الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
حَتَّى يُبَيِّنَ. وَإِنْ كَانَتْ تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ قَامَ الْقَاضِي مَقَامَهُ (١) .
النِّيَّةُ فِي التَّرْكِ:
١٦ - تَرْكُ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ لِلْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ النَّهْيِ. وَأَمَّا لِحُصُول الثَّوَابِ، بِأَنْ كَانَ التَّرْكُ كَفًّا - وَهُوَ: أَنْ تَدْعُوهُ النَّفْسُ إِلَيْهِ قَادِرًا عَلَى فِعْلِهِ، فَكَفَّ نَفْسَهُ عَنْهُ خَوْفًا مِنْ رَبِّهِ - فَهُوَ مُثَابٌ، وَإِلاَّ فَلاَ ثَوَابَ عَلَى تَرْكِهِ، فَلاَ يُثَابُ الْعِنِّينُ عَلَى تَرْكِ الزِّنَا، وَلاَ الأَْعْمَى عَلَى تَرْكِ النَّظَرِ.
آثَارُ التَّرْكِ:
١٧ - تَتَعَدَّدُ آثَارُ التَّرْكِ وَتَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ مُتَعَلِّقِهِ، وَبِاخْتِلاَفِ مَا إِذَا كَانَ التَّرْكُ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا أَوْ جَهْلًا وَهَكَذَا. وَفِيمَا يَأْتِي بَعْضُ آثَارِ التَّرْكِ.
أ - يَسْقُطُ الْحَقُّ فِي الشُّفْعَةِ بِتَرْكِ طَلَبِهَا بِلاَ عُذْرٍ. وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي يَسْقُطُ بِهَا هَذَا الْحَقُّ (٢) . (ر: شُفْعَةٌ) .
ب - لاَ تُؤْكَل الذَّبِيحَةُ إِذَا تَرَكَ الذَّابِحُ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَأَمَّا إِنْ تَرَكَ نِسْيَانًا
_________
(١) المنثور في القواعد ٣ / ١٠٩، ٣٢٣.
(٢) البدائع ٥ / ١٧، وجواهر الإكليل ٢ / ١٦٠.
فَتُؤْكَل اتِّفَاقًا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلاَفٌ يُنْظَرُ (ذَبَائِحُ - أُضْحِيَّةٌ) .
وَالأَْجِيرُ إِنْ تَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا ضَمِنَ قِيمَةَ الذَّبِيحَةِ (١) .
ج - تَرْكُ الْقِيَامِ بِالدَّعْوَى بِلاَ عُذْرٍ، وَبَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ الْمُحَدَّدَةِ يَمْنَعُ سَمَاعَهَا، وَهَذَا عِنْدَ مُتَأَخِّرِي الْحَنَفِيَّةِ بِنَاءً عَلَى أَمْرٍ سُلْطَانِيٍّ، وَكَمَا لاَ تُسْمَعُ فِي حَيَاةِ الْمُدَّعِي لِلتَّرْكِ لاَ تُسْمَعُ مِنَ الْوَرَثَةِ.
وَإِذَا تَرَكَ الْمُوَرِّثُ الدَّعْوَى مُدَّةً وَتَرَكَهَا الْوَارِثُ مُدَّةً، وَبَلَغَ مَجْمُوعُ الْمُدَّتَيْنِ حَدَّ مُرُورِ الزَّمَانِ فَلاَ تُسْمَعُ (٢) . (ر: دَعْوَى) .
د - يَلْزَمُ الْحِنْثُ وَالْكَفَّارَةُ فِي الْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبِ (٣) . (ر: أَيْمَانٌ) .
هـ - تَرْكُ الْعِبَادَاتِ أَوْ بَعْضِ أَجْزَائِهَا يَسْتَلْزِمُ الْجُبْرَانَ. وَالْمَتْرُوكَاتُ مِنْهَا مَا يُجْبَرُ بِالْعَمَل الْبَدَنِيِّ كَسُجُودِ السَّهْوِ فِي الصَّلاَةِ، وَالْقَضَاءِ أَوِ الإِْعَادَةِ لِمَنْ تَرَكَ فَرْضًا.
وَمِنْهَا مَا يُجْبَرُ بِالْمَال كَجَبْرِ الصَّوْمِ بِالإِْطْعَامِ فِي
_________
(١) الاختيار ٥ / ٩، وابن عابدين ٥ / ٢١٢، ومنح الجليل ١ / ٥٨٠، وشرح منتهى الإرادات ٣ / ٤٠٨.
(٢) تكملة حاشية ابن عابدين ١ / ٣٤٧، ومجلة الأحكام العدلية المواد ١٦٦٩، ١٦٧٠، وفتح العلي المالك ٢ / ٣١٥ - ٣٢١.
(٣) نهاية المحتاج ٨ / ١٧٠.
حَقِّ الشَّيْخِ الْعَاجِزِ، وَالدَّمُ لِتَرْكِ وَاجِبٍ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ (١) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ.
هَذَا وَقَدْ وَرَدَ فِي ثَنَايَا الْبَحْثِ آثَارُ التَّرْكِ، كَتَرَتُّبِ الْحَدِّ أَوِ التَّعْزِيرِ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ عَدَمِ تَرْكِ مُحَرَّمٍ، وَكَالضَّمَانِ فِي التَّلَفِ بِالتَّرْكِ.
_________
(١) المنثور ٢ / ٨، والفروق للقرافي ١ / ٢١٣، والوجيز ١ / ٥٠.
تَرِكَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّرِكَةُ لُغَةً: اسْمٌ مَأْخُوذٌ مِنْ تَرَكَ الشَّيْءَ يَتْرُكُهُ تَرْكًا. يُقَال: تَرَكْتُ الشَّيْءَ تَرْكًا: خَلَّفْتُهُ، وَتَرِكَةُ الْمَيِّتِ: مَا يَتْرُكُهُ مِنَ الْمِيرَاثِ، وَالْجَمْعُ تَرِكَاتٌ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْرِيفِهَا.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ التَّرِكَةَ: هِيَ كُل مَا يُخَلِّفُهُ الْمَيِّتُ مِنَ الأَْمْوَال وَالْحُقُوقِ الثَّابِتَةِ مُطْلَقًا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّرِكَةَ: هِيَ مَا يَتْرُكُهُ الْمَيِّتُ مِنَ الأَْمْوَال صَافِيًا عَنْ تَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ بِعَيْنِهِ.
وَيَتَبَيَّنُ مِنْ خِلاَل التَّعْرِيفَيْنِ أَنَّ التَّرِكَةَ تَشْمَل الْحُقُوقَ مُطْلَقًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَمِنْهَا الْمَنَافِعُ. فِي حِينِ أَنَّ الْمَنَافِعَ لاَ تَدْخُل فِي التَّرِكَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَحْصُرُونَ التَّرِكَةَ فِي الْمَال أَوِ الْحَقِّ الَّذِي لَهُ صِلَةٌ بِالْمَال فَقَطْ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي (٢) .
_________
(١) لسان العرب والمصباح المنير. مادة: " ترك ".
(٢) ابن عابدين ٥ / ٥٠٠ ط بولاق، وحاشية الفناري على شرح السراجية ص ١٣، والدسوقي ٤ / ٤٧٠، ومغني المحتاج ٣ / ٣ وحاشية الرملي على أسنى المطالب ٣ / ٣، وكشاف القناع ٤ / ٤٠٢.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الإِْرْثُ:
٢ - الإِْرْثُ لُغَةً: الأَْصْل وَالأَْمْرُ الْقَدِيمُ تَوَارَثَهُ الآْخَرُ عَنِ الأَْوَّل. وَالْبَقِيَّةُ مِنْ كُل شَيْءٍ (١) .
وَيُطْلَقُ الإِْرْثُ وَيُرَادُ بِهِ: الْمَوْرُوثُ، وَيُسَاوِيهِ عَلَى هَذَا الإِْطْلاَقُ فِي الْمَعْنَى: التَّرِكَةُ
وَاصْطِلاَحًا: هُوَ حَقٌّ قَابِلٌ لِلتَّجَزُّؤِ يَثْبُتُ لِمُسْتَحِقِّهِ بَعْدَ مَوْتِ مَنْ كَانَ لَهُ ذَلِكَ لِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا أَوْ نَحْوِهَا (٢) .
مَا تَشْمَلُهُ التَّرِكَةُ وَمَا يُورَثُ مِنْهَا:
٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ التَّرِكَةَ تَشْمَل جَمِيعَ مَا تَرَكَهُ الْمُتَوَفَّى مِنْ أَمْوَالٍ وَحُقُوقٍ.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَمَالُهُ لِمَوَالِي الْعَصَبَةِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا أَوْ ضَيَاعًا فَأَنَا وَلِيُّهُ (٣) . فَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الْمَال وَالْحَقِّ وَجَعَلَهُمَا
_________
(١) القاموس المحيط. مادة " ورث ".
(٢) العذب الفائض ١ / ١٦، وحاشية البقري على الرحبية ص ١٠، وابن عابدين ٥ / ٤٩٩، والدسوقي مع الشرح الكبير ٤ / ٤٥٦، ونهاية المحتاج ٦ / ٢.
(٣) حديث: " من مات وترك مالا فماله لموالي. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٢٧ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة ﵁.
تَرِكَةً لِوَرَثَةِ الْمَيِّتِ، إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ الْحُقُوقَ أَنْوَاعٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا حُكْمُهُ مِنْ نَاحِيَةِ إِرْثِهِ، أَوْ عَدَمِ إِرْثِهِ وَذَلِكَ تَبَعًا لِطَبِيعَتِهِ وَهِيَ:
أ - حُقُوقٌ غَيْرُ مَالِيَّةٍ:
وَهِيَ حُقُوقٌ شَخْصِيَّةٌ لاَ تَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِ صَاحِبِهَا بِحَالٍ مَا، فَهِيَ لاَ تُورَثُ عَنْهُ مُطْلَقًا، كَحَقِّ الأُْمِّ فِي الْحَضَانَةِ، وَحَقِّ الأَْبِ فِي الْوِلاَيَةِ عَلَى الْمَال، وَحَقِّ الْوَصِيِّ فِي الإِْشْرَافِ عَلَى مَال مَنْ تَحْتَ وِصَايَتِهِ.
ب - حُقُوقٌ مَالِيَّةٌ، وَلَكِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِشَخْصِ الْمُوَرِّثِ نَفْسِهِ
، وَهَذِهِ لاَ تُورَثُ عَنْهُ أَيْضًا، كَرُجُوعِ الْوَاهِبِ فِي هِبَتِهِ، وَحَقِّ الاِنْتِفَاعِ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ يَمْلِكُهُ الْغَيْرُ، كَدَارٍ يَسْكُنُهَا أَوْ أَرْضٍ يَزْرَعُهَا، أَوْ سَيَّارَةٍ يَرْكَبُهَا، فَهَذَا وَنَحْوُهُ لاَ يُورَثُ عَنْ صَاحِبِهِ. وَمِنْ هَذَا النَّوْعِ الأَْجَل فِي الدَّيْنِ، فَالدَّائِنُ يَمْنَحُ هَذَا الأَْجَل لِلْمَدِينِ لاِعْتِبَارَاتٍ خَاصَّةٍ يُقَدِّرُهَا الدَّائِنُ وَحْدَهُ، وَذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ الشَّخْصِيَّةِ الَّتِي لاَ تُورَثُ عَنْهُ. وَلِذَلِكَ يَحِل الدَّيْنُ بِمَوْتِ الْمَدِينِ، وَلاَ يَرِثُ الْوَرَثَةُ حَقَّ الأَْجَل.
ج - حُقُوقٌ مَالِيَّةٌ أُخْرَى تَتَعَلَّقُ بِمَشِيئَةِ الْمُوَرِّثِ وَإِرَادَتِهِ
، وَهِيَ تُورَثُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا لاَ تُورَثُ.
وَأَهَمُّ هَذِهِ الْحُقُوقِ حَقُّ الشُّفْعَةِ، وَحَقُّ الْخِيَارَاتِ الْمَعْرُوفَةِ فِي عُقُودِ الْبَيْعِ، كَخِيَارِ الشَّرْطِ، وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَخِيَارِ التَّعْيِينِ.
وَلِلتَّفْصِيل تُنْظَرُ أَحْكَامُ (الْخِيَارِ، وَالشُّفْعَةِ)
د - حُقُوقٌ مَالِيَّةٌ تَتَعَلَّقُ بِمَال الْمُوَرِّثِ، لاَ بِشَخْصِهِ وَلاَ بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ،
وَهَذِهِ حُقُوقٌ تُورَثُ عَنْهُ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، وَذَلِكَ كَحَقِّ الرَّهْنِ، وَحُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ الْمَعْرُوفَةِ، كَحَقِّ الْمُرُورِ وَحَقِّ الشُّرْبِ وَحَقِّ الْمَجْرَى وَحَقِّ التَّعَلِّي.
٤ - فَيَدْخُل فِي التَّرِكَةِ مَا كَانَ لِلإِْنْسَانِ حَال حَيَاتِهِ، وَخَلَّفَهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ، مِنْ مَالٍ أَوْ حُقُوقٍ أَوِ اخْتِصَاصٍ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْقِصَاصِ وَالْوَلاَءِ وَحَدِّ الْقَذْفِ.
وَكَذَا مَنْ أَوْصَى لَهُ بِمَنْفَعَةِ شَيْءٍ مِنَ الأَْشْيَاءِ كَدَارٍ مَثَلًا، كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ لَهُ حَال حَيَاتِهِ وَلِوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، إِلاَّ إِذَا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ مُؤَقَّتَةً بِمُدَّةِ حَيَاتِهِ فِي الْوَصِيَّةِ.
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ مِنَ التَّرِكَةِ أَيْضًا مَا دَخَل فِي مِلْكِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، بِسَبَبٍ كَانَ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ، كَصَيْدٍ وَقَعَ فِي شَبَكَةٍ نَصَبَهَا فِي حَيَاتِهِ، فَإِنَّ نَصْبَهُ لِلشَّبَكَةِ لِلاِصْطِيَادِ هُوَ سَبَبُ الْمِلْكِ،
وَكَمَا لَوْ مَاتَ عَنْ خَمْرٍ فَتَخَلَّلَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ (١) .
قَال الْقَرَافِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ يُرْوَى عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ
_________
(١) الدسوقي ٤ / ٤٦١، ٤٧٠، ومغني المحتاج ٣ / ٣، وبجيرمي على المنهج ٣ / ٢٥٧، والمهذب ١ / ٣٨٣، وكشاف القناع ٤ / ٤٠٢، وبداية المجتهد ٢ / ٢٦٠، والمغني ٥ / ٣٤٦ - ٣٤٧، وابن عابدين ٥ / ٤٨٢ وما بعدها.
أَنَّهُ قَال: مَنْ مَاتَ عَنْ حَقٍّ فَلِوَرَثَتِهِ (١) وَهَذَا اللَّفْظُ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، بَل مِنَ الْحُقُوقِ مَا يُنْقَل إِلَى الْوَارِثِ، وَمِنْهَا مَا لاَ يَنْتَقِل. فَمِنْ حَقِّ الإِْنْسَانِ أَنْ يُلاَعِنَ عِنْدَ سَبَبِ اللِّعَانِ، وَأَنْ يَفِيءَ بَعْدَ الإِْيلاَءِ، وَأَنْ يَعُودَ بَعْدَ الظِّهَارِ، وَأَنْ يَخْتَارَ مِنْ نِسْوَةٍ إِذَا أَسْلَمَ عَلَيْهِنَّ وَهُنَّ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَأَنْ يَخْتَارَ إِحْدَى الأُْخْتَيْنِ إِذَا أَسْلَمَ عَلَيْهِمَا، وَإِذَا جَعَل الْمُتَبَايِعَانِ الْخِيَارَ لأَِجْنَبِيٍّ عَنِ الْعَقْدِ فَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَمْلِكَ إِمْضَاءَ الْبَيْعِ عَلَيْهِمَا أَوْ فَسْخَهُ، وَمِنْ حَقِّهِ مَا فُوِّضَ إِلَيْهِ مِنَ الْوِلاَيَاتِ وَالْمَنَاصِبِ كَالْقِصَاصِ وَالإِْمَامَةِ وَالْخَطَابَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَكَالأَْمَانَةِ وَالْوَكَالَةِ. فَجَمِيعُ هَذِهِ الْحُقُوقِ لاَ يَنْتَقِل لِلْوَارِثِ مِنْهَا شَيْءٌ وَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً لِلْمُوَرِّثِ. وَالضَّابِطُ: أَنَّهُ يَنْتَقِل إِلَيْهِ كُل مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالْمَال، أَوْ يَدْفَعُ ضَرَرًا عَنِ الْوَارِثِ فِي عِرْضِهِ بِتَخْفِيفِ أَلَمِهِ. أَمَّا مَا كَانَ مُتَعَلِّقًا بِنَفْسِ الْمُوَرِّثِ وَعَقْلِهِ وَشَهَوَاتِهِ فَلاَ يَنْتَقِل لِلْوَارِثِ.
وَالسِّرُّ فِي الْفَرْقِ: أَنَّ الْوَرَثَةَ يَرِثُونَ الْمَال، فَيَرِثُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ تَبَعًا لَهُ، وَلاَ يَرِثُونَ عَقْلَهُ وَلاَ شَهْوَتَهُ وَلاَ نَفْسَهُ، فَلاَ يَرِثُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَمَا لاَ يُورَثُ لاَ يَرِثُونَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، فَاللِّعَانُ يَرْجِعُ إِلَى أَمْرٍ يَعْتَقِدُهُ لاَ يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ غَالِبًا، وَالاِعْتِقَادَاتُ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الْمَال، وَالْفَيْئَةُ شَهْوَتُهُ، وَالْعَوْدُ إِرَادَتُهُ، وَاخْتِيَارُ الأُْخْتَيْنِ وَالنِّسْوَةِ
_________
(١) حديث: " من مات وترك مالا فماله لموالي العصبة. . . " أخرجه البخاري (١٢ / ٢٧ - الفتح - ط السلفية) من حديث أبي هريرة.
إِرَبُهُ وَمَيْلُهُ، وَقَضَاؤُهُ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ عَقْلُهُ وَفِكْرَتُهُ، وَرَأْيُهُ وَمَنَاصِبُهُ وَوِلاَيَاتُهُ وَآرَاؤُهُ وَاجْتِهَادَاتُهُ، وَأَفْعَالُهُ الدِّينِيَّةُ فَهُوَ دِينُهُ، وَلاَ يَنْتَقِل شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِلْوَارِثِ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَرِثْ مُسْتَنَدَهُ وَأَصْلَهُ، وَانْتَقَل لِلْوَارِثِ خِيَارُ الشَّرْطِ فِي الْبِيَاعَاتِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
ثُمَّ قَال الْقَرَافِيُّ: إِنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حُقُوقِ الأَْمْوَال - فِيمَا يُورَثُ - إِلاَّ صُورَتَانِ فِيمَا عَلِمْتُ: حَدُّ الْقَذْفِ وَقِصَاصُ الأَْطْرَافِ وَالْجُرْحِ وَالْمَنَافِعِ فِي الأَْعْضَاءِ. فَإِنَّ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ تَنْتَقِلاَنِ لِلْوَارِثِ، وَهُمَا لَيْسَتَا بِمَالٍ، لأَِجْل شِفَاءِ غَلِيل الْوَارِثِ بِمَا دَخَل عَلَى عِرْضِهِ مِنْ قَذْفِ مُوَرِّثِهِ وَالْجِنَايَةِ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا قِصَاصُ النَّفْسِ فَإِنَّهُ لاَ يُورَثُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ قَبْل مَوْتِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لِلْوَارِثِ ابْتِدَاءً؛ لأَِنَّ اسْتِحْقَاقَهُ فَرْعُ زَهُوقِ النَّفْسِ، فَلاَ يَقَعُ إِلاَّ لِلْوَارِثِ بَعْدَ مَوْتِ الْمَوْرُوثِ (١) .
٥ - وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْمُوَرِّثِ، وَيَجِبُ لَهُ بِمَوْتِهِ، كَالدِّيَةِ وَالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ فَلِلْوَرَثَةِ اسْتِيفَاؤُهُ.
وَمَا كَانَ وَاجِبًا لِلْمُوَرِّثِ فِي حَيَاتِهِ إِنْ كَانَ قَدْ طَالَبَ بِهِ، أَوْ هُوَ فِي يَدِهِ ثَبَتَ لِلْوَرَثَةِ إِرْثُهُ، وَذَلِكَ
_________
(١) الفروق ٣ / ٢٧٥ - ٢٧٩، وبداية المجتهد ٢ / ٢٢٩ نشر مكتبة الكليات الأزهرية.
عَلَى تَفْصِيلٍ فِي الْمَذْهَبِ (١) .
٦ - وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّرِكَةَ هِيَ الْمَال فَقَطْ، وَيَدْخُل فِيهَا الدِّيَةُ الْوَاجِبَةُ بِالْقَتْل الْخَطَأِ، أَوْ بِالصُّلْحِ عَنْ عَمْدٍ، أَوْ بِانْقِلاَبِ الْقِصَاصِ بِعَفْوِ بَعْضِ الأَْوْلِيَاءِ، فَتُعْتَبَرُ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، حَتَّى تُقْضَى مِنْهَا دُيُونُهُ وَتُخْرَجَ وَصَايَاهُ، وَيَرِثُ الْبَاقِيَ وَرَثَتُهُ.
وَلاَ تَدْخُل الْحُقُوقُ فِي التَّرِكَةِ؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ ثَابِتَةً بِالْحَدِيثِ، وَمَا لَمْ يَثْبُتْ لاَ يَكُونُ دَلِيلًا. وَلأَِنَّ الْحُقُوقَ لَيْسَتْ أَمْوَالًا، وَلاَ يُورَثُ مِنْهَا إِلاَّ مَا كَانَ تَابِعًا لِلْمَال أَوْ فِي مَعْنَى الْمَال، مِثْل حُقُوقِ الاِرْتِفَاقِ وَالتَّعَلِّي وَحَقِّ الْبَقَاءِ فِي الأَْرْضِ الْمُحْتَكَرَةِ لِلْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ، أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْحُقُوقِ فَلاَ يُعْتَبَرُ تَرِكَةً، كَحَقِّ الْخِيَارِ فِي السِّلْعَةِ الَّتِي اشْتَرَاهَا الْمُوَرِّثُ وَكَانَ لَهُ فِيهَا حَقُّ الْخِيَارِ - كَمَا سَبَقَ - وَحَقُّ الاِنْتِفَاعِ بِمَا أُوصِيَ لَهُ بِهِ، وَمَاتَ قَبْل مُضِيِّ الْمُدَّةِ الَّتِي حَدَّدَهَا الْمُوصِي (٢) .
قَال ابْنُ رُشْدٍ: وَعُمْدَةُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (وَالْحَنَابِلَةِ أَيْضًا) أَنَّ الأَْصْل هُوَ أَنْ تُورَثَ الْحُقُوقُ وَالأَْمْوَال، إِلاَّ مَا قَامَ دَلِيلٌ عَلَى مُفَارَقَةِ الْحَقِّ فِي هَذَا الْمَعْنَى لِلْمَال.
وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الأَْصْل هُوَ أَنْ يُورَثَ الْمَال
_________
(١) القواعد لابن رجب ص ٣١٥ وما بعدها.
(٢) ابن عابدين ٥ / ٤٨٣، وحاشية الفناري على شرح السراجية ص ١٣، والبدائع ٧ / ٣٨٦، وتبيين الحقائق ٥ / ٢٥٧ - ٢٥٨.