الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠
دِينٍ بَاطِلٍ، وَهُوَ عَلَى ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ: لأَِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ دِينٍ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ إِلَى مَا يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ، كَتَهَوُّدِ نَصْرَانِيٍّ أَوْ عَكْسُهُ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُقَرُّ عَلَيْهِ إِلَى مَا لاَ يُقَرُّ عَلَيْهِ، كَانْتِقَال يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ إِلَى الْوَثَنِيَّةِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لاَ يُقَرُّ عَلَيْهِ إِلَى مَا يُقَرُّ عَلَيْهِ، كَتَهَوُّدِ وَثَنِيٍّ أَوْ تَنَصُّرِهِ. فَفِي هَذِهِ الْحَالاَتِ هَل يُقَرُّ عَلَى مَا انْتَقَل إِلَيْهِ بِالْجِزْيَةِ أَمْ لاَ؟ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مَوَاطِنِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَانْظُرْ أَيْضًا مُصْطَلَحَيْ: (تَبْدِيلٌ، وَرِدَّةٌ) .
الْقِسْمُ الثَّانِي: التَّحَوُّل مِنْ دِينِ الإِْسْلاَمِ إِلَى بَاطِلٍ، وَهُوَ رِدَّةُ الْمُسْلِمِ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - فَلاَ يُقْبَل مِنْهُ إِلاَّ الإِْسْلاَمُ. وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ: (رِدَّةٌ) .
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: التَّحَوُّل مِنْ دِينٍ بَاطِلٍ إِلَى الإِْسْلاَمِ، فَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامٌ مُخْتَلِفَةٌ تُنْظَرُ فِي مَظَانِّهَا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، (١) وَفِي الْمُصْطَلَحَاتِ الْخَاصَّةِ، وَيُنْظَرُ أَيْضًا مُصْطَلَحَيْ: (تَبْدِيلٌ، وَإِسْلاَمٌ) .
_________
(١) ابن عابدين ٢ / ٣٦٦، وروضة الطالبين ٧ / ١٣٢.
تَحْوِيلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّحْوِيل لُغَةً: مَصْدَرُ حَوَّل الشَّيْءَ، وَتَدُورُ مَعَانِيهِ عَلَى النَّقْل وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيل. (وَحَوَّلْتُهُ) تَحْوِيلًا: نَقَلْتَهُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، وَحَوَّلْتُ الرِّدَاءَ: نَقَلْتُ كُل طَرَفٍ إِلَى مَوْضِعِ الآْخَرِ.
(وَالْحَوَالَةُ) بِالْفَتْحِ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النَّقْل، فَتَقُول: أَحَلْتُهُ بِدَيْنِهِ أَيْ: نَقَلْتَهُ إِلَى ذِمَّةٍ أُخْرَى.
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَال الْفُقَهَاءِ لِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ مَعَانِيهِ اللُّغَوِيَّةِ. (١)
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - النَّقْل:
٢ - النَّقْل: تَحْوِيل الشَّيْءِ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ، وَالأَْصْل فِيهِ النَّقْل مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ. وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الأُْمُورِ الْمَعْنَوِيَّةِ، كَالنَّقْل مِنْ
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير مادة: " حول ".
صِفَةٍ إِلَى صِفَةٍ، وَكَنَقْل اللَّفْظِ مِنَ الاِسْتِعْمَال الْحَقِيقِيِّ إِلَى الاِسْتِعْمَال الْمَجَازِيِّ. (١)
ب - التَّبْدِيل وَالإِْبْدَال وَالتَّغْيِيرُ:
٣ - وَهِيَ أَنْ يُجْعَل مَكَانَ الشَّيْءِ شَيْءٌ آخَرُ، أَوْ تُحَوَّل صِفَتُهُ إِلَى صِفَةٍ أُخْرَى. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ هَذِهِ الأَْلْفَاظَ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى، إِلاَّ أَنَّ التَّحْوِيل لاَ يُسْتَعْمَل فِي تَبْدِيل ذَاتٍ بِذَاتٍ أُخْرَى. (٢)
أَحْكَامُ التَّحْوِيل:
أ - تَحْوِيل النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ:
٤ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ مِنْ فُرُوضِ الْوُضُوءِ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا هِيَ شَرْطٌ فِي وُقُوعِهِ عِبَادَةً.
فَمِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ إِذَا حَوَّل النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ مِنْ نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ إِلَى نِيَّةِ التَّبَرُّدِ أَوِ التَّنَظُّفِ، فَلاَ أَثَرَ لِذَلِكَ فِي إِفْسَادِ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِمُ النِّيَّةَ فَرْضًا. وَإِنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُ التَّحْوِيل فِي عَدَمِ اعْتِبَارِ الْوُضُوءِ عِبَادَةً، وَفِي هَذَا
_________
(١) المصباح المنير مادة: " نقل "، والفروق ص ١٣٩.
(٢) المصباح المنير، ومختار الصحاح، والفروق ص ٢٣٣، ٣٠٩، والكليات ٢ / ٧١، والتعريفات ص ٦٣.
يَقُول ابْنُ عَابِدِينَ: الصَّلاَةُ تَصِحُّ عِنْدَنَا بِالْوُضُوءِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَنْوِيًّا، وَإِنَّمَا تُسَنُّ النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ لِيَكُونَ عِبَادَةً، فَإِنَّهُ بِدُونِهَا لاَ يُسَمَّى عِبَادَةً مَأْمُورًا بِهَا. . وَإِنْ صَحَّتْ بِهِ الصَّلاَةُ.
فَالْوُضُوءُ مَعَ النِّيَّةِ أَوْ بِدُونِهَا أَوْ مَعَ تَحْوِيلِهَا صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِهِ شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلاَةِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَصِحُّ عِبَادَةً بِدُونِ النِّيَّةِ أَوْ مَعَ تَحْوِيلِهَا.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: فَيَظْهَرُ أَثَرُ تَحْوِيل النِّيَّةِ عِنْدَهُمْ فِي إِفْسَادِ الْوُضُوءِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِهِ شَرْعًا مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. (١) وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: رَفْضُ النِّيَّةِ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ لاَ يَضُرُّ، إِذَا رَجَعَ وَكَمَّلَهُ بِالنِّيَّةِ الأُْولَى عَلَى الْفَوْرِ، بِأَنْ يَنْوِيَ رَفْعَ الْحَدَثِ - عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَهُمْ - أَمَّا إِذَا لَمْ يُكَمِّلْهُ أَوْ كَمَّلَهُ بِنِيَّةٍ أُخْرَى كَنِيَّةِ التَّبَرُّدِ أَوِ التَّنْظِيفِ، فَإِنَّهُ يَبْطُل بِلاَ خِلاَفٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَكْمَلَهُ بِالنِّيَّةِ الأُْولَى، وَلَكِنْ بَعْدَ طُول فَصْلٍ، فَإِنَّهُ يَبْطُل. (٢)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: مَنْ نَوَى نِيَّةً صَحِيحَةً ثُمَّ نَوَى بِغَسْل الرِّجْل - مَثَلًا - التَّبَرُّدَ أَوِ التَّنَظُّفَ فَلَهُ حَالاَنِ:
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ١٠٦، ١٠٧، وفتح القدير ١ / ٢٨، وروضة الطالبين ١ / ٤٧، وحاشية الدسوقي ١ / ٩٣، ٩٥، والحطاب ١ / ٢٤٠، والإنصاف ١ / ١٤٢.
(٢) الدسوقي ١ / ٩٥، والحطاب ١ / ٢٤٠.
الْحَالَةُ الأُْولَى: أَنْ لاَ تَحْضُرَهُ نِيَّةُ الْوُضُوءِ فِي حَال غَسْل الرِّجْل، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
الْوَجْهُ الأَْوَّل، وَهُوَ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ غَسْل الرِّجْلَيْنِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَصِحُّ لِبَقَاءِ حُكْمِ النِّيَّةِ الأُْولَى.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ تَحْضُرَهُ نِيَّةُ الْوُضُوءِ مَعَ نِيَّةِ التَّبَرُّدِ - كَمَا لَوْ نَوَى أَوَّل الطَّهَارَةِ الْوُضُوءَ مَعَ التَّبَرُّدِ - فَفِيهِ وَجْهَانِ:
الْوَجْهُ الأَْوَّل، وَهُوَ الصَّحِيحُ: أَنَّ الْوُضُوءَ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّ نِيَّةَ رَفْعِ الْحَدَثِ حَاصِلَةٌ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: لاَ يَصِحُّ غَسْل الرِّجْلَيْنِ، وَذَلِكَ لِتَشْرِيكِهِ بَيْنَ قُرْبَةٍ وَغَيْرِهَا. (١)
وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: فَإِنَّ مَنْ غَسَل بَعْضَ أَعْضَائِهِ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ، وَغَسَل بَعْضَهَا بِنِيَّةِ التَّبَرُّدِ، فَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ إِذَا أَعَادَ فِعْل مَا نَوَى بِهِ التَّبَرُّدَ بِنِيَّةِ الْوُضُوءِ، بِشَرْطِ أَنْ لاَ يَفْصِل فَصْلًا طَوِيلًا فَيَكُونُ وُضُوءُهُ صَحِيحًا، وَذَلِكَ لِوُجُودِ النِّيَّةِ مَعَ الْمُوَالاَةِ.
فَإِنْ طَال الْفَصْل بِحَيْثُ تَفُوتُ الْمُوَالاَةُ بَطَل الْوُضُوءُ لِفَوَاتِهَا (٢) .
_________
(١) المجموع ١ / ٣٢٧، ٣٢٨، ونهاية المحتاج ١ / ١٤٧.
(٢) كشاف القناع ١ / ٨٧، ومطالب أولي النهى ١ / ١٠٧.
ب - تَحْوِيل النِّيَّةِ فِي الصَّلاَةِ:
٥ - لِلْفُقَهَاءِ فِي أَثَرِ تَحْوِيل النِّيَّةِ تَفْصِيلٌ: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّلاَةَ لاَ تَبْطُل بِنِيَّةِ الاِنْتِقَال إِلَى غَيْرِهَا وَلاَ تَتَغَيَّرُ، بَل تَبْقَى كَمَا نَوَاهَا قَبْل التَّغْيِيرِ، مَا لَمْ يُكَبِّرْ بِنِيَّةٍ مُغَايِرَةٍ، بِأَنْ يُكَبِّرَ نَاوِيًا النَّفْل بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْفَرْضِ أَوْ عَكْسُهُ، أَوِ الاِقْتِدَاءَ بَعْدَ الاِنْفِرَادِ وَعَكْسُهُ، أَوِ الْفَائِتَةَ بَعْدَ الْوَقْتِيَّةِ وَعَكْسُهُ.
وَلاَ تَفْسُدُ حِينَئِذٍ إِلاَّ إِنْ وَقَعَ تَحْوِيل النِّيَّةِ قَبْل الْجُلُوسِ الأَْخِيرِ بِمِقْدَارِ التَّشَهُّدِ، فَإِنْ وَقَعَ بَعْدَهُ وَقُبَيْل السَّلاَمِ لاَ تَبْطُل. (١)
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: نَقْل النِّيَّةِ سَهْوًا مِنْ فَرْضٍ إِلَى فَرْضٍ آخَرَ أَوْ إِلَى نَفْلٍ سَهْوًا، دُونَ طُول قِرَاءَةٍ وَلاَ رُكُوعٍ، مُغْتَفَرٌ.
قَال ابْنُ فَرْحُونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الْمُصَلِّيَ إِنْ حَوَّل نِيَّتَهُ مِنْ فَرْضٍ إِلَى نَفْلٍ، فَإِنْ قَصَدَ بِتَحْوِيل نِيَّتِهِ رَفْعَ الْفَرِيضَةِ وَرَفْضَهَا بَطَلَتْ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ رَفْضَهَا لَمْ تَكُنْ نِيَّتُهُ الثَّانِيَةُ مُنَافِيَةً لِلأُْولَى. لأَِنَّ النَّفَل مَطْلُوبٌ لِلشَّارِعِ، وَمُطْلَقُ الطَّلَبِ مَوْجُودٌ فِي الْوَاجِبِ، فَتَصِيرُ نِيَّةُ النَّفْل مُؤَكِّدَةً لاَ مُخَصِّصَةً. (٢)
_________
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٤١، وحاشية الطحطاوي ص ١٨٤.
(٢) حاشية الدسوقي ١ / ٢٣٥، ومواهب الجليل مع التاج والإكليل ١ / ٥١٦.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لَوْ قَلَبَ الْمُصَلِّي صَلاَتَهُ الَّتِي هُوَ فِيهَا صَلاَةً أُخْرَى عَالِمًا عَامِدًا بَطَلَتْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ صَحَّتْ صَلاَتُهُ، وَانْقَلَبَتْ نَفْلًا. وَذَلِكَ كَظَنِّهِ دُخُول الْوَقْتِ، فَأَحْرَمَ بِالْفَرْضِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ عَدَمُ دُخُول الْوَقْتِ فَقَلَبَ صَلاَتَهُ نَفْلًا، أَوْ قَلَبَ صَلاَتَهُ الْمُنْفَرِدَةَ نَفْلًا لِيُدْرِكَ جَمَاعَةً. لَكِنْ لَوْ قَلَبَهَا نَفْلًا مُعَيَّنًا كَرَكْعَتَيِ الضُّحَى لَمْ تَصِحَّ، أَمَّا إِذَا حَوَّل نِيَّتَهُ بِلاَ سَبَبٍ أَوْ غَرَضٍ صَحِيحٍ فَالأَْظْهَرُ عِنْدَهُمْ بُطْلاَنُ الصَّلاَةِ. (١)
وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ بُطْلاَنَ الصَّلاَةِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا حَوَّل نِيَّتَهُ مِنْ فَرْضٍ إِلَى فَرْضٍ، وَتَنْقَلِبُ فِي هَذِهِ الْحَال نَفْلًا.
وَإِنِ انْتَقَل مِنْ فَرْضٍ إِلَى نَفْلٍ فَلاَ تَبْطُل، لَكِنْ تُكْرَهُ، إِلاَّ إِنْ كَانَ الاِنْتِفَال لِغَرَضٍ صَحِيحٍ فَلاَ تُكْرَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَا لاَ تَصِحُّ، كَمَنْ أَدْرَكَ جَمَاعَةً مَشْرُوعَةً وَهُوَ مُنْفَرِدٌ، فَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ لِيُدْرِكَهَا، فَإِنَّهُ يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَقْلِبَهَا نَفْلًا، وَأَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ؛ لأَِنَّ نِيَّةَ الْفَرْضِ تَضَمَّنَتْ نِيَّةَ النَّفْل، فَإِذَا قَطَعَ نِيَّةَ الْفَرْضِ بَقِيَتْ نِيَّةُ النَّفْل. (٢)
وَمِنْ هَذَا التَّفْصِيل يَتَبَيَّنُ اتِّفَاقُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ تَحْوِيل نِيَّةِ الصَّلاَةِ مِنْ نَفْلٍ إِلَى فَرْضٍ لاَ أَثَرَ لَهُ فِي نَقْلِهَا، وَتَظَل نَفْلًا، وَذَلِكَ لأَِنَّ فِيهِ بِنَاءَ الْقَوِيِّ عَلَى الضَّعِيفِ، وَهُوَ غَيْرُ صَحِيحٍ.
_________
(١) المجموع ٣ / ٢٨٦، ونهاية المحتاج ١ / ٤٣٨.
(٢) كشاف القناع ١ / ٣١٨، والإنصاف ٢ / ٢٦.
ج - تَحْوِيل النِّيَّةِ فِي الصَّوْمِ:
٦ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: إِلَى أَنَّ صَوْمَ الْفَرْضِ لاَ يَبْطُل بِنِيَّةِ الاِنْتِقَال إِلَى النَّفْل، وَلاَ يَنْقَلِبُ نَفْلًا.
وَهَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الأَْصَحِّ مِنْ وَجْهَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الآْخَرِ، يَنْقَلِبُ نَفْلًا إِذَا كَانَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، أَمَّا فِي رَمَضَانَ فَلاَ يَقْبَل النَّفَل؛ لأَِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ يَتَعَيَّنُ لِصَوْمِ فَرْضِ رَمَضَانَ وَلاَ يَصِحُّ فِيهِ غَيْرُهُ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ صَائِمًا عَنْ نَذْرٍ، فَحَوَّل نِيَّتَهُ إِلَى كَفَّارَةٍ أَوْ عَكْسُهُ، لاَ يَحْصُل لَهُ الَّذِي انْتَقَل إِلَيْهِ - بِلاَ خِلاَفٍ عِنْدَهُمْ - لأَِنَّ مِنْ شَرْطِ الْكَفَّارَةِ التَّبْيِيتَ مِنَ اللَّيْل.
أَمَّا الصَّوْمُ الَّذِي نَوَاهُ أَوَّلًا فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
الأَْوَّل: يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ وَلاَ يَبْطُل.
الثَّانِي: يَبْطُل. وَلاَ يَنْقَلِبُ نَفْلًا عَلَى الأَْظْهَرِ. وَيُقَابِلُهُ: أَنَّهُ يَنْقَلِبُ نَفْلًا إِذَا كَانَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ. (١)
وَلِكُلٍّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ تَفْصِيلٌ:
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ: فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ مَنْ تَحَوَّلَتْ نِيَّتُهُ إِلَى نَافِلَةٍ، وَهُوَ فِي فَرِيضَةٍ، فَإِنْ فَعَل هَذَا عَبَثًا
_________
(١) البحر الرائق ٢ / ٢٨٢، والأشباه والنظائر لابن نجيم بحاشية الحموي ١ / ٧٨، وروضة الطالبين ٢ / ٣٢٥، والمجموع ٦ / ٢٩٨، ٢٩٩.
عَمْدًا فَلاَ خِلاَفَ - عِنْدَهُمْ - أَنَّهُ يُفْسِدُ صَوْمَهُ. أَمَّا إِنْ فَعَلَهُ سَهْوًا فَخِلاَفٌ فِي الْمَذْهَبِ. (١)
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: فَإِنْ نَوَى خَارِجَ رَمَضَانَ قَضَاءً، ثُمَّ حَوَّل نِيَّةَ الْقَضَاءِ إِلَى النَّفْل بَطَل الْقَضَاءُ لِقَطْعِهِ نِيَّتَهُ، وَلَمْ يَصِحَّ نَفْلًا لِعَدَمِ صِحَّةِ نَفْل مَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ قَبْل الْقَضَاءِ، كَذَا فِي الإِْقْنَاعِ، وَأَمَّا فِي الْفُرُوعِ وَالتَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى فَيَصِحُّ نَفْلًا، وَإِنْ كَانَ فِي صَوْمِ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ فَقَطَعَ نِيَّتَهُ ثُمَّ نَوَى نَفْلًا صَحَّ.
وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَلَبَ نِيَّةَ الْقَضَاءِ إِلَى النَّفْل بَطَل الْقَضَاءُ، وَذَلِكَ لِتَرَدُّدِهِ فِي نِيَّتِهِ أَوْ قَطْعِهَا، وَلَمْ يَصِحَّ النَّفَل لِعَدَمِ صِحَّةِ نَفْل مَنْ عَلَيْهِ قَضَاءُ رَمَضَانَ قَبْل الْقَضَاءِ. (٢)
د - تَحْوِيل الْمُحْتَضَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَحْوِيل الْمُحْتَضَرِ إِلَى الْقِبْلَةِ مَنْدُوبٌ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ عَلَى شِقِّهِ الأَْيْمَنِ، إِلاَّ إِذَا تَعَسَّرَ ذَلِكَ لِضِيقِ الْمَوْضِعِ، أَوْ لأَِيِّ سَبَبٍ آخَرَ، فَيُلْقَى عَلَى قَفَاهُ، وَرِجْلاَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ. (٣)
وَدَلِيل تَحْوِيلِهِ إِلَى الْقِبْلَةِ: حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ ﵁
_________
(١) المواق على خليل بهامش الحطاب ٢ / ٤٣٣.
(٢) كشاف القناع ٢ / ٣١٦.
(٣) البناية ٢ / ٩٤٢، والشرح الصغير ١ / ٥٦٢، وروضة الطالبين ٢ / ٩٤ - ٩٧ والمجموع ٥ / ١٠٣، ومطالب أولي النهى ٨٣٧.
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ سَأَل عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ ﵁ فَقَالُوا: تُوُفِّيَ، وَأَوْصَى بِثُلُثِهِ لَكَ يَا رَسُول اللَّهِ، وَأَوْصَى أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْقِبْلَةِ لَمَّا اُحْتُضِرَ. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ أَصَابَ الْفِطْرَةَ، وَقَدْ رَدَدْتُ ثُلُثَهُ عَلَى وَلَدِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَال: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَأَدْخِلْهُ جَنَّتَكَ. وَقَدْ فَعَلْتَ. (١)
هـ - تَحْوِيل الرِّدَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ:
٨ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَمُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَهُمْ - إِلَى اسْتِحْبَابِ تَحْوِيل الرِّدَاءِ فِي الاِسْتِسْقَاءِ، وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَلاَ يُحَوَّل الرِّدَاءُ عِنْدَهُ فِي الاِسْتِسْقَاءِ. لأَِنَّهُ دُعَاءٌ لاَ صَلاَةَ فِيهِ عِنْدَهُ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ رِوَايَتَانِ.
وَمَعْنَى تَحْوِيل الرِّدَاءِ: أَنْ يَجْعَل مَا عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْمَنِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَْيْسَرِ، وَبِالْعَكْسِ. (٢)
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الْقَوْل الْجَدِيدِ الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ - إِلَى اسْتِحْبَابِ التَّنْكِيسِ كَذَلِكَ. وَهُوَ: أَنْ يَجْعَل أَعْلَى الرِّدَاءِ أَسْفَلَهُ
_________
(١) حديث أبي قتادة: أن النبي ﷺ " سأل عن البراء. . . " أخرجه الحاكم (١ / ٣٥٣ - ٣٥٤ - ط دائرة المعارف العثمانية) . وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ١٨٤، وفتح القدير ٢ / ١١، والشرح الصغير ١ / ٥٣٩، وكشاف القناع ٢ / ٧١.