الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
تَذَكُّرٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّذْكِيرُ وَالتَّذَكُّرُ: مِنْ مَادَّةِ ذَكَرَ، ضِدُّ نَسِيَ، يُقَال: ذَكَرْتُ الشَّيْءَ بَعْدَ نِسْيَانٍ، وَذَكَرْتُهُ بِلِسَانِي، وَقَلْبِي، وَتَذَكَّرْتُهُ، وَأَذْكَرْتُهُ غَيْرِي، وَذَكَّرْتُهُ تَذْكِيرًا. (١)
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - السَّهْوُ:
٢ - السَّهْوُ فِي اللُّغَةِ: نِسْيَانُ الشَّيْءِ وَالْغَفْلَةُ عَنْهُ وَذَهَابُ الْقَلْبِ إِلَى غَيْرِهِ، فَالسَّهْوُ عَنِ الصَّلاَةِ: الْغَفْلَةُ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا، قَال ابْنُ الأَْثِيرِ: السَّهْوُ مِنَ الشَّيْءِ: تَرْكُهُ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ، وَالسَّهْوُ عَنْهُ: تَرْكُهُ مَعَ الْعِلْمِ، (٢) وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٣) .
_________
(١) لسان العرب، والمصباح مادة: " ذكر ".
(٢) لسان العرب، والمصباح مادة: " سها ".
(٣) سورة الماعون / ٥.
وَاصْطِلاَحًا، قَال صَاحِبُ الْمَوَاقِفِ: السَّهْوُ زَوَال الصُّورَةِ عَنِ الْمُدْرِكَةِ مَعَ بَقَائِهَا فِي الْحَافِظَةِ، (١) وَقِيل: هُوَ الذُّهُول عَنِ الشَّيْءِ، بِحَيْثُ لَوْ نُبِّهَ لَهُ أَدْنَى تَنْبِيهٍ لَتَنَبَّهَ (٢)
وَفِي الْمِصْبَاحِ: إِنَّ السَّهْوَ لَوْ نُبِّهَ صَاحِبُهُ لَمْ يَتَنَبَّهْ
ب - النِّسْيَانُ:
٣ - النِّسْيَانُ: ضِدُّ الذِّكْرِ وَالْحِفْظِ، يُقَال: نَسِيَهُ نَسْيًا، وَنِسْيَانًا، وَهُوَ تَرْكُ الشَّيْءِ عَنْ ذُهُولٍ وَغَفْلَةٍ، وَيُطْلَقُ مَجَازًا عَلَى التَّرْكِ عَنْ عَمْدٍ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ (٣) أَيْ تَرَكُوا أَمْرَ اللَّهِ فَحَرَمَهُمْ رَحْمَتَهُ. وَيُقَال: رَجُلٌ نِسْيَانٌ أَيْ: كَثِيرُ النِّسْيَانِ وَالْغَفْلَةِ (٤) .
وَاصْطِلاَحًا: هُوَ الذُّهُول عَنِ الشَّيْءِ، لَكِنْ لاَ يَتَنَبَّهُ لَهُ بِأَدْنَى تَنْبِيهٍ، لِكَوْنِ الشَّيْءِ قَدْ زَال مِنَ الْمُدْرِكَةِ وَالْحَافِظَةِ مَعًا، فَيَحْتَاجُ إِلَى سَبَبٍ جَدِيدٍ (٥)
_________
(١) الشبراملسي على النهاية ٢ / ٦٢.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٩٥ ط دار إحياء التراث العربي لبنان، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٧٢.
(٣) سورة التوبة / ٦٧.
(٤) لسان العرب مادة: " نسي ".
(٥) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٩٥، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٧٣، والشبرامسلي على النهاية ٢ / ٦٢.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
تَذَكُّرُ الْمُصَلِّي لِصَلاَتِهِ بَعْدَ الأَْكْل فِيهَا:
٤ - قَال الْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: (١) لاَ تَبْطُل صَلاَةُ مَنْ أَكَل نَاسِيًا وَإِنْ كَثُرَ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ. (٢)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَكَل فِي الصَّلاَةِ نَاسِيًا بَطَلَتْ صَلاَتُهُ، وَإِنْ قَل. (٣)
وَفَرَّقَ الشَّافِعِيَّةُ بَيْنَ الْقَلِيل وَالْكَثِيرِ، فَإِنْ كَانَ نَاسِيًا فَلاَ تَبْطُل صَلاَتُهُ إِذَا كَانَ قَلِيلًا. (٤)
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي: (صَلاَةٍ) (وَنِسْيَانٍ) .
سَهْوُ الإِْمَامِ:
٥ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا أَخْبَرَهُ عَدْلاَنِ بِعَدَمِ الإِْتْمَامِ لاَ يُعْتَبَرُ شَكُّهُ، وَعَلَيْهِ الأَْخْذُ بِقَوْلِهِمْ. أَمَّا إِذَا أَخْبَرَهُ عَدْلٌ فِي صَلاَةٍ رُبَاعِيَّةٍ مَثَلًا أَنَّهُ مَا صَلَّى أَرْبَعًا، وَشَكَّ فِي صِدْقِهِ وَكَذِبِهِ أَعَادَ احْتِيَاطًا. أَمَّا
_________
(١) المغني ٢ / ٦٢، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٨٩.
(٢) حديث: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ. . . " أخرجه الحاكم (٢ / ١٩٨ - ط دائرة المعارف العثمانية) . وحسنه النووي كما في المقاصد الحسنة للسخاوي (ص ٢٣٠ - نشر دار الكتب العلمية) .
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٤١٨.
(٤) روضة الطالبين ١ / ٢٩٦.
إِذَا كَذَّبَهُ، فَلاَ يُعِيدُ. وَإِنِ اخْتَلَفَ الإِْمَامُ وَالْقَوْمُ فَإِنْ كَانَ عَلَى يَقِينٍ لَمْ يُعِدْ، وَإِلاَّ أَعَادَ بِقَوْلِهِمْ. (١)
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا أَخْبَرَتْهُ جَمَاعَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ، يُفِيدُ خَبَرُهُمُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ بِتَمَامِ صَلاَتِهِ أَوْ نَقْصِهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ لِخَبَرِهِمْ، سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ مَأْمُومِيهِ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ تَيَقَّنَ كَذِبَهُمْ. وَإِنْ أَخْبَرَهُ عَدْلاَنِ فَأَكْثَرُ فَإِنَّهُ يَعْمَل بِالْخَبَرِ إِنْ لَمْ يَتَيَقَّنْ خِلاَفَ ذَلِكَ، وَكَانَا مِنْ مَأْمُومِيهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ مَأْمُومِيهِ فَلاَ يَرْجِعُ لِخَبَرِهِمَا، بَل يَعْمَل عَلَى يَقِينِهِ.
أَمَّا الْمُنْفَرِدُ وَالْمَأْمُومُ فَلاَ يَرْجِعَانِ لِخَبَرِ الْعَدْلَيْنِ، وَإِنْ أَخْبَرَ الإِْمَامَ وَاحِدٌ، فَإِنْ أَخْبَرَ بِالتَّمَامِ فَلاَ يَرْجِعُ لِخَبَرِهِ، بَل يَبْنِي عَلَى يَقِينِ نَفْسِهِ، أَمَّا إِذَا أَخْبَرَهُ بِالنَّقْصِ (٢) رَجَعَ لِخَبَرِهِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ الإِْمَامَ إِذَا شَكَّ هَل صَلَّى ثَلاَثًا أَوْ أَرْبَعًا؟ أَخَذَ بِالأَْقَل، وَلاَ يُعْمَل بِتَذْكِيرِ غَيْرِهِ، وَلَوْ كَانُوا جَمْعًا غَفِيرًا كَانُوا يَرْقُبُونَ صَلاَتَهُ. وَلاَ فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّذْكِيرُ مِنَ الْمَأْمُومِينَ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ. (٣)
وَاسْتَدَلُّوا بِخَبَرِ: إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ
_________
(١) حاشية الطحاوي ١ / ٣١٧، وحاشية ابن عابدين ١ / ٥٠٧.
(٢) المدونة الكبرى ٢ / ١٣٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٢٨٣.
(٣) روضة الطالبين ١ / ٣٠٨، وحاشية الجمل ١ / ٤٥٤ - ٤٥٥.
فَلَمْ يَدْرِ أَصَلَّى ثَلاَثًا أَمْ أَرْبَعًا؟ فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ. (١)
وَقَدْ أَجَابُوا عَنِ الْمُرَاجَعَةِ بَيْنَ الرَّسُول ﷺ وَالصَّحَابَةِ، وَعَوْدِهِ لِلصَّلاَةِ فِي خَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ، بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الرُّجُوعِ إِلَى قَوْل الْغَيْرِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى تَذَكُّرِهِ بَعْدَ مُرَاجَعَتِهِ لَهُمْ، أَوْ لأَِنَّهُمْ بَلَغُوا حَدَّ التَّوَاتُرِ الَّذِي يُفِيدُ الْيَقِينَ، أَيِ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ، فَرَجَعَ إِلَيْهِمْ. (٢)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ: إِذَا سَبَّحَ اثْنَانِ يَثِقُ بِقَوْلِهِمَا لِتَذْكِيرِهِ، لَزِمَهُ الْقَبُول وَالرُّجُوعُ لِخَبَرِهِمَا، سَوَاءٌ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صَوَابُهُمَا أَوْ خِلاَفُهُ. وَقَالُوا: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ: رَجَعَ إِلَى قَوْل أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ لَمَّا سَأَلَهُمَا: " أَحَقٌّ مَا قَال ذُو الْيَدَيْنِ؟ فَقَالاَ: نَعَمْ " (٣) مَعَ أَنَّهُ كَانَ شَاكًّا فِيمَا قَالَهُ ذُو الْيَدَيْنِ بِدَلِيل أَنَّهُ أَنْكَرَهُ، وَسَأَلَهُمَا عَنْ صِحَّةِ قَوْلِهِ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالتَّسْبِيحِ لِيُذَكِّرُوا الإِْمَامَ، وَيَعْمَل بِقَوْلِهِمْ. (٤) وَلِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ: صَلَّى فَزَادَ أَوْ نَقَصَ. . . الْحَدِيثَ، وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ،
_________
(١) حديث: " إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى. . . " أخرجه مسلم (١ / ٤٠٠ - ط عيسى الحلبي) .
(٢) المصادر السابقة.
(٣) حديث: " ذي اليدين " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٩٩ ط السلفية) ومسلم (١ / ٤٠٤ - ط عيسى الحلبي) .
(٤) حديث: " التسبيح للرجال والتصفيق للنساء " أخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٧٧ - ط السلفية) .
فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي. (١) وَإِنْ سَبَّحَ وَاحِدٌ لِتَذْكِيرِهِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قَوْلِهِ، إِلاَّ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ، فَيَعْمَل بِغَالِبِ ظَنِّهِ، لاَ بِتَسْبِيحِ الْغَيْرِ، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقْبَل قَوْل ذِي الْيَدَيْنِ وَحْدَهُ. وَإِنْ ذَكَّرَهُ فَسَقَةٌ بِالتَّسْبِيحِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى قَوْلِهِمْ؛ لأَِنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي أَحْكَامِ الشَّرْعِ (٢) .
تَذَكُّرُ الصَّائِمِ لِصَوْمِهِ وَهُوَ يَأْكُل:
٦ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ مَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ وَهُوَ صَائِمٌ، ثُمَّ تَذَكَّرَ وَأَمْسَكَ لَمْ يُفْطِرْ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنْ أَكَل نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مَنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَلاَ يُفْطِرُ، فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ (٣) .
وَقَال عَلِيٌّ ﵁: لاَ شَيْءَ عَلَى مَنْ أَكَل نَاسِيًا وَهُوَ صَائِمٌ.
وَلأَِنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ ذَاتُ تَحْرِيمٍ وَتَحْلِيلٍ، فَكَانَ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ مَا يُخَالِفُ عَمْدُهُ سَهْوَهُ كَالصَّلاَةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ، وَطَاوُوسٍ وَالأَْوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ.
_________
(١) حديث: " إنما أنا بشر أنسى كما تنسون. . . " أخرجه مسلم (١ / ٤٠٠ - ط عيسى الحلبي) .
(٢) المغني لابن قدامة ٢ / ٢٠.
(٣) حديث: " من أكل ناسيا وهو صائم فليتم صومه. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١١ / ٥٤٩ - ط السلفية) . وفي رواية: " من أكل أو شرب ناسيا. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ١٠٠ - ط عيسى الحلبي) .
وَقَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الأَْكْل أَوِ الشُّرْبُ قَلِيلًا، فَإِنْ كَانَ كَثِيرًا أَفْطَرَ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنْ أَكَل أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَقَدْ أَفْطَرَ (١)، وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (صَوْمٌ) .
تَذَكُّرُ الْقَاضِي لِحُكْمٍ قَضَاهُ:
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا رَأَى خَطَأً فِي حُكْمِهِ، لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهِ فِي إِمْضَاءِ الْحُكْمِ حَتَّى يَتَذَكَّرَ؛ لأَِنَّهُ حُكْمُ حَاكِمٍ لَمْ يَعْلَمْهُ، وَلأَِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّزْوِيرُ عَلَيْهِ وَعَلَى خَتْمِهِ، فَلَمْ يَجُزْ إِنْفَاذُهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ كَحُكْمِ غَيْرِهِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الإِْمَامُ: أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْهُ. (٢)
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا كَانَ الْحُكْمُ عِنْدَهُ، وَتَحْتَ يَدِهِ جَازَ الاِعْتِمَادُ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لاَ يَحْتَمِل التَّغْيِيرَ فِيهِ، وَأَجَازَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَمَل بِالْخَطِّ إِذَا عَرَفَ أَنَّهُ
_________
(١) رد المحتار على الدر المختار ٢ / ٣٩٤ وما بعدها ط مصطفى البابي الحلبي، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٥١٤، ونهاية المحتاج ٣ / ١٦٩، والمغني ٣ / ١١٦.
(٢) قليوبي ٤ / ٣٠٤، وروضة الطالبين ١١ / ١٥٧، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٣٧٥، والمغني لابن قدامة ٩ / ٧٦.
خَطُّهُ، وَلَوْ لَمْ يَتَذَكَّرِ الْحَادِثَةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْخَطُّ بِيَدِهِ؛ لأَِنَّ الْغَلَطَ نَادِرٌ فِي مِثْل ذَلِكَ، وَأَثَرُ التَّغْيِيرِ يُمْكِنُ الاِطِّلاَعُ عَلَيْهِ، وَقَلَّمَا يَتَشَابَهُ الْخَطُّ مِنْ كُل وَجْهٍ، فَإِذَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ خَطُّهُ جَازَ الاِعْتِمَادُ عَلَيْهِ، تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ. (١)
أَمَّا إِذَا شَهِدَ عَدْلاَنِ عِنْدَ الْقَاضِي: بِأَنَّ هَذَا حُكْمُهُ وَلَمْ يَتَذَكَّرْ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْعَمَل بِقَوْلِهِمَا:
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَلْزَمُهُ الْعَمَل بِذَلِكَ وَإِمْضَاءُ الْحُكْمِ. وَقَالُوا: إِنَّهُ لَوْ شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ غَيْرِهِ قُبِل، فَكَذَلِكَ يُقْبَل إِذَا شَهِدَا عِنْدَهُ بِحُكْمِ نَفْسِهِ. وَلأَِنَّهُمَا شَهِدَا بِحُكْمِ حَاكِمٍ، فَيَجِبُ قَبُول شَهَادَتِهِمَا. (٢)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهُ لاَ يَعْمَل بِقَوْلِهِمَا حَتَّى يَتَذَكَّرَ. (٣)
تَذَكُّرُ الشَّاهِدِ الشَّهَادَةَ وَعَدَمُهُ:
٨ - إِذَا رَأَى الشَّاهِدُ بِخَطِّهِ شَهَادَةً أَدَّاهَا عِنْدَ حَاكِمٍ، وَلَمْ يَتَذَكَّرِ الْحَادِثَةَ، فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهِيَ إِحْدَى رِوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ: لَمْ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٥٤ ط إحياء التراث العربي ببيروت.
(٢) المغني ٩ / ٧٦ - ٧٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٥٩.
(٣) قليوبي ٤ / ٣٠٤ و٣٠٥، وروضة الطالبين ١١ / ١٥٩.
يَشْهَدْ عَلَى مَضْمُونِهَا حَتَّى يَتَذَكَّرَ، وَإِنْ كَانَ الْكِتَابُ مَحْفُوظًا عِنْدَهُ لإِمْكَانِ التَّزْوِيرِ. (١)
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ إِذَا عَرَفَ خَطَّهُ شَهِدَ بِهِ، وَهُوَ رَأْيُ أَبِي يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ. (٢)
تَذَكُّرُ الرَّاوِي لِلْحَدِيثِ وَعَدَمُهُ:
٩ - أَمَّا رِوَايَةُ الْحَدِيثِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّخْصِ أَنْ يَرْوِيَ مَضْمُونَ خَطِّهِ اعْتِمَادًا عَلَى الْخَطِّ الْمَحْفُوظِ عِنْدَهُ، لِعَمَل الْعُلَمَاءِ بِهِ سَلَفًا وَخَلَفًا. وَقَدْ يَتَسَاهَل فِي الرِّوَايَةِ؛ لأَِنَّهَا تُقْبَل مِنَ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ، بِخِلاَفِ الشَّهَادَةِ. (٣) هَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ،
وَقَال الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ: لاَ يُعْمَل بِهَا لِمُشَابَهَةِ الْخَطِّ بِالْخَطِّ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ. (٤)
تَذْكِيرٌ
انْظُرْ: تَذَكُّرٌ
.
_________
(١) روضة الطالبين ١١ / ١٥٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٩٣.
(٢) المغني ٩ / ١٦٠، وابن عابدين ٤ / ٣٧٥.
(٣) روض الطالب ٤ / ٣٠٨، وروضة الطالبين ١١ / ١٥٧.
(٤) ابن عابدين ٤ / ٣٧٥.
تَذْكِيَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّذْكِيَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ ذَكَّى، وَالاِسْمُ (الذَّكَاةُ) وَمَعْنَاهَا: إِتْمَامُ الشَّيْءِ وَالذَّبْحُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊: ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ (١) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هِيَ السَّبَبُ الْمُوَصِّل لِحِل أَكْل الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ اخْتِيَارًا. (٢)
هَذَا تَعْرِيفُ الْجُمْهُورِ،
وَيُعْرَفُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: بِأَنَّهُ السَّبِيل الشَّرْعِيَّةُ لِبَقَاءِ طَهَارَةِ الْحَيَوَانِ، وَحِل أَكْلِهِ إِنْ كَانَ مَأْكُولًا، وَحِل الاِنْتِفَاعِ بِجِلْدِهِ وَشَعْرِهِ إِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْكُولٍ (٣) .
_________
(١) المصباح المنير، ولسان العرب مادة: " ذكي " والقرطبي ٦ / ٥٢، ٥٣. وحديث " ذكاة الجنين ذكاة أمه ". أخرجه أحمد (٣ / ٣٩ - ط الميمنية) وحسنه المنذري كما في نصب الراية للزيلعي (٤ / ١٨٩ - ط المجلس العلمي) .
(٢) الشرح الصغير بهامش بلغة السالك ١ / ٣١٢.
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٨٦، ١٩٥ - ١٩٦ و٣٠٥، والاختيار ٥ / ٩، وجواهر الإكليل ١ / ٢٠٨، والقليوبي ٤ / ٣٤٢، والمغني لابن قدامة ٨ / ٥٧٣، ٢٧٥.