الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠
وَإِحْدَادُهَا فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ: امْتِنَاعُهَا عَنِ الزِّينَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا مُدَّةً مَخْصُوصَةً فِي أَحْوَالٍ مَخْصُوصَةٍ حُزْنًا عَلَى فِرَاقِ زَوْجِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ بِالْمَوْتِ - وَهُوَ بِالإِْجْمَاعِ - أَمْ بِالطَّلاَقِ الْبَائِنِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى خِلاَفٍ (١) .
٦ - وَقَدْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحِدَّةِ أَنْ تَسْتَعْمِل الذَّهَبَ بِكُل صُوَرِهِ، فَيَلْزَمُهَا نَزْعُهُ حِينَ تَعْلَمُ بِمَوْتِ زَوْجِهَا، لاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الأَْسَاوِرِ وَالدَّمَالِجِ وَالْخَوَاتِمِ، وَمِثْلُهُ الْحُلِيُّ مِنَ الْجَوَاهِرِ، وَيُلْحَقُ بِهِ مَا يُتَّخَذُ لِلْحِلْيَةِ مِنْ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَالْعَاجِ وَغَيْرِهِ. (٢)
وَجَوَّزَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لُبْسَ الْحُلِيِّ مِنَ الْفِضَّةِ، وَلَكِنَّهُ قَوْلٌ مَرْدُودٌ، لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ لُبْسِ الْحُلِيِّ عَلَى الْمُحِدَّةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ: وَلاَ الْحُلِيَّ (٣) وَلأَِنَّ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦١٦ - ٦١٧، ومواهب الجليل لشرح مختصر خليل للحطاب ٤ / ١٥٤، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي ٧ / ١٤٠ - ١٤٢ ط الحلبي ١٣٥٧ هـ، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٦٦، ١٦٨ ط المنار ١٣٤٨ هـ، وحاشية سعدي جلبي على شرح فتح القدير ٣ / ٢١٩، وفتح القدير ٤ / ١٦٢، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢ / ٤٧٩، والمجموع شرح المهذب ١٧ / ٢٢١، وقليوبي وعميرة ٤ / ٥٣.
(٢) المجموع شرح المهذب ١٧ / ٢٩ - ٣٠، وقليوبي وعميرة ٤ / ٥٣، وفتح القدير ٤ / ١٦٢، والفتاوى الهندية ١ / ٥٣٣، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ٤٧٩، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٦٧ ط المنار، والمحرر في فقه الحنابلة ٢ / ١٠٧ - ١٠٨.
(٣) حديث: " ولا الحلي "، أخرجه أبو داود (٢ / ٧٢٧ - ط عزت عبيد دعاس) بلفظ " ولا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي. . . " وصححه ابن حبان (ص ٣٢٢ - موارد الظمآن - ط السلفية) .
الزِّينَةَ تَحْصُل بِالْفِضَّةِ، فَحَرُمَ عَلَيْهَا لُبْسُهَا وَالتَّحَلِّي بِهَا كَالذَّهَبِ. وَقَصَرَ الْغَزَالِيُّ الإِْبَاحَةَ عَلَى لُبْسِ الْخَاتَمِ مِنَ الْفِضَّةِ، لأَِنَّهُ لَيْسَ مِمَّا تَخْتَصُّ النِّسَاءُ بِحِلِّهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهَا أَنْ تَتَحَلَّى لِتَتَعَرَّضَ لِلْخُطَّابِ بِأَيِّ وَسِيلَةٍ مِنَ الْوَسَائِل تَلْمِيحًا أَوْ تَصْرِيحًا (١) لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ: وَلاَ تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ وَلاَ الْحُلِيَّ.
التَّحَلِّي فِي الإِْحْرَامِ:
٧ - وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُرِيدُهُ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ مِمَّنْ أَحْرَمَ بِهِمَا فِعْلًا.
وَتَحَلِّي الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ بِالذَّهَبِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْحُلِيِّ مُبَاحٌ، سَوَاءٌ أَكَانَ سِوَارًا أَمْ غَيْرَهُ، لِقَوْل ابْنِ عُمَرَ ﵄ نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ، وَلْيَلْبَسْنَ بَعْدَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦١٧، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢ / ٤٧٨ - ٤٧٩، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٧ / ١٤١ - ١٤٢، والمغني لابن قدامة ٩ / ١٦٩ ط المنار.
ذَلِكَ مَا أَحْبَبْنَ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ، مِنْ مُعَصْفَرٍ أَوْ خَزٍّ أَوْ حُلِيٍّ. (١)
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: فَأَمَّا الْخَلْخَال وَمَا أَشْبَهَهُ مِنَ الْحُلِيِّ مِثْل السِّوَارِ وَالدُّمْلُوجِ (٢) فَظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لُبْسُهُ. وَقَدْ قَال أَحْمَدُ: الْمُحْرِمَةُ وَالْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا يَتْرُكَانِ الطِّيبَ وَالزِّينَةَ، وَلَهُمَا مَا سِوَى ذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ لِلْمُحْرِمَةِ الْحَرِيرَ وَالْحُلِيَّ. وَكَرِهَهُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَرُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَرَى بَأْسًا أَنْ تَلْبَسَ الْمَرْأَةُ الْخَاتَمَ وَالْقُرْطَ وَهِيَ مُحْرِمَةٌ، وَكَرِهَ السِّوَارَيْنِ وَالدُّمْلُجَيْنِ وَالْخَلْخَالَيْنِ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ: الرُّخْصَةُ فِيهِ. وَهُوَ قَوْل ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ﵄ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. قَال أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: تَلْبَسُ الْمُحْرِمَةُ الْحُلِيَّ وَالْمُعَصْفَرَ. وَقَال عَنْ نَافِعٍ: كَانَ نِسَاءُ ابْنِ عُمَرَ وَبَنَاتُهُ يَلْبَسْنَ الْحُلِيَّ وَالْمُعَصْفَرَ وَهُنَّ مُحْرِمَاتٌ لاَ يُنْكِرُ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ. وَرَوَى أَحْمَدُ فِي الْمَنَاسِكِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: تَلْبَسُ الْمُحْرِمَةُ مَا تَلْبَسُ وَهِيَ حَلاَلٌ مِنْ خَزِّهَا وَقَزِّهَا وَحُلِيِّهَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ قَال: وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ
_________
(١) مطالب أولي النهى ٢ / ٣٥٣ وحديث: " نهى رسول الله ﷺ النساء في إحرامهن. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٥٢ - ط السلفية) .
(٢) الدملج والدملوج: هو الحلي يلبس على العضد. (لسان العرب) .
الثِّيَابِ مِنْ مُعَصْفَرٍ أَوْ خَزٍّ أَوْ حُلِيٍّ قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: لاَ يَجُوزُ الْمَنْعُ مِنْهُ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، وَيُحْمَل كَلاَمُ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ فِي الْمَنْعِ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الزِّينَةِ.
وَلُبْسُ خَاتَمِ الْفِضَّةِ لِلرِّجَال وَالنِّسَاءِ جَائِزٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلاَ يَجُوزُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِلرَّجُل، وَفِيهِ الْفِدَاءُ، وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ. (١)
٨ - وَمِنَ التَّحَلِّي فِي الإِْحْرَامِ أَنْ يَتَطَيَّبَ فِي بَدَنِهِ. وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، لَكِنَّهُ سُنَّ اسْتِعْدَادًا لَهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَكَرِهَ الْمَالِكِيَّةُ الإِْحْرَامَ بِمُطَيَّبٍ، وَنَدَبُوهُ بِغَيْرِهِ.
وَالتَّطَيُّبُ فِي ثَوْبِ الإِْحْرَامِ قَبْل الإِْحْرَامِ مَنَعَهُ الْجُمْهُورُ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ.
وَأَمَّا بَعْدَ الإِْحْرَامِ فَإِنَّ التَّحْلِيَةَ بِالطِّيبِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ هُوَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، (٢) وَأَمَّا لُبْسُ الْمَرْأَةِ حُلِيَّهَا فِي الإِْحْرَامِ فَلاَ بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِغْرَاءٌ ر: (إِحْرَامٌ) .
_________
(١) المسلك المتقسط ٨٣، والشرح الكبير ٢ / ٥٥، والمجموع ٧ / ٢٦٠، ونهاية المحتاج ٢ / ٤٤٩، ومطالب أولي النهى ٢ / ٣٥٣، والمغني ٣ / ٣٣٠ ط الرياض.
(٢) المهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٢١١ - ٢١٦، والمغني لابن قدامة ٣ / ٣١٥ - ٣١٧ م الرياض الحديثة، وتنوير الأبصار ٢ / ٢٢١، ورد المحتار على الدر المختار ٢ / ١٦٢، ١٦٤، والشرح الكبير ٢ / ٥٩، ٦١ - ٦٢، ومنار السبيل في شرح الدليل ١ / ٢٧٤ المكتب الإسلامي، وشرح اللباب ٨٠ - ٨١.
تَحَمُّلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّحَمُّل فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ تَحَمَّل الشَّيْءَ أَيْ: حَمَلَهُ، وَلاَ يُطْلَقُ إِلاَّ عَلَى مَا فِي حَمْلِهِ كُلْفَةٌ وَمَشَقَّةٌ، يُقَال: رَجُلٌ حَمَّالٌ يَحْمِل الْكَل عَنِ النَّاسِ. (١)
وَفِي الأَْثَرِ: لاَ تَحِل الْمَسْأَلَةُ إِلاَّ لِثَلاَثٍ مِنْهَا: رَجُلٌ تَحَمَّل حَمَالَةً عَنْ قَوْمٍ.
وَفِي تَسْمِيَةِ مَا قَدْ يُطْلَبُ مِنَ الشَّخْصِ الشَّهَادَةُ فِيهِ تَحَمُّلًا، إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ أَعْلَى الأَْمَانَاتِ الَّتِي يَحْتَاجُ حَمْلُهَا إِلَى كُلْفَةٍ وَمَشَقَّةٍ. (٢)
وَفِي الاِصْطِلاَحِ الشَّرْعِيِّ: التَّحَمُّل: الْتِزَامُ أَمْرٍ وَجَبَ عَلَى الْغَيْرِ ابْتِدَاءً بِاخْتِيَارِهِ، أَوْ قَهْرًا مِنَ الشَّرْعِ (٣) .
حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:
٢ - التَّحَمُّل يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلاَفِ مَوَاضِعِهِ،
_________
(١) لسان العرب مادة: " حمل ".
(٢) تحفة المحتاج ٨ / ٤٨٠.
(٣) الإنصاف ١٢ / ١٢٤ بتصرف.
فَهُوَ فِي الشَّهَادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَيْنِيٌّ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ.
أَوَّلًا - تَحَمُّل الشَّهَادَةِ:
٣ - اتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ فِي غَيْرِ الْحُدُودِ، كَالنِّكَاحِ وَالإِْقْرَارِ بِأَنْوَاعِهِ، وَذَلِكَ لِلْحَاجَةِ إِلَى الشَّهَادَةِ، وَلِتَوَقُّفِ انْعِقَادِ النِّكَاحِ عَلَيْهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (١) وَسُمُّوا شُهَدَاءَ بِاعْتِبَارِ مَا سَيَئُول إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ، فَإِنْ قَامَ بِالتَّحَمُّل الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ فِي الشَّهَادَةِ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِلاَّ أَثِمُوا جَمِيعًا. هَذَا إِذَا كَانُوا كَثِيرِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ الْعَدَدُ اللاَّزِمُ لِلشَّهَادَةِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ (٢) .
الاِمْتِنَاعُ عَنْ تَحَمُّل الشَّهَادَةِ:
٤ - إِذَا دُعِيَ الْمُكَلَّفُ إِلَى تَحَمُّل شَهَادَةٍ فِي نِكَاحٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ لَزِمَتْهُ الإِْجَابَةُ. وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ فَدُعِيَ إِلَى أَدَائِهَا لَزِمَهُ ذَلِكَ. فَإِنْ قَامَ بِالْفَرْضِ فِي التَّحَمُّل أَوِ الأَْدَاءِ اثْنَانِ سَقَطَ الإِْثْمُ عَنِ الْجَمِيعِ، وَإِنِ امْتَنَعَ الْكُل أَثِمُوا، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ الْمُمْتَنِعُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، وَكَانَتْ شَهَادَتُهُ تَنْفَعُ، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي التَّحَمُّل أَوِ الأَْدَاءِ،
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨٢.
(٢) المغني ٩ / ١٤٩، وتحفة المحتاج ٨ / ٤٨٠، والزرقاني ٧ / ١٩٠.
أَوْ كَانَ مِمَّنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ، أَوْ يَحْتَاجُ إِلَى التَّبَذُّل فِي التَّزْكِيَةِ وَنَحْوِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ (١) وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ (٢) وَلأَِنَّهُ لاَ يَلْزَمُهُ أَنْ يَضُرَّ بِنَفْسِهِ لِنَفْعِ غَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ مِمَّنْ لاَ تُقْبَل شَهَادَتُهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ مَقْصُودَ الشَّهَادَةِ لاَ يَحْصُل مِنْهُ، وَهَل يَأْثَمُ بِالاِمْتِنَاعِ إِذَا وُجِدَ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقُومُ مَقَامَهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لِلْحَنَابِلَةِ:
أَحَدُهُمَا: يَأْثَمُ، لأَِنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ بِدُعَائِهِ، وَلأَِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنِ الاِمْتِنَاعِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ .
وَالثَّانِي: لاَ يَأْثَمُ، لأَِنَّ غَيْرَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ فِي حَقِّهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يُدْعَ إِلَيْهَا. (٣)
أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَى التَّحَمُّل:
٥ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى جَوَازِ أَخْذِ
_________
(١) سورة البقرة / ٢٨٢.
(٢) حديث: " لا ضرر ولا ضرار ". أخرجه ابن ماجه وأحمد بن حنبل من حديث ابن عباس ﵄، وقال الهيثمي: رجاله ثقات. ورواه الحاكم والدارقطني عن أبي سعيد ﵁، والحديث حسنه النووي، وقال: رواه مالك وله طرق يقوي بعضها بعضا. وقال العلائي: للحديث شواهد ينتهي مجموعها إلى درجة الصحة أو الحسن المحتج به. (سنن ابن ماجه ٢ / ٧٨٤ ط الحلبي، وفيض القدير ٦ / ٤٣١، ٤٣٢، وجامع العلوم والحكم ص ٢٨٦ ط الحلبي) .
(٣) المغني ٩ / ١٤٧.
الأُْجْرَةِ عَلَى التَّحَمُّل قَوْلًا وَاحِدًا فِي الْمَذْهَبَيْنِ، إِنْ كَانَ التَّحَمُّل فَرْضَ كِفَايَةٍ وَفِيهِ كُلْفَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ كُلْفَةٌ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ عَلَيْهِ. وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّحَمُّل، كَأَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ، فَلَهُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ إِنْ كَانَ فِي التَّحَمُّل كُلْفَةٌ عَلَى الأَْصَحِّ فِي الْمَذْهَبَيْنِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الأَْقْوَال عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي أَخْذِ الأُْجْرَةِ عَلَى التَّحَمُّل، فَلاَ يَجُوزُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ لِمَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا، وَلاَ لِمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَهُمْ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ. وَقِيل: يَجُوزُ أَخْذُ الأُْجْرَةِ لِلْحَاجَةِ، وَقِيل: يَجُوزُ مُطْلَقًا.
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَتَحَمُّل الشَّهَادَةِ - وَكَذَلِكَ أَدَاؤُهَا - يَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ إِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ يُعْتَبَرُ فَرْضَ عَيْنٍ، وَلاَ أُجْرَةَ لِلشَّاهِدِ. (١)
تَحَمُّل الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ:
٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ فِي الأَْمْوَال، وَمَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَال، وَالأَْنْكِحَةُ، وَالْفُسُوخُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّضَاعُ، وَالْوِلاَدَةُ، وَعُيُوبُ النِّسَاءِ، وَحُقُوقُ اللَّهِ عَدَا
_________
(١) ابن عابدين ٤ / ٣٧٠، والاختيار ٢ / ١٤٧، والفتاوى الهندية ٣ / ٤٥٢، والدسوقي ٤ / ١٩٩، وتحفة المحتاج ٨ / ٤٨١، والروضة ١١ / ٢٧٥، والإنصاف ١٢ / ٦ - ٧
الْحُدُودِ كَالزَّكَاةِ، وَوَقْفِ الْمَسَاجِدِ وَالْجِهَاتِ الْعَامَّةِ. (١)
وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ. فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّحَمُّل فِي الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، لأَِنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُنَازَعَةِ، وَلاَ يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ عَنِ الإِْقْرَارِ بِهِ، وَلاَ يُسْتَحَبُّ السَّتْرُ، فَأَشْبَهَ الأَْمْوَال.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لاَ يَجُوزُ التَّحَمُّل فِي الْقِصَاصِ وَحَدِّ الْقَذْفِ، لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عُقُوبَةٌ بَدَنِيَّةٌ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ، وَتُبْنَى عَلَى الإِْسْقَاطِ، فَأَشْبَهَتِ الْحُدُودَ. (٢)
وَهُنَاكَ شُرُوطٌ لِتَحَمُّل الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (شَهَادَةٌ) .
ثَانِيًا - تَحَمُّل الْعَاقِلَةِ عَنِ الْجَانِي دِيَةَ الْخَطَأِ، وَشِبْهِ الْعَمْدِ:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ تَتَحَمَّل دِيَةَ الْخَطَأِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا عَلَى مَنْ تَجِبُ أَوَّلًا. فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ تَلْزَمُ الْجَانِيَ ابْتِدَاءً، ثُمَّ تَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ الْعَاقِلَةُ. وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلشَّافِعِيَّةِ:
_________
(١) المغني ٩ / ٢٠٦، وروضة الطالبين ١١ / ٢٨٩، وتحفة المحتاج ٨ / ٤٨٧، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٣٩٢.
(٢) المغني ٩ / ٢٠١، ٢٠٩، وروضة الطالبين ١١ / ٢٨٩، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٣٩٢ - ٣٩٣، والزرقاني ٧ / ١٩٤.
تَجِبُ ابْتِدَاءً عَلَى الْعَاقِلَةِ. (١)
وَكَذَلِكَ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ الثَّلاَثَةِ: أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. أَمَّا مَالِكٌ فَلاَ يَثْبُتُ شِبْهُ الْعَمْدِ فِي الْقَتْل أَصْلًا (٢) . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَضَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ (٣)، وَهُوَ: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ اقْتَتَلَتَا، فَحَذَفَتْ إِحْدَاهُمَا الأُْخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا. (٤)
وَكَانَ قَتْلُهَا شِبْهَ عَمْدٍ، فَثُبُوتُ ذَلِكَ فِي الْخَطَأِ أَوْلَى.
أَمَّا جِهَاتُ الْعَاقِلَةِ وَتَرْتِيبُهُمْ فِي التَّحَمُّل فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى مُصْطَلَحِ: (عَاقِلَةٌ) .
ثَالِثًا - تَحَمُّل الإِْمَامِ عَنِ الْمَأْمُومِ:
٨ - لاَ تَجِبُ الْقِرَاءَةُ عَلَى الْمَأْمُومِ خَلْفَ الإِْمَامِ، وَيَتَحَمَّلُهَا عَنْهُ الإِْمَامُ، سَوَاءٌ أَكَانَ مَسْبُوقًا أَمْ غَيْرَ مَسْبُوقٍ عِنْدَ الأَْئِمَّةِ: أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ،
_________
(١) نهاية المحتاج ٨ / ٣٦٩ ط المكتبة الإسلامية، والقليوبي ٤ / ١٥٥، والمغني ٧ / ٧٧٠، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٨٢، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤١٠ - ٤١١.
(٢) المصادر السابقة.
(٣) نهاية المحتاج ٧ / ٣٦٩.
(٤) حديث: " قضاء النبي ﷺ بالدية على العاقلة " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٢٥٢ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٣١٠ - ط الحلبي) .