الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
عَلَى الْمَيِّتِ؛ لأَِنَّ تَعَلُّقَ الدَّيْنِ بِالتَّرِكَةِ لاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ التَّصَرُّفِ فِيهَا؛ لأَِنَّهُ تَعَلَّقَ بِهَا بِغَيْرِ رِضَا الْوَرَثَةِ. (١)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (قِسْمَةٌ) .
نَقْضُ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ:
٣٤ - الْمَقْصُودُ بِنَقْضِ الْقِسْمَةِ: إِبْطَالُهَا بَعْدَ تَمَامِهَا، وَتُنْقَضُ قِسْمَةُ التَّرِكَةِ فِي الْحَالاَتِ التَّالِيَةِ: -
أ - الإِْقَالَةُ أَوِ التَّرَاضِي عَلَى فَسْخِ الْقِسْمَةِ.
ب - ظُهُورُ دَيْنٍ عَلَى الْمَيِّتِ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
ج - ظُهُورُ وَارِثٍ أَوْ مُوصًى لَهُ فِي قِسْمَةِ التَّرَاضِي؛ لأَِنَّ الْوَارِثَ وَالْمُوصَى لَهُ شَرِيكَانِ لِلْوَرَثَةِ فِي التَّرِكَةِ.
د - ظُهُورُ غَبْنٍ فَاحِشٍ لَحِقَ بِبَعْضِ الْوَرَثَةِ، وَهُوَ الَّذِي لاَ يَدْخُل تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ، كَأَنْ قُوِّمَ الْمَال بِأَلْفٍ، وَهُوَ يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ. وَتُنْقَضُ هُنَا قِسْمَةُ الْقَاضِي؛ لأَِنَّ تَصَرُّفَ الْقَاضِي مُقَيَّدٌ بِالْعَدْل وَلَمْ يُوجَدْ. وَتُنْقَضُ أَيْضًا قِسْمَةُ التَّرَاضِي؛ لأَِنَّ شَرْطَ جَوَازِهَا الْمُعَادَلَةُ وَلَمْ تُوجَدْ، فَجَازَ نَقْضُهَا.
هـ - وُقُوعُ غَلَطٍ فِي الْمَال الْمَقْسُومِ. (٢)
_________
(١) المهذب ١ / ٣١٠، ٣٢٧ - ٣٢٨، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٩٨، والمغني ٤ / ٤٣٧، ٩ / ١٢٩.
(٢) البدائع ٧ / ٣٠، وابن عابدين ٥ / ١٦٨ - ١٦٩، وتبيين الحقائق ٥ / ٢٧٣، ومجلة الأحكام العدلية م ١٢٥، ١٦٠، والمهذب ١ / ٣٢٧، ٢ / ٣١٠، وبجيرمي على الخطيب ٤ / ٣٤٤، والشرح الصغير ٣ / ٦٧٧، والمغني ٩ / ١٢٧ - ١٢٩، وكشاف القناع ٦ / ٣٧٦.
وَفِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّورَةِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (قِسْمَةٌ) .
التَّصَرُّفُ فِي التَّرِكَةِ:
٣٥ - تَقَدَّمَ خِلاَفُ الْفُقَهَاءِ فِي نَفَاذِ أَوْ عَدَمِ نَفَاذِ قِسْمَةِ التَّرِكَةِ إِذَا كَانَتْ مُسْتَغْرَقَةً بِالدَّيْنِ كُلًّا أَوْ بَعْضًا.
وَإِذَا تَصَرَّفَ الْوَرَثَةُ فِي التَّرِكَةِ الْمَدِينَةِ بِالْبَيْعِ أَوِ الْهِبَةِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَنْقُل الْمِلْكِيَّةَ أَوْ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا حُقُوقًا عَيْنِيَّةً كَالرَّهْنِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ التَّالِي:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ - وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا بِمَنْعِ مِلْكِيَّةِ الْوَارِثِ إِلاَّ بَعْدَ سَدَادِ الدَّيْنِ - إِلَى: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَيُّ تَصَرُّفٍ مِنَ الْوَرَثَةِ فِي التَّرِكَةِ إِلاَّ فِي الأَْحْوَال التَّالِيَةِ:
أ - أَنْ تَبْرَأَ ذِمَّةُ الْمَيِّتِ مِنَ الدَّيْنِ قَبْل تَصَرُّفِ الْوَرَثَةِ، إِمَّا بِالأَْدَاءِ أَوِ الْكَفَالَةِ.
ب - أَنْ يَرْضَى الدَّائِنُونَ بِقِيَامِ الْوَرَثَةِ بِبَيْعِ التَّرِكَةِ لِسَدَادِ دُيُونِهِمْ؛ لأَِنَّ مَنْعَ تَصَرُّفِ الْوَرَثَةِ بِالتَّرِكَةِ كَانَ ضَمَانًا لِحَقِّ الدَّائِنِينَ الْمُتَعَلِّقِ بِالتَّرِكَةِ.
ج - أَنْ يَأْذَنَ الْقَاضِي بِالتَّصَرُّفِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْقَاضِيَ بِمَا لَهُ مِنَ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ يَمْلِكُ الإِْذْنَ لِلْوَرَثَةِ بِالْبَيْعِ لِجَمِيعِ التَّرِكَةِ أَوْ بَعْضِهَا. (١)
وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي الرِّوَايَةِ الأُْخْرَى - وَهُمُ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ مِلْكَ الْوَارِثِ يَبْدَأُ مِنْ وَقْتِ وَفَاةِ الْمُوَرِّثِ، سَوَاءٌ كَانَتِ التَّرِكَةُ مَدِينَةً أَمْ لاَ - فَإِنَّهُمْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ تَصَرُّفَ الْوَارِثِ بِالْبَيْعِ أَوِ الْهِبَةِ مَعَ اسْتِغْرَاقِ التَّرِكَةِ بِالدَّيْنِ لاَ يَنْفُذُ مُرَاعَاةً لِحَقِّ الْمَيِّتِ، أَذِنَ الدَّائِنُ أَمْ لاَ، إِلاَّ إِذَا كَانَ التَّصَرُّفُ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ. (٢)
وَفِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْهِبَةِ، وَإِلَى بَيْعٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، وَمُصْطَلَحِ: (دَيْنٌ) .
تَصْفِيَةُ التَّرِكَةِ:
٣٦ - تَقَدَّمَ الْكَلاَمُ حَوْل تَصَرُّفِ الْوَارِثِينَ الْبَالِغِينَ فِي التَّرِكَةِ قِسْمَةً أَوْ بَيْعًا، أَمَّا إِذَا كَانَ الْوَرَثَةُ أَوْ بَعْضُهُمْ قُصَّرًا: فَإِنَّ التَّصَرُّفَ فِيهَا يَكُونُ رَاجِعًا لِلْوَصِيِّ إِنْ كَانَ، أَوْ لِلْقَاضِي إِنْ لَمْ يَكُنْ وَصِيٌّ، وَذَلِكَ لِضَمَانِ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّرِكَةِ مِنْ جِهَةٍ، وَلِحِفْظِ أَمْوَال الْوَرَثَةِ الضُّعَفَاءِ كَيْ لاَ يُظْلَمُوا مِنْ غَيْرِهِمْ.
_________
(١) جامع الفصولين ٢ / ٣٢، ٣٧، والمدونة الكبرى ٥ / ٢٠٧، ٢٠٨ ط الساسي.
(٢) حاشية البجيرمي على منهج الطلاب ٢ / ٤٠٠ وما بعدها، والمغني ٤ / ٣٢٨ مطابع سجل العرب، و١٢ / ١٠٤ وما بعدها مع الشرح الكبير.
وَلِتَفْصِيل هَذِهِ الأَْحْكَامِ يُنْظَرُ (الْوَصِيَّةُ) وَمُصْطَلَحُ: (إِيصَاءٌ) .
التَّرِكَةُ الَّتِي لاَ وَارِثَ لَهَا:
٣٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّرِكَةِ الَّتِي لاَ وَارِثَ لَهَا، أَوْ لَهَا وَارِثٌ لاَ يَرِثُهَا جَمِيعَهَا، فَمَنْ قَال مِنَ الْفُقَهَاءِ بِالرَّدِّ قَال: لاَ تَئُول التَّرِكَةُ إِلَى بَيْتِ الْمَال مَا دَامَ لَهَا وَارِثٌ. وَمَنْ لاَ يَرَى الرَّدَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ قَال: إِنَّ بَيْتَ الْمَال يَرِثُ جَمِيعَ التَّرِكَةِ، أَوْ مَا بَقِيَ بَعْدَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ.
وَإِذَا آلَتِ التَّرِكَةُ إِلَى بَيْتِ الْمَال كَانَتْ عَلَى سَبِيل الْفَيْءِ لاَ الإِْرْثِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ حَقَّ بَيْتِ الْمَال هُنَا هُوَ عَلَى سَبِيل الْمِيرَاثِ، أَيْ عَلَى سَبِيل الْعُصُوبَةِ. (١)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (إِرْثٌ، وَبَيْتُ الْمَال) .
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٤٨٨، والقليوبي ٣ / ١٣٦ - ١٣٧، والمغني ٥ / ٦٨٤، والعذب الفائض ١ / ١٩.
تَرْمِيمٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - لِلتَّرْمِيمِ فِي اللُّغَةِ مَعَانٍ. مِنْهَا: الإِْصْلاَحُ. يُقَال: رَمَّمْتُ الْحَائِطَ وَغَيْرَهُ تَرْمِيمًا: أَصْلَحْتُهُ.
وَرَمَّمْتُ الشَّيْءَ أَرُمُّهُ وَأَرِمُّهُ رَمًّا وَمَرَمَّةً: إِذَا أَصْلَحْتُهُ.
وَيُقَال: قَدْ رَمَّ شَأْنَهُ. وَاسْتَرَمَّ الْحَائِطَ: أَيْ حَانَ لَهُ أَنْ يُرَمَّ، وَذَلِكَ إِذَا بَعُدَ عَهْدُهُ بِالتَّطْيِينِ وَنَحْوِهِ.
وَالرَّمُّ: إِصْلاَحُ الشَّيْءِ الَّذِي فَسَدَ بَعْضُهُ مِنْ نَحْوِ حَبْلٍ يَبْلَى فَيَرُمُّهُ، أَوْ دَارٍ تُرَمُّ مَرَمَّةً. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ فِي مَعْنَاهُ الاِصْطِلاَحِيِّ عَنْ هَذَا.
وَالتَّرْمِيمُ قَدْ يَكُونُ بِقَصْدِ التَّقْوِيَةِ، إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مُعَرَّضًا لِلتَّلَفِ، وَقَدْ يَكُونُ بِقَصْدِ التَّحْسِينِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
أَوَّلًا: تَرْمِيمُ الْوَقْفِ:
٢ - إِذَا احْتَاجَتْ عَيْنُ الْوَقْفِ إِلَى تَرْمِيمٍ، فَإِنَّهُ
_________
(١) المصباح المنير، والصحاح للمرعشلي، ولسان العرب، ومختار الصحاح مادة: " رمم ".
يَبْدَأُ بِهِ مِنْ غَلَّتِهِ قَبْل الصَّرْفِ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ؛ لأَِنَّ قَصْدَ الْوَاقِفِ صَرْفُ الْغَلَّةِ مُؤَبَّدًا، وَلاَ تَبْقَى دَائِمَةً إِلاَّ بِعِمَارَتِهِ، وَمَا بَقِيَ بَعْدَ الْعِمَارَةِ يُصْرَفُ لِلْمُسْتَحِقِّينَ، هَذَا مَا عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ.
وَفِي هَذَا يَقُول الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ تَقْدِيمَ الْعِمَارَةِ، ثُمَّ الْفَاضِل لِلْفُقَرَاءِ أَوْ لِلْمُسْتَحِقِّينَ، لَزِمَ النَّاظِرَ إِمْسَاكُ قَدْرِ مَا تَحْتَاجُهُ الْعِمَارَةُ كُل سَنَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَجْهُ وَقْتَ الإِْمْسَاكِ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَحْدُثَ فِي الْوَقْفِ بَعْدَ التَّوْزِيعِ حَدَثٌ يَحْتَاجُ إِلَى تَرْمِيمٍ وَلاَ يَجِدُ غَلَّةً يُرَمِّمُ بِهَا، بِخِلاَفِ مَا إِذَا لَمْ يَشْتَرِطْهُ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الشَّرْطِ وَعَدَمِهِ: أَنَّهُ مَعَ السُّكُوتِ تُقَدَّمُ الْعِمَارَةُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَلاَ يُدَّخَرُ لَهَا عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، وَمَعَ الاِشْتِرَاطِ تُقَدَّمُ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَيُدَّخَرُ لَهَا عِنْدَ عَدَمِهَا، ثُمَّ يُفَرَّقُ الْبَاقِي؛ لأَِنَّ الْوَاقِفَ إِنَّمَا جَعَل الْفَاضِل عَنْهَا لِلْفُقَرَاءِ.
وَلَوْ كَانَ الْمَوْقُوفُ دَارًا، فَعِمَارَتُهَا عَلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى، أَيْ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهَا مِنْ مَالِهِ لاَ مِنَ الْغَلَّةِ، إِذْ الْغُرْمُ بِالْغُنْمِ. وَمُفَادُهُ: أَنَّهُ لَوْ كَانَ بَعْضُ الْمُسْتَحِقِّينَ لِلسُّكْنَى غَيْرَ سَاكِنٍ فِيهَا يَلْزَمُهُ التَّعْمِيرُ مَعَ السَّاكِنِينَ؛ لأَِنَّ تَرْكَهُ لِحَقِّهِ لاَ يُسْقِطُ حَقَّ الْوَقْفِ، فَيُعَمِّرُ مَعَهُمْ، وَإِلاَّ تُؤَجَّرُ حِصَّتُهُ. وَلَوْ أَبَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى، أَوْ عَجَزَ لِفَقْرِهِ، آجَرَهَا الْحَاكِمُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَعَمَّرَهَا بِأُجْرَتِهَا
كَعِمَارَةِ الْوَقْفِ، ثُمَّ يَرُدُّهَا بَعْدَ التَّعْمِيرِ إِلَى مَنْ لَهُ السُّكْنَى رِعَايَةً لِلْحَقَّيْنِ.
٣ - فَإِذَا امْتَنَعَ عَنِ الْعِمَارَةِ مِنْ مَالِهِ يُؤَجِّرُهَا الْمُتَوَلِّي وَيُعَمِّرُهَا مِنْ غَلَّتِهَا؛ لأَِنَّهَا مَوْقُوفَةٌ لِلْغَلَّةِ.
وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمُتَوَلِّيَ وَامْتَنَعَ مِنْ عِمَارَتِهَا يَنْصِبُ غَيْرَهُ لِيُعَمِّرَهَا، أَوْ يُعَمِّرُهَا الْحَاكِمُ. وَلَوْ احْتَاجَ الْخَانُ (١) الْمَوْقُوفُ إِلَى الْمَرَمَّةِ آجَرَ بَيْتًا أَوْ بَيْتَيْنِ مِنْهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ، أَوْ يُؤْذَنُ لِلنَّاسِ بِالنُّزُول فِيهِ سَنَةً، وَيُؤَجَّرُ سَنَةً أُخْرَى، وَيُرَمُّ مِنْ أُجْرَتِهِ. (٢)
وَيَقُول الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ إِصْلاَحَ الْوَقْفِ مِنْ غَلَّتِهِ. فَإِنْ شَرَطَ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ إِصْلاَحَهُ يُلْغَى الشَّرْطُ، وَالْوَقْفُ صَحِيحٌ، وَيُصْلَحُ مِنْ غَلَّتِهِ. فَإِنْ أَصْلَحَ مَنْ شُرِطَ عَلَيْهِ الإِْصْلاَحُ رَجَعَ بِمَا أَنْفَقَ لاَ بِقِيمَتِهِ مَنْقُوضًا.
فَلَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنْ يَبْدَأَ مِنْ غَلَّتِهِ بِمَنَافِعِ أَهْلِهِ، وَيَتْرُكَ إِصْلاَحَ مَا تَهَدَّمَ مِنْهُ، أَوْ يَتْرُكَ الإِْنْفَاقَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ حَيَوَانًا بَطَل شَرْطُهُ، وَتَجِبُ الْبُدَاءَةُ بِمَرَمَّتِهِ وَالنَّفَقَةِ عَلَيْهِ مِنْ غَلَّتِهِ لِبَقَاءِ عَيْنِهِ. (٣)
وَلَمَّا كَانَتْ رَقَبَةُ الْوَقْفِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِلْوَاقِفِ وَالْغَلَّةُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ إِذَا خَرِبَ الْوَقْفُ فَلِلْوَاقِفِ إِنْ كَانَ حَيًّا - وَلِوَارِثِهِ إِنْ مَاتَ - مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ إِصْلاَحَهُ إِذَا خَرِبَ أَوِ احْتَاجَ
_________
(١) مكان عام لنزول المسافرين وإيواء دوابهم وبضائعهم.
(٢) ابن عابدين ٣ / ٣٧٦ - ٣٨٢.
(٣) الشرح الكبير ٤ / ٨٩ - ٩٢، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٠٩.
لِلإِْصْلاَحِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، وَلأَِنَّ إِصْلاَحَ الْغَيْرِ مَظِنَّةٌ لِتَغْيِيرِ مَعَالِمِهِ، وَهَذَا إِذَا أَصْلَحَهُ الْوَاقِفُ أَوْ وَرَثَتُهُ، وَإِلاَّ فَلَيْسَ لَهُمُ الْمَنْعُ، بَل الأَْوْلَى لَهُمْ تَمْكِينُ مَنْ أَرَادَ بِنَاءَهُ إِذَا خَرِبَ؛ لأَِنَّهُ مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الْخَيْرِ.
وَهَذَا فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، وَأَمَّا هِيَ فَقَدِ ارْتَفَعَ مِلْكُهُ عَنْهَا قَطْعًا. (١)
وَيَقُول الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ خَرِبَتِ الدَّارُ الْمَوْقُوفَةُ، وَلَمْ يُعَمِّرْهَا الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ لِلْوَقْفِ مَالٌ كَانَتْ عِمَارَتُهُ فِي مَال الْوَقْفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أُوجِرَ وَعُمِّرَ مِنْ أُجْرَتِهِ. فَإِذَا تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُ الْوَقْفِ وَكَانَ حَيَوَانًا كَخَيْل الْجِهَادِ، فَالنَّفَقَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَال.
أَمَّا عِمَارَةُ الدَّارِ الْمَوْقُوفَةِ فَلاَ تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ كَالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ بِخِلاَفِ الْحَيَوَانِ فَإِنَّ نَفَقَتَهُ تَجِبُ لِصِيَانَةِ رُوحِهِ. وَرَيْعُ الأَْعْيَانِ الْمَوْقُوفَةِ عَلَى الْمَسْجِدِ إِذَا انْهَدَمَ وَتُوُقِّعَ عَوْدُهُ حُفِظَ لَهُ، وَإِلاَّ فَإِنْ أَمْكَنَ صَرْفُهُ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ صُرِفَ إِلَيْهِ، وَإِلاَّ فَمُنْقَطِعُ الآْخِرِ فَيُصْرَفُ لأَِقْرَبِ النَّاسِ إِلَى الْوَاقِفِ، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا صُرِفَ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ أَوْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.
٤ - أَمَّا غَيْرُ الْمُنْهَدِمِ فَمَا فَضَل مِنْ غَلَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مَصَالِحِهِ يُشْتَرَى بِهَا عَقَارٌ وَيُوقَفُ عَلَيْهِ، بِخِلاَفِ الْمَوْقُوفِ عَلَى عِمَارَتِهِ يَجِبُ ادِّخَارُهُ
_________
(١) الشرح الكبير ٤ / ٤٧.
لأَِجْلِهَا، وَإِلاَّ لَمْ يَعُدْ مِنْهُ شَيْءٌ لأَِجْلِهَا؛ لأَِنَّهُ يُعَرَّضُ لِلضَّيَاعِ أَوْ لِظَالِمٍ يَأْخُذُ.
٥ - وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَرْجِعُ عِنْدَهُمْ إِلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ فِي الإِْنْفَاقِ عَلَى الْوَقْفِ وَفِي سَائِرِ أَحْوَالِهِ، لأَِنَّهُ ثَبَتَ بِوَقْفِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُتْبَعَ فِيهِ شَرْطُهُ. فَإِنْ عَيَّنَ الْوَاقِفُ الإِْنْفَاقَ عَلَيْهِ مِنْ غَلَّتِهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا عَمِل بِهِ رُجُوعًا إِلَى شَرْطِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ - وَكَانَ الْمَوْقُوفُ ذَا رُوحٍ كَالْخَيْل - فَإِنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ غَلَّتِهِ؛ لأَِنَّ الْوَقْفَ يَقْتَضِي تَحْبِيسَ الأَْصْل وَتَسْبِيل مَنْفَعَتِهِ، وَلاَ يَحْصُل ذَلِكَ إِلاَّ بِالإِْنْفَاقِ عَلَيْهِ فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ ضَرُورَتِهِ
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَوْقُوفِ غَلَّةٌ لِضَعْفٍ بِهِ وَنَحْوِهِ فَنَفَقَتُهُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ؛ لأَِنَّ الْوَقْفَ عِنْدَهُمْ يَخْرُجُ مِنْ مِلْكِ الْوَاقِفِ إِلَى مِلْكِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ آدَمِيًّا مُعَيَّنًا، مَعَ مَنْعِهِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ الإِْنْفَاقُ مِنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِعَجْزِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ وَنَحْوِهِمَا بِيعَ الْوَقْفُ، وَصُرِفَ ثَمَنُهُ فِي عَيْنٍ أُخْرَى تَكُونُ وَقْفًا لِمَحَل الضَّرُورَةِ.
وَلَوِ احْتَاجَ خَانٌ مُسَبَّلٌ إِلَى مَرَمَّةٍ، أَوِ احْتَاجَتْ دَارٌ مَوْقُوفَةٌ لِسُكْنَى الْحَاجِّ أَوِ الْغُزَاةِ أَوْ أَبْنَاءِ السَّبِيل وَنَحْوِهِمْ إِلَى مَرَمَّةٍ، يُؤَجَّرُ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي مَرَمَّتِهِ.
٦ - وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ وَنَحْوِهِمْ كَالْفُقَهَاءِ فَنَفَقَتُهُ فِي بَيْتِ الْمَال؛ لاِنْتِفَاءِ الْمَالِكِ الْمُعَيَّنِ فِيهِ. فَإِنْ تَعَذَّرَ الإِْنْفَاقُ عَلَيْهِ مِنْ
بَيْتِ الْمَال بِيعَ وَصُرِفَ ثَمَنُهُ فِي عَيْنٍ أُخْرَى تَكُونُ وَقْفًا. (١)
وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ مِمَّا لاَ رُوحَ فِيهِ كَالْعَقَارِ وَنَحْوِهِ مِنْ سِلاَحٍ وَمَتَاعٍ وَكُتُبٍ، لَمْ تَجِبْ عِمَارَتُهُ عَلَى أَحَدٍ إِلاَّ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ. فَإِنْ شَرَطَ عِمَارَتَهُ عُمِل بِشَرْطِهِ، سَوَاءٌ شَرَطَ الْبُدَاءَةَ بِالْعِمَارَةِ أَوْ تَأْخِيرَهَا، فَيُعْمَل بِمَا شُرِطَ. لَكِنْ إِنْ شَرَطَ تَقْدِيمَ الْجِهَةِ عُمِل بِهِ مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى التَّعْطِيل، فَإِذَا أَدَّى إِلَيْهِ قُدِّمَتِ الْعِمَارَةُ حِفْظًا لأَِصْل الْوَقْفِ. فَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْبُدَاءَةَ بِالْعِمَارَةِ أَوْ تَأْخِيرَهَا، فَتُقَدَّمُ عَلَى أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ، مَا لَمْ يُفْضِ ذَلِكَ إِلَى تَعْطِيل مَصَالِحِهِ، فَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا حَسَبَ الإِْمْكَانِ.
وَيَصِحُّ بَيْعُ بَعْضِهِ لإِصْلاَحِ بَاقِيهِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا جَازَ بَيْعُ الْكُل عِنْدَ الْحَاجَةِ فَبَيْعُ الْبَعْضِ مَعَ بَقَاءِ الْبَعْضِ أَوْلَى، إِنِ اتَّحَدَ الْوَاقِفُ. (٢) وَتَفْصِيل ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ: (وَقْفٍ) .
ثَانِيًا: التَّرْمِيمُ فِي الإِْجَارَةِ:
٧ - إِذَا احْتَاجَتِ الدَّارُ الْمُسْتَأْجَرَةُ لِلتَّرْمِيمِ. فَإِنَّ عِمَارَتَهَا وَإِصْلاَحَ مَا تَلِفَ مِنْهَا وَكُل مَا يُخِل بِالسُّكْنَى عَلَى الْمُؤَجِّرِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَيَقُول الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ أَبَى صَاحِبُهَا أَنْ يَفْعَل كَانَ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهَا، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ
_________
(١) نهاية المحتاج ٥ / ٣٨٦، ٣٩٢ - ٣٩٣، ٣٩٧.
(٢) كشاف القناع ٤ / ٢٦٥ - ٢٦٨ م النصر الحديثة.