الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 48

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

وَلأَِنَّ الْعَدَالَةَ أَمْرٌ خَفِيٌّ سَبَبُهَا الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَدَلِيل ذَلِكَ الإِْسْلاَمُ، فَإِذَا وُجِدَ فَلْيُكْتَفَ بِهِ، مَا لَمْ يَقُمْ عَلَى خِلاَفِهِ دَلِيلٌ.

وَاسْتُدِل لأَِبِي حَنِيفَةَ فِي اسْتِثْنَاءِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَلُزُومِ التَّحَرِّي فِيهَا وَإِنْ لَمْ يَطْعَنِ الْخَصْمُ: بِأَنَّ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِيهَا وَتَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ بِخِلاَفِ غَيْرِهَا.

وَاسْتَدَل الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ التَّزْكِيَةِ فِي كُل الأُْمُورِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (١) وَلاَ يُعْلَمُ أَنَّهُ مَرْضِيٌّ حَتَّى نَعْرِفَهُ.

وَبِأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطٌ، فَوَجَبَ الْعِلْمُ بِهَا كَالإِْسْلاَمِ، كَمَا لَوْ طَعَنَ الْخَصْمُ فِي الشُّهُودِ.

أَمَّا الأَْعْرَابِيُّ الْمُسْلِمُ، فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَقَدْ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُمْ بِثَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ دِينَهُ فِي زَمَنِ رَسُول اللَّهِ إِيثَارًا لِدِينِ الإِْسْلاَمِ وَصُحْبَةِ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثَبَتَتْ عَدَالَتُهُ. وَلِلأَْثَرِ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ أُتِيَ بِشَاهِدَيْنِ، فَقَال لَهُمَا عُمَرُ: لَسْتُ أَعْرِفُكُمَا وَلاَ يَضُرُّكُمَا إِنْ لَمْ أَعْرِفْكُمَا، جِيئَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا، فَأَتَيَا بِرَجُلٍ، فَقَال لَهُ عُمَرُ: تَعْرِفُهُمَا؟ فَقَال: نَعَمْ. فَقَال عُمَرُ: صَحِبْتُهُمَا فِي السَّفَرِ الَّذِي يَتَبَيَّنُ فِيهِ جَوَاهِرُ النَّاسِ؟ قَال: لاَ

_________

(١) سورة البقرة / ٢٨٢.

قَال: عَامَلْتُهُمَا بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الَّتِي تُقْطَعُ فِيهَا الرَّحِمُ؟ قَال: لاَ. قَال: كُنْتُ جَارًا لَهُمَا تَعْرِفُ صَبَاحَهُمَا وَمَسَاءَهُمَا؟ قَال: لاَ. قَال: يَا ابْنَ أَخِي لَسْت تَعْرِفُهُمَا. جِيئَا بِمَنْ يَعْرِفُكُمَا.

قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا بَحْثٌ يَدُل عَلَى أَنَّهُ لاَ يُكْتَفَى بِدُونِهِ. (١)

٤ - هَذَا، وَقَدْ قَال عُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ الْخِلاَفَ بَيْنَ الإِْمَامِ وَصَاحِبَيْهِ لَيْسَ اخْتِلاَفًا حَقِيقِيًّا، بَل هُوَ اخْتِلاَفُ عَصْرٍ وَزَمَانٍ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي عَهْدِهِ كَانُوا أَهْل خَيْرٍ وَصَلاَحٍ؛ لأَِنَّهُ زَمَنُ التَّابِعِينَ، وَقَدْ شَهِدَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْخَيْرِيَّةِ بِقَوْلِهِ: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ، وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ (٢) فَكَانَ الْغَالِبُ فِي أَهْل زَمَانِهِ الصَّلاَحَ وَالسَّدَادَ، فَوَقَعَتِ الْغُنْيَةُ عَنِ السُّؤَال عَنْ حَالِهِمْ فِي السِّرِّ، ثُمَّ تَغَيَّرَ الزَّمَانُ وَظَهَرَ الْفَسَادُ فِي قَرْنِهِمَا، فَوَقَعَتِ الْحَاجَةُ إِلَى السُّؤَال عَنِ الْعَدَالَةِ. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ حَقَّقَ الاِخْتِلاَفَ. (٣)

_________

(١) البدائع ٦ / ٢٧٠، وابن عابدين ٤ / ٥٧، وتبصرة الحكام ١ / ٢٥٦، وقليوبي وعميرة ٤ / ٣٠٦، والمغني ٩ / ٦٣ - ٦٤.

(٢) حديث: " خير القرون قرني. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٢٤٤ - ط السلفية) من حديث ابن مسعود ﵁.

(٣) البدائع ٦ / ٢٧٠، والمغني ٩ / ٦٤، ومعين الحكام ص ١٠٣.

مَتَى تَسْقُطُ التَّزْكِيَةُ:

٥ - قَال إِسْمَاعِيل بْنُ حَمَّادٍ نَاقِلًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَرْبَعَةُ شُهُودٍ لاَ يُسْأَل عَنْ عَدَالَتِهِمْ: شَاهِدَا رَدِّ الظِّنَّةِ، وَشَاهِدَا تَعْدِيل الْعَلاَنِيَةِ، وَشَاهِدَا الْغُرْبَةِ، وَشَاهِدَا الأَْشْخَاصِ. (١)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ الشَّاهِدَ الْمُبْرِزَ فِي الْعَدَالَةِ - أَيِ الْفَائِقَ أَقْرَانَهُ فِيهَا - لاَ يُعْذَرُ فِيهِ لِغَيْرِ الْعَدَاوَةِ، وَيُعْذَرُ فِيهِ فِيهَا. وَمِثْلُهَا الْقَرَابَةُ.

وَمِنْهَا أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ يُخْشَى مِنْهُ عَلَى مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُعْذَرُ إِلَيْهِ فِيمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ. (٢)

وَنَقَل صَاحِبُ الْمُغْنِي عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ يُقْبَل شَهَادَةُ الْمُتَوَسِّمِينَ، وَذَلِكَ إِذَا حَضَرَ مُسَافِرَانِ، فَشَهِدَا عِنْدَ حَاكِمٍ لاَ يَعْرِفُهُمَا، يُقْبَل شَهَادَتُهُمَا إِذَا رَأَى فِيهِمَا سِيمَا الْخَيْرِ، لأَِنَّهُ لاَ سَبِيل إِلَى مَعْرِفَةِ عَدَالَتِهِمَا، فَفِي التَّوَقُّفِ عَنْ قَبُولِهَا تَضْيِيعُ الْحُقُوقِ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِمَا إِلَى السِّيمَا الْجَمِيلَةِ. (٣)

وَمَعْنَى هَذَا أَنَّ الشُّهُودَ الْمَذْكُورِينَ لاَ يُسَمُّونَ لِمَنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ لِيُزَكِّيَهُمْ أَوْ يَطْعَنَ فِيهِمْ، بَل يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَزْكِيَةٍ؛ لِلأَْسْبَابِ الَّتِي أَوْرَدُوهَا.

_________

(١) معين الحكام ص ١٠٦.

(٢) الخرشي ٧ / ١٥٩.

(٣) المغني ٩ / ٧٠.

أَقْسَامُ التَّزْكِيَةِ:

٦ - التَّزْكِيَةُ نَوْعَانِ: تَزْكِيَةُ السِّرِّ، وَتَزْكِيَةُ الْعَلاَنِيَةِ.

أَمَّا تَزْكِيَةُ السِّرِّ، فَيَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَخْتَارَ لِلْمَسْأَلَةِ عَنِ الشُّهُودِ مَنْ هُوَ أَوْثَقُ النَّاسِ وَأَوْرَعُهُمْ دِيَانَةً وَأَعْظَمُهُمْ دِرَايَةً وَأَكْثَرُهُمْ خِبْرَةً وَأَعْلَمُهُمْ بِالتَّمْيِيزِ فِطْنَةً، فَيُوَلِّيهِ الْبَحْثَ عَنْ أَحْوَال الشُّهُودِ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ مَأْمُورٌ بِالتَّفَحُّصِ عَنِ الْعَدَالَةِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمُبَالَغَةُ فِي الاِحْتِيَاطِ فِيهِ. وَبَعْدَ أَنْ يَخْتَارَ، يَكْتُبَ فِي رُقْعَةٍ أَسْمَاءَ الشُّهُودِ جُمْلَةً بِأَنْسَابِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ وَمَحَالِّهِمْ وَمُصَلاَّهُمْ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ كُل مَا يُمَيِّزُهُمْ عَنْ غَيْرِهِمْ تَمْيِيزًا لاَ تَتَمَكَّنُ مَعَهُ الشُّبْهَةُ، فَقَدْ يَتَّفِقُ أَنْ تَتَّحِدَ الأَْسْمَاءُ وَتَتَّفِقَ الأَْوْصَافُ وَغَيْرُ ذَلِكَ.

فَإِذَا كَتَبَ الْقَاضِي دَفَعَ الْمَكْتُوبَ إِلَى مَنْ يَسْتَأْمِنُهُ عَلَى ذَلِكَ، وَأَخْفَاهُ عَنْ كُل مَنْ سِوَاهُ؛ لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَحَدٌ فَيَخْدَعَ الأَْمِينَ، وَعَلَى الْمُرْسَل أَمِينِ الْقَاضِي أَنْ يَتَعَرَّفَ أَحْوَال الشُّهُودِ مِمَّنْ يَعْرِفُ حَالَهُمْ، فَيَسْأَل عَنْهُمْ أَهْل الثِّقَةِ مِنْ جِيرَانِهِمْ وَأَهْل مَحِلاَّتِهِمْ، وَأَنْ يَسْأَل أَهْل أَسْوَاقِهِمْ.

أَمَّا تَزْكِيَةُ الْعَلاَنِيَةِ، فَتَكُونُ بَعْدَ تَزْكِيَةِ السِّرِّ. وَكَيْفِيَّتُهَا: أَنْ يُحْضِرَ الْقَاضِي الْمُزَكِّيَ بَعْدَمَا زَكَّى؛ لِيُزَكِّيَ الشُّهُودَ أَمَامَهُ. وَهَل يَلْزَمُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ التَّزْكِيَةِ فِي السِّرِّ وَالتَّزْكِيَةِ فِي الْعَلاَنِيَةِ؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْيَوْمَ وَقَعَ الاِكْتِفَاءُ بِتَزْكِيَةِ السِّرِّ؛ لِمَا فِي تَزْكِيَةِ الْعَلاَنِيَةِ مِنْ بَلاَءٍ وَفِتْنَةٍ. (١)

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُنْدَبُ لِلْقَاضِي تَزْكِيَةُ السِّرِّ مَعَ تَزْكِيَةِ الْعَلاَنِيَةِ. فَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى تَزْكِيَةِ السِّرِّ أَجْزَأَهُ قَطْعًا كَالْعَلاَنِيَةِ عَلَى الرَّاجِحِ. (٢)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: بَعْدَ تَزْكِيَةِ السِّرِّ يُشَافِهُ الْمَبْعُوثُ الْحَاكِمَ بِمَا سَمِعَهُ مِنَ الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِ.

وَقِيل: يُشَافِهُ الْمَبْعُوثُ إِلَيْهِ بِمَا يَعْلَمُهُ الْمَبْعُوثُ مِنْ جِهَةِ الْحَاكِمِ. وَقِيل: تَكْفِي كِتَابَتُهُ. (٣)

وَالظَّاهِرُ مِنْ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِتَزْكِيَةِ السِّرِّ. (٤)

٧ - ثُمَّ هَل الْمُعْتَبَرُ قَوْل الْمُرْسَل إِلَيْهِ (الْمُزَكِّي) أَوْ قَوْل الْمُرْسَلِينَ، وَيُسَمُّونَ أَصْحَابَ الْمَسَائِل؟

قَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: الْمُعَوَّل عَلَيْهِ شَهَادَةُ الْمُزَكِّي. وَنَقَل الشَّيْخَانِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُمَا نَقَلاَ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الأَْصْحَابِ أَنَّ الْمُعَوَّل عَلَى قَوْل أَصْحَابِ الْمَسَائِل، خِلاَفًا لأَِبِي إِسْحَاقَ، وَأَنَّ ابْنَ الصَّبَّاغِ اعْتَذَرَ عَنْ قَبُولِهَا، وَهِيَ شَهَادَةٌ عَلَى شَهَادَةٍ - وَالأَْصْل حَاضِرٌ - لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ. (٥)

_________

(١) معين الحكام ص ١٠٧.

(٢) الشرح الكبير ٤ / ١٧٠ - ١٧١.

(٣) قليوبي وعميرة ٤ / ٣٠٧.

(٤) المغني ٩ / ١٥.

(٥) قليوبي وعميرة ٤ / ٣٠٦.

التَّعَارُضُ بَيْنَ التَّزْكِيَةِ وَالْجَرْحِ:

اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي التَّعَارُضِ بَيْنَ التَّزْكِيَةِ وَالْجَرْحِ، فَقَدْ نَقَل مُعِينُ الْحُكَّامِ عَنِ الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ لَوْ عَدَّلَهُ وَاحِدٌ، وَجَرَّحَهُ آخَرُ، أَعَادَ الْمَسْأَلَةَ. وَهَذَا قَوْل مُحَمَّدٍ. لأَِنَّ الْعَدَالَةَ وَالْجَرْحَ لاَ يَثْبُتُ عِنْدَهُ بِقَوْل الْوَاحِدِ فَصَارَا مُتَسَاوِيَيْنِ.

وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: الْجَرْحُ أَوْلَى، لأَِنَّ الْجَرْحَ وَالتَّعْدِيل يَثْبُتُ بِقَوْل الْوَاحِدِ عِنْدَهُمَا، وَتَرَجَّحَ الْجَرْحُ عَلَى التَّعْدِيل؛ لأَِنَّ الْجَارِحَ فِي الْجَرْحِ اعْتَمَدَ عَلَى الدَّلِيل، وَهُوَ الْعِيَانُ وَالْمُشَاهَدَةُ، فَإِنَّ سَبَبَ الْجَرْحِ ارْتِكَابُ الْكَبِيرَةِ.

وَلَوْ جَرَّحَهُ وَاحِدٌ وَعَدَّلَهُ اثْنَانِ، فَالتَّعْدِيل أَوْلَى. وَلَوْ عَدَّلَهُ جَمَاعَةٌ وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ فَالْجَرْحُ أَوْلَى؛ لأَِنَّهُ لاَ يَثْبُتُ التَّرْجِيحُ بِزِيَادَةِ الْعَدَدِ عَلَى الاِثْنَيْنِ. (١)

٨ - وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لَوْ عَدَّل شَاهِدَانِ رَجُلًا وَجَرَّحَهُ آخَرَانِ، فَفِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ.

قِيل: يُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا؛ لاِسْتِحَالَةِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا.

وَقِيل: يُقْضَى بِشُهُودِ الْجَرْحِ، لأَِنَّهُمْ زَادُوا عَلَى شُهُودِ التَّعْدِيل، إِذِ الْجَرْحُ مِمَّا يَبْطُنُ فَلاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ كُل النَّاسِ، بِخِلاَفِ الْعَدَالَةِ. وَلِلَّخْمِيِّ تَفْصِيلٌ، قَال:

_________

(١) معين الحكام / ١٠٧.

إِنْ كَانَ اخْتِلاَفُ الْبَيِّنَتَيْنِ فِي فِعْل شَيْءٍ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، كَدَعْوَى إِحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ أَنَّهُ فَعَل كَذَا فِي وَقْتِ كَذَا، وَقَالَتِ الْبَيِّنَةُ الأُْخْرَى: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا. وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَجْلِسَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ قُضِيَ بِشَهَادَةِ الْجَرْحِ؛ لأَِنَّهَا زَادَتْ عِلْمًا فِي الْبَاطِنِ. وَإِنْ تَبَاعَدَ مَا بَيْنَ الْمَجْلِسَيْنِ قُضِيَ بِآخِرِهِمَا تَارِيخًا، وَيُحْمَل عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَدْلًا فَفَسَقَ، أَوْ كَانَ فَاسِقًا فَتَزَكَّى، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ تَقْيِيدِ الْجَرْحِ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ فَبَيِّنَةُ الْجَرْحِ مُقَدَّمَةٌ؛ لأَِنَّهَا زَادَتْ. (١)

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُقَدَّمُ الْجَرْحُ عَلَى التَّعْدِيل لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةِ الْعِلْمِ.

فَإِنْ قَال الْمُعَدِّل: عَرَفْتُ سَبَبَ الْجَرْحِ وَتَابَ مِنْهُ وَأَصْلَحَ، قُدِّمَ قَوْلُهُ عَلَى قَوْل الْجَارِحِ. (٢)

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ قَال فِي الْمُغْنِي: فَإِذَا رَجَعَ أَصْحَابُ مَسْأَلَةٍ فَأَخْبَرَ اثْنَانِ بِالْعَدَالَةِ، قَبِل الْقَاضِي شَهَادَتَهُ. وَإِنْ أَخْبَرَا بِالْجَرْحِ رَدَّ شَهَادَتَهُ وَإِنْ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا بِالْعَدَالَةِ وَالآْخَرُ بِالْجَرْحِ بَعَثَ آخَرَيْنِ، فَإِنْ عَادَا فَأَخْبَرَا بِالتَّعْدِيل تَمَّتْ بَيِّنَةُ التَّعْدِيل، وَسَقَطَ الْجَرْحُ لأَِنَّ بَيِّنَتَهُ لَمْ تَتِمَّ، وَإِنْ أَخْبَرَا بِالْجَرْحِ ثَبَتَ وَرَدَّ الشَّهَادَةَ. وَإِنْ أَخْبَرَ أَحَدُهُمَا بِالْجَرْحِ وَالآْخَرُ بِالتَّعْدِيل تَمَّتِ الْبَيِّنَتَانِ وَيُقَدَّمُ الْجَرْحُ. (٣)

_________

(١) فتح العلي المالك ١ / ٢٥٩.

(٢) قليوبي وعميرة ٤ / ١٠٧.

(٣) المغني ٩ / ٦٥، ٦٦ ط الرياض.

وَقْتُ التَّزْكِيَةِ:

٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّزْكِيَةَ تَكُونُ بَعْدَ الشَّهَادَةِ لاَ قَبْلَهَا. (١)

عَدَدُ مَنْ يُقْبَل فِي التَّزْكِيَةِ:

١٠ - تَقَدَّمَ أَنَّ التَّزْكِيَةَ نَوْعَانِ: تَزْكِيَةُ السِّرِّ، وَتَزْكِيَةُ الْعَلاَنِيَةِ.

فَبِالنِّسْبَةِ لِتَزْكِيَةِ السِّرِّ، قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَمَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: إِنَّ الْقَاضِيَ يَجْتَزِئُ بِوَاحِدٍ فِي تَزْكِيَةِ السِّرِّ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ شَهَادَةً بَل هِيَ إِخْبَارٌ.

وَالْقَوْل الآْخَرُ لِمَالِكٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ اثْنَيْنِ.

أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِتَزْكِيَةِ الْعَلاَنِيَةِ، فَالأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ لاَ يُقْبَل فِيهَا إِلاَّ اثْنَانِ؛ لأَِنَّهَا شَهَادَةٌ.

وَقَال ابْنُ كِنَانَةَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ بُدَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ. وَعَنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ: أَنَّ أَقَل مَا يُزَكِّي الرَّجُل أَرْبَعَةُ شُهُودٍ. وَقَال ابْنُ حَبِيبٍ فِي الْوَاضِحَةِ: وَالتَّزْكِيَةُ تَخْتَلِفُ، فَتَكُونُ بِالْوَاحِدِ وَالاِثْنَيْنِ وَالْجَمَاعَةِ، بِقَدْرِ مَا يَظْهَرُ لِلْحَاكِمِ وَيَتَأَكَّدُ عِنْدَهُ.

قَال الْمُتَيْطِيُّ: وَمَا كَثُرَ مِنَ الشُّهُودِ فَهُوَ أَحْسَنُ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ التَّزْكِيَةُ فِي شَاهِدٍ شَهِدَ

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٥٧٣، وتبصرة الحكام ١ / ٢٥٧، وقليوبي وعميرة ٤ / ٣٠٦، والمغني ٩ / ٦٣.

بِزِنًا، فَإِنَّ مُطَرِّفًا رَوَى عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ لاَ يُزَكِّيهِ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ. (١)

مَنْ تُقْبَل تَزْكِيَتُهُ:

١١ - فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ - عَدَا الْحَنَفِيَّةِ - قَالُوا: يُشْتَرَطُ فِي شَاهِدِ التَّزْكِيَةِ أَنْ يَكُونَ مُبْرِزًا نَاقِدًا فَطِنًا، لاَ يُخْدَعُ فِي عَقْلِهِ، وَلاَ تَخْفَى عَلَيْهِ شُرُوطُ التَّعْدِيل. وَلاَ تُقْبَل التَّزْكِيَةُ مِنَ الأَْبْلَهِ وَالْجَاهِل بِشُرُوطِ الْعَدَالَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ عَدْلًا مَقْبُولًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ. وَلاَ يُقْبَل قَوْل مَنْ يَرَى تَعْدِيل كُل مُسْلِمٍ.

وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ: تَعْدِيل السِّرِّ يُقْبَل فِيهِ تَعْدِيل الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَكُل ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ لِرَحِمِهِ؛ لأَِنَّ تَعْدِيل السِّرِّ لَيْسَ بِشَهَادَةٍ.

وَقَال مُحَمَّدٌ: هُوَ شَهَادَةٌ فَلاَ بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ اثْنَيْنِ.

١٢ - وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: يُقْبَل تَعْدِيل الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا وَغَيْرِهِ، إِذَا كَانَتِ امْرَأَةً بَرْزَةً تُخَالِطُ النَّاسَ وَتُعَامِلُهُمْ؛ لأَِنَّ لَهَا خِبْرَةً بِأُمُورِهِمْ فَيُفِيدُ السُّؤَال. قَالُوا: وَتَجُوزُ تَزْكِيَةُ السِّرِّ مِنَ الأَْعْمَى وَالصَّبِيِّ وَالْمَحْدُودِ فِي قَذْفٍ. وَهَذَا خِلاَفًا لِمُحَمَّدٍ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ تُقْبَل تَزْكِيَةُ النِّسَاءِ، لاَ فِي حَقِّ الرِّجَال وَلاَ فِي حَقِّ النِّسَاءِ.

_________

(١) معين الحكام ١٠٤، وتبصرة الحكام ١ / ٢٥٦، وقليوبي وعميرة ٤ / ٣٠٦، والمغني ٩ / ٦٧ وما بعدها.

قَال ابْنُ رُشْدٍ: إِنَّ التَّزْكِيَةَ يُشْتَرَطُ فِيهَا التَّبْرِيزُ فِي الْعَدَالَةِ، وَهِيَ صِفَةٌ تَخْتَصُّ بِالرِّجَال.

قَال: وَقَدْ قِيل: إِنَّهُنَّ يُزَكِّينَ الرِّجَال إِذَا شَهِدُوا فِيمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ نَافِعٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطَةِ. وَالْقِيَاسُ جَوَازُ تَزْكِيَتِهِنَّ لِلنِّسَاءِ. (١)

تَزْكِيَةُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ لِلشَّاهِدِ

١٣ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا عَدَّل الْمُدَّعَى عَلَيْهِ شُهُودَ الْمُدَّعِي، بِأَنْ قَال: صَدَقُوا فِي شَهَادَتِهِمْ، أَوْ قَال: هُمْ عُدُولٌ فِي شَهَادَتِهِمْ، يُقْضَى عَلَيْهِ بِالْمَال بِإِقْرَارِهِ لاَ بِالشَّهَادَةِ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ إِقْرَارٌ مِنْهُ بِالْمَال.

وَإِنْ قَال: هُمْ عُدُولٌ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ، ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ هَذَا التَّعْدِيل؛ لأَِنَّ مِنْ زَعْمِ الْمُدَّعِي وَشُهُودِهِ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فِي الْجُحُودِ ظَالِمٌ وَكَاذِبٌ، فَلاَ تَصِحُّ تَزْكِيَتُهُ.

وَقَال فِي كِتَابِ التَّزْكِيَةِ: وَيَجُوزُ تَعْدِيل الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِهِ؛ لأَِنَّ تَعْدِيل الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ تَعْدِيل الْمُزَكِّي، وَإِقْرَارُهُ بِكَوْنِ الشَّاهِدِ عَدْلًا لاَ يَكُونُ إِقْرَارًا بِوُجُوبِ الْحَقِّ عَلَى نَفْسِهِ لاَ مَحَالَةَ. (٢)

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ

_________

(١) تبصرة الحكام ١ / ٢٥٥، ومعين الحكام ١٠٦، وقليوبي وعميرة ٤ / ٣٠٦، والمغني ٩ / ٦٣ - ٦٤.

(٢) معين الحكام ص ١٠٦ - ١٠٧.