الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 64

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

الأَْيَّامِ وَلَوْ قَلَّتْ مُدَّةُ الزِّيَادَةِ بِغَيْرِ شَرْطٍ. (١) (ر: سَلَمٌ)

. د - قَبْضُ الْمَرْهُونِ:

٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي الرَّهْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ نَوْعِ الشَّرْطِ. هَل هُوَ شَرْطُ لُزُومٍ أَوْ شَرْطُ تَمَامٍ؟ فَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْقَبْضُ لَيْسَ شَرْطَ صِحَّةٍ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرْطُ لُزُومِ الرَّهْنِ، فَلاَ يَتِمُّ الرَّهْنُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ (٣) فَقَدْ عَلَّقَهُ ﷾ بِالْقَبْضِ، فَلاَ يَتِمُّ إِلاَّ بِهِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَتِمُّ الرَّهْنُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ، أَوِ الْحَوْزِ، وَهُوَ شَرْطُ تَمَامٍ وَلَيْسَ شَرْطَ صِحَّةٍ أَوْ لُزُومٍ، فَإِذَا عُقِدَ الرَّهْنُ بِالْقَوْل (الإِْيجَابِ وَالْقَبُول) لَزِمَ الْعَقْدُ، وَأُجْبِرَ الرَّاهِنُ عَلَى إِقْبَاضِهِ لِلْمُرْتَهِنِ بِالْمُطَالَبَةِ بِهِ، فَإِنْ تَرَاضَى الْمُرْتَهِنُ فِي الْمُطَالَبَةِ بِهِ، أَوْ رَضِيَ بِتَرْكِهِ فِي يَدِ الرَّاهِنِ بَطَل

_________

(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ١٩٥، ١٩٦ ط دار الفكر، والمنتقى على الموطأ ٤ / ٣٠٠ ط السعادة بمصر، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ١٧٧ وما بعدها ط دار القلم - بيروت - لبنان.

(٢) الدر المختار ٥ / ٣٠٨ وما بعدها، والبدائع ٦ / ١٣٧ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ١٢٨ والمهذب ١ / ٣١٢ وما بعدها، وكشاف القناع ٣ / ٣٣٠ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٤ / ٣٦٤ وما بعدها ط الرياض.

(٣) سورة البقرة / ٢٨٣.

الرَّهْنُ. وَدَلِيلُهُمْ قِيَاسُ الرَّهْنِ عَلَى سَائِرِ الْعُقُودِ الْمَالِيَّةِ اللاَّزِمَةِ بِالْقَوْل. (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، (٢) وَالرَّهْنُ عَقْدٌ فَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ.

(ر: رَهْنٌ) .

هـ - تَسْلِيمُ الْمَرْهُونِ:

٩ - لِلْمُرْتَهِنِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - مَا عَدَا الشَّافِعِيَّةَ - حَقُّ الْحَبْسِ الدَّائِمِ لِلْمَرْهُونِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ؛ لِيَضْطَرَّ الْمَدِينُ إِلَى تَسْلِيمِ دَيْنِهِ، لِيَتَمَكَّنَ مِنَ اسْتِرْدَادِ الْمَرْهُونِ لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِ وَالاِنْتِفَاعِ بِهِ، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَيْضًا عِنْدَ حُلُول أَجَل الدَّيْنِ الْمُطَالَبَةُ بِدَيْنِهِ مَعَ بَقَاءِ الرَّهْنِ تَحْتَ يَدِهِ، وَعَلَى الْمُرْتَهِنِ تَسْلِيمُ الْمَرْهُونِ لِصَاحِبِهِ، إِمَّا بِانْتِهَاءِ أَجَل الدَّيْنِ، أَوْ بِانْتِهَاءِ عَقْدِ الرَّهْنِ. وَانْتِهَاءُ الدَّيْنِ يَكُونُ بِأَسْبَابٍ كَالإِْبْرَاءِ مِنَ الدَّيْنِ أَوْ هِبَتِهِ، أَوْ وَفَاءِ الدَّيْنِ، أَوْ شِرَاءِ سِلْعَةٍ مِنَ الرَّاهِنِ بِالدَّيْنِ، أَوْ إِحَالَةِ الرَّاهِنِ الْمُرْتَهِنَ عَلَى غَيْرِهِ.

وَانْقِضَاءُ عَقْدِ الرَّهْنِ أَوِ انْتِهَاؤُهُ يَكُونُ بِأَسْبَابٍ كَالإِْبْرَاءِ وَالْهِبَةِ وَوَفَاءِ الدَّيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، كَالْبَيْعِ الْجَبْرِيِّ الصَّادِرِ مِنَ الرَّاهِنِ بِأَمْرِ الْقَاضِي، أَوْ مِنَ الْقَاضِي إِذَا أَبَى الرَّاهِنُ الْبَيْعَ. (٣) وَالتَّفْصِيل فِي (رَهْنٌ) .

_________

(١) بداية المجتهد ٢ / ٢٧١، والشرح الصغير ٣ / ٣١٣.

(٢) سورة المائدة / ١.

(٣) البدائع ٦ / ١٤٢ وما بعدها، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩٧ وما بعدها، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ٢١٣، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٢٨ وما بعدها.

وَالشَّافِعِيَّةُ مَعَ الْجُمْهُورِ فِي اشْتِرَاطِ اسْتِدَامَةِ الْقَبْضِ، لَكِنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ يَتَخَلَّفُ هَذَا الشَّرْطُ لِمَانِعٍ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَرْهُونُ مُصْحَفًا وَالْمُرْتَهِنُ كَافِرٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ. (١)

مَا يَتِمُّ بِهِ تَسْلِيمُ الْمَرْهُونِ:

١٠ - يُسَلِّمُ الرَّاهِنُ الدَّيْنَ أَوَّلًا، ثُمَّ يُسَلِّمُ الْمُرْتَهِنُ الْمَرْهُونَ؛ لأَِنَّ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ يَتَعَيَّنُ بِتَسْلِيمِ الدَّيْنِ، وَحَقُّ الرَّاهِنِ مُتَعَيِّنٌ فِي تَسَلُّمِ الْمَرْهُونِ، فَيَتِمُّ التَّسْلِيمُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ تَحْقِيقًا لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ. وَإِذَا سَلَّمَ الرَّاهِنُ بَعْضَ الدَّيْنِ يَظَل الْمَرْهُونُ كُلُّهُ رَهْنًا بِحَالِهِ عَلَى مَا بَقِيَ مِنَ الدَّيْنِ بِلاَ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّ الرَّهْنَ كُلَّهُ وَثِيقَةٌ بِالدَّيْنِ كُلِّهِ، وَهُوَ مَحْبُوسٌ بِكُل الْحَقِّ، وَالْحَبْسُ بِالدَّيْنِ الَّذِي هُوَ مُوجِبُ الرَّهْنِ لاَ يَتَجَزَّأُ، فَيَكُونُ مَحْبُوسًا بِكُل جُزْءٍ مِنَ الدَّيْنِ لاَ يَنْفَكُّ مِنْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَقْضِيَ جَمِيعَ الدَّيْنِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الرَّهْنُ مِمَّا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ أَمْ لاَ يُمْكِنُ. (٢) ر: (رَهْنٌ) .

و تَسْلِيمُ ثَمَنِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الْبَيْعِ:

١١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرْهُونَ يَظَل مِلْكًا

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ٢٦٣.

(٢) الدر المختار ٥ / ٣٠٩، والبدائع ٦ / ١٥٣، وبداية المجتهد ٢ / ٢٩٨ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ١٤١، والمغني لابن قدامة ٤ / ٣٧٤ وما بعدها.

لِلرَّاهِنِ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ لِلْمُرْتَهِنِ، كَمَا دَلَّتِ السُّنَّةُ لاَ يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ (١) وَلَكِنْ تَعَلَّقَ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ بِعَيْنِ الرَّهْنِ، فَاسْتَحَقَّ الْمُرْتَهِنُ حَبْسَهُ وَثِيقَةً بِالدَّيْنِ إِلَى أَنْ يُوَفِّيَ الدَّيْنَ، وَلاَ يَجُوزُ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الرَّهْنِ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهِ إِلاَّ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، فَيُعْتَبَرُ مُتَنَازِلًا عَنْ حَقِّهِ فِي حَبْسِ الرَّهْنِ.

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَبِيعَ الرَّهْنَ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَهَذَا يُسَمَّى الْبَيْعُ الاِخْتِيَارِيُّ بَعْدَ الإِْذْنِ، وَحِينَئِذٍ فَالْمُرْتَهِنُ أَوْلَى وَأَحَقُّ بِثَمَنِ الْمَرْهُونِ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ الدَّائِنِينَ، حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ، حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا. وَيَثْبُتُ هَذَا الْحَقُّ لِلْمُرْتَهِنِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ. (٢)

وَإِذَا لَمْ يَتِمَّ الْبَيْعُ لِلْمَرْهُونِ اخْتِيَارِيًّا، وَحَل أَجَل الدَّيْنِ طَالَبَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ بِوَفَاءِ الدَّيْنِ، فَإِنِ اسْتَجَابَ وَوَفَّى سُلِّمَ الْمَرْهُونُ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَجِبْ لِمَطْلٍ أَوْ إِعْسَارٍ، رُفِعَ أَمْرُهُ إِلَى الْقَاضِي. وَيَطْلُبُ الْقَاضِي أَوَّلًا مِنَ الرَّاهِنِ

_________

(١) حديث: " لا يغلق الرهن من صاحبه " أخرجه الشافعي (بدائع المنن ٢ / ١٨٩ - ط دار الأنوار) من حديث سعيد بن المسيب مرسلا وصحح أبو داود والدارقطني إرساله. (التلخيص لابن حجر ٣ / ٣٦ - ط شركة الطباعة الفنية) .

(٢) البدائع ٦ / ١٥٣، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ٢٤٤، ومغني المحتاج ٢ / ١٣٤، والمغني مع الشرح الكبير ٤ / ٤٥٠ وما بعدها.

الْحَاضِرِ بَيْعَ الْمَرْهُونِ، فَإِنِ امْتَثَل تَمَّ الْمَقْصُودُ، وَإِنِ امْتَنَعَ بَاعَهُ الْقَاضِي عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَصَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ، بِدُونِ حَاجَةٍ إِلَى إِجْبَارِهِ بِحَبْسٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ تَهْدِيدٍ، وَيُسَلَّمُ مَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ دَيْنِهِ.

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَبِيعَ الرَّهْنَ بِيَدِ الْمُرْتَهِنِ مِنْ غَيْرِ رِضَا الرَّاهِنِ، لَكِنَّهُ يَحْبِسُ الرَّاهِنَ حَتَّى يَبِيعَهُ بِنَفْسِهِ. وَإِذَا وُجِدَ فِي مَال الْمَدِينِ الرَّاهِنِ مَالٌ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، وَفَّى الدَّيْنَ مِنْهُ، وَلاَ حَاجَةَ حِينَئِذٍ إِلَى الْبَيْعِ جَبْرًا. (١)

وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (رَهْنٌ) .

ز - تَسْلِيمُ الْمَال لِلْمَحْجُورِ عَلَيْهِ:

١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ لاَ يُسَلَّمُ إِلَيْهِ مَالُهُ إِلاَّ بَعْدَ مَعْرِفَةِ رُشْدِهِ، وَذَلِكَ بِاخْتِبَارِ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ فِي التَّصَرُّفَاتِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ (٢) أَيِ اخْتَبِرُوهُمْ، وَاخْتِبَارُ الصَّغِيرِ الْمُمَيِّزِ يَحْصُل بِتَفْوِيضِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي يَتَصَرَّفُ فِيهَا أَمْثَالُهُ إِلَيْهِ؛ لِيُتَبَيَّنَ مَدَى إِدْرَاكِهِ وَحُسْنُ تَصَرُّفِهِ. (٣)

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي (حَجْرٌ) .

_________

(١) البدائع ٦ / ١٤٨ وما بعدها، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٢٥١، والقوانين الفقهية ص ٢١٢ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ١٣٤، وكشاف القناع ٣ / ٣٣٠.

(٢) سورة النساء / ٦.

(٣) رد المحتار على الدر المختار ٥ / ٩٥، والبدائع ٧ / ١٩٣ وما بعدها، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٩٤ وما بعدها، وكشاف القناع ٣ / ٤٤٣ - ٤٤٥، والمغني ٤ / ٥٠٥ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ١٦٩، ١٧٠.

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَمْوَال الصَّغِيرِ لاَ تُسَلَّمُ إِلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ رَاشِدًا؛ (١) لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ دَفْعَ الْمَال إِلَيْهِ عَلَى شَرْطَيْنِ هُمَا الْبُلُوغُ وَالرُّشْدُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾، (٢) وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ عَلَى شَرْطَيْنِ لاَ يَثْبُتُ بِدُونِهِمَا، فَإِذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ رَشِيدًا مُصْلِحًا لِلْمَال، وَجَبَ دَفْعُ مَالِهِ إِلَيْهِ وَفَكُّ الْحَجْرِ عَنْهُ. وَإِذَا دَفَعَ إِلَيْهِ مَالَهُ أَشْهَدَ عِنْدَ الدَّفْعِ. (٣) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ (٤)

وَفِي هَذِهِ الْمَسَائِل تَفْصِيلاَتٌ مَوْطِنُهَا بَابُ الْحَجْرِ.

ح - التَّسْلِيمُ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ:

١٣ - الْكَفَالَةُ تَكُونُ بِالنَّفْسِ، وَتَكُونُ بِالْفِعْل،

_________

(١) البدائع ٧ / ١٧٠، وبداية المجتهد ٢ / ٣٠٢ وما بعدها، والمغني ٤ / ٥٠٦ وما بعدها، والمهذب ١ / ٣٣٥ وما بعدها.

(٢) سورة النساء / ٦.

(٣) تبيين الحقائق ٥ / ١٩٥، والبدائع ٧ / ١٧٠ وما بعدها، وبداية المجتهد ٢ / ٣٠٢ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ١٦٦، ١٧٠، والمهذب ١ / ٣٣٥ وما بعدها، والمغني ٤ / ٥٠٦، ٥١٦، ٥١٧ وما بعدها، وكشاف القناع ٣ / ٤٤٣ - ٤٤٥.

(٤) سورة النساء / ٧.

وَالْمُرَادُ بِالْفِعْل الْمَكْفُول بِهِ فِعْل التَّسْلِيمِ، وَعَلَى هَذَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِنَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ، وَتُسَمَّى الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ كَمَا تُسَمَّى الْكَفَالَةَ بِالْوَجْهِ: وَهِيَ الْتِزَامُ إِحْضَارِ الْمَكْفُول إِلَى الْمَكْفُول لَهُ لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا؛ ذَلِكَ لأَِنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ كَفَالَةٌ بِالْفِعْل، وَهُوَ تَسْلِيمُ النَّفْسِ، وَفِعْل التَّسْلِيمِ مَضْمُونٌ عَلَى الأَْصِيل فَجَازَتِ الْكَفَالَةُ بِهِ.

وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ جَوَازَ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ إِذَا كَانَتْ بِسَبَبِ الْمَال؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﵊: الزَّعِيمُ غَارِمٌ (١) وَهَذَا يَشْمَل الْكَفَالَةَ بِنَوْعَيْهَا؛ وَلأَِنَّ مَا وَجَبَ تَسْلِيمُهُ بِعَقْدٍ وَجَبَ تَسْلِيمُهُ بِعَقْدِ الْكَفَالَةِ كَالْمَال؛ وَلأَِنَّ الْكَفِيل يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِ الأَْصِيل، بِأَنْ يُعْلِمَ مَنْ يَطْلُبُهُ مَكَانَهُ فَيُخَلِّي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، أَوْ يَسْتَعِينُ بِأَعْوَانِ الْقَاضِي فِي التَّسْلِيمِ. (٢)

وَإِذَا اشْتَرَطَ الأَْصِيل فِي الْكَفَالَةِ تَسْلِيمَ الْمَكْفُول بِهِ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ لَزِمَ الْكَفِيل إِحْضَارَ الْمَكْفُول بِهِ إِذَا طَالَبَهُ بِهِ فِي الْوَقْتِ، وَفَاءً بِمَا الْتَزَمَهُ

_________

(١) حديث: " الزعيم غارم " أخرجه أحمد (٥ / ٢٩٣ ط الميمنية) وقال الهيثمي في المجمع (٤ / ١٤٥ - ط القدسي) " رجاله ثقات ".

(٢) البدائع ٦ - ٨ وما بعدها، والمبسوط ١٩ / ١٦٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٤٤ - ٤٣٦، ومغني المحتاج ٢ / ٢٠٣ وما بعدها، والمهذب ١ / ٣٤٩ - ٣٥١، والمغني ٤ / ٥٥٦، ٥٥٧، وكشاف القناع ٣ / ٦٢.

كَالدَّيْنِ الْمُؤَجَّل، فَإِنْ أَحْضَرَهُ فَبِهَا، وَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ لاِمْتِنَاعِهِ عَنْ إِيفَاءِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَحْضَرَهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُطَالِبِ بِهِ فِي مَوْضِعٍ يَقْدِرُ عَلَى إِحْضَارِهِ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ، مِثْل أَنْ يَكُونَ فِي مِصْرٍ مِنَ الأَْمْصَارِ بَرِئَ مِنَ الْكَفَالَةِ؛ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ يَتَحَقَّقُ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمَكْفُول بِنَفْسِهِ وَالْمَكْفُول لَهُ؛ وَلأَِنَّهُ أَتَى بِمَا الْتَزَمَهُ وَحَصَل الْمَقْصُودُ مِنَ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ، وَهُوَ إِمْكَانُ الْمُحَاكَمَةِ عِنْدَ الْقَاضِي. (١)

وَيَتَعَيَّنُ مَحَل التَّسْلِيمِ بِالتَّعْيِينِ، وَإِنْ أُطْلِقَ وَلَمْ يُعَيَّنْ، وَجَبَ التَّسْلِيمُ فِي مَكَانِ الْكَفَالَةِ؛ لأَِنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِي ذَلِكَ. (٢)

ط - التَّسْلِيمُ فِي الْوَكَالَةِ:

١٤ - الْوَكَالَةُ بِأَجْرٍ (بِجُعْلٍ) حُكْمُهَا حُكْمُ الإِْجَارَاتِ، فَيَسْتَحِقُّ الْوَكِيل الْجُعْل بِتَسْلِيمِ مَا وُكِّل فِيهِ إِلَى الْمُوَكِّل - إِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ - كَثَوْبٍ يَخِيطُهُ فَمَتَى سَلَّمَهُ مَخِيطًا فَلَهُ الأَْجْرُ. وَإِنْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعٍ، وَقَال: إِذَا بِعْتَ الثَّوْبَ وَقَبَضْتَ ثَمَنَهُ وَسَلَّمْتَهُ إِلَيَّ فَلَكَ الأَْجْرُ، لَمْ يَسْتَحِقَّ مِنَ الأُْجْرَةِ شَيْئًا حَتَّى يُسَلِّمَهُ إِلَيْهِ. فَإِنْ فَاتَ التَّسْلِيمُ لَمْ يَسْتَحِقَّ شَيْئًا لِفَوَاتِ الشَّرْطِ.

_________

(١) البدائع ٦ / ١٠ - ١٢، والمبسوط ١٩ / ١٦٥، ١٦٦، ١٧٥، والدر المختار ٤ / ٢٥٣، ٢٥٦، وما بعدها، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٤٩، والمغني لابن قدامة ٤ / ٥٥٧.

(٢) كفاية الأخيار ١ / ١٧٣.

وَالْوَكِيل فِي بَيْعِ شَيْءٍ يَمْلِكُ تَسْلِيمَهُ لِلْمُشْتَرِي؛ لأَِنَّ إِطْلاَقَ الْوَكَالَةِ فِي الْبَيْعِ يَقْتَضِي التَّسْلِيمَ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْوَكِيل فِي الْبَيْعِ طَلَبُ الثَّمَنِ مِنَ الْمُشْتَرِي وَقَبْضُهُ؛ لأَِنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الْبَيْعِ، وَكَذَا الْوَكِيل بِالشِّرَاءِ، لَهُ قَبْضُ الْمَبِيعِ مِنَ الْبَائِعِ وَتَسْلِيمُهُ لِمَنْ وَكَّلَهُ بِالشِّرَاءِ، وَهَذَا بِلاَ خِلاَفٍ.

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمَقْبُوضَ فِي يَدِ الْوَكِيل يُعْتَبَرُ أَمَانَةً؛ لأَِنَّ يَدَهُ يَدُ نِيَابَةٍ عَنِ الْمُوَكِّل، وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الْمَقْبُوضِ عِنْدَ طَلَبِ الْمُوَكِّل مَعَ الإِْمْكَانِ، وَيَضْمَنُ بِالتَّعَدِّي أَوِ التَّقْصِيرِ كَمَا يَضْمَنُ فِي الْوَدَائِعِ، وَيَبْرَأُ بِمَا يَبْرَأُ فِيهَا. (١) (ر: وَكَالَةٌ) .

ي - التَّسْلِيمُ فِي الإِْجَارَةِ:

١٥ - إِذَا كَانَ الْعَمَل يَجْرِي فِي عَيْنٍ تُسَلَّمُ لِلأَْجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، كَانَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ بَعْدَ قِيَامِهِ بِالْعَمَل فِيهَا. وَإِنْ كَانَ الْعَمَل لاَ يَجْرِي فِي عَيْنٍ تُسَلَّمُ لِلأَْجِيرِ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ قِيَامِهِ بِالْعَمَل الْمَطْلُوبِ يُعْتَبَرُ تَسْلِيمًا كَالطَّبِيبِ أَوِ السِّمْسَارِ. وَإِنْ كَانَ الأَْجِيرُ خَاصًّا كَانَ تَسْلِيمُ نَفْسِهِ لِلْعَمَل فِي مَحَل

_________

(١) البدائع ٦ / ٣٤، وتكملة فتح القدير ٦ / ٢، والشرح الصغير ٣ / ٥٠٧، ٥١٩، والدسوقي ٣ / ٣٨١، ٣٩٧، ومغني المحتاج ٢ / ٢٣٠ وما بعدها، والجمل على شرح المنهج ٣ / ٤٢٤، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٦، والمغني لابن قدامة ٥ / ١٩٤ وما بعدها، وكشاف القناع ٣ / ٤٨٠، ٤٨٤، ٤٨٩.

الْعَمَل تَسْلِيمًا مُعْتَبَرًا، (١) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (إِجَارَةٌ) .

ك - تَسْلِيمُ اللُّقَطَةِ (٢):

١٦ - لِلإِْمَامِ، أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ، أَنْ يَتَسَلَّمَ اللُّقَطَةَ مِنَ الْمُلْتَقِطِ إِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٣)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُبَاحُ لِلْمُلْتَقِطِ أَنْ يَدْفَعَ اللُّقَطَةَ لِلإِْمَامِ إِنْ كَانَ عَدْلًا، وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي ذَلِكَ. (٤)

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّ الْمُلْتَقِطَ إِنْ دَفَعَ اللُّقَطَةَ إِلَى الْقَاضِي لَزِمَ الْقَاضِيَ الْقَبُول حِفْظًا لَهَا عَلَى صَاحِبِهَا. (٥) وَالتَّفْصِيل فِي (لُقَطَةٌ) .

ل - تَسْلِيمُ اللَّقِيطِ (٦) لِلْقَاضِي:

١٧ - يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَتَسَلَّمَ اللَّقِيطَ مِنْ مُلْتَقِطِهِ إِذَا عَلِمَ عَجْزَهُ عَنْ حِفْظِهِ بِنَفْسِهِ وَأَتَى بِهِ إِلَيْهِ،

_________

(١) الفتاوى الهندية ٤ / ٤١٣، ٤٣٧، ٤٣٨، ومنهاج الطالبين وحاشية القليوبي وعميرة ٣ / ٧٨، ٧٩، وكشاف القناع ٤ / ١٤.

(٢) اللقطة لغة: اسم للمال الملتقط، وشرعا: مال يوجد ولا يعرف مالكه وليس بمباح كمال الحربي (حاشية الطحطاوي ٢ / ٥٠٠) .

(٣) المبسوط للسرخسي ١١ / ٤، ٥ ط السعادة بمصر.

(٤) مواهب الجليل للحطاب ٦ / ٧٣ ط النجاح - ليبيا.

(٥) مغني المحتاج ٢ / ٤١١، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٣٤، ٤٣٥.

(٦) اللقيط لغة: ما يلقط مطلقا، وشرعا: اسم لحي مولود من صغار بني آدم طرحه أهله خوفا من العيلة، أو فرارا من تهمة الزنا (حاشية الطحطاوي ٢ / ٤٩٧) .