الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
أَنْوَاعُ التَّذْكِيَةِ:
التَّذْكِيَةُ لَفْظٌ عَامٌّ، يَشْمَل: الذَّبْحَ، وَالنَّحْرَ، وَالْعَقْرَ، وَالصَّيْدَ، وَلِكُلٍّ مَوْطِنُهُ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
أ - الذَّبْحُ:
٢ - الذَّبْحُ لُغَةً: الشَّقُّ وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: قَطْعُ الْحُلْقُومِ مِنْ بَاطِنٍ عَنِ الْمِفْصَل بَيْنَ الْعُنُقِ وَالرَّأْسِ. وَيُسْتَعْمَل فِي ذَكَاةِ الاِخْتِيَارِ، فَهُوَ أَخَصُّ مِنَ التَّذْكِيَةِ، حَيْثُ إِنَّهَا تَشْمَل ذَكَاةَ الاِخْتِيَارِ وَالاِضْطِرَارِ (١) .
ب - النَّحْرُ:
٣ - نَحَرَ الْبَعِيرَ: طَعَنَهُ فِي مَنْحَرِهِ حَيْثُ يَبْدَأُ الْحُلْقُومُ مِنْ أَعْلَى الصَّدْرِ، قَال فِي الْمُغْنِي: مَعْنَى النَّحْرِ أَنْ يَضْرِبَ الْبَعِيرَ بِالْحَرْبَةِ أَوْ نَحْوِهَا فِي الْوَهْدَةِ الَّتِي بَيْنَ أَصْل عُنُقِهَا وَصَدْرِهَا. فَهُوَ قَطْعُ الْعُرُوقِ فِي أَسْفَل الْعُنُقِ عِنْدَ الصَّدْرِ، وَبِهَذَا يَفْتَرِقُ عَنِ الذَّبْحِ؛ لأَِنَّ الْقَطْعَ فِي أَعْلَى الْعُنُقِ.
وَالنَّحْرُ نَوْعٌ آخَرُ مِنْ أَنْوَاعِ التَّذْكِيَةِ الاِخْتِيَارِيَّةِ (٢) .
_________
(١) الكليات لأبي البقاء، وابن عابدين ١ / ١٨٦، والمراجع السابقة.
(٢) المغني ٨ / ٥٧٦، وابن عابدين ٥ / ١٩٢، وجواهر الإكليل ١ / ٢٠٨، والقليوبي ٢ / ٢٤٠.
ج - الْعَقْرُ:
٤ - الْعَقْرُ: هُوَ الْجُرْحُ. وَيَسْتَعْمِلُهُ الْفُقَهَاءُ فِي: تَذْكِيَةِ حَيَوَانٍ غَيْرِ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ بِالطَّعْنِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ وَقَعَ مِنَ الْبَدَنِ. وَبِهَذَا يَخْتَلِفُ عَنِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ؛ لأَِنَّهُمَا تَذْكِيَةٌ اخْتِيَارًا، وَالْعَقْرُ تَذْكِيَةٌ ضَرُورَةً (١) .
د - الصَّيْدُ:
٥ - الصَّيْدُ: هُوَ إِزْهَاقُ رُوحِ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الْمُتَوَحِّشِ، بِإِرْسَال نَحْوِ سَهْمٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ صَقْرٍ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٦ - التَّذْكِيَةُ سَبَبٌ لإِبَاحَةِ أَكْل لَحْمِ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمُحَرَّمِ وَاَلَّذِي مِنْ شَأْنِهِ الذَّبْحُ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ بِالذَّبْحِ أَمِ النَّحْرِ أَمِ الْعَقْرِ.
أَمَّا مَا لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ الذَّبْحُ كَالسَّمَكِ وَالْجَرَادِ فَيَحِلاَّنِ بِلاَ ذَكَاةٍ (٣) .
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُذَكِّي عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا، كَمَا يُشْتَرَطُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ:
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ١٩٢، وجواهر الإكليل ١ / ٢١٠، والقليوبي ٤ / ٢٤٠.
(٢) البدائع ٥ / ٤٣، ونهاية المحتاج ٨ / ١٠٨، والمقنع ٣ / ٥٣٨، والمغني مع الشرح الكبير ١١ / ٣٤.
(٣) ابن عابدين ٥ / ١٨٦، وجواهر الإكليل ١ / ٢٠٨، وقليوبي ٤ / ٢٤١.
الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ): أَنْ يَكُونَ الْمُذَكِّي مُمَيِّزًا؛ لِيَعْقِل التَّسْمِيَةَ وَالذَّبْحَ. وَفِي الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يُشْتَرَطُ التَّمْيِيزُ (١) .
٧ - وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) عَلَى أَنَّهُ تُشْتَرَطُ التَّسْمِيَةُ وَقْتَ التَّذْكِيَةِ إِلاَّ إِذَا نَسِيَهَا (٢) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ بِاسْتِحْبَابِ التَّسْمِيَةِ وَقْتَ التَّذْكِيَةِ (٣) .
وَيَحِل الذَّبْحُ بِكُل مُحَدَّدٍ يَجْرَحُ، كَحَدِيدٍ وَنُحَاسٍ وَذَهَبٍ وَخَشَبٍ وَحَجَرٍ وَزُجَاجٍ، وَلاَ يَجُوزُ بِالسِّنِّ وَالظُّفْرِ الْقَائِمَيْنِ اتِّفَاقًا. (٤) أَمَّا إِذَا كَانَا مُنْفَصِلَيْنِ فَفِيهِ خِلاَفٌ، وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (ذَبَائِحٌ) .
مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٨ - ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامَ التَّذْكِيَةِ فِي أَبْوَابِ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ وَالأُْضْحِيَّةِ، وَذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَحْكَامَهَا فِي بَابِ الذَّكَاةِ.
_________
(١) ابن عابدين ٥ / ١٨٨، وجواهر الإكليل ١ / ٢٠٨، والقليوبي ٤ / ٢٤٠، والمغني ٨ / ٥٧٣، ٥٨١.
(٢) ابن عابدين ٥ / ١٩٠، وجواهر الإكليل ١ / ٢١٢، والمغني ٨ / ٥٨١.
(٣) القليوبي ٤ / ٢٤٣.
(٤) ابن عابدين ٥ / ١٨٧، وجواهر الإكليل ١ / ٢١٣، والقليوبي ٤ / ٢٤٣، والمغني ٨ / ٥٧٤.
تُرَابٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التُّرَابُ: مَا نَعُمَ مِنْ أَدِيمِ الأَْرْضِ. بِهَذَا عَرَّفَهُ الْمُعْجَمُ الْوَسِيطُ، وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ، وَقَال الْمُبَرِّدُ: هُوَ جَمْعٌ وَاحِدُهُ تُرَابَةٌ، وَجَمْعُهُ أَتْرِبَةٌ وَتِرْبَانٌ، وَتُرْبَةُ الأَْرْضِ: ظَاهِرُهَا.
وَأَتْرَبْتُ الشَّيْءَ: وَضَعْتُ عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَتَرَّبْتُهُ تَتْرِيبًا فَتَتَرَّبَ: أَيْ تَلَطَّخَ بِالتُّرَابِ. وَيُقَال: تَرِبَ الرَّجُل: إِذَا افْتَقَرَ، كَأَنَّهُ لَصِقَ بِالتُّرَابِ، وَفِي الْحَدِيثِ: فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ (١) وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الدُّعَاءَ، بَل الْحَثُّ وَالتَّحْرِيضُ. وَيُقَال: أَتْرَبَ الرَّجُل: أَيِ اسْتَغْنَى، كَأَنَّهُ صَارَ لَهُ مِنَ الْمَال بِقَدْرِ التُّرَابِ (٢) .
وَفِي الْمُصْطَلَحَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْفَنِّيَّةِ: أَنَّهُ جُزْءُ
_________
(١) حديث: " فاظفر بذات الدين. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ٩ / ١٣٢ - ط السلفية) ومسلم (٢ / ١٠٨٦ ط الحلبي) .
(٢) لسان العرب، والصحاح، والمصباح المنير، مادة: " ترب ".
الأَْرْضِ السَّطْحِيِّ الْمُتَجَانِسِ التَّرْكِيبِ، أَوِ الَّذِي تَتَنَاوَلُهُ آلاَتُ الْحِرَاثَةِ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَيُفْهَمُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ أَنَّ الرَّمْل وَنُحَاتَةَ الصَّخْرِ لَيْسَا مِنَ التُّرَابِ، وَإِنْ أُعْطِيَا حُكْمَهُ فِي بَعْضِ الْمَذَاهِبِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الصَّعِيدُ:
٢ - الصَّعِيدُ: وَجْهُ الأَْرْضِ تُرَابًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، قَال الزَّجَّاجُ: وَلاَ أَعْلَمُ اخْتِلاَفًا بَيْنَ أَهْل اللُّغَةِ فِي ذَلِكَ. (٣)
وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الصَّعِيدُ أَعَمَّ مِنَ التُّرَابِ.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
أ - فِي التَّيَمُّمِ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ يَصِحُّ بِكُل تُرَابٍ طَاهِرٍ فِيهِ غُبَارٌ يَعْلَقُ بِالْيَدِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ (٤) وَلِقَوْلِهِ ﷺ: أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: كَانَ كُل نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ
_________
(١) المصطلحات العلمية ملحق لسان العرب ط بيروت مادة: " ترب ".
(٢) حاشية قليوبي ١ / ٨٦.
(٣) المصباح المنير، والمغرب، مادة: " صعد ".
(٤) سورة المائدة / ٦.
خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى كُل أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِل لأَِحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَْرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيَّ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ (١) .
وَاخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ التَّيَمُّمِ بِمَا عَدَا التُّرَابَ، كَالنُّورَةِ وَالْحِجَارَةِ وَالرَّمْل وَالْحَصَى وَالطِّينِ الرَّطْبِ وَالْحَائِطِ الْمُجَصَّصِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مِنْ جِنْسِ الأَْرْضِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى صِحَّةِ التَّيَمُّمِ بِهَذِهِ الأَْشْيَاءِ الْمَذْكُورَةِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ التَّيَمُّمَ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِالتُّرَابِ الطَّاهِرِ ذِي الْغُبَارِ الْعَالِقِ. وَكَذَا يَصِحُّ بِرَمْلٍ فِيهِ غُبَارٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي قَوْل الْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٢) .
وَالتَّفَاصِيل يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ (تَيَمُّمٌ) .
ب - فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ:
٤ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَا نَجَسَ بِمُلاَقَاةِ شَيْءٍ، مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ مَا تَوَلَّدَ مِنْهُمَا أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا، يُغْسَل سَبْعَ مَرَّاتٍ: إِحْدَاهُنَّ
_________
(١) حديث: " أعطيت خمسا. . . " أخرجه مسلم (١ / ٣٧١ - ط الحلبي) .
(٢) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ١ / ٥٣، والدر المختار ١ / ١٦٠، والقوانين الفقهية ص ٣٠، والشرح الكبير للدردير ١ / ١٥٦، ومغني المحتاج ١ / ٩٦، والمغني لابن قدامة ١ / ٢٤٧، والفروع ١ / ٢٢٣.
بِالتُّرَابِ. سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لُعَابَهُ أَوْ بَوْلَهُ أَوْ سَائِرَ رُطُوبَاتِهِ أَوْ أَجْزَاءَهُ الْجَافَّةَ إِذَا لاَقَتْ رَطْبًا؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، أُولاَهُنَّ بِالتُّرَابِ وَفِي رِوَايَةٍ: أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وَفِي أُخْرَى وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ (١) وَأُلْحِقَ الْخِنْزِيرُ بِالْكَلْبِ لأَِنَّهُ أَسْوَأُ حَالًا. (٢) وَلِهَذَا قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِ: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (٣)
وَرُوِيَ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةً أُخْرَى بِوُجُوبِ غَسْل نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ: وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ (٤) وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَعُمَّ التُّرَابُ الْمَحَل، وَأَنْ يَكُونَ طَاهِرًا، وَأَنْ يَكُونَ قَدْرًا يُكَدِّرُ الْمَاءَ، وَيَكْتَفِي بِوُجُودِ التُّرَابِ فِي وَاحِدَةٍ مِنَ الْغَسَلاَتِ السَّبْعِ، وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِ الأَْخِيرَةِ، وَجَعْلُهُ فِي الأُْولَى أَوْلَى. (٥)
_________
(١) حديث: " طهور إناء أحدكم. . . " أخرجه مسلم (١ / ٢٣٤ - ٢٣٥ - ط الحلبي) .
(٢) مغني المحتاج ١ / ٨٣، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٢، وسبل السلام ١ / ٢٥.
(٣) سورة الأنعام / ١٤٥.
(٤) المغني لابن قدامة ١ / ٥٢.
(٥) مغني المحتاج ١ / ٨٣، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٢ وما بعدها، والجمل على شرح المنهاج ١ / ١٨٤ وما بعدها.
وَالأَْظْهَرُ تَعَيُّنُ التُّرَابِ جَمْعًا بَيْنَ نَوْعَيِ الطَّهُورِ. فَلاَ يَكْفِي غَيْرَهُ، كَأُشْنَانٍ وَصَابُونٍ. وَمُقَابِلُهُ أَنَّهُ لاَ يَتَعَيَّنُ التُّرَابُ. وَيَقُومُ مَا ذُكِرَ وَنَحْوُهُ مَقَامَهُ. وَهُنَاكَ رَأْيٌ ثَالِثٌ: بِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَ التُّرَابِ عِنْدَ فَقْدِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَلاَ يَقُومُ عِنْدَ وُجُودِهِ. وَفِي قَوْلٍ رَابِعٍ: أَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيمَا يُفْسِدُهُ التُّرَابُ، كَالثِّيَابِ دُونَ مَا لاَ يُفْسِدُهُ. (١)
وَيَرَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْخِنْزِيرَ لَيْسَ كَالْكَلْبِ، بَل يَكْفِي لإِزَالَةِ نَجَاسَتِهِ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ تُرَابٍ، كَغَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ الأُْخْرَى؛ لأَِنَّ الْوَارِدَ فِي التَّتْرِيبِ إِنَّمَا هُوَ فِي الْكَلْبِ فَقَطْ. (٢)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: فَيَرَوْنَ الاِكْتِفَاءَ بِغَسْل مَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ مِنَ الأَْوَانِي مِنْ غَيْرِ تَتْرِيبٍ، وَحُجَّتُهُمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ رِوَايَاتِ التَّتْرِيبِ فِي الْحَدِيثِ مُضْطَرِبَةٌ حَيْثُ وَرَدَتْ بِلَفْظِ: إِحْدَاهُنَّ، فِي رِوَايَةٍ، وَفِي أُخْرَى بِلَفْظِ: أُولاَهُنَّ، وَفِي ثَالِثَةٍ بِلَفْظِ: أُخْرَاهُنَّ، وَفِي رَابِعَةٍ: السَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ، وَفِي خَامِسَةٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ، وَالاِضْطِرَابُ قَادِحٌ فَيَجِبُ طَرْحُهَا. ثُمَّ إِنَّ ذِكْرَ التُّرَابِ لَمْ يَثْبُتْ فِي كُل الرِّوَايَاتِ. (٣)
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٨٣، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٣.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٨٤، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٥.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ١٣٩، والبدائع ١ / ٨٧، ومواهب الجليل ١ / ١٧٩، وجواهر الإكليل ١ / ١٤، وسبل السلام ١ / ٢٥، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٣.
وَالتَّفَاصِيل يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي مُصْطَلَحِ: (نَجَاسَةٌ، وَطَهَارَةٌ، وَصَيْدٌ، وَكَلْبٌ) .
٥ - وَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْخُفَّ وَالنَّعْل إِذَا أَصَابَتْهُمَا نَجَاسَةٌ لَهَا جِرْمٌ كَالرَّوْثِ فَمَسْحُهُمَا بِالتُّرَابِ يُطَهِّرُهُمَا. (١) وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁: أَنَّهُ ﷺ صَلَّى يَوْمًا، فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فِي الصَّلاَةِ، فَخَلَعَ الْقَوْمُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ سَأَلَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ، فَقَال ﵊: أَتَانِي جِبْرِيل ﵇ وَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا أَذًى فَخَلَعْتُهُمَا، ثُمَّ قَال: إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُقَلِّبْ نَعْلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ بِهِمَا أَذًى فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالأَْرْضِ، فَإِنَّ الأَْرْضَ لَهُمَا طَهُورٌ (٢)
وَأَمَّا مَا لاَ جِرْمَ لَهُ مِنَ النَّجَاسَةِ كَالْبَوْل فَفِيهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (نَجَاسَةٌ) (وَقَضَاءُ الْحَاجَةِ) .
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ،
_________
(١) بدائع الصنائع ١ / ٨٤، وحاشية ابن عابدين ١ / ٢٠٦، والإنصاف ١ / ٣٢٣، وجواهر الإكليل ١ / ١٢.
(٢) حديث أبي سعيد " صلى يوما فخلع نعليه. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٤٢٦ - ط عزت عبيد دعاس)، والحاكم (١ / ٢٦٠ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
فَيَرَوْنَ أَنَّ التُّرَابَ لاَ يُطَهِّرُ الْخُفَّ أَوِ النَّعْل، وَأَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُمَا إِذَا أُرِيدَ تَطْهِيرَهُمَا (١) .
ج - فِي الصَّوْمِ:
٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ أَكْل التُّرَابِ وَالْحَصَاةِ وَنَحْوَهُمَا عَمْدًا يُبْطِل الصَّوْمَ، وَكَذَلِكَ إِذَا وَصَل إِلَى الْجَوْفِ عَنْ طَرِيقِ الأَْنْفِ أَوِ الأُْذُنِ أَوْ نَحْوِهِمَا عَمْدًا؛ لأَِنَّ الصَّوْمَ هُوَ الإِْمْسَاكُ عَنْ كُل مَا يَصِل إِلَى الْجَوْفِ، وَفِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مَبْحَثِ (كَفَّارَةٌ) .
أَمَّا الْغُبَارُ الَّذِي يَصِل إِلَى الْجَوْفِ عَنْ طَرِيقِ الأَْنْفِ أَوْ نَحْوِهِ بِصُورَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ فَلاَ يُفْطِرُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ لِمَشَقَّةِ الاِحْتِرَازِ عَنْهُ. (٢)
وَيَرَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الصَّائِمَ لَوْ فَتَحَ فَاهُ عَمْدًا حَتَّى دَخَل التُّرَابُ جَوْفَهُ لَمْ يُفْطِرْ لأَِنَّهُ مَعْفُوٌّ عَنْ جِنْسِهِ (٣) . وَالتَّفَاصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (صَوْمٌ) .
د - فِي الْبَيْعِ:
٧ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ
_________
(١) الإنصاف ١ / ٣٢٣، ومغني المحتاج ١ / ١٧.
(٢) بدائع الصنائع ٢ / ٩٣، وحاشية ابن عابدين ٢ / ١٠٨، وكشف المخدرات ص ١٥٩، وجواهر الإكليل ١ / ١٤٢، والمغني لابن قدامة ٣ / ١١٥.
(٣) مغني المحتاج ١ / ٤٢٩.