الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
عَنْهُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِ هُوَ السِّعْرُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ النَّاسِ، فَإِذَا انْفَرَدَ عَنْهُمُ الْوَاحِدُ أَوِ الْعَدَدُ الْيَسِيرُ بِحَطِّ السِّعْرِ، أُمِرَ مَنْ حَطَّهُ بِاللَّحَاقِ بِسِعْرِ النَّاسِ أَوْ تَرَكَ الْبَيْعَ، وَإِنْ زَادَ فِي السِّعْرِ وَاحِدٌ أَوْ عَدَدٌ يَسِيرٌ لَمْ يُؤْمَرِ الْجُمْهُورُ بِاللَّحَاقِ بِسِعْرِهِ، أَوِ الاِمْتِنَاعِ مِنَ الْبَيْعِ؛ لأَِنَّ مَنْ بَاعَ بِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ لَيْسَ بِالسِّعْرِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَلاَ بِمَا تُقَامُ بِهِ الْمَبِيعَاتُ، وَإِنَّمَا يُرَاعِي فِي ذَلِكَ حَال الْجُمْهُورِ وَمُعْظَمَ النَّاسِ (١) .
مُخَالَفَةُ التَّسْعِيرِ
أ - حُكْمُ الْبَيْعِ مَعَ مُخَالَفَةِ التَّسْعِيرِ:
٢٤ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ - فِي الأَْصَحِّ - إِلَى أَنَّ مَنْ خَالَفَ التَّسْعِيرَ صَحَّ بَيْعُهُ؛ إِذْ لَمْ يُعْهَدِ الْحَجْرُ عَلَى الشَّخْصِ فِي مِلْكِهِ أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنٍ مُعَيَّنٍ. وَلَكِنْ إِذَا سَعَّرَ الإِْمَامُ وَخَافَ الْبَائِعُ أَنْ يُعَزِّرَهُ الإِْمَامُ لَوْ نَقَصَ عَمَّا سَعَّرَهُ، فَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَحِل لِلْمُشْتَرِي الشِّرَاءُ بِمَا سَعَّرَهُ الإِْمَامُ؛ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُكْرِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُول: بِعْنِي بِمَا تُحِبُّ، لِيَصِحَّ الْبَيْعُ (٢) .
وَصِحَّةُ الْبَيْعِ مَعَ مُخَالَفَةِ التَّسْعِيرِ مُتَبَادَرٌ مِنْ
_________
(١) المنتقى شرح الموطأ ٥ / ١٧.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٢٦٥، والاختيار ٤ / ١٦١، والفتاوى الهندية ٣ / ٢١٤، والهداية ٤ / ٩٣، وأسنى المطالب ٢ / ٣٨، ومطالب أولي النهى ٣ / ٦٢، ونهاية المحتاج ٣ / ٤٧٣ ط مصطفى البابي، وروضة الطالبين ٣ / ٤١١ - ٤١٢، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨ ط مصطفى البابي الحلبي.
كَلاَمِ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا؛ لأَِنَّهُمْ يَقُولُونَ: وَمَنْ زَادَ فِي سِعْرٍ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ أُمِرَ بِإِلْحَاقِهِ بِسِعْرِ النَّاسِ، فَإِنْ أَبَى أُخْرِجَ مِنَ السُّوقِ (١) .
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بُطْلاَنُ الْبَيْعِ. لَكِنْ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِنْ هَدَّدَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ الْمُخَالِفَ لِلتَّسْعِيرِ بَطَل الْبَيْعُ؛ لأَِنَّهُ صَارَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ لِنَوْعِ مَصْلَحَةٍ؛ وَلأَِنَّ الْوَعِيدَ إِكْرَاهٌ. (٢)
ب - عُقُوبَةُ الْمُخَالِفِ:
٢٥ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الإِْمَامَ لَهُ أَنْ يُعَزِّرَ مَنْ خَالَفَ التَّسْعِيرَ الَّذِي رَسَمَهُ؛ لِمَا فِيهِ مُجَاهَرَةُ الإِْمَامِ بِالْمُخَالَفَةِ.
وَسُئِل أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ مُتَوَلِّي الْحِسْبَةِ إِذَا سَعَّرَ الْبَضَائِعَ بِالْقِيمَةِ، وَتَعَدَّى بَعْضُ السُّوقِيَّةِ، فَبَاعَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْقِيمَةِ، هَل لَهُ أَنْ يُعَزِّرَهُ عَلَى ذَلِكَ؟ فَأَجَابَ: إِذَا تَعَدَّى السُّوقِيُّ وَبَاعَ بِأَكْثَرَ مِنَ الْقِيمَةِ يُعَزِّرُهُ عَلَى ذَلِكَ. (٣)
وَأَمَّا قَدْرُ التَّعْزِيرِ، وَكَيْفِيَّتُهُ، فَمُفَوَّضٌ إِلَى الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ، وَقَدْ يَكُونُ الْحَبْسَ أَوِ الضَّرْبَ،
_________
(١) القوانين الفقهية ص ٢٦٠.
(٢) أسنى المطالب ٢ / ٣٨، ومطالب أولي النهى ٣ / ٦٢، وكشاف القناع ٣ / ١٨٧ ط عالم الكتب.
(٣) الفتاوى الأنقروية ١ / ١٤٧ ط آستانة، والقوانين الفقهية ص ٢٦٠، وأسنى المطالب ٢ / ٣٨، وروضة الطالبين ٣ / ٤١١، ٤١٢، والقليوبي ٢ / ١٨٦، وحاشية الجمل ٣ / ٩٣، ومغني المحتاج ٢ / ٣٨.
أَوِ الْعُقُوبَةَ الْمَالِيَّةَ، أَوِ الطَّرْدَ مِنَ السُّوقِ وَغَيْرَ ذَلِكَ. (١)
هَذَا كُلُّهُ فِي الْحَالاَتِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا التَّسْعِيرُ. أَمَّا حَيْثُ لاَ يَجُوزُ التَّسْعِيرُ عِنْدَ مَنْ لاَ يَرَاهُ فَلاَ عُقُوبَةَ عَلَى مُخَالِفِ التَّسْعِيرِ. (٢)
تَسَلُّمٌ
انْظُرْ: تَسْلِيمٌ
_________
(١) القوانين الفقهية ص ٢٦٠.
(٢) مطالب أولي النهى ٣ / ٦٢، وكشاف القناع ٣ / ١٨٧.
تَسْلِيفٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي التَّسْلِيفِ فِي اللُّغَةِ: التَّقْدِيمُ، وَهُوَ مَصْدَرُ سَلَّفَ. يُقَال: سَلَّفْتَ إِلَيْهِ وَتَسَلَّفَ مِنْهُ كَذَا وَاسْتَسْلَفَ: اقْتَرَضَ أَوْ أَخَذَ السَّلَفَ، وَالسَّلَفُ: الْقَرْضُ وَالسَّلَمُ. (١)
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: مَنْ أَسْلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. (٢) وَالسَّلَفُ فِي الْمُعَامَلاَتِ: الْقَرْضُ الَّذِي لاَ مَنْفَعَةَ فِيهِ لِلْمُقْرِضِ غَيْرِ الأَْجْرِ وَالشُّكْرِ، وَعَلَى الْمُقْتَرِضِ رَدُّهُ كَمَا أَخَذَهُ.
وَالسَّلَفُ: نَوْعٌ مِنَ الْبُيُوعِ يُعَجَّل فِيهِ الثَّمَنُ وَتُضْبَطُ السِّلْعَةُ بِالْوَصْفِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب، والصحاح، ومحيط المحيط، ومعجم متن اللغة مادة: " سلف ".
(٢) حديث: " من أسلف فليسلف. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٢٩ - ط السلفية) من حديث ابن عباس ﵄.
اللُّغَوِيِّ الْمُتَقَدِّمِ. فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ السَّلَفَ أَوِ السَّلَمَ: بَيْعُ شَيْءٍ مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ، يَتَقَدَّمُ فِيهِ رَأْسُ الْمَال، وَيَتَأَخَّرُ الْمُثَمَّنُ لأَِجَلٍ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - السَّلَفُ جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ. أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢) قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَشْهَدُ أَنَّ السَّلَفَ الْمَضْمُونَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَدْ أَحَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَأَذِنَ فِيهِ، ثُمَّ قَرَأَ الآْيَةَ (٣) .
وَأَمَّا السَّلَفُ الَّذِي بِمَعْنَى السَّلَمِ فَقَدْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ، فَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ، السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلاَثَ، فَقَال: مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. (٤)
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ، فَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ
_________
(١) المغني لابن قدامة ٤ / ٣٠٤، ٣٠٥، والمبدع في شرح المقنع ٤ / ١٧٧، والمبسوط ١٢ / ١٢٤، وفتح القدير ٥ / ٣٢٣.
(٢) سورة البقرة / ٢٨٢.
(٣) أثر ابن عباس: أشهد أن السلف المضمون. أخرجه الحاكم (٢ / ٢٨٦ ط دائرة المعارف العثمانية)، وصححه ووافقه الذهبي. رواه الشافعي والطبراني والبيهقي. (نصب الراية ٤ / ٤٤) .
(٤) حديث: " قدم المدينة وهم يسلفون. . . " تقدم تخريجه (ف / ١) .
نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّلَمَ جَائِزٌ، وَلأَِنَّ الْمُثَمَّنَ فِي الْبَيْعِ أَحَدُ عِوَضَيِ الْعَقْدِ فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ فِي الذِّمَّةِ كَالثَّمَنِ؛ وَلأَِنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَيْهِ - لأَِنَّ أَرْبَابَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَالتِّجَارَاتِ يَحْتَاجُونَ إِلَى النَّفَقَةِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَوْ عَلَى الزُّرُوعِ وَنَحْوِهَا حَتَّى تَنْضَجَ - فَجُوِّزَ لَهُمُ السَّلَمُ دَفْعًا لِلْحَاجَةِ.
وَقَدِ اسْتُثْنِيَ عَقْدُ السَّلَمِ مِنْ قَاعِدَةِ عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ الْمَعْدُومِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةٍ لِلنَّاسِ، رُخْصَةً لَهُمْ وَتَيْسِيرًا عَلَيْهِمْ (١) .
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (سَلَمٌ) .
٣ - وَالسَّلَفُ - بِمَعْنَى الْقَرْضِ - ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ فِي آيَةِ الْمُدَايَنَةِ السَّابِقَةِ، وَبِالسُّنَّةِ فِيمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ أَقْرَضَ مَرَّتَيْنِ كَانَ لَهُ مِثْل أَجْرِ أَحَدِهِمَا لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ (٢) .
وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْقَرْضِ، وَهُوَ قُرْبَةٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، مُبَاحٌ لِلْمُقْتَرِضِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: مَنْ
_________
(١) المبسوط ١٢ / ١٢٤ ط السعادة بمصر، وفتح القدير ٦ / ٢٠٤ - ٢٠٦ ط بيروت / لبنان، ورد المحتار ٤ / ٢٠٢، وبداية المجتهد ٢ / ٢١٧، ومغني المحتاج ٢ / ١٠٢ ط بيروت / لبنان، والمغني لابن قدامة ٤ / ٣٠٤، ٣٠٥ ط الرياض، والمبدع في شرح المقنع ٤ / ٧٧ ط المكتب الإسلامي.
(٢) حديث: " من أقرض مرتين. . . " أخرجه ابن حبان في صحيحه (ص ٢٨١ - موارد الظمآن - ط السلفية) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ. . وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ. (١) وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (قَرْضٌ) .
_________
(١) الدر المختار ٤ / ١٧٩، وحاشية الدسوقي ٣ / ٣٢٢، والمغني لابن قدامة ٤ / ٣٤٦ - ٣٤٨ ط الرياض، ومغني المحتاج ٢ / ١١٧، والمهذب ١ / ٣٠٩، ٣١٠. وحديث أبي هريرة: " من نفس عن مؤمن كربة. . . " أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٧٤ - ط الحلبي) مرفوعا.
تَسْلِيمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي التَّسْلِيمِ فِي اللُّغَةِ: التَّوْصِيل، يُقَال سَلَّمَ الْوَدِيعَةَ لِصَاحِبِهَا: إِذَا أَوْصَلَهَا فَتَسَلَّمَ ذَلِكَ، وَأَسْلَمَ إِلَيْهِ الشَّيْءَ: دَفَعَهُ. وَمِنْهُ السَّلَمُ، وَتَسَلَّمَ الشَّيْءَ: قَبَضَهُ وَتَنَاوَلَهُ. وَسَلَّمْتُ إِلَيْهِ الشَّيْءَ فَتَسَلَّمَهُ: أَيْ أَخَذَهُ. وَسَلَّمَ الشَّيْءَ لِفُلاَنٍ: أَيْ خَلَّصَهُ. وَسَلَّمَهُ إِلَيْهِ: أَعْطَاهُ إِيَّاهُ. وَسَلَّمَ الأَْجِيرُ نَفْسَهُ لِلْمُسْتَأْجِرِ: مَكَّنَهُ مِنْ مَنْفَعَةِ نَفْسِهِ حَيْثُ لاَ مَانِعَ. وَالتَّسْلِيمُ بَذْل الرِّضَى بِالْحُكْمِ.
وَالتَّسْلِيمُ: السَّلاَمُ، وَسَلَّمَ الْمُصَلِّي: خَرَجَ مِنَ الصَّلاَةِ بِقَوْلِهِ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ. وَسَلَّمَ عَلَى الْقَوْمِ: حَيَّاهُمْ بِالسَّلاَمِ، وَسَلَّمَ: أَلْقَى التَّحِيَّةَ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ: قَال لَهُ: سَلاَمٌ عَلَيْكَ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَى التَّسْلِيمِ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ عَنِ الْمَعَانِي الْمَذْكُورَةِ.
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب المحيط، ومعجم متن اللغة والصحاح مادة: " سلم ".
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّسْلِيمِ بِاخْتِلاَفِ أَنْوَاعِهِ. (١)
أ - التَّسْلِيمُ بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ:
٢ - ابْتِدَاءُ السَّلاَمِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ: أَفْشُوا السَّلاَمَ بَيْنَكُمْ (٢) وَيُسْتَحَبُّ مُرَاعَاةُ صِيغَةِ الْجَمْعِ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا، أَخْذًا بِالنَّصِّ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ؛ وَلأَِنَّهُ يَقْصِدُ مَعَ الْوَاحِدِ الْمَلاَئِكَةَ. (٣)
وَيَجِبُ الرَّدُّ إِنْ كَانَ السَّلاَمُ عَلَى وَاحِدٍ. وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى جَمَاعَةٍ فَالرَّدُّ فِي حَقِّهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَإِنْ رَدَّ أَحَدُهُمْ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ رَدَّ الْجَمِيعُ كَانُوا مُؤَدِّينَ لِلْفَرْضِ، سَوَاءٌ رَدُّوا مَعًا أَوْ مُتَعَاقِبِينَ، فَإِنِ امْتَنَعُوا كُلُّهُمْ أَثِمُوا لِخَبَرِ؛ حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلاَمِ. . . (٤)
وَيُشْتَرَطُ فِي ابْتِدَاءِ السَّلاَمِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِقَدْرِ مَا يَحْصُل بِهِ الإِْسْمَاعُ، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الرَّدُّ
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٤٦٩، وابن عابدين ٥ / ٢٦٥، ومواهب الجليل ٣ / ٣٤٨، وحاشية الجمل ٥ / ١٨٤ - ١٨٨، وكشاف القناع ٢ / ١٥٢، ١٥٣.
(٢) حديث: " أفشوا السلام بينكم ". أخرجه مسلم (١ / ٧٤ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) الأذكار ص ٢١٨، والجمل ٥ / ١٨٤.
(٤) حديث: " حق المسلم على المسلم خمس رد السلام. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١١٢ - ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٧٠٥ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁.
مُتَّصِلًا بِالسَّلاَمِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى صِيغَةِ ابْتِدَاءِ السَّلاَمِ فِي الرَّدِّ أَفْضَل، وَيُسَنُّ ابْتِدَاءُ السَّلاَمِ عِنْدَ الإِْقْبَال وَالاِنْصِرَافِ، (١) لِخَبَرِ: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلاَمِ (٢) وَلِقَوْلِهِ ﷺ: إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ أَوْ حَجَرٌ، ثُمَّ لَقِيَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ (٣) (ر: سَلاَمٌ وَتَحِيَّةٌ) .
ب - التَّسْلِيمُ لِلْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاَةِ:
٣ - التَّسْلِيمَةُ الأُْولَى لِلْخُرُوجِ مِنَ الصَّلاَةِ حَال الْقُعُودِ فَرْضٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ فَرْضِيَّةَ الثَّانِيَةِ أَيْضًا إِلاَّ فِي صَلاَةِ جِنَازَةٍ وَنَافِلَةٍ؛ لأَِنَّ الْجُزْءَ الأَْخِيرَ مِنَ الْجُلُوسِ الَّذِي يُوقَعُ فِيهِ السَّلاَمُ فَرْضٌ.
وَلاَ بُدَّ مِنْ نُطْقِ: " السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ " بِالْعَرَبِيَّةِ بِتَقْدِيمِ " السَّلاَمِ " وَتَأْخِيرِ " عَلَيْكُمْ " وَهَذَا لِلْقَادِرِ
_________
(١) فتح القدير ٥ / ٤٦٩ وما بعدها ط دار صادر، ورد المحتار على الدر المختار ٥ / ٢٦٥ وما بعدها، ومواهب الجليل ٣ / ٣٤٨ ط دار الفكر، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ١٨٤ - ١٨٨، وكشاف القناع ٢ / ١٥٢ - ١٥٤.
(٢) حديث: " إن أولى الناس بالله. . . " أخرجه أبو داود (٥ / ٣٨٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي أمامة ﵁ وحسنه ابن حجر كما في الفتوحات (٥ / ٣٢٧ - ط المنيرية) .
(٣) حديث: " إذا لقي أحدكم. . . " أخرجه أبو داود (٥ / ٣٨١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه ابن حجر كما في الفتوحات الربانية (٥ / ٣١٨ - ط المنيرية)