الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
تَظَاهَرَتْ بِهِ الأَْخْبَارُ، وَاسْتَقَرَّتْ مَعْرِفَتُهُ فِي قَلْبِ الشَّاهِدِ، وَهُوَ مَا يُعْلَمُ بِالاِسْتِفَاضَةِ. (١)
وَالتَّفْصِيل لِمَا سَبَقَ فِي مُصْطَلَحِ (شَهَادَةٌ) .
تَسَبُّبٌ
انْظُرْ: سَبَبٌ
_________
(١) المغني لابن قدامة ٩ / ١٦١ ط الرياض.
تَسْبِيحٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - مِنْ مَعَانِي التَّسْبِيحِ فِي اللُّغَةِ: التَّنْزِيهُ. تَقُول: سَبَّحْتُ اللَّهَ تَسْبِيحًا: أَيْ نَزَّهْتُهُ تَنْزِيهًا.
وَيَكُونُ بِمَعْنَى الذِّكْرِ وَالصَّلاَةِ. يُقَال: فُلاَنٌ يُسَبِّحُ اللَّهَ: أَيْ يَذْكُرُهُ بِأَسْمَائِهِ، نَحْوُ: سُبْحَانَ اللَّهِ. وَهُوَ يُسَبِّحُ أَيْ يُصَلِّي السُّبْحَةَ وَهِيَ النَّافِلَةُ.
وَسُمِّيَتِ الصَّلاَةُ ذِكْرًا لاِشْتِمَالِهَا عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (١) أَيِ اذْكُرُوا اللَّهَ. وَيَكُونُ بِمَعْنَى التَّحْمِيدِ، نَحْوُ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ (٢) وَسُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ. أَيِ الْحَمْدُ لِلَّهِ. (٣)
وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ هَذِهِ الْمَعَانِي، فَقَدْ عَرَّفَهُ الْجُرْجَانِيُّ بِأَنَّهُ: تَنْزِيهُ الْحَقِّ عَنْ نَقَائِصِ الإِْمْكَانِ وَالْحُدُوثِ (٤) .
_________
(١) سورة الروم / ١٧.
(٢) سورة الزخرف / ١٣.
(٣) لسان العرب والصحاح وطلبة الطلبة، والنهاية لابن الأثير مادة: " سبح " وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ص ١٤٢. وذكر الفيومي في المصباح أن السبحة هي الصلاة فريضة كانت أو نافلة.
(٤) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ١٥٣ دار الإيمان، والتعريفات للجرجاني " تسبيح "، والفواكه الدواني ١ / ٢١١ ط دار المعرفة، ونيل المآرب بشرح دليل الطالب ١ / ٤٥ م الفلاح.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الذِّكْرُ:
٢ - الذِّكْرُ مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الصَّلاَةُ لِلَّهِ وَالدُّعَاءُ إِلَيْهِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ. فَفِي الْحَدِيثِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى (١) . وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ قَوْلٌ سِيقَ لِثَنَاءٍ أَوْ دُعَاءٍ وَقَدْ يُسْتَعْمَل شَرْعًا لِكُل قَوْلٍ يُثَابُ قَائِلُهُ، فَالذِّكْرُ شَامِلٌ لِلدُّعَاءِ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّسْبِيحِ (٢) .
ب - التَّهْلِيل:
٣ - هُوَ قَوْل لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ: يُقَال: هَلَّل الرَّجُل أَيْ مِنَ الْهَيْلَلَةِ، مِنْ قَوْل لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ (٣) وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنْ هَذَا. (٤) فَالتَّسْبِيحُ أَعَمُّ مِنَ التَّهْلِيل؛ لأَِنَّ التَّسْبِيحَ تَنْزِيهُ اللَّهِ ﷿ عَنْ كُل نَقْصٍ.
أَمَّا التَّهْلِيل فَهُوَ تَنْزِيهُهُ عَنِ الشَّرِيكِ.
_________
(١) حديث: " كان النبي ﷺ إذا حز به أمر. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٧٨ ط عبيد الدعاس)، وأحمد عن ذريعة (٥ / ٣٨٨ ط المكتب الإسلامي) وقال السبكي في المنهل: العذب إسناده حسن (٧ / ٢٤٨ ط المكتبة الإسلامية) .
(٢) لسان العرب ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ١ / ٥٢٨.
(٣) المصباح المنير، ولسان العرب، ومختار الصحاح مادة: " هلل ".
(٤) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٣٩٨.
ج - التَّقْدِيسُ:
٤ - مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ تَنْزِيهُ اللَّهِ ﷿ عَنْ كُل مَا لاَ يَلِيقُ بِهِ.
وَالتَّقْدِيسُ: التَّطْهِيرُ وَالتَّبْرِيكُ. وَتَقَدَّسَ أَيْ تَطَهَّرَ، وَفِي التَّنْزِيل ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ (١) قَال الزَّجَّاجُ: مَعْنَى نُقَدِّسُ لَكَ: أَيْ نُطَهِّرُ أَنْفُسَنَا لَكَ، وَكَذَلِكَ نَفْعَل بِمَنْ أَطَاعَكَ، وَالأَْرْضُ الْمُقَدَّسَةُ أَيِ الْمُطَهَّرَةُ. (٢)
وَمَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيُّ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا.
وَالتَّقْدِيسُ أَخَصُّ مِنَ التَّسْبِيحِ؛ لأَِنَّهُ تَنْزِيهٌ مَعَ تَبْرِيكٍ وَتَطْهِيرٍ (٣) .
حِكْمَةُ مَشْرُوعِيَّةِ التَّسْبِيحِ:
٥ - حِكْمَةُ التَّسْبِيحِ اسْتِحْضَارُ الْعَبْدِ عَظَمَةَ الْخَالِقِ، لِيَمْتَلِئَ قَلْبُهُ هَيْبَةً فَيَخْشَعَ وَلاَ يَغِيبَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ هُوَ مَقْصُودُ الذَّاكِرِ، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الصَّلاَةِ أَمْ فِي غَيْرِهَا، فَيَحْرِصُ عَلَى تَحْصِيلِهِ، وَيَتَدَبَّرُ مَا يَذْكُرُ، وَيَتَعَقَّل مَعْنَاهُ، فَالتَّدَبُّرُ فِي الذِّكْرِ مَطْلُوبٌ، كَمَا هُوَ مَطْلُوبٌ فِي الْقِرَاءَةِ لاِشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمَعْنَى الْمَقْصُودِ؛ وَلأَِنَّهُ يُوقِظُ الْقَلْبَ، فَيَجْمَعُ هَمَّهُ إِلَى الْفِكْرِ، وَيَصْرِفُ سَمْعَهُ إِلَيْهِ، وَيَطْرُدُ النَّوْمَ، وَيَزِيدُ النَّشَاطَ. (٤)
_________
(١) سورة البقرة / ٣٠.
(٢) لسان العرب، ومختار الصحاح مادة: " قدس ".
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١ / ٢٧٧.
(٤) كشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٣٣٠ النصر الحديثة، والأذكار للنووي ١٢ - ١٣.
آدَابُ التَّسْبِيحِ:
٦ - آدَابُهُ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الذَّاكِرُ الْمُسَبِّحُ عَلَى أَكْمَل الصِّفَاتِ، فَإِنْ كَانَ جَالِسًا فِي مَوْضِعٍ اسْتَقْبَل الْقِبْلَةَ، وَجَلَسَ مُتَذَلِّلًا مُتَخَشِّعًا بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ مُطْرِقًا رَأْسَهُ، وَلَوْ ذَكَرَ عَلَى غَيْرِ هَذِهِ الأَْحْوَال جَازَ وَلاَ كَرَاهَةَ فِي حَقِّهِ. لَكِنْ إِنْ كَانَ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَانَ تَارِكًا لِلأَْفْضَل، وَالدَّلِيل عَلَى عَدَمِ الْكَرَاهَةِ قَوْل اللَّهِ ﵎: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْل وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُِولِي الأَْلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ﴾ (١)
وَجَاءَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنِّي لأَقْرَأُ حِزْبِيَ، وَأَنَا مُضْطَجِعَةٌ عَلَى السَّرِيرِ.
وَصِيَغُهُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ، كَمَا هُوَ الْحَال فِي تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَدُبُرِ الصَّلَوَاتِ. وَمِنْهَا مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ مَا كَانَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ كَالتَّسْبِيحَاتِ لَيْلًا وَنَهَارًا (٢)
. حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٧ - يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلتَّسْبِيحِ بِحَسَبِ مَوْضِعِهِ وَسَبَبِهِ عَلَى التَّفْصِيل الآْتِي:
_________
(١) سورة آل عمران / ١٩١.
(٢) الأذكار للنووي ١٢، وكشاف القناع ١ / ٣٦٧.
التَّسْبِيحُ عَلَى طُهْرٍ:
٨ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الذِّكْرِ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ لِلْمُحْدِثِ وَالْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَذَلِكَ فِي التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيل وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ وَالصَّلاَةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالدُّعَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. (١)
فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُل أَحْيَانِهِ. (٢)
عَلَى أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ عَلَى طَهَارَةٍ سَوَاءٌ أَكَانَ تَسْبِيحًا أَمْ غَيْرَهُ، أَوْلَى وَأَفْضَل لِحَدِيثِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَحَدُ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، حَتَّى تَيَمَّمَ فَرَدَّ السَّلاَمَ، ثُمَّ قَال: كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلاَّ عَلَى طُهْرٍ. (٣)
_________
(١) الأذكار للنووي ص ١٠، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٤ / ٣١٠، ٣١١ و١٤ / ١٩٧، والاختيار شرح المختار١ / ١٢ ط مصطفى الحلبي ١٩٣٦، وشرح روض الطالب عن أسنى المطالب ١ / ٤٦ المكتبة الإسلامية، وشرح جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين بهامش قليوبي وعميرة ١ / ٤١، وبدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ١ / ١٥١، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل للحطاب ١ / ٤٣٦ - ٤٣٧، ونيل المآرب بشرح دليل الطالب للشيباني ١ / ٢٨.
(٢) حديث: " كان رسول الله ﷺ يذكر الله. . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٨٢ - ط الحلبي) .
(٣) حديث: " كرهت أن أذكر الله إلا على طهر " أخرجه أبو داود (١ / ٢٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ١٦٧ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث المهاجر بن قنفذ ﵁. وصححه ووافقه الذهبي.
التَّوَسُّطُ فِي رَفْعِ الصَّوْتِ فِي التَّسْبِيحِ وَغَيْرِهِ مُسْتَحَبٌّ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١) وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَفْعَلُهُ. فَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ خَرَجَ لَيْلَةً فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ ﵁ يُصَلِّي يَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ. قَال: وَمَرَّ بِعُمَرَ ﵁ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَهُ قَال: فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ قَال: يَا أَبَا بَكْرٍ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي تَخْفِضُ صَوْتَكَ؟ قَال: قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: فَارْفَعْ قَلِيلًا، وَقَال لِعُمَرَ: مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَكَ؟ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: أُوقِظُ الْوَسْنَانَ وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ. قَال: اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا (٢)
وَقَال أَبُو سَعِيدٍ ﵁ اعْتَكَفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ، فَسَمِعَهُمْ يَجْهَرُونَ بِالْقِرَاءَةِ، فَكَشَفَ السِّتْرَ وَقَال: أَلاَ إِنَّ كُلَّكُمْ مُنَاجٍ رَبَّهُ، فَلاَ يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلاَ يَرْفَعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ، أَوْ قَال فِي الصَّلاَةِ (٣) .
_________
(١) سورة الإسراء / ١١٠.
(٢) حديث: " مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٨٢ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٣١٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) حديث: " ألا إن كلكم مناج ربه. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ٨٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والحاكم (١ / ٣١١ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
وَالْمُرَادُ بِالتَّوَسُّطِ أَنْ يَزِيدَ عَلَى أَدْنَى مَا يُسْمِعُ نَفْسَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَبْلُغَ تِلْكَ الزِّيَادَةُ سَمَاعَ مَنْ يَلِيهِ. (١)
مَا يَجُوزُ بِهِ التَّسْبِيحُ:
١٠ - أَجَازَ الْفُقَهَاءُ التَّسْبِيحَ بِالْيَدِ وَالْحَصَى وَالْمَسَابِحِ خَارِجَ الصَّلاَةِ، كَعَدِّهِ بِقَلْبِهِ أَوْ بِغَمْزِهِ أَنَامِلَهُ. أَمَّا فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِهَا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: أَنَّهُ لاَ بَأْسَ بِذَلِكَ فِي الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِل جَمِيعًا مُرَاعَاةً لِسُنَّةِ الْقِرَاءَةِ وَالْعَمَل بِمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ.
فَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ أَنَّهُ دَخَل مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى امْرَأَةٍ، وَبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ، فَقَال: أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَل. فَقَال: سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الأَْرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْل ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْل ذَلِكَ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مِثْل ذَلِكَ، وَلاَ حَوْل وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ مِثْل ذَلِكَ (٢) فَلَمْ يَنْهَهَا
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٢٥٥، وحاشية الجمل على شرح المنهج ١ / ٤٩٦، والأذكار للنووي ص ١٠٠، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٢ / ٢٩، والمغني لابن قدامة ٢ / ١٣٩ ط الرياض الحديثة.
(٢) حديث: سعد بن أبي وقاص: " أخبرك بما هو أيسر عليك. . . " أخرجه أبو داود (٢ / ١٦٩ - ١٧٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) . وفي إسناده جهالة. (ميزان الاعتدال للذهبي ١ / ٦٥٣ - ط الحلبي) .
عَنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا أَرْشَدَهَا إِلَى مَا هُوَ أَيْسَرُ وَأَفْضَل، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَبَيَّنَ لَهَا ذَلِكَ.
وَعَنْ يُسَيْرَةَ الصَّحَابِيَّةِ الْمُهَاجِرَةِ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُنَّ أَنْ يُرَاعِينَ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّقْدِيسِ وَالتَّهْلِيل، وَأَنْ يَعْقِدْنَ بِالأَْنَامِل فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولاَتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ. (١)
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَعْقِدُ التَّسْبِيحَ وَفِي رِوَايَةٍ بِيَمِينِهِ. (٢)
وَنَقَل الطَّحْطَاوِيُّ عَنِ ابْنِ حَجَرٍ قَوْلَهُ: الرِّوَايَاتُ بِالتَّسْبِيحِ بِالنَّوَى وَالْحَصَى كَثِيرَةٌ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي بَعْضِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، بَل رَأَى ذَلِكَ ﷺ وَأَقَرَّ عَلَيْهِ.
وَعَقْدُ التَّسْبِيحِ بِالأَْنَامِل أَفْضَل مِنَ السُّبْحَةِ، وَقِيل: إِنْ أَمِنَ الْغَلَطَ فَهُوَ أَوْلَى، وَإِلاَّ فَهِيَ أَوْلَى. (٣)
_________
(١) حديث يسيرة أن النبي ﷺ أمرهن أن يراعين. . . أخرجه أبو داود (٢ / ١٧٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وحسنه النووي في الأذكار (ص ١٩ - ط الحلبي) . ".
(٢) حديث عبد الله بن عمر: " رأيت رسول الله ﷺ يعقد التسبيح " أخرجه أبو داود (٢ / ١٧٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والترمذي (٥ / ٥٢١ - ط الحلبي) . وحسنه النووي في الأذكار (ص ١٩ - ط الحلبي) .
(٣) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٤٣٧، والهداية ١ / ٦٥ ط الحلبي، والفتاوى الهندية ١ / ١٠٥ - ١٠٦، ومراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي عليه ١٧٢، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٩٦، وقليوبي وعميرة ١ / ١٩٠، والأذكار للنووي ١٩، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ١ / ٢٢٠، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل ١ / ٥٥٢، والتاج والإكليل بهامشه، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٣٦٦، ٣٧٦ ط النصر الحديثة، وحاشية الطحطاوي ص ١٧٢ ط: الثالثة الأميرية ببولاق.
أَوْقَاتُهُ وَمَا يُسْتَحَبُّ مِنْهَا:
١١ - لَيْسَ لِلذِّكْرِ - وَمِنْهُ التَّسْبِيحُ - وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، بَل هُوَ مَشْرُوعٌ فِي كُل الأَْوْقَاتِ. رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُل أَحْيَانِهِ. (١)
وَفِي قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (٢) مَا يَدُل عَلَى اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ فِي جَمِيعِ الأَْحْوَال الَّتِي يَكُونُ عَلَيْهَا الإِْنْسَانُ مِنْ يَوْمِهِ وَلَيْلِهِ.
إِلاَّ أَنَّ أَحْوَالًا مِنْهَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِاسْتِثْنَائِهَا: كَالْخَلاَءِ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَفِي حَالَةِ الْجِمَاعِ، وَفِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ لِمَنْ يَسْمَعُ صَوْتَ الْخَطِيبِ، وَفِي الأَْمَاكِنِ الْمُسْتَقْذَرَةِ وَالدَّنِسَةِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يُكْرَهُ الذِّكْرُ مَعَهُ.
وَلَكِنْ وَرَدَ فِي بَعْضِ الأَْخْبَارِ اسْتِحْبَابُ التَّسْبِيحِ فِي أَوْقَاتٍ خَاصَّةٍ، مِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُل صَلاَةٍ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاَثًا
_________
(١) حديث: " كان يذكر الله على كل أحيانه ". تقدم تخريجه ف / ٨.
(٢) سورة آل عمران / ١٩١.