الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
ثَانِيًا: التَّزَاحُمُ فِي الطَّوَافِ:
٤ - إِذَا مَنَعَتِ الزَّحْمَةُ الطَّائِفَ مِنْ تَقْبِيل الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ أَوِ اسْتِلاَمِهِ اقْتَصَرَ عَلَى الإِْشَارَةِ إِلَيْهِ وَهَذَا مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال لِعُمَرَ: ﵁ يَا عُمَرُ إِنَّك رَجُلٌ قَوِيٌّ، لاَ تُؤْذِ الضَّعِيفَ، إِذَا أَرَدْتَ اسْتِلاَمَ الْحَجَرِ، فَإِنْ خَلاَ لَكَ فَاسْتَلِمْهُ، وَإِلاَّ فَاسْتَقْبِلْهُ وَكَبِّرْ (١)،.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِشَارَةٌ وَطَوَافٌ) .
ثَالِثًا: تَزَاحُمُ الْغُرَمَاءِ فِي مَال الْمُفْلِسِ:
٥ - إِذَا أَقَرَّ الْمَدِينُ الْمُفْلِسُ - بَعْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ - بِدَيْنٍ قَدْ لَزِمَهُ قَبْل الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَهَل يُقْبَل فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ حُجِرَ عَلَيْهِ لِحَقِّهِمْ وَيُزَاحِمُهُمُ الْمُقَرُّ لَهُ فِي الْمَال، أَمْ يَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ؛ لِئَلاَّ يَتَضَرَّرَ الْغُرَمَاءُ بِالْمُزَاحَمَةِ؟
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّهُ لاَ يُقْبَل إِقْرَارُهُ فِي حَقِّ الْغُرَمَاءِ، إِنْ أَقَرَّ فِي حَال الْحَجْرِ؛ لأَِنَّ هَذَا الْحَقَّ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الأَْوَّلِينَ. وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يُقْبَل إِقْرَارُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ.
وَأَظْهَرُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يُقْبَل أَيْضًا فِي حَقِّهِمْ وَيُزَاحِمُهُمْ فِي الْمَال، كَإِقْرَارِ الْمَرِيضِ فِي
_________
(١) حديث: " يا عمر إنك رجل قوي. . . " أخرجه البيهقي (٥ / ٨٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) من طريقين يقوي أحدهما الآخر.
مَرَضِهِ بِدَيْنٍ يُزَاحِمُ غُرَمَاءَ دَيْنِ الصِّحَّةِ. (١)
هَذَا إِذَا أَقَرَّ أَنَّهُ لَزِمَ الدَّيْنُ قَبْل الْحَجْرِ. أَمَّا إِذَا لَزِمَهُ بَعْدَ الْحَجْرِ فَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (تَفْلِيسٌ) .
تَزَاحُمُ الْوَصَايَا:
٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَزَاحَمَتِ الْوَصَايَا نُظِرَ فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى: فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا فَرَائِضٌ كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ، أَوْ كَانَتْ كُلُّهَا وَاجِبَاتٍ كَالْكَفَّارَاتِ وَالنَّذْرِ، وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ، أَوْ كَانَتْ كُلُّهَا تَطَوُّعَاتٍ: كَحَجِّ التَّطَوُّعِ وَالصَّدَقَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ يُبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمُوصِي. وَإِنْ جَمَعَتْ مَا ذُكِرَ كَحَجَّةِ الإِْسْلاَمِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالنَّذْرِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَيُبْدَأُ بِالْفَرْضِ، ثُمَّ بِالْوَاجِبِ، ثُمَّ بِالتَّطَوُّعِ أَمَّا إِذَا جَمَعَتْ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْعِبَادِ فَإِنَّهُ يُقْسَمُ الثُّلُثُ عَلَى جَمِيعِهَا؛ لأَِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ كُلَّهَا لِلَّهِ فِي وَاقِعِ الأَْمْرِ فَكُل وَاحِدَةٍ مِنْهَا مَقْصُودَةٌ فِي نَفْسِهَا فَتَنْفَرِدُ.
فَلَوْ قَال: ثُلُثُ مَالِي فِي الْحَجِّ وَالزَّكَاةِ وَلِزَيْدٍ وَالْكَفَّارَاتِ. قُسِمَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ، وَلاَ يُقَدَّمُ الْفَرْضُ عَلَى حَقِّ الآْدَمِيِّ لِحَاجَتِهِ.
هَذَا إِذَا كَانَ الآْدَمِيُّ مُعَيَّنًا، أَمَّا إِذَا كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلاَ يُقْسَمُ بَل يُقَدَّمُ الأَْقْوَى فَالأَْقْوَى؛ لأَِنَّ
_________
(١) فتح القدير ٨ / ٢٠٨، وروضة الطالبين ٤ / ١٣٢ - ١٣٣، والمغني ٤ / ٤٨٦.
الْكُل يَبْقَى حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى، إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُسْتَحِقٌّ مُعَيَّنٌ. (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يُقَدَّمُ الْوَاجِبُ عَلَى غَيْرِ الْوَاجِبِ سَوَاءٌ كَانَ تَطَوُّعًا لِلَّهِ أَوْ لآِدَمِيٍّ. بَل تَتَزَاحَمُ الْوَصَايَا فَيُوَزَّعُ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ يُكَمَّل الْوَاجِبُ مِنْ صُلْبِ الْمَال، إِنْ لَمْ يَفِ الثُّلُثُ، وَبِهَذَا قَال: أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ. (٢)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: إِنْ أَوْصَى بِأَدَاءِ الْوَاجِبِ مِنَ الثُّلُثِ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ وَصِيَّةٌ غَيْرَ هَذِهِ لَمْ تُفِدِ الْوَصِيَّةُ شَيْئًا وَيُؤَدِّي مِنْ مَالِهِ كُلِّهِ كَمَا لَوْ لَمْ يُوصِ. وَإِنْ أَوْصَى لِجِهَةٍ أُخْرَى قُدِّمَ الْوَاجِبُ، وَإِنْ فَضَل شَيْءٌ مِنَ الثُّلُثِ بَعْدَ الْوَاجِبِ فَهُوَ لِلتَّبَرُّعِ. (٣) (ر: الْوَصِيَّةُ) .
٧ - وَإِنْ أَوْصَى بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ لِشَخْصٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لآِخَرَ، فَالْمُوصَى بِهِ بَيْنَ الْمُوصَى لَهُ بِهِ أَوَّلًا وَالْمُوصَى لَهُ بِهِ ثَانِيًا؛ لِتَعَلُّقِ حَقِّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى السَّوَاءِ، فَوَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكَا كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي الْوَصِيَّةِ.
وَإِنْ أَوْصَى لِشَخْصٍ بِثُلُثِ مَالِهِ ثُمَّ أَوْصَى بِثُلُثِهِ لآِخَرَ فَالثُّلُثُ بَيْنَهُمَا إِنْ لَمْ يُجِزِ الْوَرَثَةُ الثُّلُثَيْنِ، وَإِنْ أَجَازَ الْوَرَثَةُ أَخَذَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثَهُ؛
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٤٢٣ - ٤٢٤.
(٢) مغني المحتاج ٣ / ٦٧، وأسنى المطالب ٣ / ٥٩، والمغني ٦ / ١٢٩.
(٣) المغني ٦ / ١٢٩، ١٣٠.
لِتَغَايُرِهِمَا. وَكَذَا إِنْ أَوْصَى بِكُل مَالِهِ لِشَخْصٍ ثُمَّ أَوْصَى بِهِ لآِخَرَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا لِلتَّزَاحُمِ. (١)
وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْل مَوْتِ الْمُوصِي فَكُل الْمَال لِلآْخَرِ، وَكَذَا إِنْ تَأَخَّرَ مَوْتُهُمَا عَنْ مَوْتِ الْمُوصِي وَرَدَّ أَحَدُهُمَا الْوَصِيَّةَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي لأَِنَّهُ اشْتِرَاكُ تَزَاحُمٍ، وَقَدْ زَال بِمَوْتِ الْمُزَاحِمِ وَرَدِّهِ. (٢)
هَذَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَدُل عَلَى رُجُوعِ الْمُوصِي عَنِ الْوَصِيَّةِ، فَإِنْ وُجِدَ مَا يَدُل عَلَى الرُّجُوعِ عَنِ الْوَصِيَّةِ الأُْولَى، كَأَنْ يَقُول: أَوْصَيْتُ لِفُلاَنٍ بِمَا أَوْصَيْتُ بِهِ لِفُلاَنٍ، فَهُوَ رُجُوعٌ عَنِ الْوَصِيَّةِ لِظُهُورِهِ فِيهِ. (٣)
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (وَصِيَّةٌ) .
خَامِسًا: الْقَتْل بِالزِّحَامِ:
٨ - ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ: أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَزَاحَمَ قَوْمٌ عَلَى بِئْرٍ، أَوْ بَابِ الْكَعْبَةِ، أَوْ فِي الطَّوَافِ، أَوْ فِي مَضِيقٍ، ثُمَّ تَفَرَّقُوا عَلَى قَتِيلٍ لَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ لاَ يَكُونُ ذَلِكَ لَوْثًا، وَهُوَ
_________
(١) مطالب أولي النهى ٤ / ٤٦٠ - ٤٦١، وروض الطالب ٣ / ٦٤، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٢٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ٤٢٩.
(٢) المصادر السابقة.
(٣) طالب أولي النهى ٤ / ٤٦٠ - ٤٦١، وحاشية الدسوقي ٤ / ٤٢٩، وروض الطالب ٤ / ٤٦٠ - ٤٦١، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٧٥.
قَوْل إِسْحَاقَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵄.
ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي دِيَتِهِ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ دِيَتَهُ فِي بَيْتِ الْمَال (١)، وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَال: قُتِل رَجُلٌ فِي زِحَامِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، فَجَاءَ أَهْلُهُ لِعُمَرِ فَقَال: بَيِّنَتُكُمْ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ. فَقَال عَلِيٌّ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ: لاَ يُطَل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِنْ عَلِمْتَ قَاتِلَهُ، وَإِلاَّ فَأَعْطِ دِيَتَهُ مِنْ بَيْتِ الْمَال.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: دَمُهُ هَدَرٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُعْلَمُ لَهُ قَاتِلٌ، وَلاَ وُجِدَ لَوْثٌ فَيُحْكَمَ بِالْقَسَامَةِ، لأَِنَّ أَسْبَابَ الْقَسَامَةِ عِنْدَهُمْ خَمْسَةٌ. وَلَيْسَ فِيهَا التَّفَرُّقُ فِي الزِّحَامِ عَنْ قَتِيلٍ. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ لَوْثًا، وَلاَ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ. وَقَال الْحَسَنُ وَالزُّهْرِيُّ فِيمَنْ مَاتَ فِي الزِّحَامِ: دِيَتُهُ عَلَى مَنْ حَضَرَ لأَِنَّ قَتْلَهُ حَصَل مِنْهُمْ، وَكَذَا لَوْ تَزَاحَمَ قَوْمٌ لاَ يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى الْقَتْل فِي مَضِيقٍ، وَتَفَرَّقُوا عَنْ قَتِيلٍ، فَادَّعَى الْوَلِيُّ الْقَتْل عَلَى عَدَدٍ مِنْهُمْ يُتَصَوَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ فَيُقْبَل، وَيُمَكَّنُ مِنَ الْقَسَامَةِ. (٣)
_________
(١) المغني ٨ / ٦٩، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٠٦.
(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٨٧.
(٣) روضة الطالبين ١٠ / ١١، ١٢، والمغني ٨ / ٦٩.
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٩ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ التَّزَاحُمَ فِي صَلاَةِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ: فِي حَال تَعَذُّرِ مُتَابَعَةِ الْمَأْمُومِ لِلإِْمَامِ فِي انْتِقَالاَتِهِ لِلزَّحْمَةِ.
وَفِي بَابِ التَّفْلِيسِ: إِذَا ظَهَرَ دَيْنٌ بَعْدَ حَجْرِ الْمُفْلِسِ لِلْغُرَمَاءِ أَوْ طَرَأَ الْتِزَامٌ مَالِيٌّ جَدِيدٌ.
وَفِي الطَّوَافِ: إِذَا عَسُرَ عَلَيْهِ اسْتِلاَمُ الْحَجَرِ أَوْ تَقْبِيلُهُ.
تَزْكِيَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّزْكِيَةُ لُغَةً: مَصْدَرُ زَكَّى. يُقَال: زَكَّى فُلاَنٌ فُلاَنًا: إِذَا نَسَبَهُ إِلَى الزَّكَاءِ، وَهُوَ الصَّلاَحُ. وَزَكَا الرَّجُل يَزْكُو: إِذَا صَلُحَ، فَهُوَ زَكِيٌّ وَالْجَمْعُ أَزْكِيَاءٌ. (١)
قَال الرَّاغِبُ: أَصْل الزَّكَاةِ النُّمُوُّ الْحَاصِل عَنْ بَرَكَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِالأُْمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالأُْخْرَوِيَّةِ. يُقَال: زَكَا الزَّرْعُ يَزْكُو: إِذَا حَصَل مِنْهُ نُمُوٌّ وَبَرَكَةٌ. وَقَال تَعَالَى: ﴿أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ (٢) إِشَارَةٌ إِلَى مَا يَكُونُ حَلاَلًا لِمَا لاَ يُسْتَوْخَمُ عُقْبَاهُ، وَمِنْهُ الزَّكَاةُ لِمَا يُخْرِجُ الإِْنْسَانُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى الْفُقَرَاءِ، وَتَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ لِمَا يَكُونُ فِيهَا مِنْ رَجَاءِ الْبَرَكَةِ، أَوْ لِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ أَيْ تَنْمِيَتِهَا بِالْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ، أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا، فَإِنَّ الْخَيْرَيْنِ مَوْجُودَانِ فِيهَا.
وَبِزَكَاةِ النَّفْسِ وَطَهَارَتِهَا يَصِيرُ الإِْنْسَانُ بِحَيْثُ يَسْتَحِقُّ فِي الدُّنْيَا الأَْوْصَافَ الْمَحْمُودَةَ،
_________
(١) المصباح. مادة: " زكى ".
(٢) سورة الكهف / ١٩.
وَفِي الآْخِرَةِ الأَْجْرَ وَالْمَثُوبَةَ، وَهُوَ أَنْ يَتَحَرَّى الإِْنْسَانُ مَا فِيهِ تَطْهِيرُهُ، وَذَلِكَ يُنْسَبُ تَارَةً إِلَى الْعَبْدِ؛ لِكَوْنِهِ مُكْتَسِبًا لِذَلِكَ؛ نَحْوُ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (١) وَتَارَةً يُنْسَبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِكَوْنِهِ فَاعِلًا لِذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ نَحْوُ ﴿بَل اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٢) وَتَارَةً إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِهِ وَاسِطَةً فِي وُصُول ذَلِكَ إِلَيْهِمْ نَحْوُ ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ (٣) وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ﴾ (٤) وَتَارَةً إِلَى الْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ آلَةٌ فِي ذَلِكَ نَحْوُ ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً﴾ (٥) وَنَحْوُ ﴿لأَِهَبَ لَكِ غُلاَمًا زَكِيًّا﴾ (٦) أَيْ مُزَكًّى بِالْخِلْقَةِ، وَذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الاِجْتِبَاءِ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَل بَعْضَ عِبَادِهِ عَالِمًا وَطَاهِرَ الْخَلْقِ لاَ بِالتَّعَلُّمِ وَالْمُمَارَسَةِ، بَل بِتَوْفِيقٍ إِلَهِيٍّ.
وَتَزْكِيَةُ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: بِالْفِعْل وَهُوَ مَحْمُودٌ، وَإِلَيْهِ قُصِدَ بِقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ وَقَوْلِهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ . (٧)
وَالثَّانِي: بِالْقَوْل كَتَزْكِيَةِ الْعَدْل غَيْرَهُ، وَذَلِكَ
_________
(١) سورة الشمس / ٩.
(٢) سورة النساء / ٤٩.
(٣) سورة التوبة / ١٠٣.
(٤) سورة التوبة / ١٥١.
(٥) سورة مريم / ١٣.
(٦) سورة مريم / ١٣.
(٧) سورة الأعلى / ١٤.
مَذْمُومٌ أَنْ يَفْعَل الإِْنْسَانُ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ فَقَال: ﴿فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) وَنَهْيُهُ عَنْ ذَلِكَ تَأْدِيبٌ؛ لِقُبْحِ مَدْحِ الإِْنْسَانِ نَفْسَهُ عَقْلًا وَشَرْعًا، وَلِهَذَا قِيل لِحَكِيمٍ: مَا الَّذِي لاَ يَحْسُنُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا؟ فَقَال: مَدْحُ الرَّجُل نَفْسَهُ. (٢)
وَالْفُقَهَاءُ يُعَبِّرُونَ عَنِ النِّسْبَةِ إِلَى الصَّلاَحِ بِالتَّزْكِيَةِ أَوِ التَّعْدِيل فَهُمَا مُتَرَادِفَانِ. (٣)
وَيُعَرِّفُونَ التَّزْكِيَةَ فِي بَابِ الْقَضَاءِ بِأَنَّهَا: تَعْدِيل الشُّهُودِ.
وَتَزْكِيَةُ الرَّجُل مَالَهُ: أَنْ يُخْرِجَ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ فِيهِ.
وَالْجَرْحُ ضِدُّ التَّزْكِيَةِ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ: الْقَطْعُ فِي الْجِسْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: جَرَحَهُ بِلِسَانِهِ جَرْحًا: إِذَا عَابَهُ وَتَنَقَّصَهُ، وَمِنْهُ: جَرَحْتُ الشَّاهِدَ أَوِ الرَّاوِيَ: إِذَا أَظْهَرْتَ فِيهِ مَا تُرَدُّ بِهِ شَهَادَتُهُ أَوْ رِوَايَتُهُ (٤) .
وَقَدْ أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَنْ يُبْعَثُ إِلَيْهِ لِلتَّحَرِّي عَنِ الشُّهُودِ (الْمُزَكِّي) وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ يُزَكِّي وَيَجْرَحُ، وَلَكِنْ وُصِفَ بِأَحْسَنِ الْوَصْفَيْنِ.
_________
(١) سورة النجم / ٣٢.
(٢) المفردات في غريب القرآن ص ٢١٣ ط دار المعرفة ببيروت.
(٣) تبصرة الحكام هامش فتح العلي المالك ١ / ٢٥٦، والبدائع ٦ / ٢٧٠.
(٤) معين الحكام ١٠٤، ١٠٥، والمصباح.
حُكْمُ التَّزْكِيَةِ:
٢ - ذَهَبَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَقْضِي بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ، إِلاَّ إِذَا طَعَنَ الْخَصْمُ فِي عَدَالَةِ مَنْ شَهِدَ، وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ، فَأَوْجَبَ فِيهِمَا التَّزْكِيَةَ وَإِنْ لَمْ يَطْعَنِ الْخَصْمُ.
وَعِنْدَ الإِْمَامِ أَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ: يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الْحَدُّ وَالْمَال.
وَقَال الإِْمَامُ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى عَنْهُ: إِنَّ التَّزْكِيَةَ وَاجِبَةٌ فِي كُل الأُْمُورِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْقَاضِي حَال الشُّهُودِ، فَإِنْ عَرَفَ عَدَالَتَهُمْ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى التَّزْكِيَةِ. وَإِنْ عَرَفَ أَنَّهُمْ مَجْرُوحُونَ رَدَّ شَهَادَتَهُمْ، وَذَلِكَ عِنْدَ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ.
٣ - وَاسْتَدَل أَصْحَابُ الْقَوْل الأَْوَّل عَلَى جَوَازِ الْحُكْمِ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ بِقَوْل عُمَرَ: الْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. وَبِأَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَشَهِدَ بِرُؤْيَةِ الْهِلاَل، فَقَال لَهُ النَّبِيُّ ﷺ أَتَشْهَدُ أَلاَّ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ؟ فَقَال: نَعَمْ. فَقَال: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُول اللَّهِ؟ فَقَال: نَعَمْ. فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالصِّيَامِ (١) .
_________
(١) حديث: " أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ فشهد برؤية الهلال. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٧٤ - ٧٥ - ط الحلبي) والنسائي (٤ / ١٣٢ - ط المكتبة التجارية) من حديث ابن عباس ﵄، وحكم الترمذي والنسائي عليه بالإرسال.