الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
دُونَ الْحُقُوقِ، إِلاَّ مَا قَامَ دَلِيلُهُ مِنْ إِلْحَاقِ الْحُقُوقِ بِالأَْمْوَال.
فَمَوْضِعُ الْخِلاَفِ: هَل الأَْصْل أَنْ تُورَثَ الْحُقُوقُ كَالأَْمْوَال أَوْ لاَ؟
وَكُل وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ يُشْبِهُ مِنْ هَذَا مَا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ خَصْمُهُ مِنْهَا بِمَا يُسَلِّمُهُ مِنْهَا لَهُ، وَيَحْتَجَّ عَلَى خَصْمِهِ (١) .
الْحُقُوقُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّرِكَةِ:
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْحُقُوقَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالتَّرِكَةِ أَرْبَعَةٌ:
وَهِيَ تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ لِلدَّفْنِ، وَقَضَاءُ دُيُونِهِ إِنْ مَاتَ مَدِينًا، وَتَنْفِيذُ مَا يَكُونُ أَوْصَى بِهِ قَبْل مَوْتِهِ مِنْ وَصَايَا، ثُمَّ حُقُوقُ الْوَرَثَةِ.
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ، وَصَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهَا خَمْسَةٌ بِالاِسْتِقْرَاءِ. قَال الدَّرْدِيرُ: وَغَايَتُهَا - أَيِ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّرِكَةِ - خَمْسَةٌ: حَقٌّ تَعَلَّقَ بِعَيْنٍ، وَحَقٌّ تَعَلَّقَ بِالْمَيِّتِ، وَحَقٌّ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ، وَحَقٌّ تَعَلَّقَ بِالْغَيْرِ، وَحَقٌّ تَعَلَّقَ بِالْوَارِثِ.
وَالْحَصْرُ فِي هَذِهِ اسْتِقْرَائِيٌّ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ تَتَبَّعُوا ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدُوا مَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الأُْمُورِ الْخَمْسَةِ، لاَ عَقْلِيٌّ كَمَا قِيل.
وَقَال صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: وَالْحُقُوقُ هَاهُنَا
_________
(١) بداية المجتهد ٢ / ٢٣١ نشر مكتبة الكليات الأزهرية.
خَمْسَةٌ بِالاِسْتِقْرَاءِ؛ لأَِنَّ الْحَقَّ إِمَّا لِلْمَيِّتِ، أَوْ عَلَيْهِ، أَوْ لاَ.
الأَْوَّل: التَّجْهِيزُ، وَالثَّانِي: إِمَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ وَهُوَ الدَّيْنُ الْمُطْلَقُ أَوْ لاَ، وَهُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِالْعَيْنِ، وَالثَّالِثُ: إِمَّا اخْتِيَارِيٌّ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ، أَوِ اضْطِرَارِيٌّ وَهُوَ الْمِيرَاثُ (١) .
أَحْكَامُ التَّرِكَةِ:
لِلتَّرِكَةِ أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي:
مِلْكِيَّةُ التَّرِكَةِ:
تَنْتَقِل مِلْكِيَّةُ التَّرِكَةِ جَبْرًا إِلَى الْوَرَثَةِ، وَلِهَذَا الاِنْتِقَال شُرُوطٌ (٢):
الشَّرْطُ الأَْوَّل - مَوْتُ الْمُوَرِّثِ:
٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ انْتِقَال التَّرِكَةِ مِنَ الْمُوَرِّثِ إِلَى الْوَارِثِ يَكُونُ بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوَرِّثِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا أَوْ تَقْدِيرًا.
فَالْمَوْتُ الْحَقِيقِيُّ: هُوَ انْعِدَامُ الْحَيَاةِ إِمَّا بِالْمُعَايَنَةِ، كَمَا إِذَا شُوهِدَ مَيِّتًا، أَوْ بِالْبَيِّنَةِ أَوِ السَّمَاعِ.
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٤٨٣، والدسوقي ٤ / ٤٥٦، وحاشية الفناري مع شرح السراجية ص ١٠، وأسنى المطالب ٣ / ٣ - ٤، وكشاف القناع ٤ / ٤٠٣ - ٤٠٤.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٤٨٢.
وَالْمَوْتُ الْحُكْمِيُّ: هُوَ أَنْ يَكُونَ بِحُكْمِ الْقَاضِي إِمَّا مَعَ احْتِمَال الْحَيَاةِ أَوْ تَيَقُّنِهَا.
مِثَال الأَْوَّل: الْحُكْمُ بِمَوْتِ الْمَفْقُودِ.
وَمِثَال الثَّانِي: حُكْمُ الْقَاضِي عَلَى الْمُرْتَدِّ بِاعْتِبَارِهِ فِي حُكْمِ الأَْمْوَاتِ إِذَا لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ.
وَتُقَسَّمُ التَّرِكَةُ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ مِنْ وَقْتِ صُدُورِ الْحُكْمِ بِالْمَوْتِ.
وَالْمَوْتُ التَّقْدِيرِيُّ: هُوَ إِلْحَاقُ الشَّخْصِ بِالْمَوْتَى تَقْدِيرًا، كَمَا فِي الْجَنِينِ الَّذِي انْفَصَل عَنْ أُمِّهِ بِجِنَايَةٍ، بِأَنْ يَضْرِبَ شَخْصٌ امْرَأَةً حَامِلًا، فَتُلْقِي جَنِينًا مَيِّتًا، فَتَجِبُ الْغُرَّةُ، وَتُقَدَّرُ بِنِصْفِ عُشْرِ الدِّيَةِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِرْثِ هَذَا الْجَنِينِ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَرِثُ؛ لأَِنَّهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ حَيَاتُهُ، وَمِنْ ثَمَّ فَلَمْ تَتَحَقَّقْ أَهْلِيَّتُهُ لِلتَّمَلُّكِ بِالإِْرْثِ، وَلاَ يُورَثُ عَنْهُ إِلاَّ الدِّيَةُ فَقَطْ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَرِثُ وَيُورَثُ؛ لأَِنَّهُ يَقْدِرُ أَنَّهُ كَانَ حَيًّا وَقْتَ الْجِنَايَةِ، وَأَنَّهُ مَاتَ بِسَبَبِهَا (١) .
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ (إِرْثٌ، جَنِينٌ، جِنَايَةٌ، مَوْتٌ) .
الشَّرْطُ الثَّانِي - حَيَاةُ الْوَارِثِ:
٩ - تَحَقُّقُ حَيَاةِ الْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ، أَوْ
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٤٨٢، والتحفة الخيرية ص ٤٧، والعذب الفائض ١ / ١٦ - ١٧، والمغني ٦ / ٣٢٠، وكشاف القناع ٤ / ٤٤٨.
إِلْحَاقِهِ بِالأَْحْيَاءِ تَقْدِيرًا، فَالْحَيَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ هِيَ الْمُسْتَقِرَّةُ الثَّابِتَةُ لِلإِْنْسَانِ الْمُشَاهَدَةُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ.
وَالْحَيَاةُ التَّقْدِيرِيَّةُ هِيَ الثَّابِتَةُ تَقْدِيرًا لِلْجَنِينِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ، فَإِذَا انْفَصَل حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً لِوَقْتٍ يَظْهَرُ مِنْهُ وُجُودُهُ عِنْدَ الْمَوْتِ - وَلَوْ نُطْفَةً - فَيُقَدَّرُ وُجُودُهُ حَيًّا حِينَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ بِوِلاَدَتِهِ حَيًّا (١) .
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِرْثٍ) .
الشَّرْطُ الثَّالِثُ - الْعِلْمُ بِجِهَةِ الْمِيرَاثِ:
١٠ - يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِالْجِهَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلإِْرْثِ مِنْ زَوْجِيَّةٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ وَلاَءٍ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الأَْحْكَامَ تَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ، وَيَجِبُ أَيْضًا أَنْ تُعَيَّنَ جِهَةُ الْقَرَابَةِ، مَعَ الْعِلْمِ بِالدَّرَجَةِ الَّتِي يَجْتَمِعُ الْوَارِثُ فِيهَا مَعَ الْمُوَرِّثِ (٢) .
وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِرْثٍ) .
أَسْبَابُ انْتِقَال التَّرِكَةِ:
١١ - أَسْبَابُ انْتِقَال التَّرِكَةِ أَرْبَعَةٌ، اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى ثَلاَثَةٍ مِنْهَا وَهِيَ: النِّكَاحُ وَالْوَلاَءُ وَالْقَرَابَةُ. وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ جِهَةَ الإِْسْلاَمِ وَهِيَ: بَيْتُ الْمَال، عَلَى تَفْصِيلٍ يُنْظَرُ فِي مَوْضِعِهِ.
_________
(١) المصادر السابقة.
(٢) المصادر السابقة.
وَكُل سَبَبٍ مِنْ هَذِهِ الأَْسْبَابِ يُفِيدُ الإِْرْثَ عَلَى الاِسْتِقْلاَل (١) . وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِرْثٌ) .
مَوَانِعُ انْتِقَال التَّرِكَةِ بِالإِْرْثِ:
١٢ - مَوَانِعُ انْتِقَال التَّرِكَةِ عَنْ طَرِيقِ الإِْرْثِ ثَلاَثَةٌ: الرِّقُّ، وَالْقَتْل، وَاخْتِلاَفُ الدِّينِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي ثَلاَثَةٍ: وَهِيَ الرِّدَّةُ، وَاخْتِلاَفُ الدَّارَيْنِ، وَالدَّوْرُ الْحُكْمِيُّ (٢) .
وَهُنَاكَ مَوَانِعُ أُخْرَى لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ، مَعَ خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (إِرْثٌ) .
انْتِقَال التَّرِكَةِ:
١٣ - لاَ يُشْتَرَطُ لاِنْتِقَال التَّرِكَةِ إِلَى الْوَارِثِ قَبُول الْوِرَاثَةِ، وَلاَ إِلَى أَنْ يَتَرَوَّى قَبْل أَنْ يَقْبَلَهَا، بَل إِنَّهَا تَئُول إِلَيْهِ جَبْرًا بِحُكْمِ الشَّرْعِ مِنْ غَيْرِ قَبُولٍ مِنْهُ.
وَقَدْ تَكُونُ التَّرِكَةُ خَالِيَةً مِنَ الدُّيُونِ، وَقَدْ تَكُونُ مَدِينَةً. وَالدَّيْنُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسْتَغْرِقًا أَوْ لاَ،
وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ التَّرِكَةَ تَنْتَقِل
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ٤٨٦، والعذب الفائض ١ / ١٨ وما بعدها.
(٢) العذب الفائض ١ / ٢٣ وما بعدها، وشرح الرحبية ص ٢٣، والسراجية ص ١٨ - ١٩.
إِلَى الْوَارِثِ، إِذَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا دَيْنٌ مِنْ حِينِ وَفَاةِ الْمَيِّتِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي انْتِقَال التَّرِكَةِ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِهَا الدَّيْنُ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:
أ - فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى: أَنَّ أَمْوَال التَّرِكَةِ تَنْتَقِل إِلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ، مَعَ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لِلتَّرِكَةِ أَمْ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ لَهَا.
ب - وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى: أَنَّ أَمْوَال التَّرِكَةِ تَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ إِلَى أَنْ يُسَدِّدَ الدَّيْنَ، سَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لَهَا أَمْ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ . (١)
ج - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُمَيِّزُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ مُسْتَغْرَقَةً بِالدَّيْنِ، أَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَغْرَقَةٍ بِهِ.
فَإِنِ اسْتَغْرَقَ الدَّيْنُ أَمْوَال التَّرِكَةِ تَبْقَى أَمْوَال التَّرِكَةِ عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، وَلاَ تَنْتَقِل إِلَى مِلْكِ الْوَرَثَةِ،
وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ غَيْرَ مُسْتَغْرِقٍ، فَالرَّأْيُ الرَّاجِحُ أَنَّ أَمْوَال التَّرِكَةِ تَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ بِمُجَرَّدِ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ، مَعَ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِهَذِهِ الأَْمْوَال عَلَى تَفْصِيلٍ سَيَأْتِي.
_________
(١) سورة النساء / ١١
قَال السَّرَخْسِيُّ: الدَّيْنُ إِذَا كَانَ مُحِيطًا بِالتَّرِكَةِ يَمْنَعُ مِلْكَ الْوَارِثِ فِي التَّرِكَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا فَكَذَلِكَ فِي قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ الأَْوَّل.
وَفِي قَوْلِهِ الآْخِرِ: لاَ يَمْنَعُ مِلْكَ الْوَارِثِ بِحَالٍ، لأَِنَّ الْوَارِثَ يَخْلُفُ الْمُوَرِّثَ فِي الْمَال، وَالْمَال كَانَ مَمْلُوكًا لِلْمَيِّتِ فِي حَال حَيَاتِهِ مَعَ اشْتِغَالِهِ بِالدَّيْنِ كَالْمَرْهُونِ، فَكَذَلِكَ يَكُونُ مِلْكًا لِلْوَارِثِ، قَال: وَحُجَّتُنَا فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ .
فَقَدْ جَعَل اللَّهُ تَعَالَى أَوَانَ الْمِيرَاثِ مَا بَعْدَ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَالْحُكْمُ لاَ يَسْبِقُ أَوَانَهُ فَيَكُونُ حَال الدَّيْنِ كَحَال حَيَاةِ الْمُوَرِّثِ فِي الْمَعْنَى. ثُمَّ الْوَارِثُ يَخْلُفُهُ فِيمَا يَفْضُل مِنْ حَاجَتِهِ، فَأَمَّا الْمَشْغُول بِحَاجَتِهِ فَلاَ يَخْلُفُهُ وَارِثُهُ فِيهِ. وَإِذَا كَانَ الدَّيْنُ مُحِيطًا بِتَرِكَتِهِ فَالْمَال مَشْغُولٌ بِحَاجَتِهِ، وَقِيَامُ الأَْصْل يَمْنَعُ ظُهُورَ حُكْمِ الْخَلَفِ.
وَلاَ نَقُول: يَبْقَى مَمْلُوكًا بِغَيْرِ مَالِكٍ، وَلَكِنْ تَبْقَى مَالِكِيَّةُ الْمَدْيُونِ فِي مَالِهِ حُكْمًا لِبَقَاءِ حَاجَتِهِ.
وَخِلاَفَةُ الْوَارِثِ فِي التَّرِكَةِ نَاقِصَةٌ فِي حَال تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِغْرَاقٍ، وَهِيَ صُورِيَّةٌ إِذَا كَانَتْ مُسْتَغْرَقَةً بِالدَّيْنِ، وَذَلِكَ لاَ يَعْنِي أَنَّهُ لاَ قِيمَةَ لِهَذِهِ الْخِلاَفَةِ، بَل لَهَا شَأْنُهَا، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ أَقْوَال الْفُقَهَاءِ.
قَال ابْنُ قَاضِي سَمَاوَةَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: لِلْوَرَثَةِ
أَخْذُ التَّرِكَةِ لأَِنْفُسِهِمْ وَدَفْعُ الدَّيْنِ وَالْوَصِيَّةِ مِنْ مَالِهِمْ.
وَلَوْ كَانَتِ التَّرِكَةُ مُسْتَغْرَقَةً بِدَيْنٍ أَوْ غَيْرَ مُسْتَغْرَقَةٍ، فَأَدَّاهُ الْوَرَثَةُ لاِسْتِخْلاَصِ التَّرِكَةِ يُجْبَرُ رَبُّ الدَّيْنِ عَلَى قَبُولِهِ؛ إِذْ لَهُمُ الاِسْتِخْلاَصُ وَإِنْ لَمْ يَمْلِكُوهَا، بِخِلاَفِ الأَْجْنَبِيِّ.
وَلَوْ كَانَتِ التَّرِكَةُ مُسْتَغْرَقَةً بِالدَّيْنِ فَالْخَصْمُ فِي إِثْبَاتِ الدَّيْنِ إِنَّمَا هُوَ وَارِثُهُ؛ لأَِنَّهُ خَلَفُهُ، فَتُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ الَّتِي يَتَقَدَّمُ بِهَا الدَّائِنُ عَلَيْهِ. (١)
أَثَرُ الْخِلاَفِ السَّابِقِ فِي انْتِقَال التَّرِكَةِ:
١٤ - أ - نَمَاءُ التَّرِكَةِ أَوْ نِتَاجُهَا إِذَا حَصَل بَيْنَ الْوَفَاةِ وَأَدَاءِ الدَّيْنِ، هَل تُضَمُّ إِلَى التَّرِكَةِ لِمَصْلَحَةِ الدَّائِنِينَ أَمْ هِيَ لِلْوَرَثَةِ؟
وَذَلِكَ كَأُجْرَةِ دَارٍ لِلسُّكْنَى، أَوْ أَرْضٍ زِرَاعِيَّةٍ اسْتُحِقَّتْ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَكَدَابَّةٍ وَلَدَتْ أَوْ سَمِنَتْ فَزَادَتْ قِيمَتُهَا، وَكَشَجَرٍ صَارَ لَهُ ثَمَرٌ. كُل ذَلِكَ نَمَاءٌ أَوْ زِيَادَةٌ فِي التَّرِكَةِ، وَفِيهِ خِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ التَّرِكَةَ قَبْل وَفَاءِ الدَّيْنِ الْمُتَعَلِّقِ بِهَا هَل تَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ أَمْ لاَ؟ فَمَنْ قَال: تَنْتَقِل إِلَى الْوَرَثَةِ قَال: إِنَّ الزِّيَادَةَ لِلْوَارِثِ وَلَيْسَتْ
_________
(١) المبسوط ٢٩ / ١٣٧، وتبيين الحقائق ٥ / ٢١٣، وجامع الفصولين ٢ / ٢٣ - ٢٤، وبداية المجتهد ٢ / ٢٨٤، وأسنى المطالب ٣ / ٤، وحاشية الجمل ٢ / ٣٦١ - ٣٦٣، والمهذب ١ / ٣٢٧، وحاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب ٢ / ١٤٣ وما بعدها، والمغني مع الشرح الكبير ١٢ / ١٠٤ وما بعدها.
لِلدَّائِنِ، وَمَنْ قَال بِعَدَمِ انْتِقَالِهَا ضُمَّتِ الزِّيَادَةُ إِلَى التَّرِكَةِ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ، فَإِنْ فَضَل شَيْءٌ انْتَقَل إِلَى الْوَرَثَةِ.
ب - صَيْدٌ وَقَعَ فِي شَبَكَةٍ أَعَدَّهَا الْمُوَرِّثُ حَال حَيَاتِهِ، وَوُقُوعُ الصَّيْدِ كَانَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَعَلَى الْخِلاَفِ السَّابِقِ. وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (دَيْنٌ، وَصَيْدٌ، وَإِرْثٌ) .
وَقْتُ انْتِقَال التَّرِكَةِ:
يَخْتَلِفُ وَقْتُ وِرَاثَةِ الْوَارِثِ لِمُوَرِّثِهِ بِنَاءً عَلَى مَا يَسْبِقُ الْوَفَاةَ.
وَهُنَا يُفَرَّقُ بَيْنَ حَالاَتٍ ثَلاَثٍ:
أ - الْحَالَةُ الأُْولَى:
١٥ - مَنْ مَاتَ دُونَ سَابِقِ مَرَضٍ ظَاهِرٍ، وَذَلِكَ كَأَنْ مَاتَ فَجْأَةً بِالسَّكْتَةِ الْقَلْبِيَّةِ، أَوْ فِي حَادِثٍ مَثَلًا.
فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ وَقْتَ خِلاَفَةِ الْوَارِثِ لِمُوَرِّثِهِ هُوَ نَفْسُ وَقْتِ الْمَوْتِ، وَبِلاَ خِلاَفٍ يُعْتَدُّ بِهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ.
قَال الْفَنَارِيُّ: فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَخْلُفُ الْوَارِثُ مُوَرِّثَهُ فِي التَّرِكَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَعَلَيْهِ مَشَايِخُ بَلْخٍ؛ لأَِنَّهُ مَا دَامَ حَيًّا مَالِكٌ لِجَمِيعِ أَمْوَالِهِ، فَلَوْ مَلَكَهَا الْوَارِثُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَدَّى إِلَى أَنْ يَصِيرَ الشَّيْءُ الْوَاحِدُ مَمْلُوكًا لِشَخْصَيْنِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا غَيْرُ مَعْهُودٍ فِي الشَّرْعِ، لَكِنْ عِنْدَ مُحَمَّدٍ
مِلْكُ الْوَارِثِ يَتَعَقَّبُ الْمَوْتَ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لاَ يَتَعَقَّبُ، بَل يَتَحَقَّقُ إِذَا اسْتَغْنَى الْمَيِّتُ عَنْ مَالِهِ بِتَجْهِيزِهِ وَأَدَاءِ دَيْنِهِ؛ لأَِنَّ كُل جُزْءٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُحْتَاجًا إِلَيْهِ بِتَقْدِيرِ هَلاَكِ الْبَاقِي.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ يَنْتَقِل الْمِلْكُ إِلَى الْوَارِثِ قَبْل مَوْتِهِ فِي آخِرِ أَجْزَاءِ الْحَيَاةِ، وَعَلَيْهِ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ؛ لأَِنَّ الإِْرْثَ يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ، وَالزَّوْجِيَّةُ تَرْتَفِعُ بِالْمَوْتِ أَوْ تَنْتَهِي عَلَى حَسَبِ مَا اخْتَلَفُوا، فَبِأَيِّ سَبَبٍ يَجْرِي الإِْرْثُ بَيْنَهُمَا.
وَعِنْدَ الْبَعْضِ يَجْرِي الإِْرْثُ مَعَ مَوْتِ الْمُوَرِّثِ لاَ قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ - كَمَا ذَكَرَهُ شَارِحُ الْفَرَائِضِ الْعُثْمَانِيَّةِ وَاخْتَارَهُ - لأَِنَّ انْتِقَال الشَّيْءِ إِلَى مِلْكِ الْوَارِثِ مُقَارِنٌ لِزَوَال مِلْكِ الْمُوَرِّثِ عَنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَحِينَ يَتِمُّ يَحْصُل الاِنْتِقَال وَالإِْرْثُ. (١)
ب - الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ:
١٦ - هِيَ حَالَةُ مَنْ مَاتَ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَرِيضًا مَرَضَ الْمَوْتِ وَاتَّصَلَتِ الْوَفَاةُ بِهِ.
وَقَدْ عَرَّفَتْ مَجَلَّةُ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ مَرَضَ الْمَوْتِ بِأَنَّهُ: الْمَرَضُ الَّذِي يُخَافُ فِيهِ الْمَوْتُ فِي الأَْكْثَرِ، الَّذِي يَعْجِزُ الْمَرِيضُ عَنْ رَوِيَّةِ مَصَالِحِهِ الْخَارِجِيَّةِ عَنْ دَارِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الذُّكُورِ، وَيَعْجِزُهُ عَنْ رُؤْيَةِ الْمَصَالِحِ الدَّاخِلِيَّةِ فِي دَارِهِ إِنْ كَانَ مِنَ الإِْنَاثِ، وَيَمُوتُ عَلَى ذَلِكَ الْحَال قَبْل مُرُورِ سَنَةٍ، كَانَ صَاحِبَ فِرَاشٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَإِنِ امْتَدَّ
_________
(١) حاشية الفناري على شرح السراجية ص ٤٠ - ٤١.