الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠
جَدِيدٍ، وَيَجُوزُ نِكَاحُهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ؛ لأَِنَّ مَا دُونَ الثَّلاَثِ - وَإِنْ كَانَ بَائِنًا - فَإِنَّهُ يُوجِبُ زَوَال مِلْكِ الاِسْتِمْتَاعِ، لاَ زَوَال حِل الْمَحَلِّيَّةِ.
أَمَّا إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ ثَلاَثًا، فَإِنَّ الْحُكْمَ الأَْصْلِيَّ لِلطَّلَقَاتِ الثَّلاَثِ هُوَ زَوَال مِلْكِ الاِسْتِمْتَاعِ وَزَوَال حِل الْمَحَلِّيَّةِ أَيْضًا، حَتَّى لاَ يَجُوزَ لَهُ نِكَاحُهَا قَبْل التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِل لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ . (١) بَعْدَ قَوْله تَعَالَى: ﴿الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ .
وَإِنَّمَا تَنْتَهِي الْحُرْمَةُ وَتَحِل لِلزَّوْجِ الأَْوَّل بِشُرُوطٍ:
أ - النِّكَاحُ:
٧ - أَوَّل شُرُوطِ التَّحْلِيل: النِّكَاحُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فَقَدْ نَفَى حِل الْمَرْأَةِ لِمُطَلِّقِهَا ثَلاَثًا، وَحَدُّ النَّفْيِ إِلَى غَايَةِ التَّزَوُّجِ بِزَوْجٍ آخَرَ. وَالْحُكْمُ الْمَحْدُودُ إِلَى غَايَةٍ لاَ يَنْتَهِي قَبْل وُجُودِ الْغَايَةِ، فَلاَ تَنْتَهِي الْحُرْمَةُ قَبْل التَّزَوُّجِ، فَلاَ تَحِل لِلزَّوْجِ الأَْوَّل قَبْلَهُ ضَرُورَةً. وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إِذَا وَطِئَهَا إِنْسَانٌ بِالزِّنَى أَوْ بِشُبْهَةٍ أَنَّهَا لاَ تَحِل لِزَوْجِهَا لِعَدَمِ النِّكَاحِ. (٢)
_________
(١) سورة البقرة / ٢٢٩.
(٢) البدائع ٣ / ١٨٧ - ١٨٩، وفتح القدير ٣ / ١٧٨، وابن عابدين ٢ / ٥٣٧ ط بولاق وما بعدها، وبداية المجتهد ٢ / ٩٤ - ٩٥، والقوانين الفقهية ص ٢٣١ الدار العربية للكتاب وتفسير القرطبي٣ / ١٤٩ - ١٥٣، ومغني المحتاج ٣ / ١٨٢ - ١٨٣، ٢٩٣، والمغني ٦ / ٦٤٦ - ٦٤٨، ٧ / ٢٦١، ٢٧٥.
صِحَّةُ النِّكَاحِ:
٨ - يُشْتَرَطُ فِي النِّكَاحِ الثَّانِي لِكَيْ تَحِل الْمَرْأَةُ لِلأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا، وَلاَ تَحِل لِلأَْوَّل إِذَا كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا، حَتَّى لَوْ دَخَل بِهَا؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَيْسَ بِنِكَاحٍ حَقِيقَةً، وَمُطْلَقُ النِّكَاحِ يَنْصَرِفُ إِلَى مَا هُوَ نِكَاحٌ حَقِيقَةً.
وَلَوْ كَانَ النِّكَاحُ الثَّانِي مُخْتَلَفًا فِي فَسَادِهِ، وَدَخَل بِهَا، لاَ تَحِل لِلأَْوَّل عِنْدَ مَنْ يَقُول بِفَسَادِهِ لِمَا قُلْنَا. (١)
ج - الْوَطْءُ فِي الْفَرْجِ:
٩ - ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ مَعَ صِحَّةِ الزَّوَاجِ: أَنْ يَطَأَهَا الزَّوْجُ الثَّانِي فِي الْفَرْجِ، فَلَوْ وَطِئَهَا دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ فِي الدُّبُرِ لَمْ تَحِل لِلأَْوَّل، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ الْحِل عَلَى ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ مِنْهُمَا. فَقَال لاِمْرَأَةِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لاَ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ. (٢)
وَلاَ يَحْصُل هَذَا إِلاَّ بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ. وَقَال
_________
(١) المصادر السابقة.
(٢) حديث: " أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٢٤٩ط السلفية) ومسلم (٢ / ١٠٥٦ - ط الحلبي) .
سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: تَحِل بِنَفْسِ الْعَقْدِ، لِحَمْلِهِ النِّكَاحَ فِي الآْيَةِ عَلَى الْعَقْدِ دُونَ الْجِمَاعِ، وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ حَمَلُوا الآْيَةَ عَلَى الْجِمَاعِ. وَأَدْنَى الْوَطْءِ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ؛ لأَِنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ، وَذَلِكَ بِشَرْطِ الاِنْتِشَارِ لأَِنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ، وَلاَ تُعْقَل مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الإِْنْزَال مِنَ الْفُقَهَاءِ إِلاَّ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، فَإِنَّهُ قَال: لاَ تَحِل إِلاَّ بِوَطْءٍ وَإِنْزَالٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا وَقَعَ الْوَطْءُ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مُبَاحٍ كَحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، هَل يُحِل الْمَرْأَةَ أَمْ لاَ؟
ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّ الْوَطْءَ يُحِل الْمَرْأَةَ، وَإِنْ وَقَعَ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مُبَاحٍ كَحَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْوَاطِئُ بَالِغًا عَاقِلًا أَمْ صَبِيًّا مُرَاهِقًا أَمْ مَجْنُونًا، لأَِنَّ وَطْءَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ النِّكَاحِ، مِنَ الْمَهْرِ وَالتَّحْرِيمِ، كَوَطْءِ الْبَالِغِ الْعَاقِل.
وَالْحَنَابِلَةُ كَالْجُمْهُورِ فِي أَنَّ وَطْءَ الْمَجْنُونِ يُحِل الْمَرْأَةَ كَالْعَاقِل.
وَكَذَلِكَ الصَّغِيرَةُ الَّتِي يُجَامَعُ مِثْلُهَا، إِذَا طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ثَلاَثًا، وَدَخَل بِهَا الزَّوْجُ الثَّانِي، حَلَّتْ لِلأَْوَّل، لأَِنَّ وَطْأَهَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَحْكَامُ الْوَطْءِ مِنَ الْمَهْرِ وَالتَّحْرِيمِ، كَوَطْءِ الْبَالِغَةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ حَلاَلًا (مُبَاحًا)، لأَِنَّ الْوَطْءَ غَيْرُ
الْمُبَاحِ حَرَامٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَمْ يَحْصُل بِهِ الإِْحْلاَل كَوَطْءِ الْمُرْتَدَّةِ.
وَبِنَاءً عَلَى هَذَا: فَلاَ تَحِل الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا الأَْوَّل إِذَا جَامَعَهَا زَوْجُهَا الثَّانِي فِي صَوْمٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ حَيْضٍ أَوِ اعْتِكَافٍ.
كَمَا اشْتَرَطَ الْمَالِكِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الْوَاطِئُ بَالِغًا، وَاشْتَرَطَ الْحَنَابِلَةُ أَنْ يَكُونَ لَهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً؛ لأَِنَّ مَنْ دُونَ الْبُلُوغِ أَوْ مَنْ دُونَ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ لاَ يُمْكِنُهُ الْمُجَامَعَةُ.
وَأَمَّا الذِّمِّيَّةُ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ وَطْءَ زَوْجِهَا الذِّمِّيِّ يُحِلُّهَا لِلأَْوَّل؛ لأَِنَّ النَّصْرَانِيَّ زَوْجٌ.
وَلاَ يُحِلُّهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَرَبِيعَةَ وَابْنِ الْقَاسِمِ (١) .
الزَّوَاجُ بِشَرْطِ التَّحْلِيل:
١٠ - مَنْ تَزَوَّجَ مُطَلَّقَةً ثَلاَثًا بِشَرْطٍ صَرِيحٍ فِي الْعَقْدِ عَلَى أَنْ يُحِلَّهَا لِزَوْجِهَا الأَْوَّل فَهُوَ حَرَامٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ. (٢) وَلِقَوْلِهِ ﷺ: أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ؟ قَالُوا: بَلَى
_________
(١) المصادر السابقة.
(٢) حديث: " لعن رسول الله ﷺ المحلل. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٤١٩ - ط الحلبي) وصححه ابن دقيق العيد كما في التلخيص لابن حجر (٣ / ١٧٠ - ط شركة الطباعة الفنية) .
يَا رَسُول اللَّهِ. قَال: هُوَ الْمُحَلِّل. لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّل لَهُ. (١)
وَالنَّهْيُ يَدُل عَلَى فَسَادِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ.
وَقَدْ صَرَّحَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) بِفَسَادِ هَذَا النِّكَاحِ لِلْحَدِيثَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَلأَِنَّ النِّكَاحَ بِشَرْطِ الإِْحْلاَل فِي مَعْنَى النِّكَاحِ الْمُؤَقَّتِ، وَشَرْطُ التَّأْقِيتِ فِي النِّكَاحِ يُفْسِدُهُ، وَمَا دَامَ النِّكَاحُ فَاسِدًا فَلاَ يَقَعُ بِهِ التَّحْلِيل، وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْل عُمَرَ ﵁: وَاللَّهِ لاَ أُوتَى بِمُحَلِّلٍ وَمُحَلَّلٍ لَهُ إِلاَّ رَجَمْتُهُمَا.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ إِلَى أَنَّ النِّكَاحَ صَحِيحٌ، وَتَحِل لِلأَْوَّل بَعْدَ أَنْ يُطَلِّقَهَا الثَّانِي وَتَنْتَهِيَ عِدَّتُهَا. وَيُكْرَهُ لِلثَّانِي وَالأَْوَّل؛ لأَِنَّ عُمُومَاتِ النِّكَاحِ تَقْتَضِي الْجَوَازَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ مَا إِذَا شُرِطَ فِيهِ الإِْحْلاَل أَوْ لاَ. فَكَانَ النِّكَاحُ بِهَذَا الشَّرْطِ نِكَاحًا صَحِيحًا، فَيَدْخُل تَحْتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فَتَنْتَهِي الْحُرْمَةُ عِنْدَ وُجُودِهِ، إِلاَّ أَنَّهُ كُرِهَ النِّكَاحُ لِهَذَا الشَّرْطِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي الْمَقْصُودَ مِنَ النِّكَاحِ وَهُوَ السَّكَنُ وَالتَّوَالُدُ وَالتَّعَفُّفُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ
_________
(١) حديث: " ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ هو المحلل. . . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٢٣ - ط الحلبي) والحاكم (٢ / ١٩٩ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
يَقِفُ عَلَى الْبَقَاءِ وَالدَّوَامِ عَلَى النِّكَاحِ.
وَقَال مُحَمَّدٌ: النِّكَاحُ الثَّانِي صَحِيحٌ، وَلاَ تَحِل لِلأَْوَّل؛ لأَِنَّ النِّكَاحَ عَقْدٌ مُؤَبَّدٌ، فَكَانَ شَرْطُ الإِْحْلاَل اسْتِعْجَال مَا أَخَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِغَرَضِ الْحِل، فَيَبْطُل الشَّرْطُ وَيَبْقَى النِّكَاحُ صَحِيحًا، لَكِنْ لاَ يَحْصُل بِهِ الْغَرَضُ (١) .
الزَّوَاجُ بِقَصْدِ التَّحْلِيل:
١١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الزَّوَاجَ بِقَصْدِ التَّحْلِيل - مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ فِي الْعَقْدِ - صَحِيحٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَتَحِل الْمَرْأَةُ بِوَطْءِ الزَّوْجِ الثَّانِي لِلأَْوَّل؛ لأَِنَّ النِّيَّةَ بِمُجَرَّدِهَا فِي الْمُعَامَلاَتِ غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ، فَوَقَعَ الزَّوَاجُ صَحِيحًا لِتَوَافُرِ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ فِي الْعَقْدِ، وَتَحِل لِلأَْوَّل، كَمَا لَوْ نَوَيَا التَّأْقِيتَ وَسَائِرَ الْمَعَانِي الْفَاسِدَةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الزَّوَاجَ بِقَصْدِ التَّحْلِيل - وَلَوْ بِدُونِ شَرْطٍ فِي الْعَقْدِ - بَاطِلٌ، وَذَلِكَ بِأَنْ تَوَاطَأَ الْعَاقِدَانِ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ قَبْل الْعَقْدِ، ثُمَّ عُقِدَ الزَّوَاجُ بِذَلِكَ الْقَصْدِ، وَلاَ تَحِل الْمَرْأَةُ بِهِ لِزَوْجِهَا الأَْوَّل، عَمَلًا بِقَاعِدَةِ سَدِّ الذَّرَائِعِ. وَلِحَدِيثِ: لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّل وَالْمُحَلَّل لَهُ. (٢)
_________
(١) المصادر الفقهية السابقة.
(٢) حديث: " لعن رسول الله ﷺ المحلل. . " سبق تخريجه ف / ١٠ وانظر المصادر الفقهية السابقة.
هَدْمُ طَلَقَاتِ الأَْوَّل بِالزَّوَاجِ الثَّانِي:
١٢ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ يَهْدِمُ طَلاَقَ الزَّوْجِ الأَْوَّل إِذَا كَانَ ثَلاَثًا، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الزَّوْجَ الثَّانِيَ هَل يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلاَثِ؟ وَذَلِكَ كَمَا إِذَا تَزَوَّجَتْ قَبْل الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ طُلِّقَتْ مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى زَوْجِهَا الأَْوَّل.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَهْدِمُ؛ لأَِنَّ هَذَا شَيْءٌ يَخُصُّ الثَّالِثَةَ بِالشَّرْعِ، فَلاَ يَهْدِمُ مَا دُونَهَا.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَهْدِمُ مَا دُونَ الثَّلاَثِ، لأَِنَّهُ لَمَّا هَدَمَ الثَّلاَثَ فَهُوَ أَحْرَى أَنْ يَهْدِمَ مَا دُونَهَا، وَبِهِ قَال ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ (١) .
_________
(١) المصادر الفقهية السابقة.
تَحْلِيَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّحْلِيَةُ لُغَةً: إِلْبَاسُ الْمَرْأَةِ الْحُلِيَّ، أَوِ اتِّخَاذُهُ لَهَا لِتَلْبَسَهُ.
وَيُقَال: تَحَلَّتِ الْمَرْأَةُ: لَبِسَتِ الْحُلِيَّ أَوِ اتَّخَذَتْهُ. وَحَلَّيْتُهَا بِالتَّشْدِيدِ: أَلْبَسْتُهَا الْحُلِيَّ، أَوِ اتَّخَذْتُهُ لَهَا لِتَلْبَسَهُ. (١) وَالتَّحْلِيَةُ لاَ تَخْرُجُ فِي مَعْنَاهَا الشَّرْعِيِّ عَنْ هَذَا التَّعْرِيفِ.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
تَزْيِينٌ:
٢ - التَّزْيِينُ مِنَ الزِّينَةِ، وَالزِّينَةُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُل شَيْءٍ يُتَزَيَّنُ بِهِ. (٢)
فَالتَّزَيُّنُ أَعَمُّ مِنَ التَّحْلِيَةِ، لِتَنَاوُلِهِ مَا لَيْسَ حِلْيَةً كَالاِكْتِحَال وَتَسْرِيحِ الشَّعْرِ وَالاِخْتِضَابِ.
_________
(١) المصباح المنير مادة: " حلا ".
(٢) لسان العرب والصحاح للمرعشلي، ومختار الصحاح مادة: " زين ".
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّحْلِيَةِ بِحَسَبِ الأَْحْوَال.
فَقَدْ تَكُونُ التَّحْلِيَةُ وَاجِبَةً كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، (١) وَتَزَيُّنِ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا مَتَى طَلَبَ مِنْهَا ذَلِكَ. (٢)
وَقَدْ تَكُونُ مُسْتَحَبَّةً كَتَحَلِّي الرَّجُل لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَمَجَامِعِ النَّاسِ وَلِقَاءِ الْوُفُودِ (٣) وَخِضَابِ الشَّيْبِ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ بِصُفْرَةٍ أَوْ حُمْرَةٍ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٤) .
وَقَدْ تَكُونُ مَكْرُوهَةً كَلُبْسِ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُزَعْفَرِ لِلرِّجَال كَمَا هُوَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، (٥) وَخِضَابِ الرَّجُل يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ لِلتَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ عِنْدَهُمْ أَيْضًا. (٦)
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٢٣، والاختاير شرح المختار ١ / ٤٥، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٧١، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٧٧ - ٥٧٩ م الرياض الحديثة، والشرح الكبير ١ / ٢١١.
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٥٢، ٣ / ١٨٨، ٥ / ٢٧٤، وروضة الطالبين ٧ / ٣٤٤، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ٢ / ٧٦ - ٦٨.
(٣) حاشية ابن عابدين ١ / ٥٤٥ - ٥٥٦، وفتح القدير ٢ / ٤٠، وروضة الطالبين ٢ / ٤٥، ٧٦، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ٤٦، ٩٨، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ٣٨١، ٣٩٨، وجواهر الإكليل ١ / ٩٦، ١٠٣، والإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل ١ / ١٩٧، ٢٠٠، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٢ / ٤٢، ٥١ م النصر الحديثة، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧ / ١٩٥ - ١٩٧، والمغني لابن قدامة ٢ / ٣٧٠ م الرياض الحديثة.
(٤) حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٨١ - ٤٨٢.
(٥) المصدر السابق.
(٦) ابن عابدين ٥ / ٢٧١.
وَقَدْ تَكُونُ حَرَامًا كَتَحَلِّي الرِّجَال بِحِلْيَةِ النِّسَاءِ، وَتَحَلِّي النِّسَاءِ بِحِلْيَةِ الرِّجَال، وَكَتَحَلِّي الرِّجَال بِالذَّهَبِ (١) .
الإِْسْرَافُ فِي التَّحْلِيَةِ:
٤ - التَّحْلِيَةُ الْمُبَاحَةُ أَوِ الْمُسْتَحَبَّةُ إِذَا أُسْرِفَ فِيهَا تُصْبِحُ مَحْظُورَةً، وَقَدْ تَصِل إِلَى مَرْتَبَةِ التَّحْرِيمِ.
وَالإِْسْرَافُ: هُوَ مُجَاوَزَةُ حَدِّ الاِسْتِوَاءِ، فَتَارَةً يَكُونُ بِمُجَاوَزَةِ الْحَلاَل إِلَى الْحَرَامِ، وَتَارَةً يَكُونُ بِمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ فِي الإِْنْفَاقِ، فَيَكُونُ مِمَّنْ قَال اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ (٢) وَالإِْسْرَافُ وَضِدُّهُ مِنَ الإِْقْتَارِ مَذْمُومَانِ، وَالاِسْتِوَاءُ هُوَ التَّوَسُّطُ (٣) قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ . (٤)
تَحْلِيَةُ الْمُحِدَّةِ:
٥ - الْمُحِدَّةُ مِنَ النِّسَاءِ هِيَ: الْمَرْأَةُ الَّتِي تَتْرُكُ الزِّينَةَ وَالْحُلِيَّ وَالطِّيبَ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا لِلْعِدَّةِ، وَالْحِدَادُ تَرْكُهَا ذَلِكَ. (٥)
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦١، ٢٦٩، ٢٧١، وروضة الطالبين ٢ / ٢٦٣ المكتب الإسلامي، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٣٦٢، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٢٨٥ - ٢٨٦ م النصر الحديثة.
(٢) سورة الإسراء / ٢٧.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٣ / ٤١ ط المطبعة البهية.
(٤) سورة الفرقان / ٦٧.
(٥) لسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح مادة " حدد ".