدٌ ثُمَّ أَحْمَدُ ثُمَّ إِبْرَاهِيمُ. (١)

وَالْجُمْهُورُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ بِكُل مُعَبَّدٍ مُضَافٍ إِلَى اللَّهِ ﷾ كَعَبْدِ اللَّهِ، أَوْ مُضَافٍ إِلَى اسْمٍ خَاصٍّ بِهِ ﷾ كَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدِ الْغَفُورِ. (٢)

وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَهُمْ مَعَ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ أَحَبَّ الأَْسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، إِلاَّ أَنَّ صَاحِبَ الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ قَال: وَلَكِنَّ التَّسْمِيَةَ بِغَيْرِ هَذِهِ الأَْسْمَاءِ فِي هَذَا الزَّمَانِ أَوْلَى؛ لأَِنَّ الْعَوَامَّ يُصَغِّرُونَهَا لِلنِّدَاءِ. (٣)

وَذَكَرَ ابْنُ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ أَنَّ أَفْضَلِيَّةَ التَّسْمِيَةِ بِعَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً فَإِنَّ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَرَادَ التَّسْمِيَةَ بِالْعُبُودِيَّةِ؛ لأَِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ عَبْدَ شَمْسٍ وَعَبْدَ الدَّارِ، فَجَاءَتِ الأَْفْضَلِيَّةُ، فَهَذَا لاَ يُنَافِي أَنَّ اسْمَ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ جَمِيعِ الأَْسْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْتَرْ لِنَبِيِّهِ ﷺ إِلاَّ مَا هُوَ أَحَبُّ إِلَيْهِ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ. (٤)

وَلاَ يَجُوزُ تَغْيِيرُ اسْمِ اللَّهِ بِالتَّصْغِيرِ فِيمَا هُوَ مُضَافٌ. قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَهَذَا مُشْتَهَرٌ فِي

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٨.

(٢) مواهب الجليل ٣ / ٢٥٦، وتحفة المحتاج ٩ / ٣٧٣، وكشاف القناع ٣ / ٢٦.

(٣) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٦٢.

(٤) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦٨.

زَمَانِنَا حَيْثُ يُنَادُونَ مَنِ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحِيمِ وَعَبْدُ الْكَرِيمِ أَوْ عَبْدُ الْعَزِيزِ مَثَلًا، فَيَقُولُونَ: رُحَيِّمٌ وَكُرَيِّمٌ وَعُزَيِّزٌ بِتَشْدِيدِ يَاءِ التَّصْغِيرِ، وَمَنِ اسْمُهُ عَبْدُ الْقَادِرِ قُوَيْدِرٌ وَهَذَا مَعَ قَصْدِهِ كُفْرٌ.

فَفِي الْمُنْيَةِ: مَنْ أَلْحَقَ التَّصْغِيرَ فِي آخِرِ اسْمِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَوْ نَحْوِهِ - مِمَّا أُضِيفَ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الأَْسْمَاءِ الْحُسْنَى - إِنْ قَال ذَلِكَ عَمْدًا قَاصِدًا التَّحْقِيرَ كَفَرَ، وَإِنْ لَمْ يَدْرِ مَا يَقُول وَلاَ قَصْدَ لَهُ لَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ، وَمَنْ سَمِعَ مِنْهُ ذَلِكَ يَحِقُّ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهُ، وَبَعْضُهُمْ يَقُول: رَحْمُونٌ لِمَنِ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. (١)

١١ - وَأَمَّا التَّسْمِيَةُ بِأَسْمَاءِ الأَْنْبِيَاءِ فَقَدِ اخْتَلَفَ، الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهَا، فَذَهَبَ الأَْكْثَرُونَ إِلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ، وَهُوَ الصَّوَابُ.

قَال صَاحِبُ تُحْفَةِ الْمُحْتَاجِ: وَلاَ تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ بِاسْمِ نَبِيٍّ أَوْ مَلَكٍ، بَل جَاءَ فِي التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ نَبِيِّنَا ﵊ فَضَائِل. (٢) وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْعُتْبِيُّ أَنَّ أَهْل مَكَّةَ يَتَحَدَّثُونَ: مَا مِنْ بَيْتٍ فِيهِ اسْمُ مُحَمَّدٍ إِلاَّ رَأَوْا خَيْرًا وَرُزِقُوا. (٣)

وَذَكَرَ صَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ يَحْسُنُ التَّسْمِيَةُ بِأَسْمَاءِ الأَْنْبِيَاءِ. (٤)

_________

(١) نفس المرجع.

(٢) تحفة المحتاج ٩ / ٣٧٣.

(٣) مواهب الجليل ٣ / ٢٥٦.

(٤) كشاف القناع ٣ / ٢٦، وتحفة المودود ص ١٠٠.

بَل قَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، كَمَا تَقَدَّمَ النَّقْل عَنْهُ: إِنَّهَا أَحَبُّ الأَْسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ.

وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى كَرَاهَةِ التَّسْمِيَةِ بِأَسْمَاءِ الأَْنْبِيَاءِ، وَقَدْ نُسِبَ هَذَا الْقَوْل إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁.

قَال صَاحِبُ تُحْفَةِ الْمَوْدُودِ: وَلَعَل صَاحِبَ هَذَا الْقَوْل قَصَدَ صِيَانَةَ أَسْمَائِهِمْ عَنِ الاِبْتِذَال وَمَا يَعْرِضُ لَهَا مِنْ سُوءِ الْخِطَابِ، عِنْدَ الْغَضَبِ وَغَيْرِهِ.

وَقَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: أَحَبُّ الأَْسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ أَسْمَاءُ الأَْنْبِيَاءِ. وَفِي تَارِيخِ ابْنِ خَيْثَمَةَ: أَنَّ طَلْحَةَ كَانَ لَهُ عَشَرَةٌ مِنَ الْوَلَدِ، كُلٌّ مِنْهُمُ اسْمُهُ اسْمُ نَبِيٍّ، وَكَانَ لِلزُّبَيْرِ عَشَرَةٌ كُلُّهُمْ تَسَمَّى بِاسْمِ شَهِيدٍ، فَقَال لَهُ طَلْحَةُ: أَنَا سَمَّيْتُهُمْ بِأَسْمَاءِ الأَْنْبِيَاءِ، وَأَنْتَ تُسَمِّيهِمْ بِأَسْمَاءِ الشُّهَدَاءِ، فَقَال لَهُ الزُّبَيْرُ: فَإِنِّي أَطْمَعُ أَنْ يَكُونَ بَنِيَّ شُهَدَاءَ، وَلاَ تَطْمَعُ أَنْ يَكُونَ بَنُوكَ أَنْبِيَاءَ (١) .

وَيَدُل عَلَى جَوَازِ التَّسْمِيَةِ بِأَسْمَاءِ الأَْنْبِيَاءِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي الْجُشَمِيِّ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: تَسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الأَْنْبِيَاءِ. (٢) وَيَدُل عَلَى جَوَازِ التَّسْمِيَةِ بِاسْمِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ

_________

(١) تحفة المودود ص ١٠٠ - ١٠١.

(٢) حديث: " تسموا بأسماء الأنبياء. . . " تقدم تخريجه ف / ١٠.

مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَال: وُلِدَ لِرَجُلٍ مِنَّا غُلاَمٌ فَسَمَّاهُ الْقَاسِمُ، فَقَالُوا: لاَ نُكَنِّيهِ حَتَّى نَسْأَل النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: سَمُّوا بِاسْمِي وَلاَ تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي (١) .

مَا تُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ بِهِ مِنَ الأَْسْمَاءِ:

١٢ - تُكْرَهُ تَنْزِيهًا التَّسْمِيَةُ بِكُل اسْمٍ يُتَطَيَّرُ بِنَفْيِهِ، كَرَبَاحٍ وَأَفْلَحَ وَنَجَاحٍ وَيَسَارٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ هَذِهِ الأَْسْمَاءَ وَمَا أَشْبَهَهَا يُتَطَيَّرُ بِنَفْيِهَا، فِيمَا لَوْ سُئِل شَخْصٌ سَمَّى ابْنَهُ رَبَاحًا: أَعِنْدَكَ رَبَاحٌ؟ فَيَقُول: لَيْسَ فِي الْبَيْتِ رَبَاحٌ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ طَرِيقًا لِلتَّشَاؤُمِ. (٢)

هَذَا وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تُسَمِّينَ غُلاَمَكِ يَسَارًا وَلاَ رَبَاحًا وَلاَ نَجِيحًا وَلاَ أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُول: أَثَمَّ هُوَ؟ فَلاَ يَكُونُ، فَيَقُول: لاَ (٣)

إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ لاَ يَحْرُمُ لِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁

_________

(١) فتح الباري ١٠ / ٥٧١.

(٢) الفتوحات الربانية شرح الأذكار النواوية ٦ / ١١٠ ط المكتبة الإسلامية، وابن عابدين ٥ / ٢٦٨، ونهاية المحتاج ٨ / ١٣٩، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٩٤.

(٣) حديث: " لا تسمين غلامك يسارا. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٨٥ - ط الحلبي) .

إِنَّ الآْذِنَ عَلَى مَشْرَبَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَبْدٌ يُقَال لَهُ: رَبَاحٌ (١)

وَعَنْ جَابِرٍ ﵁ أَرَادَ ﷺ أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى وَبِبَرَكَةٍ وَبِأَفْلَحَ وَبِيَسَارٍ وَبِنَافِعٍ وَبِنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ بَعْدُ سَكَتَ عَنْهَا، فَلَمْ يَقُل شَيْئًا، ثُمَّ قُبِضَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ أَرَادَ عُمَرُ ﵁ أَنْ يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ ثُمَّ تَرَكَهُ.

وَتُكْرَهُ التَّسْمِيَةُ أَيْضًا بِالأَْسْمَاءِ الَّتِي تَكْرَهُهَا النُّفُوسُ وَتَشْمَئِزُّ مِنْهَا كَحَرْبٍ وَمُرَّةَ وَكَلْبٍ وَحَيَّةَ (٢) .

وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِمَنْعِ التَّسْمِيَةِ بِكُل اسْمٍ قَبِيحٍ.

قَال صَاحِبُ مَوَاهِبِ الْجَلِيل: يُمْنَعُ بِمَا قَبُحَ كَحَرْبٍ وَحُزْنٍ وَضِرَارٍ. (٣)

وَقَال صَاحِبُ مُغْنِي الْمُحْتَاجِ: تُكْرَهُ الأَْسْمَاءُ الْقَبِيحَةُ، كَشَيْطَانٍ وَظَالِمٍ وَشِهَابٍ وَحِمَارٍ وَكَلْبٍ. إِلَخْ. (٤)

وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ تُكْرَهُ تَسْمِيَتُهُ بِأَسْمَاءِ الْجَبَابِرَةِ كَفِرْعَوْنَ وَأَسْمَاءِ الشَّيَاطِينِ. وَجَاءَ فِي مَطَالِبِ

_________

(١) حديث: " إن الآذن. . . " أخرجه مسلم (٢ / ١١٠٦ - ط الحلبي) من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وانظر مطالب أولي النهى ٢ / ٤٩٤، ٤٩٥.

(٢) شرح الأذكار ٦ / ١١١.

(٣) مواهب الجليل ٣ / ٢٥٦.

(٤) مغني المحتاج ٤ / ٢٩٤.

أُولِي النُّهَى كَرَاهِيَةُ التَّسْمِيَةِ بِحَرْبٍ (١) .

هَذَا، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﵊ يَكْرَهُ الاِسْمَ الْقَبِيحَ لِلأَْشْخَاصِ وَالأَْمَاكِنِ وَالْقَبَائِل وَالْجِبَال.

أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال لِلِقْحَةٍ تُحْلَبُ: مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا اسْمُكَ، فَقَال لَهُ الرَّجُل: مُرَّةُ. فَقَال لَهُ رَسُول ﷺ: اجْلِسْ. ثُمَّ قَال: مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا اسْمُكَ؟، فَقَال: حَرْبٌ. فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: اجْلِسْ. ثُمَّ قَال: مَنْ يَحْلُبُ هَذِهِ؟ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ مَا اسْمُكَ؟ فَقَال: يَعِيشُ، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: احْلُبْ. (٢)

: التَّسْمِيَةُ بِأَسْمَاءِ الْمَلاَئِكَةِ

١٣ - ذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ بِأَسْمَاءِ الْمَلاَئِكَةِ كَجِبْرِيل وَمِيكَائِيل لاَ تُكْرَهُ.

وَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى كَرَاهَةِ التَّسْمِيَةِ بِذَلِكَ، قَال

_________

(١) مطالب أولي النهى ٢ / ٤٩٤، ٤٩٥، وكشاف القناع ٣ / ٢٨.

(٢) حديث: " إن رسول الله ﷺ قال للقحة تحلب. . . " أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٩٧٣ - ط الحلبي) مرسلا، وله شاهد من حديث يعيش الغفاري، وإسناده صحيح. (الإصابة لابن حجر ٣ / ٦٦٩ - ط مطبعة السعادة) . وانظر تنوير الحوالك شرح موطأ مالك ٣ / ١٤٠، ١٤١، ط المشهد الحسيني