الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
الْمُسْتَأْجِرُ اسْتَأْجَرَهَا وَهِيَ كَذَلِكَ وَقَدْ رَآهَا لِرِضَاهُ بِالْعَيْبِ، وَأَنَّهُ لاَ يُجْبَرُ الْمُؤَجِّرُ عَلَى إِصْلاَحِ بِئْرِ الْمَاءِ وَالْبَالُوعَةِ وَالْمَخْرَجِ إِنْ أَبَى إِصْلاَحَ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُجْبَرُ عَلَى إِصْلاَحِ مِلْكِهِ، فَإِنْ فَعَلَهُ الْمُسْتَأْجِرُ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ، وَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ إِنْ أَبَى الْمُؤَجِّرُ.
وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ إِصْلاَحُ مَا تَلِفَ مِنَ الْعَيْنِ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِهِ.
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ بَادَرَ الْمُؤَجِّرُ إِلَى إِصْلاَحِ مَا تَلِفَ فَلاَ خِيَارَ لِلْمُكْتَرِي، وَإِلاَّ فَلَهُ الْخِيَارُ لِتَضَرُّرِهِ بِنَقْصِ الْمَنْفَعَةِ.
وَالْحَنَابِلَةُ كَالشَّافِعِيَّةِ فِي هَذَا، إِلاَّ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ شَرَطَ الْمُؤَجِّرُ عَلَى الْمُكْتَرِي النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ لِعِمَارَةِ الْمَأْجُورِ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى جَهَالَةِ الإِْجَارَةِ، فَلَوْ عَمَّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بِهَذَا الشَّرْطِ أَوْ عَمَّرَ بِإِذْنِ الْمُؤَجِّرِ رَجَعَ عَلَيْهِ. وَإِنْ أَنْفَقَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ غَيْرِ إِذْنِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ؛ لأَِنَّهُ مُتَبَرِّعٌ، لَكِنْ لَهُ أَخْذُ أَعْيَانِ آلاَتِهِ.
وَأَجَازَ الْمَالِكِيَّةُ شَرْطَ الْمَرَمَّةِ لِلدَّارِ وَتَطْيِينَهَا إِنِ احْتَاجَتْ عَلَى الْمُكْتَرِي، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ مِنْ كِرَاءٍ وَجَبَ عَلَى الْمُكْتَرِي، إِمَّا فِي مُقَابَلَةِ سُكْنَى مَضَتْ، أَوْ بِاشْتِرَاطِ تَعْجِيل الْكِرَاءِ، أَوْ يَجْرِي الْعُرْفُ بِتَعْجِيلِهِ، لاَ إِنْ لَمْ يَجِبْ فَلاَ يَجُوزُ. أَوْ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى أَنَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ الدَّارُ مِنَ الْمَرَمَّةِ
وَالتَّطْيِينِ مِنْ عِنْدِ الْمُكْتَرِي، فَلاَ يَجُوزُ لِلْجَهَالَةِ. (١)
تَرْمِيمُ الْمُسْتَأْجَرِ مِنْ شَرِيكَيْنِ:
٨ - إِذَا اسْتَأْجَرَ شَخْصٌ مَا دَارًا مُشْتَرَكَةً بَيْنَ اثْنَيْنِ مَثَلًا مِنْ صَاحِبَيْهَا، ثُمَّ احْتَاجَتْ إِلَى مَرَمَّةٍ، فَاسْتَأْذَنَ فِيهَا وَاحِدًا مِنْهُمَا فَحَسْبُ، فَأَذِنَ لَهُ دُونَ رُجُوعٍ إِلَى شَرِيكِهِ فَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الشَّرِيكِ الآْخَرِ بِمَا أَنْفَقَهُ فِي الْمَرَمَّةِ.
فَإِنْ كَانَ لِلآْذِنِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى شَرِيكِهِ كَانَ لِلْمُسْتَأْجِرِ الرُّجُوعُ عَلَى آذِنِهِ بِالنَّفَقَةِ كُلًّا، ثُمَّ يَرْجِعُ هَذَا عَلَى شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهِ مِنَ النَّفَقَةِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ فَإِذْنُهُ لَغْوٌ فِي حِصَّةِ شَرِيكِهِ، وَلَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ إِلاَّ الرُّجُوعُ عَلَى الآْذِنِ وَحْدَهُ بِنِسْبَةِ حِصَّتِهِ (٢) .
ثَالِثًا: تَرْمِيمُ الرَّهْنِ:
٩ - كُل مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِبَقَاءِ الرَّهْنِ وَمَصْلَحَتِهِ فَهُوَ عَلَى الرَّاهِنِ؛ لأَِنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، وَذَلِكَ مُؤْنَةُ الْمِلْكِ.
وَكُل مَا كَانَ لِحِفْظِهِ فَعَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لأَِنَّ حَبْسَهُ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٤٩، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٧٠، ومنهاج الطالبين ٣ / ٧٨، وكشاف القناع ٤ / ٢١ ط مطبعة النصر الحديثة، والشرح الكبير ٤ / ٤٧.
(٢) ابن عابدين ٣ / ٣٦٧ - ٣٦٨. وتفصيل ذلك يرجع إليه في بحث: (شركة) .
لَهُ، فَلَوْ شُرِطَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى الرَّاهِنِ لاَ يَلْزَمُهُ (١) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ (٢) وَاَلَّذِي يَرْكَبُ هُوَ الرَّاهِنُ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ؛ وَلأَِنَّ الرَّقَبَةَ وَالْمَنْفَعَةَ عَلَى مِلْكِهِ، فَكَانَتِ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ. (٣)
وَيَقُول الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ مُؤْنَةَ الرَّهْنِ عَلَى رَاهِنِهِ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ (٤) وَلأَِنَّهُ مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ فَكَانَ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
فَإِنِ امْتَنَعَ الرَّاهِنُ مِنْ بَذْل مَا وَجَبَ عَلَيْهِ أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل أَخَذَ الْحَاكِمُ
_________
(١) الاختيار شرح المختار ١ / ٢٣٧ مصطفى الحلبي ١٣٥٥ هـ، وابن عابدين ٥ / ٣١٤، وجواهر الإكليل ٢ / ٨٤، والشرح الكبير ٣ / ٢٥١ - ٢٥٢، والخرشي على مختصر خليل ٥ / ٢٥٣، والتاج والإكليل بهامش مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٥ / ٢٥.
(٢) حديث: " الظهر يركب بنفقته. . . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ١٤٣ ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
(٣) المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٣٢١، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب ٢ / ١٦٩ نشر المكتبة الإسلامية.
(٤) حديث: " لا يغلق الرهن من صاحبه. . . " أخرجه البيهقي (٦ / ٣٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث سعيد بن المسيب مرسلا، وأعله بالإرسال.
مِنْ مَالِهِ وَفَعَلَهُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ أَخْذُ ذَلِكَ مِنَ الرَّهْنِ بِيعَ مِنْهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الرَّاهِنِ فِعْلُهُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ؛ لأَِنَّ حِفْظَ الْبَعْضِ أَوْلَى مِنْ إِضَاعَةِ الْكُل، فَإِنْ خِيفَ اسْتِغْرَاقُ الْبَيْعِ لِلرَّهْنِ فِي الإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ بِيعَ كُلُّهُ وَجُعِل ثَمَنُهُ رَهْنًا مَكَانَهُ لأَِنَّهُ أَحَظُّ لَهُمَا. (١)
وَإِنْ أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّهْنِ بِلاَ إِذْنِ الرَّاهِنِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِئْذَانِهِ، فَمُتَبَرِّعٌ حُكْمًا لِتَصَدُّقِهِ بِهِ، فَلاَ يَرْجِعُ بِعِوَضِهِ وَلَوْ نَوَى الرُّجُوعَ، كَالصَّدَقَةِ عَلَى مِسْكِينٍ؛ وَلِتَفْرِيطِهِ بِعَدَمِ الاِسْتِئْذَانِ. وَإِنْ تَعَذَّرَ اسْتِئْذَانُهُ وَأَنْفَقَ بِنِيَّةِ الرُّجُوعِ رَجَعَ وَلَوْ لَمْ يَسْتَأْذِنِ الْحَاكِمَ؛ لاِحْتِيَاجِهِ لِحِرَاسَةِ حَقِّهِ. (٢)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُنْظَرُ فِي (رَهْنٍ) .
تَرْوِيَةٌ
انْظُرْ: يَوْمَ التَّرْوِيَةِ.
_________
(١) كشاف القناع ٣ / ٣٣٩ ط مطبعة النصر الحديثة.
(٢) منار السبيل في شرح الدليل ١ / ٣٥٧.
تِرْيَاقٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التِّرْيَاقُ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ، وَجُوِّزَ ضَمُّهُ وَفَتْحُهُ، وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ الأَْوَّل وَهُوَ مُعَرَّبٌ، وَيُقَال بِالدَّال وَالطَّاءِ أَيْضًا: دَوَاءٌ يُسْتَعْمَل لِدَفْعِ السُّمِّ وَهُوَ أَنْوَاعٌ. (١)
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٢ - قَال الْحَنَابِلَةُ: التِّرْيَاقُ دَوَاءٌ يُتَعَالَجُ بِهِ مِنَ السُّمِّ، وَيُجْعَل فِيهِ مِنْ لُحُومِ الْحَيَّاتِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُبِيحُوا أَكْلَهُ وَلاَ شُرْبَهُ؛ لأَِنَّ لَحْمَ الْحَيَّةِ حَرَامٌ، وَلاَ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِمُحَرَّمٍ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَل شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ (٢)
_________
(١) عون المعبود شرح سنن أبي داود للعلامة أبي الطيب محمد شمس الحق ١٠ / ٣٥٠ نشر المكتبة السلفية، ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للمحدث علي بن سلطان محمد ٨ / ٣٦١ م إمدادية ملتان.
(٢) المغني لابن قدامة ٨ / ٦٠٥ م الرياض الحديثة. وحديث: " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما. . . " أخرجه الإمام أحمد في كتاب الأشربة (ص ٦٣ - ط وزارة الأوقاف العراقية) . من حديث ابن مسعود وصححه ابن حجر في الفتح (١٠ / ٧٩ - ط السلفية) .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: مَا أُبَالِي مَا أَتَيْتُ إِنْ أَنَا شَرِبْتُ تِرْيَاقًا، أَوْ تَعَلَّقْتُ بِتَمِيمَةٍ، أَوْ قُلْتُ الشِّعْرَ مِنْ قِبَل نَفْسِي (١) وَالْمَعْنَى: أَنِّي إِنْ فَعَلْتُ هَذِهِ الأَْشْيَاءَ كُنْتُ مِمَّنْ لاَ يُبَالِي بِمَا فَعَلَهُ مِنَ الأَْفْعَال، وَلاَ يَنْزَجِرُ عَمَّا لاَ يَجُوزُ فِعْلُهُ شَرْعًا.
وَقَال الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ شُرْبُ التِّرْيَاقِ مَكْرُوهًا مِنْ أَجْل التَّدَاوِي. وَقَدْ أَبَاحَ رَسُول اللَّهِ ﷺ التَّدَاوِيَ وَالْعِلاَجَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ، وَلَكِنْ مِنْ أَجْل مَا يَقَعُ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الأَْفَاعِي، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ.
وَالتِّرْيَاقُ أَنْوَاعٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ لُحُومِ الأَْفَاعِي فَلاَ بَأْسَ بِتَنَاوُلِهِ. (٢)
وَمِمَّا وَرَدَ مِنْ أَحَادِيثَ فِي التَّدَاوِي وَالْعِلاَجِ مَا رُوِيَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ ﵁ قَال: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَجَاءَتِ الأَْعْرَابُ فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ أَنَتَدَاوَى؟ فَقَال: نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ قَالُوا: مَا هُوَ؟ قَال: الْهَرَمُ وَفِي لَفْظٍ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُنْزِل دَاءً إِلاَّ أَنْزَل لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ، وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ (٣)
_________
(١) حديث: " ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقا أو تعلقت. . . " أخرجه أبو داود (١٠ / ٣٤٩ - عون المعبود - ط السلفية) وأعله المنذري بضعف أحد رواته.
(٢) عون المعبود في شرح سنن أبي داود ١٠ / ٣٤٩ - ٣٥١.
(٣) الطب النبوي لابن القيم الجوزية ١٣ مؤسسة الرسالة، وزاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية ٣ / ٦٦ ط مصطفى الحلبي. وحديث: " إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه. . . " أخرجه أحمد (١ / ٣٧٧ - ط الميمنية) والحاكم (٢ / ٣٩٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
وَفِي مِرْقَاةِ الْمَفَاتِيحِ: إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي التِّرْيَاقِ مُحَرَّمٌ شَرْعًا مِنْ لُحُومِ الأَْفَاعِي وَالْخَمْرِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ حَرَامًا. (١)
وَبِتَحْرِيمِ لُحُومِ الْحَيَّاتِ يَقُول الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. (٢)
وَلِلْحَنَفِيَّةِ فِيمَا إِذَا جُعِل لَحْمُ الْحَيَّاتِ فِي التِّرْيَاقِ لِلتَّدَاوِي - أُسْوَةً بِالتَّدَاوِي بِالْمُحَرَّمِ - رَأْيَانِ:
ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: الْمَنْعُ. وَقِيل: يُرَخَّصُ إِذَا عَلِمَ فِيهِ الشِّفَاءَ وَلَمْ يُعْلَمْ دَوَاءٌ آخَرُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَذِنَ بِالتَّدَاوِي، وَجَعَل لِكُل دَاءٍ دَوَاءً، فَإِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ الدَّوَاءِ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ وَعُلِمَ فِيهِ الشِّفَاءُ فَقَدْ زَالَتْ حُرْمَةُ اسْتِعْمَالِهِ، وَحَل تَنَاوُلُهُ لِلتَّدَاوِي بِهِ. وَحَدِيثُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَل شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ (٣) مَعْنَاهُ: نَفْيُ
_________
(١) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٨ / ٣٦١.
(٢) الاختيار شرح المختار ٣ / ١٤٧ مصطفى الحلبي ١٣٥٥ هـ، وابن عابدين ٥ / ١٩٣ ط دار إحياء التراث، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٢٥٥، وروضة الطالبين ٣ / ٢٧٢ المكتب الإسلامي، والمغني ٨ / ٥٨٦.
(٣) حديث: " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم " سبق تخريجه (ص ٣٣٢) .
الْحُرْمَةِ عِنْدَ الْعِلْمِ بِالشِّفَاءِ. دَل عَلَيْهِ جَوَازُ إِسَاغَةِ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ، وَجَوَازُ شُرْبِهَا لإِزَالَةِ الْعَطَشِ، مَا لَمْ يُوجَدْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا. (١)
وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي التَّدَاوِي بِهِ أُسْوَةً بِالْمُحَرَّمِ الْمُخَالِطِ لِلدَّوَاءِ الْمَنْعُ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَالْجَوَازُ عِنْدَ الْبَعْضِ الآْخَرِ مَتَى عُلِمَ فِيهِ الشِّفَاءُ وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ. (٢)
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ أَبَاحُوا أَكْل الْحَيَّةِ مَتَى ذُكِّيَتْ فِي مَوْضِعِ ذَكَاتِهَا، وَأُمِنَ سُمُّهَا، وَاحْتِيجَ لأَِكْلِهَا بِسُمِّهَا لِمَنْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ لِمَرَضِهِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَكْلُهَا. (٣) وَمَفْهُومُ هَذَا أَنَّ لَحْمَهَا مَتَى دَخَل فِي التِّرْيَاقِ وَخَالَطَهُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّدَاوِي بِهِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (تَدَاوِي) .
_________
(١) ابن عابدين ١ / ١٤٠، ٢ / ٤٠٤، ٥ / ٢٤٩ ط دار إحياء التراث العربي.
(٢) منهاج الطالبين وحاشية قليوبي عليه ٤ / ٢٠٣.
(٣) جواهر الإكليل ١ / ٢١٧، والشرح الكبير ٢ / ١١٥.
تَزَاحُمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّزَاحُمُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ تَزَاحَمَ، يُقَال: تَزَاحَمَ الْقَوْمُ: إِذَا زَحَمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَيْ تَضَايَقُوا فِي الْمَجْلِسِ، أَوْ تَدَافَعُوا فِي الْمَكَانِ الضَّيِّقِ. (١)
وَالاِصْطِلاَحُ الشَّرْعِيُّ لاَ يَخْتَلِفُ عَنْ هَذَا.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - تَحْرُمُ الْمُزَاحَمَةُ إِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَذًى لأَِحَدٍ، كَمُزَاحَمَةِ الأَْقْوِيَاءِ لِلضُّعَفَاءِ عِنْدَ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ، أَوْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا أَمْرٌ مَحْظُورٌ شَرْعًا، كَمُزَاحَمَةِ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَال فِي الطَّوَافِ وَعِنْدَ اسْتِلاَمِ الْحَجَرِ الأَْسْوَدِ وَغَيْرِهِ مِنَ الأَْمَاكِنِ الْعَامَّةِ.
وَقَدْ وَرَدَ التَّزَاحُمُ فِي أُمُورٍ مِنْهَا:
أَوَّلًا: زَحْمُ الْمَأْمُومِ:
٣ - إِذَا زُحِمَ الْمَأْمُومُ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ السُّجُودُ عَلَى الأَْرْضِ مُتَابَعَةً لِلإِْمَامِ، وَقَدَرَ عَلَى السُّجُودِ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ أَوْ دَابَّةٍ، فَهَل يَلْزَمُهُ السُّجُودُ عَلَى
_________
(١) مختار الصحاح ومتن اللغة مادة: " زحم ".
ذَلِكَ؟ اخْتَلَفَ فِيهِ الأَْئِمَّةُ. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى مَا يُمْكِنُهُ السُّجُودُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ أَوْ قَدَمِهِ؛ لِتَمَكُّنِهِ مِنَ الْمُتَابَعَةِ، وَلِخَبَرِ إِذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَلْيَسْجُدْ أَحَدُكُمْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ (١) فَإِنْ لَمْ يَسْجُدْ فَمُتَخَلِّفٌ عَنِ الْمُتَابَعَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَجُوزُ السُّجُودُ عَلَى ظَهْرِ الإِْنْسَانِ، فَإِنْ سَجَدَ أَعَادَ الصَّلاَةَ. وَيَسْتَدِلُّونَ لِذَلِكَ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَكِّنْ جَبْهَتَكَ مِنَ الأَْرْضِ (٢) وَلاَ يَحْصُل التَّمْكِينُ مِنَ الأَْرْضِ فِي حَالَةِ السُّجُودِ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ. (٣)
أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ السُّجُودِ مُطْلَقًا، فَهَل يَخْرُجُ عَنِ الْمُتَابَعَةِ أَوْ يَنْتَظِرُ؟
فِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي (صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ) (وَصَلاَةُ الْجُمُعَةِ) .
_________
(١) حديث: " إذا اشتد الزحام فليسجد أحدكم على ظهر أخيه. . . " ورد موقوفا على عمر بن الخطاب ﵁، أخرجه البيهقي (٣ / ١٨٣ - ط دائرة المعارف العثمانية)، وعزاه ابن قدامة في المغني (٢ / ٣١٤ - ط الرياض) إلى سعيد بن منصور في سننه موقوفا أيضا على عمر ﵁.
(٢) حديث: " مكن جبهتك من الأرض " أخرجه البزار (٢ / ٨ - ٩ - كشف الأستار - ط الرسالة) وقال الهيثمي: رجاله موثقون (مجمع الزوائد ٣ / ٢٧٥ - ط القدسي) .
(٣) أسنى المطالب ١ / ٢٥٤، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣١٣، والروضة ٣ / ١٨، والمدونة ١ / ١٤٧.