الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠
وَبِالْعَكْسِ، خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فَإِنَّهُمْ لاَ يَقُولُونَ بِالتَّنْكِيسِ.
وَمَحَل تَحْوِيل الرِّدَاءِ عِنْدَ التَّوَجُّهِ إِلَى الْقِبْلَةِ لِلدُّعَاءِ، وَهُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ أَثْنَاءَ الْخُطْبَةِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الْخُطْبَتَيْنِ.
وَدَلِيل تَحْوِيل الرِّدَاءِ مِنَ السُّنَّةِ: حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ يَسْتَسْقِي، فَتَوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ يَدْعُو وَحَوَّل رِدَاءَهُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ. (١)
وَقَدْ قِيل: إِنَّ الْحِكْمَةَ مِنْ تَحْوِيل الرِّدَاءِ التَّفَاؤُل بِتَغْيِيرِ الْحَال إِلَى الْخِصْبِ وَالسَّعَةِ.
وَيُسْتَحَبُّ تَحْوِيل الرِّدَاءِ لِلإِْمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ فَلاَ يُحَوِّل رِدَاءَهُ إِلاَّ الإِْمَامُ فِي الْقَوْل الْمُفْتَى بِهِ. (٢)
و تَحْوِيل الدَّيْنِ:
٩ - عَرَّفَ الْفُقَهَاءُ الْحَوَالَةَ بِالدَّيْنِ تَعْرِيفَاتٍ مُتَقَارِبَةً، مِنْهَا: تَحَوُّل الْحَقِّ مِنْ ذِمَّةٍ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى فِي الْمُطَالَبَةِ. (٣)
_________
(١) حديث عبد الله بن زيد: " خرج يستسقي. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٢ / ٤٩٨ - ط السلفية) .
(٢) نفس المراجع.
(٣) كشاف القناع ٣ / ٣٨٢.
وَمِنْهَا: نَقْل الدَّيْنِ وَتَحْوِيلُهُ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيل إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ. (١)
وَمَشْرُوعِيَّتُهَا ثَابِتَةٌ بِالإِْجْمَاعِ. وَمُسْتَنَدُهَا قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُحِيل أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ. (٢)
وَيَظْهَرُ أَثَرُ الْحَوَالَةِ فِي نَقْل الْمَال الْمُحَال بِهِ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيل إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ.
فَيَبْرَأُ بِالْحَوَالَةِ الْمُحِيل عَنْ دَيْنِ الْمُحَال، وَيَبْرَأُ الْمُحَال عَلَيْهِ عَنْ دَيْنِ الْمُحِيل، وَيَتَحَوَّل حَقُّ الْمُحَال إِلَى ذِمَّةِ الْمُحَال عَلَيْهِ، هَذَا فِي الْحَوَالَةِ الْمُقَيَّدَةِ، وَهِيَ الأَْغْلَبُ حَيْثُ يَكُونُ الْمُحِيل دَائِنًا لِلْمُحَال عَلَيْهِ. أَمَّا فِي الْحَوَالَةِ الْمُطْلَقَةِ، وَهِيَ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمُحِيل دَائِنَا لِلْمُحَال عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْبَرَاءَةَ تَحْصُل لِلْمُحِيل فَقَطْ. (٣)
وَلِلتَّفْصِيل يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ: (حَوَالَةٌ) .
_________
(١) الاختيار ٣ / ٣.
(٢) حديث: " مطل الغني ظلم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٦١ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١١٩٧ - ط الحلبي) .
(٣) الاختيار ٣ / ٣، والشرح الصغير ١ / ٣، ونهاية المحتاج ٤ / ٤١٣، وقليوبي وعميرة ٢ / ٣٢١، وكشاف القناع ٣ / ٣٨٢.
تَحَيُّزٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّحَيُّزُ: مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الْمَيْل. وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَْدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ (١) مَعْنَاهُ أَوْ مَائِلًا إِلَى جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُقَال: انْحَازَ الرَّجُل إِلَى الْقَوْمِ بِمَعْنَى تَحَيَّزَ إِلَيْهِمْ.
وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ: انْحَازَ الْقَوْمُ: تَرَكُوا مَرْكَزَهُمْ وَمَعْرَكَةَ قِتَالِهِمْ (٢) وَمَالُوا إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: التَّحَيُّزُ إِلَى فِئَةٍ: أَنْ يَصِيرَ الْمُقَاتِل إِلَى فِئَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لِيَكُونَ مَعَهُمْ فَيَتَقَوَّى بِهِمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، وَسَوَاءٌ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ أَمْ قَرُبَتْ. فَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ (٣) وَكَانُوا بِمَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْهُ. وَقَال عُمَرُ ﵁
_________
(١) سورة الأنفال / ١٥ - ١٦.
(٢) المصباح المنير، ولسان العرب.
(٣) حديث: " أنا فئة المسلمين " أخرجه أبو داود (٣ / ١٠٧ - ط عزت عبيد دعاس) وإسناده ضعيف. (عون المعبود ٢ / ٣٤٩ - نشر دار الكتاب العربي) .
: أَنَا فِئَةُ كُل مُسْلِمٍ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَجُيُوشُهُ بِمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ. رَوَاهُمَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ. وَقَال عُمَرُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدَةَ، لَوْ كَانَ تَحَيَّزَ إِلَيَّ لَكُنْتُ لَهُ فِئَةً. (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
التَّحَرُّفُ:
٢ - التَّحَرُّفُ مِنْ مَعَانِيهِ فِي اللُّغَةِ: الْمَيْل وَالْعُدُول. فَإِذَا مَال الإِْنْسَانُ عَنْ شَيْءٍ يُقَال: تَحَرَّفَ وَانْحَرَفَ وَاحْرَوْرَفَ. (٢)
وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ﴾ (٣) أَيْ مَائِلًا لأَِجْل الْقِتَال لاَ مَائِلًا هَزِيمَةً، فَإِنَّ ذَلِكَ مَعْدُودٌ مِنْ مَكَايِدِ الْحَرْبِ، لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِضِيقِ الْمَجَال، فَلاَ يَتَمَكَّنُ مِنَ الْجَوَلاَنِ، فَيَنْحَرِفُ لِلْمَكَانِ الْمُتَّسِعِ، لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الْقِتَال. (٤)
وَالتَّحَرُّفُ فِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يَنْتَقِل الْمُقَاتِل إِلَى مَوْضِعٍ يَكُونُ الْقِتَال فِيهِ أَمْكَنَ، مِثْل أَنْ يَنْتَقِل مِنْ مُوَاجَهَةِ الشَّمْسِ أَوِ الرِّيحِ إِلَى اسْتِدْبَارِهِمَا، أَوْ مِنْ مُنْخَفِضٍ إِلَى عُلْوٍ أَوْ عَكْسُهُ،
_________
(١) المغني لابن قدامة ٨ / ٤٨٥ م الرياض الحديثة، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٤٧.
(٢) لسان العرب.
(٣) سورة الأنفال / ١٦.
(٤) المصباح المنير.
أَوْ مِنْ مَعْطَشَةٍ إِلَى مَوْضِعِ مَاءٍ، أَوْ لِيَجِدَ فِيهِمْ فُرْصَةً، أَوْ لِيَسْتَنِدَ إِلَى جَبَلٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَهْل الْحَرْبِ. (١)
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ: (تَحَرُّفٌ) .
فَالتَّحَيُّزُ وَالتَّحَرُّفُ يَكُونَانِ فِيمَا إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ فِي الْحَرْبِ، وَالْتَحَمَ جَيْشَاهُمَا، فَالْمُتَحَيِّزُ إِنْ وَجَدَ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ لاَ قُدْرَةَ لَهُ عَلَى مُوَاجَهَةِ عَدُوِّهِ وَالظَّفَرِ بِهِ لِكَثْرَةِ عَدَدِهِ وَعُدَدِهِ، إِلاَّ بِأَنْ يَسْتَنْصِرَ وَيَسْتَنْجِدَ بِغَيْرِهِ مِنْ فِئَاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَنْحَازَ إِلَى فِئَةٍ مِنْهُمْ، لِيَتَقَوَّى بِهِمْ، وَيَسْتَطِيعُ بِذَلِكَ قَهْرَ الْعَدُوِّ وَالظَّفَرَ بِهِ وَالنَّصْرَ عَلَيْهِ.
وَالْمُتَحَرِّفُ لِقِتَالٍ إِذَا رَأَى أَنْ يَكِيدَ لِخَصْمِهِ وَيَتَغَلَّبَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ السَّبِيل إِلَى النَّيْل مِنْهُ وَالظَّفَرِ بِهِ وَالنَّصْرِ عَلَيْهِ، إِنَّمَا فِي تَغْيِيرِ خُطَطِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ فِي تَغْيِيرِ الْمَكَانِ، أَمْ فِي التَّرَاجُعِ لِيَسْحَبَ الْعَدُوَّ وَرَاءَهُ، وَيُعَاوِدَهُ بِالْهُجُومِ عَلَيْهِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ (الْخُدَعَ الْحَرْبِيَّةَ) فَإِنَّهُ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ، إِذِ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ. أَمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلاَ يَحِل لِكُلٍّ مِنْهُمَا.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:
٣ - التَّحَيُّزُ مُبَاحٌ، إِذَا اسْتَشْعَرَ الْمُتَحَيِّزُ عَجْزًا مُحْوِجًا إِلَى الاِسْتِنْجَادِ بِغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ
_________
(١) المغني لابن قدامة ٨ / ٤٨٤ - ٤٨٥، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٤٧.
بِقَصْدِ الاِنْضِمَامِ إِلَى فِئَةٍ، أَيْ جَمَاعَةٍ مِنَ النَّاسِ، لِيَتَقَوَّى بِهِمْ عَلَى مُحَارَبَةِ عَدُوِّهِمْ وَإِيقَاعِ الْهَزِيمَةِ بِهِ وَالنَّصْرِ عَلَيْهِ. فَإِذَا انْتَفَى ذَلِكَ يَكُونُ فِرَارًا، وَهُوَ حَرَامٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَْدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ . (١)
فَإِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ فِي الْحَرْبِ وَالْتَحَمَ الْجَيْشَانِ، وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَأَصْلٍ عَامٍّ أَنْ يَثْبُتُوا فِي مُوَاجَهَةِ عَدُوِّهِمْ، وَحَرُمَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفِرُّوا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَْدْبَارَ﴾ . وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . (٢)
٤ - وَعَدَّ النَّبِيُّ ﷺ الْفِرَارَ عِنْدَ الزَّحْفِ مِنَ الْكَبَائِرِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَال: الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَالسِّحْرُ، وَقَتْل النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى إِلاَّ بِالْحَقِّ،
_________
(١) سورة الأنفال / ١٥ - ١٦.
(٢) سورة الأنفال / ٤٥.
وَأَكْل الرِّبَا، وَأَكْل مَال الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ. (١)
فَثَبَاتُ الْمُسْلِمِينَ فِي مُوَاجَهَةِ أَعْدَائِهِمُ الْكَفَرَةِ وَحُرْمَةُ فِرَارِهِمْ مِنْ لِقَائِهِمْ وَاجِبٌ، إِذَا كَانُوا فِي مِثْل عَدَدِهِمْ أَوْ عَلَى النِّصْفِ مِنْهُمْ أَوْ أَقَل مِنْ ذَلِكَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ . (٢) إِلاَّ إِنْ كَانَ ذَلِكَ بِقَصْدِ تَحَيُّزِهِمْ إِلَى فِئَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تُنَاصِرُهُمْ وَتَشُدُّ مِنْ أَزْرِهِمْ وَيَتَقَوَّوْنَ بِهَا عَلَى أَعْدَائِهِمْ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ هَذِهِ الْفِئَةُ قَرِيبَةً لَهُمْ أَمْ بَعِيدَةً عَنْهُمْ، لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ قَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: لَوْ كَانَتِ الْفِئَةُ بِخُرَاسَانَ وَالْفِئَةُ بِالْحِجَازِ جَازَ التَّحَيُّزُ إِلَيْهَا، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: إِنِّي فِئَةٌ لَكُمْ (٣) وَكَانُوا بِمَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْهُ. وَقَال عُمَرُ: " أَنَا فِئَةٌ لِكُل مُسْلِمٍ " وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَجُيُوشُهُ بِالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ. وَقَال عُمَرُ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عُبَيْدَةَ لَوْ كَانَ تَحَيَّزَ إِلَيَّ لَكُنْتُ لَهُ فِئَةً.
_________
(١) حديث: " اجتنبوا السبع الموبقات. . . " أخرجه البخاري (الفتح٥ / ٣٩٣ - ط السلفية) . ومسلم (١ / ٩٢ - ط الحلبي) .
(٢) سورة الأنفال / ٦٦.
(٣) حديث: " إني فئة لكم. . . " سبق تخريجه في (ف ١) .
٥ - فَإِنْ زَادَ الْكُفَّارُ عَلَى مِثْلَيْ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ فَيُبَاحُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْسَحِبُوا؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَوْجَبَ عَلَى الْمِائَةِ مُصَابَرَةَ الْمِائَتَيْنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ دَل عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مُصَابَرَةُ مَا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْنِ.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَال: مَنْ فَرَّ مِنِ اثْنَيْنِ فَقَدْ فَرَّ، وَمَنْ فَرَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ فَلَمْ يَفِرَّ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: " فَمَا فَرَّ " إِلاَّ أَنَّهُ إِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْلِمِينَ الظَّفَرُ بِهِمْ وَالنَّصْرُ عَلَيْهِمْ، فَيَلْزَمُهُمُ الثَّبَاتُ إِعْلاَءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ. وَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِمُ الْهَلاَكُ فِي الْبَقَاءِ وَالنَّجَاةُ فِي الاِنْصِرَافِ فَالأَْوْلَى لَهُمُ الاِنْصِرَافُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١) وَإِنْ ثَبَتُوا جَازَ لأَِنَّ لَهُمْ غَرَضًا فِي الشَّهَادَةِ، وَحَتَّى لاَ يَنْكَسِرَ الْمُسْلِمُونَ، وَلأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغْلِبُوا الْكُفَّارَ، فَفَضْل اللَّهِ وَاسِعٌ، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ. وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا حَرُمَ عَلَيْهِمُ الْفِرَارُ، وَلَوْ كَثُرَ الْكُفَّارُ جِدًّا، مَا لَمْ تَخْتَلِفْ كَلِمَتُهُمْ، وَمَا لَمْ يَكُنْ بِقَصْدِ التَّحَيُّزِ لِقِتَالٍ. (٢)
_________
(١) سورة البقرة / ١٩٥.
(٢) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ٧ / ٩٨ - ٩٩، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ٢ / ٢٣٣، ٢٣٤، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٤٧ - ٢٤٩، والشرح الكبير ٢ / ١٧٨ - ١٧٩، والشرح الصغير ٢ / ٢٧٧ - ٢٧٨، والمغني لابن قدامة ٨ / ٤٨٤ - ٤٨٥، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٣ / ٤٥ - ٤٧، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧ / ٣٨٠ - ٣٨٤، وتفسير روح المعاني ٩ / ١٨٠ - ١٨٢.
تَحِيَّةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّحِيَّةُ مَصْدَرُ حَيَّاهُ يُحَيِّيهِ تَحِيَّةً، أَصْلُهُ فِي اللُّغَةِ: الدُّعَاءُ بِالْحَيَاةِ، وَمِنْهُ " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ " أَيِ الْبَقَاءُ، وَقِيل: الْمُلْكُ، ثُمَّ كَثُرَ حَتَّى اُسْتُعْمِل فِي مَا يُحَيَّا بِهِ مِنْ سَلاَمٍ وَنَحْوِهِ، وَتَحِيَّةُ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَهَا فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ لِمُؤْمِنِي عِبَادِهِ السَّلاَمُ، فَقَدْ شَرَعَ لَهُمْ إِذَا تَلاَقَوْا وَدَعَا بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بِأَجْمَعِ الدُّعَاءِ أَنْ يَقُولُوا: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. (١) قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ . (٢)
وَاسْتَعْمَل الْفُقَهَاءُ عِبَارَةَ (التَّحِيَّةِ) فِي غَيْرِ السَّلاَمِ لِتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ.
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
٢ - حُكْمُ التَّحِيَّةِ النَّدْبُ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ فِي الأَْدَاءِ كَمَا يَلِي:
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: " حيا "، وتفسير القرطبي ٥ / ٢٩٧، ٢٩٨ ط دار الكتب المصرية.
(٢) سورة النساء / ٥٨.
أ - التَّحِيَّةُ بَيْنَ الأَْحْيَاءِ:
٣ - أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الاِبْتِدَاءَ بِالسَّلاَمِ سُنَّةٌ مُرَغَّبٌ فِيهَا، وَرَدَّهُ فَرِيضَةٌ (١) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ . وَلِلتَّفْصِيل ر: (سَلاَمٌ) .
ب - تَحِيَّةُ الأَْمْوَاتِ:
٤ - تَحِيَّةُ مَنْ فِي الْقُبُورِ السَّلاَمُ، فَإِذَا مَرَّ الْمُسْلِمُ بِالْقُبُورِ أَوْ زَارَهَا اُسْتُحِبَّ أَنْ يَقُول مَا وَرَدَ (٢) وَهُوَ: السَّلاَمُ عَلَيْكُمْ أَهْل الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلاَحِقُونَ، نَسْأَل اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا، وَالْمُسْتَأْخِرِينَ. (٣)
ج - تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ:
٥ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُسَنُّ لِكُل مَنْ يَدْخُل مَسْجِدًا غَيْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ - يُرِيدُ الْجُلُوسَ بِهِ لاَ الْمُرُورَ فِيهِ، وَكَانَ مُتَوَضِّئًا - أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ قَبْل الْجُلُوسِ. وَالأَْصْل فِيهِ حَدِيثٌ رَوَاهُ
_________
(١) تفسير القرطبي ٥ / ٢٩٧ - ٣٠٤، وفتح الباري ١١ / ٢، ١٢ - ١٤ ط السعودية، وأسهل المدارك ٣ / ٣٥١ - ٣٥٣ ط عيسى الحلبي بمصر، وشرح المنهاج ٤ / ٢١٥ ط مصطفى الحلبي بمصر.
(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٣٥٠، والمغني ٢ / ٥٦٦، ومنهاج الطالبين ١ / ٣٥١.
(٣) حديث: " السلام عليكم أهل الديار. . . . " أخرجه مسلم (٢ / ٦٧١ - ط الحلبي) من حديث عائشة.