الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
عَلَى الْعَرَبِيَّةِ، وَلاَ يَكْفِي الْخُرُوجُ بِالنِّيَّةِ وَلاَ بِمُرَادِفِهَا مِنْ لُغَةٍ أُخْرَى، وَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنِ الْعَرَبِيَّةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ بِالنِّيَّةِ قَطْعًا، وَإِنْ أَتَى بِمُرَادِفِهَا بِالْعَجَمِيَّةِ صَحَّ عَلَى الأَْظْهَرِ، قِيَاسًا عَلَى الدُّعَاءِ بِالْعَجَمِيَّةِ لِلْقَادِرِ عَلَى الْعَرَبِيَّةِ. وَالأَْفْضَل كَوْنُ السَّلاَمِ مُعَرَّفًا بِأَل. (١) لِخَبَرِ تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ (٢) فَقَوْلُهُ: تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ أَيْ لاَ يَخْرُجُ مِنَ الصَّلاَةِ إِلاَّ بِهِ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ مِنْ صَلاَتِهِ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَْيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَْيْسَرِ. (٣)
وَلِحَدِيثِ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَال: كُنْتُ أَرَى النَّبِيَّ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى
_________
(١) حاشية الدسوقي ١ / ٢٤٠ وما بعدها، والشرح الصغير ١ / ٣١٥، ٣٢١، ومغني المحتاج ١ / ١٧٧، ١٧٨ وما بعدها، وحاشية الباجوري ١ / ١٦٣، ١٦٤ ط الحلبي بمصر، وكشاف القناع ١ / ٣٨٨ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٥١ - ٥٥٨.
(٢) حديث: " تحريمها التكبير. . . " أخرجه الترمذي (١ / ٩ - ط الحلبي) من حديث علي بن أبي طالب ﵁، وصححه ابن حجر في الفتح (٢ / ٣٢٢ - ط السلفية) .
(٣) حديث: " كان يسلم من صلاته عن يمينه يقول:. . . ". أخرجه النسائي (٣ / ٦٤ - ط المكتبة التجارية) من حديث ابن مسعود ﵁.
أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ (١) وَلأَِنَّهُ ﷺ كَانَ يُدِيمُ ذَلِكَ وَلاَ يُخِل بِهِ وَقَال: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي. (٢)
وَأَقَل مَا يُجْزِئُ فِي التَّسْلِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ قَوْلُهُ: " السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ " مَرَّةً عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَمَرَّتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَمَا سَبَقَ، وَأَكْمَلُهُ " السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " يَمِينًا وَشِمَالًا مُلْتَفِتًا فِي الأُْولَى حَتَّى يُرَى خَدُّهُ الأَْيْمَنُ، وَفِي الثَّانِيَةِ حَتَّى يُرَى خَدُّهُ الأَْيْسَرُ، نَاوِيًا السَّلاَمَ عَمَّنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ مِنْ مَلاَئِكَةٍ وَإِنْسٍ وَصَالِحِ الْجِنِّ.
وَيَنْوِي الإِْمَامُ أَيْضًا - زِيَادَةً عَلَى مَا سَبَقَ - السَّلاَمُ عَلَى الْمُقْتَدِينَ، وَهُمْ يَنْوُونَ الرَّدَّ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَنْوِيهِ الْمُقْتَدُونَ عَنْ يَمِينِ الإِْمَامِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِالتَّسْلِيمَةِ الثَّانِيَةِ، وَعَنْ يَسَارِهِ بِالتَّسْلِيمَةِ الأُْولَى. (٣) وَلِحَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ ﵁ قَال: أَمَرَنَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ نَرُدَّ عَلَى
_________
(١) حديث سعد: " كنت أرى النبي ﷺ. . . ". أخرجه مسلم (١ / ٤٠٩ - ط الحلبي) .
(٢) المغني لابن قدامة ١ / ٥٥٨ - ٥٥٩، ومراقي الفلاح ص ١٤٩، ١٥٠. وحديث: " صلوا كما رأيتموني أصلي " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ١١١ - ط السلفية) من حديث مالك بن الحويرث.
(٣) مغني المحتاج ١ / ١٧٨.
الإِْمَامِ، وَأَنْ نَتَحَابَّ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ (١)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: الْخُرُوجُ مِنَ الصَّلاَةِ بِلَفْظِ السَّلاَمِ لَيْسَ فَرْضًا، بَل هُوَ وَاجِبٌ. لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا عَلَّمَ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ التَّشَهُّدَ قَال لَهُ: إِذَا قُلْتَ هَذَا فَقَدْ قَضَيْتَ صَلاَتَكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ (٢) فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِالْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاَةِ بِالسَّلاَمِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْفَرْضَ فِي آخِرِ الصَّلاَةِ هُوَ الْقُعُودُ بِمِقْدَارِ التَّشَهُّدِ عِنْدَهُمْ. (٣) لِخَبَرِ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا أَحْدَثَ - يَعْنِي الرَّجُل - وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرِ صَلاَتِهِ قَبْل أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ جَازَتْ صَلاَتُهُ. (٤) وَالْوَاجِبُ عِنْدَهُمْ تَسْلِيمَتَانِ: الأُْولَى عَنْ يَمِينِهِ، فَيَقُول: " السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " وَيُسَلِّمُ عَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ؛ لِمَا
_________
(١) حديث سمرة بن جندب: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نرد على الإمام. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٦٠٩ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وإسناده ضعيف (ميزان الاعتدال للذهبي ٢ / ١٢٨ - ط الحلبي) .
(٢) حديث: " إذا قلت هذا فقد. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٥٩٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) .
(٣) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٣١٤، ٣٥٢ - ٣٥٦، ٥ / ٤٦٧، والبدائع ١ / ١١٣، ١٦٣ الطبعة الأولى، وفتح القدير ١ / ٢٧٥ - ٢٨٠، وتبيين الحقائق ١ / ١٠٤، ١٠٦، ١٢٤، ١٢٦ ط دار المعرفة.
(٤) حديث: " إذا أحدث - يعني الرجل - وقد جلس. . . ". أخرجه الترمذي (٢ / ٢٦١ - ط الحلبي) وقال: هذا حديث ليس إسناده بالقوي، وقد اضطربوا في إسناده.
رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ خَدِّهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ خَدِّهِ. (١) وَيَنْوِي فِي التَّسْلِيمَةِ الأُْولَى التَّسْلِيمَ عَلَى مَنْ عَلَى يَمِينِهِ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالْحَفَظَةِ، وَكَذَلِكَ فِي الثَّانِيَةِ.
وَأَقَل مَا يُجْزِئُ فِي لَفْظِ السَّلاَمِ مَرَّتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ " السَّلاَمُ " دُونَ قَوْلِهِ " عَلَيْكُمْ ". وَأَكْمَلُهُ وَهُوَ السُّنَّةُ أَنْ يَقُول: " السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " مَرَّتَيْنِ. وَتَنْقَضِي الصَّلاَةُ بِالسَّلاَمِ الأَْوَّل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (صَلاَةٌ) .
ج - التَّسْلِيمُ بِمَعْنَى التَّمْكِينِ مِنَ الْقَبْضِ:
٤ - التَّسْلِيمُ، أَوِ الْقَبْضُ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: التَّخْلِيَةُ أَوِ التَّخَلِّي، وَهُوَ أَنْ يُخَلِّيَ الْبَائِعُ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالْمُشْتَرِي بِرَفْعِ الْحَائِل بَيْنَهُمَا عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ الْمُشْتَرِي مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، بِحَيْثُ لاَ يُنَازِعُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَهَذَا يَحْصُل بِالتَّخْلِيَةِ، فَيُجْعَل الْبَائِعُ مُسَلِّمًا لِلْمَبِيعِ وَالْمُشْتَرِي قَابِضًا لَهُ، فَكَانَتِ التَّخْلِيَةُ تَسْلِيمًا مِنَ الْبَائِعِ، وَالتَّخَلِّي قَبْضًا مِنَ الْمُشْتَرِي. وَكَذَا هَذَا فِي تَسْلِيمِ الثَّمَنِ إِلَى
_________
(١) حديث: " كان يسلم عن يمينه حتى يبدوا. . . " أخرجه النسائي (٣ / ٦٣ ط المكتبة التجارية) من حديث ابن مسعود وإسناده صحيح (الفتوحات الربانية ٣ / ٢٠ - ط المنيرية) .
الْبَائِعِ؛ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ وَاجِبٌ، وَمَنْ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ سَبِيل الْخُرُوجِ مِنْ عُهْدَةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَالَّذِي فِي وُسْعِهِ هُوَ التَّخْلِيَةُ وَرَفْعُ الْمَوَانِعِ. (١)
وَالْقَبْضُ يَتِمُّ بِطَرِيقِ التَّخْلِيَةِ، وَهِيَ أَنْ يَتَمَكَّنَ الْمُشْتَرِي مِنَ الْمَبِيعِ بِلاَ مَانِعٍ - أَيْ بِأَنْ يَكُونَ مُفْرَزًا وَلاَ حَائِل - فِي حَضْرَةِ الْبَائِعِ مَعَ الإِْذْنِ لَهُ بِالْقَبْضِ (٢) .
فَقَبْضُ الْعَقَارِ عِنْدَ الْجَمِيعِ - كَالأَْرْضِ وَمَا فِيهَا مِنْ بِنَاءٍ وَنَخْلٍ وَنَحْوِهِمَا - يَكُونُ بِالتَّخْلِيَةِ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَبَيْنَ الْمُشْتَرِي وَتَمْكِينِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَذَلِكَ بِتَسْلِيمِ الْمَفَاتِيحِ إِنْ وُجِدَتْ بِشَرْطِ الْفَرَاغِ مِنَ الأَْمْتِعَةِ، إِنْ كَانَ شِرَاءُ الْعَقَارِ لِلسَّكَنِ - عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ - وَقَبْضُ الْمَنْقُول كَالأَْمْتِعَةِ، وَالأَْنْعَامُ وَالدَّوَابُّ بِحَسَبِ الْعُرْفِ الْجَارِي بَيْنَ النَّاسِ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ، فَالثَّوْبُ قَبْضُهُ بِاحْتِيَازِهِ، وَالْحَيَوَانُ بِتَمْشِيَتِهِ مِنْ مَكَانِهِ، وَقَبْضُ الْمَوْزُونِ بِوَزْنِهِ، وَقَبْضُ الْمَكِيل بِكَيْلِهِ، إِذَا بِيعَا كَيْلًا وَوَزْنًا. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ: تَفْرِيغُهُ فِي أَوْعِيَةِ الْمُشْتَرِي، حَتَّى لَوْ هَلَكَ قَبْل التَّفْرِيغِ فِي أَوْعِيَةِ
_________
(١) البدائع ٥ / ٢٤٤.
(٢) من قواعد الحنفية: التخلية بين المشتري والمبيع قبض، إذ يعد ذلك قبضا، وإن لم يتم القبض حقيقة، فإذا هلك المبيع بعد التخلية يهلك على المشتري (ر: الفوائد البهية في القواعد الفقهية ص ٦٣، وبدائع الصنائع ٥ / ٢٤٤ - الطبعة الأولى، ورد المحتار ٤ / ٤٣ ط بيروت. لبنان) .
الْمُشْتَرِي كَانَ الضَّمَانُ عَلَى الْبَائِعِ عِنْدَهُمْ. (١)
وَهَذَا: لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا بِعْتَ فَكِل، وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَل (٢) وَعَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُجْرَى فِيهِ الصَّاعَانِ: صَاعُ الْبَائِعِ وَصَاعُ الْمُشْتَرِي. (٣) وَإِنْ بِيعَ جُزَافًا فَقَبْضُهُ نَقْلُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَبْضُهُ بِالتَّخْلِيَةِ. (٤) (ر: قَبْضٌ) .
التَّسْلِيمُ فِي الْعُقُودِ يَشْمَل مَا يَلِي:
أ - التَّسْلِيمُ فِي الْبَيْعِ:
٥ - التَّسْلِيمُ فِي الْبَيْعِ يَكُونُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْبَيْعِ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِذَلِكَ. (٥)
_________
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ١٤٤، ونهاية المحتاج ٤ / ٩٠ - ٩٥ ط المكتبة الإسلامية، والمغني لابن قدامة مع الشرح الكبير ٤ / ٢٢٠ وما بعدها ط مطبعة المنار بمصر.
(٢) حديث: " إذا بعت فكل. . . " أخرجه البخاري (الفتح - ٤ / ٣٤٤ - ط السلفية) من حديث عثمان ﵁.
(٣) حديث: " نهى عن بيع الطعام حتى. . . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٧٤١ - ط الحلبي) وقال عبد الحق الأشبيلي: إسناده لا يحتج به (نصب الراية ٤ / ١٥ - ط المجلس العلمي) .
(٤) المغني والشرح الكبير ٤ / ٢٢٠ ط المنار بمصر.
(٥) البدائع ٥ / ٢٤٣ وما بعدها، ورد المحتار على الدر المختار ٤ / ٤٢ - ٤٣ وما بعدها، والمبسوط للسرخسي ١٣ / ١٩٢ وما بعدها، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ١٦٤.
وَمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْلِيمُ أَوَّلًا، يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ نَوْعِ الْبَدَلَيْنِ، وَهُوَ كَالآْتِي: إِنْ كَانَ الْبَيْعُ بَيْعَ عَيْنٍ بِعَيْنٍ، وَاخْتَلَفَا فِيمَنْ يُسَلِّمُ أَوَّلًا، يَجِبُ عَلَى الْعَاقِدَيْنِ التَّسْلِيمُ مَعًا تَحْقِيقًا لِلْمُسَاوَاةِ فِي الْمُعَاوَضَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْمُسَاوَاةِ عَادَةً الْمَطْلُوبَةِ بَيْنَ الْعَاقِدَيْنِ؛ إِذْ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِالتَّقْدِيمِ أَوْلَى مِنَ الآْخَرِ، فَيُجْعَل بَيْنَهُمَا عَدْلٌ يَقْبِضُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا وَيُسَلِّمُ الآْخَرَ.
وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ إِنْ تَبَايَعَا دَيْنًا بِدَيْنٍ، كَمَا فِي عَقْدِ الصَّرْفِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَأَحَدِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيَّةِ. (١)
وَإِنْ كَانَ بَيْعَ عَيْنٍ بِدَيْنٍ، فَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٢) تَسْلِيمُ الثَّمَنِ - أَيِ الدَّيْنِ أَوَّلًا - وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وُجُوبُ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ أَوَّلًا، وَاسْتَثْنَى الْجَمِيعُ مِنْ ذَلِكَ أَمْرَيْنِ: (٣)
أَوَّلُهُمَا: الْمُسْلَمُ فِيهِ لأَِنَّهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ. وَالثَّانِي: الثَّمَنُ الْمُؤَجَّل، فَإِنْ كَانَ عَيْنًا أَوْ
_________
(١) الدر المختار ٤ / ٤٢، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٤٧، والمغني مع الشرح الكبير ٤ / ٢٧٠.
(٢) البدائع ٥ / ٢٤٣، وابن عابدين ٤ / ٤٢، ٤٣، والمبسوط للسرخسي ١٣ / ٢٩٢، والقوانين الفقهية لابن جزي ص ١٦٤.
(٣) نهاية المحتاج ٤ / ١٠٠، ١٠١، ومغني المحتاج ٢ / ٧٤، والدر المختار ٤ / ٤٣، والمغني مع الشرح الكبير ٤ / ٢٧٠ ط المنار بمصر.
عَرَضًا بِعَرَضٍ جُعِل بَيْنَهُمَا عَدْلٌ - عِنْدَ الْجُمْهُورِ -، فَيَقْبِضُ مِنْهُمَا، ثُمَّ يُسَلِّمُ إِلَيْهِمَا، وَهَذَا قَوْل الثَّوْرِيِّ وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، لأَِنَّ تَسْلِيمَ الْمَبِيعِ يَتَعَلَّقُ بِهِ اسْتِقْرَارُ الْبَيْعِ وَتَمَامُهُ، فَكَانَ تَقْدِيمُهُ أَوْلَى، سِيَّمَا مَعَ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ، وَتَعَلُّقِ حَقِّ الْبَائِعِ بِالذِّمَّةِ، وَتَقْدِيمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ أَوْلَى لِتَأَكُّدِهِ. وَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمَا يُسَلَّمَانِ مَعًا. (١)
ب - تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ
٦ - تَسْلِيمُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ حَرَامٌ؛ لأَِنَّ " عَقْدَ الرِّبَا حَرَامٌ. (٢)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (رِبًا) .
ج - التَّسْلِيمُ فِي السَّلَمِ:
٧ - اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الثَّمَنَ فِي السَّلَمِ إِنْ كَانَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ - سَوَاءٌ أَكَانَ عَيْنًا (سِلْعَةً مُعَيَّنَةً) أَمْ نُقُودًا - فَلاَ بُدَّ مِنْ
_________
(١) الدسوقي ٣ / ١٤٧، والمغني والشرح الكبير ٤ / ٢٧٠، والدر المختار ٤ / ٤٢.
(٢) البدائع ٥ / ١٨٣، وابن عابدين ٤ / ١٨٤، والمبسوط للسرخسي ١٢ / ١٠٩، ١١٢ ط دار المعرفة - بيروت لبنان، وفتح القدير ٦ / ١٤٦ وما بعدها، والموافقات للشاطبي ٤ / ٤٢ ط المكتبة التجارية بمصر، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٧ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ٢١ وما بعدها، والمغني لابن قدامة ٤ / ١ ط الرياض.
تَسْلِيمِهِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ قَبْل التَّفَرُّقِ، وَلَوْ طَال الْمَجْلِسُ. وَإِذَا قَامَا مِنَ الْمَجْلِسِ يَمْشِيَانِ، ثُمَّ قَبَضَ الْمُسْلَمُ إِلَيْهِ رَأْسَ السَّلَمِ بَعْدَ مَسَافَةٍ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ إِنْ لَمْ يَتَفَرَّقَا. وَكَذَا إِذَا تَعَاقَدَا ثُمَّ قَامَ رَبُّ السَّلَمِ - الْمُشْتَرِي - لِيُحْضِرَ الثَّمَنَ مِنْ دَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يَغِبْ شَخْصُهُ عَنِ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ - الْبَائِعِ - يَصِحُّ وَإِلاَّ فَلاَ؛ لأَِنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ فِي الذِّمَّةِ، فَلَوْ أُخِّرَ تَسْلِيمُ رَأْسِ مَال السَّلَمِ عَنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ لَكَانَ التَّسْلِيمُ فِي مَعْنَى مُبَادَلَةِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَقَدْ نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ (١) وَلأَِنَّ تَسْمِيَةَ هَذَا الْعَقْدِ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ، فَإِنَّهُ يُسَمَّى سَلَمًا وَسَلَفًا، وَالسَّلَمُ يُنْبِئُ عَنِ التَّسْلِيمِ، وَالسَّلَفُ يُنْبِئُ عَنِ التَّقَدُّمِ، فَيَقْتَضِي لُزُومَ تَقْدِيمِ رَأْسِ الْمَال، وَيُقَدَّمُ قَبْضُهُ عَلَى قَبْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ؛ وَلأَِنَّ فِي السَّلَمِ غَرَرًا - أَيْ تَعْرِيضًا لِلْهَلاَكِ أَوْ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ - فَلاَ يُضَمُّ إِلَيْهِ غَرَرُ تَأْخِيرِ رَأْسِ الْمَال.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَقُومُ مَقَامَ الْقَبْضِ مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ، كَمَا إِذَا كَانَ عِنْدَ الْمُسْلَمِ إِلَيْهِ أَمَانَةٌ أَوْ عَيْنٌ مَغْصُوبَةٌ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَجْعَلَهَا صَاحِبُ السَّلَمِ رَأْسَ مَالٍ مَا دَامَتْ مِلْكًا لَهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْقَبْضِ.
_________
(١) حديث: " نهى عن بيع الكالئ بالكالئ " أخرجه الدارقطني (٣ / ٧١ - ط دار المحاسن) وأعله الشافعي كما في التلخيص (٣ / ٢٦ - ط شركة الطباعة الفنية) .
وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ أَنْ يَكُونَ قَبْضُ رَأْسِ الْمَال فِي الْمَجْلِسِ قَبْضًا حَقِيقِيًّا، فَلاَ تَنْفَعُ فِيهِ الْحَوَالَةُ، وَلَوْ قَبَضَهُ مِنَ الْمُحَال عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ، لأَِنَّ الْمُحَال عَلَيْهِ مَا دَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ إِلاَّ إِذَا قَبَضَهُ رَبُّ السَّلَمِ وَسَلَّمَهُ بِنَفْسِهِ لِلْمُسْلَمِ إِلَيْهِ. (١)
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ اشْتِرَاطُ قَبْضِ رَأْسِ الْمَال كُلِّهِ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ قَبْضِهِ إِلَى ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَأَقَل، وَلَوْ بِشَرْطٍ فِي الْعَقْدِ سَوَاءٌ أَكَانَ رَأْسُ الْمَال عَيْنًا أَوْ دَيْنًا؛ لأَِنَّ السَّلَمَ مُعَاوَضَةٌ لاَ يَخْرُجُ بِتَأْخِيرِ قَبْضِ رَأْسِ الْمَال عَنْ أَنْ يَكُونَ سَلَمًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَأَخَّرَ إِلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ، وَكُل مَا قَارَبَ الشَّيْءَ يُعْطَى حُكْمَهُ، وَلاَ يَكُونُ لَهُ بِذَلِكَ حُكْمُ الْكَالِئِ، فَإِنْ أَخَّرَ رَأْسَ الْمَال عَنْ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ: فَإِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ بِشَرْطٍ فَسَدَ السَّلَمُ اتِّفَاقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ التَّأْخِيرُ كَثِيرًا جِدًّا، بِأَنْ حَل أَجَل الْمُسْلَمِ فِيهِ، أَوْ لَمْ يَكْثُرْ جِدًّا بِأَنْ لَمْ يَحِل أَجَلُهُ. وَإِنْ كَانَ التَّأْخِيرُ بِلاَ شَرْطٍ فَقَوْلاَنِ فِي الْمُدَوَّنَةِ الْكُبْرَى لِمَالِكٍ بِفَسَادِ السَّلَمِ وَعَدَمِ فَسَادِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ التَّأْخِيرُ كَثِيرًا جِدًّا أَمْ لاَ. وَالْمُعْتَمَدُ الْفَسَادُ بِالزِّيَادَةِ عَنِ الثَّلاَثَةِ
_________
(١) البدائع ٥ / ٢٠٢ - ٢٠٣ - الطبعة الأولى، ورد المحتار على الدر المختار ٤ / ٢٠٨ ط بيروت - لبنان، ومغني المحتاج ٢ / ١٠٢ - ١٠٣، والمهذب ١ / ٣٠٤، ٣٠٧، والمغني لابن قدامة ٤ / ٣٢٨، وكشاف القناع ٣ / ٣٠٤ ط الرياض، وغاية المنتهى ٢ / ٧٩.