الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١ الصفحة 43

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١

مَرَضُهُ دَائِمًا عَلَى حَالٍ، وَمَضَى عَلَيْهِ سَنَةٌ يَكُونُ فِي حُكْمِ الصَّحِيحِ، وَتَكُونُ تَصَرُّفَاتُهُ كَتَصَرُّفَاتِ الصَّحِيحِ، مَا لَمْ يَشْتَدَّ مَرَضُهُ وَيَتَغَيَّرْ حَالُهُ، وَلَكِنْ لَوِ اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَتَغَيَّرَ حَالُهُ وَمَاتَ، يُعَدُّ حَالُهُ اعْتِبَارًا مِنْ وَقْتِ التَّغَيُّرِ إِلَى الْوَفَاةِ مَرَضَ مَوْتٍ.

وَيُلْحَقُ بِالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ: الْحَامِل إِذَا أَتَمَّتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَدَخَلَتْ فِي السَّابِعِ، وَالْمَحْبُوسُ لِلْقَتْل، وَحَاضِرُ صَفِّ الْقِتَال وَإِنْ لَمْ يُصَبْ بِجُرْحٍ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ. وَنَحْوُهُ تَصْرِيحُ الْحَنَابِلَةِ فِي الْحَامِل إِذَا ضَرَبَهَا الْمَخَاضُ. (١)

١٧ - وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ وَقْتَ انْتِقَال تَرِكَةِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ إِلَى وَرَثَتِهِ، يَكُونُ عَقِبَ الْمَوْتِ بِلاَ تَرَاخٍ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا.

وَقَال بَعْضُ مُتَقَدِّمِي الْحَنَفِيَّةِ: إِنَّ انْتِقَال الْمِلْكِيَّةِ فِي ثُلُثَيْ تَرِكَةِ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ يَكُونُ مِنْ حِينِ ابْتِدَاءِ مَرَضِ الْمَوْتِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ وَدَلِيلُهُ يُنْظَرُ فِي الْمُطَوَّلاَتِ.

قَالُوا: وَلأَِجْل هَذَا مُنِعَ الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي ثُلُثَيِ التَّرِكَةِ، وَتَرِثُ زَوْجَتُهُ مِنْهُ لَوْ طَلَّقَهَا بَائِنًا فِيهِ (٢) .

_________

(١) مجلة الأحكام العدلية م (١٥٩٥) والدسوقي ٣ / ٣٠٦ - ٣٠٧ ط مطبعة مصطفى الحلبي، والمغني مع الشرح الكبير ٦ / ٥٠٨.

(٢) البدائع ٣ / ٢١٨ - ٢٢٠، وكشف الأسرار للبزدوي ٤ / ١٤٢٧ - ١٤٣١.

الْحَجْرُ عَلَى الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ صَوْنًا لِلتَّرِكَةِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ:

١٨ - إِذَا شَعَرَ الْمَرِيضُ بِدُنُوِّ أَجَلِهِ رُبَّمَا تَنْطَلِقُ يَدُهُ فِي التَّبَرُّعَاتِ رَجَاءَ اسْتِدْرَاكِ مَا فَاتَهُ فِي حَال صِحَّتِهِ، وَقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى تَبْدِيدِ مَالِهِ وَحِرْمَانِ الْوَرَثَةِ، فَشُرِعَ الْحَجْرُ عَلَيْهِ.

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرِيضَ مَرَضَ الْمَوْتِ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الشَّرْعِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ، وَاَلَّذِي يُحْجَرُ فِيهِ عَلَى الْمَرِيضِ هُوَ تَبَرُّعَاتُهُ فَقَطْ فِيمَا زَادَ عَنْ ثُلُثِ تَرِكَتِهِ حَيْثُ لاَ دَيْنَ. (١)

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحَجْرَ عَلَى الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ هُوَ فِي التَّبَرُّعِ، كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالْوَقْفِ وَبَيْعِ الْمُحَابَاةِ فِيمَا يَزِيدُ عَنْ ثُلُثِ مَالِهِ، أَيْ أَنَّ حُكْمَ تَبَرُّعَاتِهِ حُكْمُ وَصِيَّتِهِ: تَنْفُذُ مِنَ الثُّلُثِ، وَتَكُونُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ فِيمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ،

فَإِنْ بَرِئَ مِنْ مَرَضِهِ صَحَّ تَبَرُّعُهُ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يَنْفُذُ مِنَ الثُّلُثِ تَبَرُّعُ الْمَرِيضِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمَال الْبَاقِي بَعْدَ التَّبَرُّعِ مَأْمُونًا، أَيْ لاَ يُخْشَى تَغَيُّرُهُ، وَهُوَ الْعَقَارُ كَدَارٍ وَأَرْضٍ وَشَجَرٍ، فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْمُونٍ فَلاَ يَنْفُذُ، وَإِنَّمَا يُوقَفُ وَلَوْ بِدُونِ الثُّلُثِ حَتَّى يَظْهَرَ حَالُهُ مِنْ

_________

(١) الزيلعي ٥ / ٢٣ وما بعدها، والدسوقي ٣ / ٣٠٦، ٣٠٧، ومغني المحتاج ٢ / ١٦٥، وكشاف القناع ٣ / ٤١٢، والمغني ٤ / ٦٥٠.

مَوْتٍ أَوْ حَيَاةٍ، كَمَا يُمْنَعُ مِنَ الزَّوَاجِ بِمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ (١) . قَال الدُّسُوقِيُّ: وَالْمَرِيضُ لاَ يُحْجَرُ عَلَيْهِ فِي تَدَاوِيهِ وَمُؤْنَتِهِ، وَلاَ فِي الْمُعَاوَضَةِ الْمَالِيَّةِ وَلَوْ بِكُل مَالِهِ. وَأَمَّا التَّبَرُّعَاتُ فَيُحْجَرُ عَلَيْهِ فِيهَا بِمَا زَادَ عَنِ الثُّلُثِ (٢) .

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (مَرَضِ الْمَوْتِ) .

ج - الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ:

١٩ - وَهِيَ حَالَةُ التَّرِكَةِ الْمَدِينَةِ بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ أَوْ غَيْرِ مُسْتَغْرِقٍ لَهَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلاَمُ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فِي " انْتِقَال التَّرِكَةِ ".

زَوَائِدُ التَّرِكَةِ:

٢٠ - الْمُرَادُ بِزَوَائِدِ التَّرِكَةِ نَمَاءُ أَعْيَانِهَا بَعْدَ وَفَاةِ الْمُوَرِّثِ.

وَقَدْ فَصَّل الْفُقَهَاءُ حُكْمَ هَذِهِ الزَّوَائِدِ، آخِذِينَ بِعَيْنِ الاِعْتِبَارِ مَا إِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ خَالِيَةً مِنَ الدُّيُونِ أَوْ مَدِينَةً بِدَيْنٍ مُسْتَغْرِقٍ أَوْ غَيْرِ مُسْتَغْرِقٍ.

فَإِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ غَيْرَ مَدِينَةٍ، فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ التَّرِكَةَ بِزَوَائِدِهَا لِلْوَرَثَةِ، كُلٌّ حَسَبَ حِصَّتِهِ فِي الْمِيرَاثِ.

أَمَّا إِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ مَدِينَةً بِدِينٍ مُسْتَغْرِقٍ أَوْ غَيْرِ مُسْتَغْرِقٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي زَوَائِدِهَا

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) الدسوقي ٣ / ٣٠٧.

هَل تَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْمَيِّتِ، وَمِنْ ثَمَّ تُصْرَفُ لِلدَّائِنِينَ؟ أَمْ تَنْتَقِل لِلْوَرَثَةِ؟

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي الدَّيْنِ الْمُسْتَغْرِقِ - وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى: أَنَّ نَمَاءَ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ بِزِيَادَتِهَا الْمُتَوَلِّدَةِ مِلْكٌ لِلْمَيِّتِ، كَمَا أَنَّ نَفَقَاتِ أَعْيَانِ التَّرِكَةِ، مِنْ حِفْظٍ وَصِيَانَةٍ وَمَصْرُوفَاتِ حَمْلٍ وَنَقْلٍ وَطَعَامِ حَيَوَانٍ تَكُونُ فِي التَّرِكَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الدَّيْنِ غَيْرِ الْمُسْتَغْرِقِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ - إِلَى أَنَّ زَوَائِدَ التَّرِكَةِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا دَيْنٌ مِلْكٌ لِلْوَرَثَةِ، وَعَلَيْهِمْ مَا تَحْتَاجُهُ مِنْ نَفَقَاتٍ. (١)

تَرْتِيبُ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّرِكَةِ:

٢١ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْحُقُوقَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِالتَّرِكَةِ لَيْسَتْ عَلَى مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَأَنَّ بَعْضَهَا مُقَدَّمٌ عَلَى بَعْضٍ، فَيُقَدَّمُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينُهُ، ثُمَّ أَدَاءُ الدَّيْنِ، ثُمَّ تَنْفِيذُ وَصَايَاهُ، وَالْبَاقِي لِلْوَرَثَةِ.

أَوَّلًا: تَجْهِيزُ الْمَيِّتِ وَتَكْفِينُهُ:

٢٢ - إِذَا كَانَتِ التَّرِكَةُ خَالِيَةً مِنْ تَعَلُّقِ دَيْنٍ بِعَيْنِهَا قَبْل الْوَفَاةِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَوَّل

_________

(١) ابن عابدين ٥ / ٤٨٢ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ١٤٤ - ١٤٥، وحاشية بجيرمي على شرح المنهج ٢ / ٤٠٢ - ٤٠٣، وجامع الفصولين ٢ / ٢٣، والدسوقي ٤ / ٤٥٧ وما بعدها، والمغني مع الشرح الكبير ١٢ / ١٠٤ - ١٠٥.

الْحُقُوقِ مَرْتَبَةً وَأَقْوَاهَا هُوَ: تَجْهِيزُهُ لِلدَّفْنِ وَالْقِيَامُ بِتَكْفِينِهِ وَبِمَا لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهُ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ: كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ (١) وَلَمْ يَسْأَل هَل عَلَيْهِ دَيْنٌ أَمْ لاَ؟ لأَِنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُ إِلَى الْوَارِثِ مَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الْمُوَرِّثُ؛ لأَِنَّهُ إِذَا تُرِكَ لِلْمُفْلِسِ الْحَيِّ ثِيَابٌ تَلِيقُ بِهِ فَالْمَيِّتُ أَوْلَى أَنْ يُسْتَرَ وَيُوَارَى؛ لأَِنَّ الْحَيَّ يُعَالِجُ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ كَفَّنَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ مُصْعَبًا ﵁ فِي - بُرْدَةٍ لَهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهَا، وَكَفَّنَ حَمْزَةَ ﵁ أَيْضًا، وَلَمْ يَسْأَل عَنْ دَيْنٍ قَدْ يَكُونُ عَلَى أَحَدِهِمَا قَبْل التَّكْفِينِ.

أَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنِ التَّرِكَةُ خَالِيَةً مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِأَعْيَانِهَا قَبْل الْوَفَاةِ، كَأَنْ كَانَ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الأَْعْيَانِ الْمَرْهُونَةِ، أَوْ شَيْءٌ اشْتَرَاهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ وَلَمْ يَدْفَعْ ثَمَنَهُ، كَانَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقًا بِعَيْنِ الشَّيْءِ الْمَرْهُونِ، وَكَانَ حَقُّ الْبَائِعِ مُتَعَلِّقًا بِالْمَبِيعِ نَفْسِهِ الَّذِي لاَ يَزَال تَحْتَ يَدِهِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ الدَّيْنُ مُتَقَدِّمًا فِي الدَّفْعِ عَلَى تَكْفِينِ الْمَيِّتِ وَتَجْهِيزِهِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَغَيْرُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ إِذَا مَاتَ الإِْنْسَانُ بُدِئَ بِتَكْفِينِهِ وَتَجْهِيزِهِ مُقَدَّمًا عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا تُقَدَّمُ نَفَقَةُ الْمُفْلِسِ عَلَى

_________

(١) حديث: " كفنوه في ثوبين " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ١٣٧ - ط السلفية) .

دُيُونِ غُرَمَائِهِ، ثُمَّ تُقْضَى دُيُونُهُ بَعْدَ تَجْهِيزِهِ وَدَفْنِهِ. (١)

وَالتَّفْصِيل فِي (جَنَائِزُ، وَدَيْنٌ) .

ثَانِيًا: أَدَاءُ الدَّيْنِ:

٢٣ - يَأْتِي فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ أَدَاءُ الدُّيُونِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالتَّرِكَةِ بَعْدَ تَجْهِيزِ الْمَيِّتِ - عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ - لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ . (٢)

وَيُقَدَّمُ الدَّيْنُ عَلَى الْوَصِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّ الدَّيْنَ وَاجِبٌ مِنْ أَوَّل الأَْمْرِ، لَكِنَّ الْوَصِيَّةَ تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً، وَالْوَاجِبُ يُؤَدَّى قَبْل التَّبَرُّعِ.

وَعَنِ الإِْمَامِ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال: إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ الْوَصِيَّةَ قَبْل الدَّيْنِ، وَقَدْ شَهِدْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَدَأَ بِالدَّيْنِ قَبْل الْوَصِيَّةِ (٣) وَهَذِهِ الدُّيُونُ أَوِ الْحُقُوقُ أَنْوَاعٌ: مِنْهَا: مَا يَكُونُ لِلَّهِ تَعَالَى، كَالزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ وَالْحَجِّ الْوَاجِبِ.

وَمِنْهَا: مَا يَكُونُ لِلْعِبَادِ، كَدَيْنِ الصِّحَّةِ وَدَيْنِ الْمَرَضِ.

وَهَذِهِ الدُّيُونُ بِشَطْرَيْهَا، إِمَّا أَنْ تَتَعَلَّقَ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ أَوْ بِجُزْءٍ مِنْهَا.

_________

(١) تبيين الحقائق ٥ / ٢٢٩ - ٢٣٠، وابن عابدين ٥ / ٤٦٣، ٤٨٣، وشرح السراجية ص ٤، والشرح الكبير ٤ / ٤٥٧، وأسنى المطالب ٣ / ٣، ونهاية المحتاج ٦ / ٧، والعذب الفائض ١ / ١٣.

(٢) سورة النساء / ١١.

(٣) المبسوط ٢٩ / ١٣٧.

وَمِنْهَا: دُيُونٌ مُطْلَقَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالذِّمَّةِ وَحْدَهَا.

٢٤ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَسَوَّارٌ، وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْمَرْجُوحَةُ لِلْحَنَابِلَةِ إِلَى: أَنَّ الدُّيُونَ الَّتِي عَلَى الْمَيِّتِ تَحُل بِمَوْتِهِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّهُ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ، أَوِ الْوَرَثَةِ، أَوْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَال لاَ يَجُوزُ بَقَاؤُهُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ لِخَرَابِهَا وَتَعَذُّرِ مُطَالَبَتِهِ بِهَا، وَلاَ ذِمَّةِ الْوَرَثَةِ لأَِنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوهَا، وَلاَ رَضِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِذِمَمِهِمْ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ مُتَبَايِنَةٌ، وَلاَ يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى الأَْعْيَانِ وَتَأْجِيلُهُ؛ لأَِنَّهُ ضَرَرٌ بِالْمَيِّتِ وَصَاحِبِ الدَّيْنِ وَلاَ نَفْعَ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ أَمَّا الْمَيِّتُ فَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ مَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، (١) وَأَمَّا صَاحِبُهُ فَيَتَأَخَّرُ حَقُّهُ، وَقَدْ تَتْلَفُ الْعَيْنُ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ، وَأَمَّا الْوَرَثَةُ فَإِنَّهُمْ لاَ يَنْتَفِعُونَ بِالأَْعْيَانِ وَلاَ يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، وَإِنْ حَصَلَتْ لَهُمْ مَنْفَعَةٌ فَلاَ يَسْقُطُ حَظُّ الْمَيِّتِ وَصَاحِبُ الدَّيْنِ لِمَنْفَعَةٍ لَهُمْ.

وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ سِيرِينَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْعَنْبَرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ: أَنَّ الدُّيُونَ عَلَى الْمَيِّتِ لاَ تَحُل بِمَوْتِهِ، إِذَا وَثِقَ الْوَرَثَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ بِرَهْنٍ أَوْ كَفِيلٍ مَلِيءٍ عَلَى أَقَل الأَْمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ التَّرِكَةِ أَوِ الدَّيْنِ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لأَِنَّ الْمَوْتَ مَا جُعِل مُبْطِلًا لِلْحُقُوقِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِيقَاتٌ

_________

(١) حديث: " نفس المؤمن معلقة. . . " أخرجه أحمد (٢ / ٤٤٠ - ط الميمنية) والحاكم (٢ / ٢٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.

لِلْخِلاَفَةِ وَعَلاَمَةٌ عَلَى الْوِرَاثَةِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ تَرَكَ حَقًّا أَوْ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ (١)، فَعَلَى هَذَا يَبْقَى الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ كَمَا كَانَ، وَيَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ مَالِهِ كَتَعَلُّقِ حُقُوقِ الْغُرَمَاءِ بِمَال الْمُفْلِسِ عِنْدَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحَبَّ الْوَرَثَةُ أَدَاءَ الدَّيْنِ وَالْتِزَامَهُ لِلْغَرِيمِ وَيَتَصَرَّفُونَ فِي الْمَال لَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يَرْضَى الْغَرِيمُ، أَوْ يُوَثِّقُوا الْحَقَّ بِضَمِينٍ مَلِيءٍ أَوْ رَهْنٍ يَثِقُ بِهِ لِوَفَاءِ حَقِّهِ، فَأَنَّهُمْ قَدْ لاَ يَكُونُونَ أَمْلِيَاءَ وَلَمْ يَرْضَ بِهِمُ الْغَرِيمُ، فَيُؤَدِّي إِلَى فَوَاتِ الْحَقِّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: أَنَّ الْحَقَّ يَنْتَقِل إِلَى ذِمَمِ الْوَرَثَةِ بِمَوْتِ مُوَرِّثِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِطَ الْتِزَامَهُمْ لَهُ. قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يَلْزَمَ الإِْنْسَانَ دَيْنٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَلَمْ يَتَعَاطَ سَبَبَهُ، وَلَوْ لَزِمَهُمْ ذَلِكَ لِمَوْتِ مُوَرِّثِهِمْ لَلَزِمَهُمْ وَإِنْ لَمْ يُخَلِّفْ وَفَاءً (٢) .

٢٥ - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَيِّ الدَّيْنَيْنِ يُؤَدَّى أَوَّلًا إِذَا ضَاقَتِ التَّرِكَةُ عَنْهُمَا. فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى: أَنَّ دُيُونَ اللَّهِ تَعَالَى تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ إِلاَّ إِذَا أَوْصَى بِهَا كَمَا سَيَأْتِي.

_________

(١) رواه البخاري (الفتح ١٢ / ٩ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة: " من ترك مالا فلورثته " وقال ابن حجر في التلخيص (٣ / ٥٦ - ط شركة الطباعة الفنية) . أورده الشافعي بلفظ: " من ترك حقا " ولم أره. انتهى كلام ابن حجر.

(٢) بداية المجتهد ٢ / ٢٨٢، والمهذب ١ / ٣٢٧، والمغني ٤ / ٤٨٢ - ٤٨٣ ط الرياض، وكشاف القناع ٣ / ٤٨٣، وفتح القدير ٦ / ٢٤٤، وابن عابدين ٥ / ٤٦٣، ٤٨٣.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ حَقَّ الْعَبْدِ يُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لأَِنَّ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، وَحُقُوقَ الْعِبَادِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ، أَوْ لاِسْتِغْنَاءِ اللَّهِ وَحَاجَةِ النَّاسِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى تَقْدِيمِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ دُيُونِهِ عَلَى حُقُوقِ الآْدَمِيِّ إِذَا ضَاقَتِ التَّرِكَةُ عَنْهُمَا، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ: دَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى (١) وَقَوْلِهِ: اقْضُوا اللَّهَ، فَاَللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ. (٢) وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَإِنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ وَفَاءَ الدَّيْنِ الْمُتَعَلِّقِ بِعَيْنِ التَّرِكَةِ أَوْ بِبَعْضِهَا، كَالدَّيْنِ الْمَرْهُونِ بِهِ شَيْءٌ مِنْهَا، ثُمَّ بَعْدَهَا الدَّيْنُ الْمُطْلَقَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِذِمَّةِ الْمُتَوَفَّى، وَلاَ فَرْقَ فِي التَّقْدِيمِ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ أَوْ حَقِّ الْعَبْدِ. (٣)

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ: (إِرْثٌ، وَدَيْنٌ) .

تَعَلُّقُ دَيْنِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِالتَّرِكَةِ:

٢٦ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ

_________

(١) حديث: " دين الله أحق أن يقضى ". أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ١٩٢ ط السلفية) ومسلم (٢ / ٨٠٤ ط الحلبي) .

(٢) حديث: " اقضوا الله فالله أحق بالوفاء " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٦٤ - ط السلفية) من حديث ابن عباس ﵄.

(٣) شرح السراجية للجرجاني بحاشية السجاوندي ص ٥ وما بعدها، وحاشية الدسوقي ٤ / ٤٠٨ ط دار الفكر، ونهاية المحتاج ٦ / ٧٦ وما بعدها، والعذب الفائض ١ / ١٣.

دَيْنَ اللَّهِ ﷾ يَجِبُ أَدَاؤُهُ مِنَ التَّرِكَةِ، سَوَاءٌ أَوْصَى بِهِ أَمْ لاَ، عَلَى خِلاَفٍ سَبَقَ فِي تَقْدِيمِهِ عَلَى دَيْنِ الآْدَمِيِّ. وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ دَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لاَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ مِنَ التَّرِكَةِ إِلاَّ إِذَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ، فَإِنْ أَوْصَى بِهِ فَيَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ التَّرِكَةِ.

قَال الْفَنَارِيُّ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ: إِنَّ أَدَاءَ دَيْنِ اللَّهِ عِبَادَةٌ، وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ لاَ يَتَحَقَّقُ إِلاَّ بِنِيَّةٍ وَفِعْلٍ مِمَّنْ يَجِبُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، كَمَا فِي الإِْيصَاءِ لِتَحَقُّقِ أَدَائِهَا مُخْتَارًا، فَيَظْهَرُ اخْتِيَارُهُ الطَّاعَةَ مِنِ اخْتِيَارِهِ الْمَعْصِيَةِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ التَّكْلِيفِ، وَفِعْل الْوَارِثِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ الْمُبْتَلَى بِالأَْمْرِ وَالنَّهْيِ لاَ يُحَقِّقُ اخْتِيَارَهُ، فَإِذَا مَاتَ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ وَلاَ أَمْرٍ بِهِ فَقَدْ تَحَقَّقَ عِصْيَانُهُ؛ لِخُرُوجِهِ مِنْ دَارِ التَّكْلِيفِ وَلَمْ يَمْتَثِل، وَذَلِكَ تَقْرِيرٌ عَلَيْهِ مُوجِبُ الْعِصْيَانِ، فَلَيْسَ فِعْل الْوَارِثِ الْفِعْل الْمَأْمُورَ بِهِ، فَلاَ يَسْقُطُ بِهِ الْوَاجِبُ، كَمَا لَوْ تَبَرَّعَ بِهِ فِي حَال حَيَاتِهِ، بِخِلاَفِ حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا وُصُولُهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا لاَ غَيْرُ، وَلِهَذَا لَوْ ظَفِرَ بِهِ الْغَرِيمُ يَأْخُذُهُ، وَيَبْرَأُ مَنْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. ثُمَّ الإِْيصَاءُ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى تَبَرُّعٌ؛ لأَِنَّ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّةِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ فِعْلٌ لاَ مَالٌ، وَالأَْفْعَال تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، وَلاَ يَتَعَلَّقُ اسْتِيفَاؤُهَا بِالتَّرِكَةِ؛ لأَِنَّ التَّرِكَةَ مَالٌ يَصْلُحُ لاِسْتِيفَاءِ الْمَال مِنْهَا لاَ لاِسْتِيفَاءِ الْفِعْل. أَلاَ يُرَى أَنَّهُ إِذَا مَاتَ وَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ لاَ يُسْتَوْفَى مِنْ تَرِكَتِهِ، فَصَارَتِ الْحُقُوقُ الْمَذْكُورَةُ