الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ لِلتَّدْلِيسِ عَلَيْهِ بِإِخْفَاءِ الْعَيْبِ الْمُقَارِنِ (١)
وَقَال الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: إِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ بِالْمَهْرِ عَلَى مَنْ غَرَّهُ؛ لاِسْتِيفَائِهِ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ الْمُتَقَوِّمِ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ. أَمَّا الْعَيْبُ الْحَادِثُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَلاَ يَرْجِعُ جَزْمًا. (٢)
أَمَّا هَل خِيَارُ الْعَيْبِ عَلَى التَّرَاخِي؟ وَهَل يَحْتَاجُ إِلَى حُكْمِ حَاكِمٍ؟ وَحُكْمِ وَلَدِ الْمَغْرُورِ، وَالتَّفْصِيل فِي ذَلِكَ فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ: (تَغْرِيرٌ) (وَفَسْخٌ) .
الْمَغْرُورُ بِخَلْفِ الشَّرْطِ:
١٣ - لَوْ شَرَطَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الْكَمَال، مِمَّا لاَ يَمْنَعُ عَدَمُهُ صِحَّةَ النِّكَاحِ كَبَكَارَةٍ وَشَبَابٍ وَإِسْلاَمٍ، أَوْ نَفْيِ عَيْبٍ لاَ يَثْبُتُ بِهِ الْخِيَارُ كَأَلاَّ تَكُونَ عَوْرَاءَ أَوْ خَرْسَاءَ، أَوْ شَرَطَ مَا لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَال وَلاَ النَّقْصَ كَطُولٍ وَبَيَاضٍ وَسُمْرَةٍ، فَتَخَلَّفَ الشَّرْطُ، صَحَّ النِّكَاحُ، وَثَبَتَ لِلْمَغْرُورِ خِيَارُ الْفَسْخِ. (٣) عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ: (تَغْرِيرٌ، وَشَرْطٌ) .
_________
(١) الزرقاني ٣ / ٢٤٤، والمغني ٦ / ٦٥٦، ومغني المحتاج ٣ / ٢٠٥.
(٢) مغني المحتاج ٣ / ٢٠٥، وروضة الطالبين ٧ / ١٨١.
(٣) مغني المحتاج ٣ / ٢٠٨، والمغني ٦ / ٥٢٦، والزرقاني ٣ / ٢٣٨.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِخَلْفِ الشَّرْطِ.
وَجَاءَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: فَلَوْ شَرَطَ وَصْفًا مَرْغُوبًا فِيهِ كَالْعُذْرَةِ (الْبَكَارَةِ) وَالْجَمَال، وَالرَّشَاقَةِ، وَصِغَرِ السِّنِّ: فَظَهَرَتْ ثَيِّبًا عَجُوزًا شَوْهَاءَ، ذَاتَ شِقٍّ مَائِلٍ، وَلُعَابٍ سَائِلٍ، وَأَنْفٍ هَائِلٍ، وَعَقْلٍ زَائِلٍ، فَلاَ خِيَارَ لَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ (١) .
تَأْدِيبُ الْمُدَلِّسِ:
١٤ - يُؤَدَّبُ الْمُدَلِّسُ بِالتَّعْزِيرِ بِمَا يَرَاهُ الْحَاكِمُ زَاجِرًا وَمُؤَدِّبًا.
جَاءَ فِي مَوَاهِبِ الْجَلِيل: قَال مَالِكٌ: مَنْ بَاعَ شَيْئًا وَبِهِ عَيْبٌ غَرَّ بِهِ أَوْ دَلَّسَهُ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ.
قَال ابْنُ رُشْدٍ: مِمَّا لاَ خِلاَفَ فِيهِ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى مَنْ غَشَّ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، أَوْ غَرَّهُ، أَوْ دَلَّسَ بِعَيْبٍ: أَنْ يُؤَدَّبَ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالرَّدِّ؛ لأَِنَّهُمَا حَقَّانِ مُخْتَلِفَانِ: أَحَدُهُمَا لِلَّهِ؛ لِيَتَنَاهَى النَّاسُ عَنْ حُرُمَاتِ اللَّهِ، وَالآْخَرُ لِلْمُدَلَّسِ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ فَلاَ يَتَدَاخَلاَنِ، (٢) وَتَعْزِيرُ الْمُدَلِّسِ مَحَل اتِّفَاقٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ، كَكُل مَعْصِيَةٍ لاَ حَدَّ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةَ. (٣)
_________
(١) فتح القدير ٤ / ١٣٣ دار إحياء التراث العربي لبنان بيروت.
(٢) مواهب الجليل ٤ / ٤٤٩، وشرح الزرقاني ٥ / ١٣٣.
(٣) قليوبي ٤ / ٢٠٥، وابن عابدين ٣ / ١٨٢، ومطالب أولي النهى ٣ / ٥٣١.
تَدْمِيَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّدْمِيَةُ لُغَةً: مِنْ دَمَّيْتُهُ تَدْمِيَةً: إِذَا حَزَبْتُهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ دَمٌ، وَمِثْلُهُ أَدْمَيْتُهُ (١)
وَاصْطِلاَحًا: قَوْل الْمَقْتُول قَبْل مَوْتِهِ: دَمِي عِنْدَ فُلاَنٍ، أَوْ قَتَلَنِي فُلاَنٌ
وَهُوَ اصْطِلاَحُ الْمَالِكِيَّةِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُمْ قَدْ تَنَاوَل هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي بَابِ الْقَسَامَةِ وَلَمْ يُسَمِّهَا بِالتَّدْمِيَةِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الدَّامِيَةُ
٢ - الدَّامِيَةُ هِيَ: جِرَاحَةٌ تُضْعِفُ الْجِلْدَ حَتَّى يَرْشَحَ مِنْهُ شَيْءٌ كَالدَّمِ مِنْ غَيْرِ انْشِقَاقِ الرَّأْسِ. (٢) وَهِيَ مِنَ الْجِرَاحَاتِ الْعَشْرِ الَّتِي لَهَا أَسْمَاءٌ خَاصَّةٌ، فَهِيَ غَيْرُ التَّدْمِيَةِ الاِصْطِلاَحِيَّةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، لَكِنَّهَا وَالتَّدْمِيَةُ لُغَةً مِنْ بَابٍ وَاحِدَةٍ
_________
(١) لسان العرب، مادة: " دمي ".
(٢) جواهر الإكليل ٢ / ٢٥٩، ورحمة الأمة ص ٢٦٥ ط البابي الحلبي.
٣ - الإِْشْعَارُ هُوَ إِدْمَاءُ الْهَدْيِ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ بِطَعْنٍ أَوْ رَمْيٍ أَوْ وَجْءٍ بِحَدِيدَةٍ؛ لِيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ فَلاَ يُتَعَرَّضُ لَهُ. (١)
فَالإِْشْعَارُ تَدْمِيَةٌ لُغَةً، وَلَيْسَ كَمَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٤ - اعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ (التَّدْمِيَةَ) مِنَ اللَّوْثِ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الْقَسَامَةُ، إِنْ صَدَرَ مِنْ حُرٍّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ، إِنْ شَهِدَ عَلَى قَوْلِهِ عَدْلاَنِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى إِقْرَارِهِ، وَكَانَ بِهِ جُرْحٌ. وَتُسَمَّى حِينَئِذٍ التَّدْمِيَةُ الْحَمْرَاءُ، وَهِيَ إِنْ كَانَ بِالْمَقْتُول جُرْحٌ. وَأَثَرُ الضَّرْبِ أَوِ السُّمِّ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْجُرْحِ، وَالْعَمَل بِالتَّدْمِيَةِ قَوْل اللَّيْثِ.
أَمَّا غَيْرُهُمْ فَقَدْ رَأَوْا أَنَّ قَوْل الْمَقْتُول: دَمِي عِنْدَ فُلاَنٍ، دَعْوَى مِنَ الْمَقْتُول وَالنَّاسُ لاَ يُعْطَوْنَ بِدَعْوَاهُمْ، وَالأَْيْمَانُ لاَ تُثْبِتُ الدَّعْوَى، وَإِنَّمَا تَرُدُّهَا مِنَ الْمُنْكِرِ.
وَرَأَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الشَّخْصَ عِنْدَ مَوْتِهِ لاَ يَتَجَاسَرُ عَلَى الْكَذِبِ فِي سَفْكِ الدَّمِ، كَيْفَ وَهُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يَنْدَمُ فِيهِ النَّادِمُ وَيُقْلِعُ فِيهِ الظَّالِمُ. وَمَدَارُ الأَْحْكَامِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَأَيَّدُوا ذَلِكَ بِكَوْنِ الْقَسَامَةِ خَمْسِينَ يَمِينًا مُغَلَّظَةً احْتِيَاطًا فِي الدِّمَاءِ؛ وَلأَِنَّ الْغَالِبَ عَلَى الْقَاتِل إِخْفَاءُ الْقَتْل
_________
(١) لسان العرب، مادة: " شعر ".
عَلَى الْبَيِّنَاتِ، فَاقْتَضَى الاِسْتِحْسَانُ ذَلِكَ. (١)
أَمَّا التَّدْمِيَةُ الْبَيْضَاءُ، فَهِيَ الَّتِي لَيْسَ مَعَهَا جُرْحٌ، وَلاَ أَثَرُ ضَرْبٍ، فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَدَمُ قَبُولِهَا. فَإِذَا قَال الْمَيِّتُ فِي حَال مَرَضِهِ، وَلَيْسَ بِهِ جُرْحٌ، وَلاَ أَثَرُ ضَرْبٍ: قَتَلَنِي فُلاَنٌ، أَوْ دَمِّي عِنْدَ فُلاَنٍ، فَلاَ يُقْبَل قَوْلُهُ إِلاَّ بِالْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ. (٢)
وَتَفْصِيل الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي الْجِنَايَاتِ، وَفِي الْقَسَامَةِ.
تَدْيِينٌ
انْظُرْ: دِيَانَةٌ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٨٨.
(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٨٨، وشرح الزرقاني ٨ / ٥٤.
تَذْفِيفٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّذْفِيفُ بِالذَّال وَبِالدَّال فِي اللُّغَةِ: الإِْجْهَازُ عَلَى الْجَرِيحِ، وَهُوَ قَتْلُهُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: هُوَ الإِْسْرَاعُ بِقَتْلِهِ، يُقَال: ذَفَفْتُ عَلَى الْقَتِيل: إِذَا أَسْرَعْتَ فِي قَتْلِهِ، وَيُقَال: ذَفَفْتُ عَلَى الْجَرِيحِ إِذَا عَجَّلْتَ قَتْلَهُ. (١)
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لَهُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّذْفِيفِ بِاخْتِلاَفِ مَوَاضِعِهِ:
أ - التَّذْفِيفُ فِي الْجِهَادِ:
٢ - يَجُوزُ التَّذْفِيفُ عَلَى جَرْحَى الْكُفَّارِ فِي الْمَعْرَكَةِ؛ لأَِنَّ تَرْكَهُمْ أَحْيَاءً ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: " ذفف "، والنظم المستعذب شرح غريب المهذب بذيل المهذب ٢ / ٢١٩.
(٢) الاختيار ٤ / ١٥٢، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٧٧، والمهذب ٢ / ٢١٩، والمغني ٨ / ١٠٩.
وَتَقْوِيَةٌ لِلْكُفَّارِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (جِهَادٌ) . (١)
ب - الإِْجْهَازُ عَلَى جَرِيحِ الْبُغَاةِ:
٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ جَرْحَى الْبُغَاةِ بَعْدَ انْهِزَامِهِمْ أَمَامَ الْمُسْلِمِينَ وَتَوَلِّيهِمْ. فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْل مُدْبِرِهِمْ وَالإِْجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ؛ لِئَلاَّ يَنْحَازُوا إِلَى هَذِهِ الْفِئَةِ؛ لاِحْتِمَال أَنْ يَتَجَمَّعُوا وَيُثِيرُوا الْفِتْنَةَ تَارَةً أُخْرَى، فَيَكُرُّوا عَلَى أَهْل الإِْسْلاَمِ، وَقَتْلِهِمْ إِذَا كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ لاَ يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ دَفْعًا؛ لأَِنَّهُ لَوْ لَمْ يُذَفَّفْ عَلَيْهِمْ يَتَحَيَّزُونَ إِلَى الْفِئَةِ، وَيَعُودُ شَرُّهُمْ كَمَا كَانَ، (٢) وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ قَائِمَةٌ يَحْرُمُ قَتْل جَرْحَى الْبُغَاةِ. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل عَلِيٍّ ﵁ يَوْمَ الْجَمَل: لاَ تَتَّبِعُوا مُدْبِرًا، وَلاَ تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلاَ تَقْتُلُوا أَسِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَالنِّسَاءَ وَإِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ وَسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ. وَقَدْ حَمَلَهُ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى مَا إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْبُغَاةِ فِئَةٌ. (٣) وَنَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ جَرِيحَ الْبُغَاةِ وَمُدْبِرَهُمْ يَخْتَارُ الإِْمَامُ
_________
(١) المغني لابن قدامة ١ / ٣٧٧، والسياسة الشرعية لإصلاح الراعي والرعية لابن تيمية ص ١٩٣ ط الثانية، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٥ ط الجهاد، وكشاف القناع ٣ / ٥٠.
(٢) البدائع ٧ / ١٤٠، ١٤١، وفتح القدير ٤ / ٤١١.
(٣) فتح القدير ٤ / ٤١٢ ط بولاق.
مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ، تَارِكًا هَوَى النَّفْسِ وَالتَّشَفِّي، وَإِنْ وُجِدَتِ الْفِئَةُ. (١)
وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ فِي جَرْحَى الْبُغَاةِ يَعْتَمِدُ عَلَى مَدَى تَيَقُّنِ الإِْمَامِ مِنَ الْتِحَاقِهِمْ بِالْبُغَاةِ، أَوْ رُجُوعِهِمْ إِلَى الطَّاعَةِ، فَإِنْ أَمِنَ الإِْمَامُ بَغْيَهُمْ لاَ يَجُوزُ لَهُ اتِّبَاعُ مُنْهَزِمِهِمْ، وَلاَ التَّذْفِيفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَأْمَنِ الإِْمَامُ بَغْيَهُمُ اتَّبَعَ مُنْهَزِمَهُمْ، وَذَفَّفَ عَلَى جَرِيحِهِمْ، حَسَبَ مُقْتَضَيَاتِ مَصْلَحَةِ الْحَرْبِ لِحُصُول الْمَقْصُودِ. (٢)
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْمَالِكِيَّةُ وُجُودَ الْفِئَةِ الَّتِي يُحْتَمَل التَّحَيُّزُ إِلَيْهَا؛ لأَِنَّ الْمَصْلَحَةَ هِيَ الأَْسَاسُ عِنْدَهُمْ. (٣) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (بُغَاةٌ) .
وَالشَّافِعِيَّةُ قَالُوا: إِذَا كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ بَعِيدَةٌ يَنْحَازُونَ إِلَيْهَا، وَلاَ يَتَوَقَّعُ فِي الْعَادَةِ مَجِيئُهَا إِلَيْهِمْ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ وُصُولِهَا إِلَيْهِمْ، لاَ يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ لأَِمْنِ غَائِلَتِهِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ. وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ قَرِيبَةٌ تُسْعِفُهُمْ عَادَةً، وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّبَاعُهُمْ وَالتَّذْفِيفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ. (٤)
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ أَهْل الْبَغْيِ إِذَا تَرَكُوا الْقِتَال بِالرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ، أَوْ بِإِلْقَاءِ السِّلاَحِ،
_________
(١) حاشية رد المحتار ٤ / ٢٦٥.
(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٢٩٩، ٣٠٠ ط عيسى الحلبي بمصر.
(٣) الشرح الصغير للدردير ٤ / ٤٢٩.
(٤) نهاية المحتاج ٧ / ٣٨٦، ٣٨٧، والمهذب ٢ / ٢٢١ ط دار المعرفة / بيروت - لبنان.
أَوْ بِالْهَزِيمَةِ إِلَى فِئَةٍ، أَوْ إِلَى غَيْرِ فِئَةٍ، أَوْ بِالْعَجْزِ لِجِرَاحٍ أَوْ مَرَضٍ، فَلاَ يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ، (١) وَبِهَذَا قَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ (٢)
وَسَاقَ ابْنُ قُدَامَةَ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ الآْثَارَ الْوَارِدَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْل الْمُدْبِرِ وَالإِْجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ، وَمِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ قَال يَوْمَ الْجَمَل: لاَ يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحٍ. كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: يَا ابْنَ مَسْعُودٍ أَتَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الأُْمَّةِ؟ قَال ابْنُ مَسْعُودٍ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَال: فَإِنَّ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَنْ لاَ يُتْبَعَ مُدْبِرُهُمْ، وَلاَ يُقْتَل أَسِيرُهُمْ، وَلاَ يُذَفَّفَ عَلَى جَرِيحِهِمْ. (٣) وَلأَِنَّ قِتَالَهُمْ لِلدَّفْعِ وَالرَّدِّ إِلَى الطَّاعَةِ دُونَ الْقَتْل، فَلاَ يَجُوزُ فِيهِ الْقَصْدُ إِلَى الْقَتْل مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ (ر: بُغَاةٌ) .
ج - التَّذْفِيفُ فِي الذَّبَائِحِ:
٤ - مِنْ صُوَرِ الذَّكَاةِ مَا إِذَا رَمَى الصَّيْدَ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ وَبِهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، فَلاَ يَحِل إِلاَّ بِتَذْكِيَتِهِ. أَمَّا إِنْ أَدْرَكَهُ وَلَمْ يَبْقَ بِهِ إِلاَّ حَرَكَةُ الْمَذْبُوحِ،
_________
(١) المغني لابن قدامة ٨ / ١١٤، ١١٥.
(٢) المهذب ٢ / ٢١٩.
(٣) حديث: " يا ابن مسعود. . . " أخرجه الحاكم (٢ / ١٥٥ - ط دائرة المعارف العثمانية) وقال الذهبي: قلت: كوثر - يعني ابن حكيم راويه عن نافع - متروك. وكذا أعله البيهقي في سننه الكبرى (٨ / ١٨٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) .
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَحِل وَلَوْ لَمْ يُذَفَّفْ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ حَرَكَةَ الْمَذْبُوحِ لاَ تُعْتَبَرُ حَيَاةً عِنْدَهُمْ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ - فِيمَا نَقَل عَنْهُ الْجَصَّاصُ - إِلَى أَنَّهُ لاَ يَحِل مَا لَمْ يُذَفَّفْ عَلَيْهِ بِالتَّذْكِيَةِ؛ لأَِنَّهُ يَعْتَبِرُ حَرَكَةَ الْمَذْبُوحِ حَيَاةً. وَالنَّقْل الرَّاجِحُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُوَافِقُ الْجُمْهُورَ. (١)
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (صَيْدٌ) (وَذَبَائِحٌ) .
_________
(١) روضة الطالبين ٣ / ٢٠١، ٢٠٢، والاختيار ٥ / ١٩، والتاج والإكليل ٣ / ٢٠٧ - ٢٠٩، والمغني لابن قدامة ٨ / ٥٧٣ - ٥٧٥، والوجيز ٢ / ٢١٢ ط دار المعرفة. بيروت - لبنان.