الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠ الصفحة 50

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠

أَوِ التَّقْصِيرِ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عُمْرَةٌ) . (١)

التَّحَلُّل مِنَ الْيَمِينِ:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ الْمُنْعَقِدَةَ الْمُؤَكِّدَةَ لِلْحَثِّ أَوِ الْمَنْعِ تَنْحَل بِفِعْل مَا يُوجِبُ الْحِنْثَ، وَهُوَ الْمُخَالَفَةُ لِمَا انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ، وَذَلِكَ إِمَّا بِفِعْل مَا حَلَفَ عَلَى أَلاَّ يَفْعَلَهُ، وَإِمَّا بِتَرْكِ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ، إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ تَرَاخَى عَنْ فِعْل مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ إِلَى وَقْتٍ لَيْسَ يُمْكِنُهُ فِيهِ فِعْلُهُ، وَذَلِكَ فِي الْيَمِينِ بِالتَّرْكِ الْمُطْلَقِ، مِثْل أَنْ يَحْلِفَ: لَتَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ، فَيَأْكُلُهُ غَيْرُهُ. أَوْ إِلَى وَقْتٍ هُوَ غَيْرُ الْوَقْتِ الَّذِي اشْتَرَطَ وُجُودَ الْفِعْل فِيهِ، وَذَلِكَ فِي الْفِعْل الْمُشْتَرَطِ فِعْلُهُ فِي زَمَانٍ مُحَدَّدٍ، مِثْل أَنْ يَقُول: وَاللَّهِ لأَفْعَلَنَّ الْيَوْمَ كَذَا، فَإِنَّهُ إِذَا انْقَضَى النَّهَارُ وَلَمْ يَفْعَل حَنِثَ ضَرُورَةً، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الأَْيْمَانِ هِيَ الأَْرْبَعَةُ الأَْنْوَاعِ الْوَارِدَةِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَْيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ

_________

(١) رد المحتار ٢ / ١٩٧ وما بعدها، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ١ / ٤٨٣، وروضة الطالبين ٣ / ١٠٤، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٤٤، والمغني لابن قدامة ٣ / ٣٩٢.

فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ . (١)

وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ إِذَا حَنِثَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الثَّلاَثَةِ الأُْوَل أَيِ: الإِْطْعَامِ أَوِ الْكِسْوَةِ أَوِ الْعِتْقِ، وَأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ الصِّيَامُ إِلاَّ إِذَا عَجَزَ عَنِ الثَّلاَثَةِ (٢)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ .

وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (أَيْمَانٌ) .

وَالتَّحَلُّل فِي الْيَمِينِ: الاِسْتِثْنَاءُ مِنْهَا بِقَوْلِهِ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الاِسْتِثْنَاءِ أَيُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ أَوْ لاَ يُشْتَرَطُ؟ وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ (أَيْمَانٌ، طَلاَقٌ) .

تَحَلِّي

اُنْظُرْ: حِلْيَةٌ.

تَحْلِيفٌ

اُنْظُرْ: حَلِفٌ.

_________

(١) سورة المائدة / ٨٩.

(٢) بدائع الصنائع ٣ / ٥ - ١٩، ورد المحتار على الدر المختار ٣ / ٤٨، ٤٩ ر: (الأيمان)، وتفسير القرطبي ٦ / ٢٦٥، ٢٦٦، وبداية المجتهد ١ / ٤٣٣، ٤٣٥، ٤٣٦، وحاشية الدسوقي ٢ / ١٣١، ١٣٣، ونهاية المحتاج ٨ / ١٧١ - ١٧٤، وكشاف القناع ٦ / ٢٤٢، ٢٤٣، ر: (الأيمان) .

تَحْلِيقٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي التَّحْلِيقِ فِي اللُّغَةِ: الاِسْتِدَارَةُ وَجَعْل الشَّيْءِ كَالْحَلْقَةِ (١) .

وَمِنْ مَعَانِيهِ أَيْضًا: إِزَالَةُ الشَّعْرِ، يُقَال: حَلَقَ رَأْسَهُ يَحْلِقُهُ حَلْقًا، وَتِحْلاَقًا: أَزَال شَعْرَهُ، كَحَلَّقَهُ وَاحْتَلَقَهُ (٢) . وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾، (٣) وَفِي الْحَدِيثِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ (٤) وَالتَّحْلِيقُ خِلاَفُ التَّقْصِيرِ، وَهُوَ: الأَْخْذُ مِنَ الشَّعْرِ بِالْمِقَصِّ. وَخِلاَفُ النَّتْفِ، وَهُوَ: نَزْعُ الشَّعْرِ مِنْ أُصُولِهِ. وَيَرِدُ فِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ بِالْمَعْنَيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

التَّحْلِيقُ بِمَعْنَى الاِسْتِدَارَةِ فِي التَّشَهُّدِ:

٢ - يَرِدُ التَّحْلِيقُ بِمَعْنَى: الاِسْتِدَارَةِ فِي التَّشَهُّدِ

_________

(١) لسان العرب مادة: " حلق ".

(٢) ترتيب القاموس المحيط.

(٣) سورة الفتح / ٢٧.

(٤) حديث: " اللهم اغفر للمحلقين. . " وأخرجه البخاري (الفتح ٣ / ٥٦١ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٤٥ - ط الحلبي) .

فِي الصَّلاَةِ، سَوَاءٌ التَّشَهُّدُ الأَْوَّل أَوِ الأَْخِيرُ.

وَصِفَتُهُ: أَنْ يَقْبِضَ الْمُصَلِّي الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ مِنْ يَدِهِ الْيُمْنَى، وَيَحْلِقَ بِإِبْهَامِهِ مَعَ الْوُسْطَى وَيُشِيرَ بِالسَّبَّابَةِ - وَهِيَ الأُْصْبُعُ الَّتِي تَلِي الإِْبْهَامَ - عِنْدَ لَفْظِ الْجَلاَلَةِ رَافِعًا لَهَا وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الْقَوْل الثَّانِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلٌ لِلْحَنَفِيَّةِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ الْمُفْتَى بِهِ. وَالتَّحْلِيقُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ سُنَّةٌ. (١)

وَذُكِرَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ مِنْ مَنْدُوبَاتِ الصَّلاَةِ أَنْ يَعْقِدَ الْمُصَلِّي فِي تَشَهُّدِهِ مِنْ أَصَابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ وَالْوُسْطَى وَهِيَ مَوْضُوعَةٌ عَلَى فَخِذِهَا الأَْيْمَنِ، وَأَطْرَافُهَا عَلَى اللَّحْمَةِ الَّتِي تَحْتَ الإِْبْهَامِ عَلَى صِفَةِ تِسْعَةٍ، وَأَنْ يَمُدَّ السَّبَّابَةَ وَالإِْبْهَامَ، وَالإِْبْهَامُ بِجَانِبِهَا عَلَى الْوُسْطَى مَمْدُودَةٌ عَلَى صُورَةِ الْعِشْرِينَ، فَتَكُونُ الْهَيْئَةُ صِفَةَ التِّسْعَةِ وَالْعِشْرِينَ، وَهَذَا هُوَ قَوْل الأَْكْثَرِ، وَنُدِبَ أَنْ يُحَرِّكَ السَّبَّابَةَ يَمِينًا وَشِمَالًا تَحَرُّكًا وَسَطًا فِي جَمِيعِ التَّشَهُّدِ. (٢) وَلَمْ يُسَمُّوا ذَلِكَ تَحْلِيقًا.

وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (تَشَهُّدٌ) .

_________

(١) كشاف القناع ١ / ٢٩٢ ط مكتبة النصر الحديثة، ونهاية المحتاج ١ / ٥٠١، ٥٠٢ ط المكتبة الإسلامية، وشرح المنهاج ١ / ١٦٤ ط مصطفى الحلبي، وحاشية ابن عابدين ١ / ٥٠٨، ٥٠٩ ط مصطفى الحلبي.

(٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٢٥٠، ٢٥١ ط عيسى الحلبي.

التَّحْلِيقُ بِمَعْنَى إِزَالَةِ الشَّعْرِ:

٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبَدَنِ الْمُحْرِمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (١) فَيَحْظُرُ عَلَى الْمُحْرِمِ حَلْقُ رَأْسِهِ أَوْ رَأْسِ مُحْرِمٍ غَيْرِهِ، وَقَلِيل الشَّعْرِ كَذَلِكَ يَحْظُرُ حَلْقُهُ أَوْ قَطْعُهُ، وَإِنْ حَلَقَ الْمُحْرِمُ شَعْرَهُ أَثْنَاءَ إِحْرَامِهِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لِلنَّصِّ.

وَالْحَلْقُ لِلتَّحَلُّل مِنَ الإِْحْرَامِ أَفْضَل مِنَ التَّقْصِيرِ.

رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُول اللَّهِ، قَال: وَالْمُقَصِّرِينَ. (٢)

وَفِي دُعَاءِ رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاَثًا، وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَفْضَل مِنَ التَّقْصِيرِ، هَذَا إِذَا كَانَ مُحْرِمًا بِالْعُمْرَةِ وَحْدَهَا مِنْ غَيْرِ إِرَادَةِ تَمَتُّعٍ، فَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، وَأَرَادَ التَّحَلُّل مِنْ عُمْرَتِهِ، فَالأَْفْضَل لَهُ التَّقْصِيرُ، لِيَتَوَفَّرَ الْحَلْقُ لِلتَّحَلُّل مِنَ الْحَجِّ. (٣)

_________

(١) سورة البقرة / ١٩٦.

(٢) حديث ابن عمر ﵄ سبق تخريجه ف / ١.

(٣) كشاف القناع ٢ / ٤٨٨، والدسوقي ٢ / ٤٦.

وَأَجْمَعَ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ عَنِ الرِّجَال، وَأَنَّ النِّسَاءَ سُنَّتُهُنَّ التَّقْصِيرُ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ، إِنَّمَا عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ، (١) وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ فِي الْحَجِّ نُسُكٌ.

وَالْحَلْقُ - أَوِ التَّقْصِيرُ - فِي ذَاتِهِ وَاجِبٌ إِذَا كَانَ عَلَى الرَّأْسِ شَعْرٌ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى رَأْسِهِ شَعْرٌ - كَالأَْقْرَعِ وَمَنْ بِرَأْسِهِ قُرُوحٌ - فَإِنَّهُ يَجِبُ إِمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَاسْتَحَبَّ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ (٢) .

وَبَعْدَ فَرَاغِ الْحَلْقِ يَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، اللَّهُمَّ هَذِهِ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، فَاجْعَل لِي كُل شَعْرَةٍ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي يَا وَاسِعَ الْمَغْفِرَةِ. (٣)

وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (إِحْرَامٌ) (حَلْقٌ) .

_________

(١) حديث: " ليس على النساء حلق، وإنما عليهن التقصير " أخرجه أبو داود (٢ / ٥٠٢ - ط عزت عبيد دعاس) وحسنه ابن حجر في التلخيص (٢ / ٢٦١ - شركة الطباعة الفنية) .

(٢) تفسير القرطبي ٢ / ٢٨١، ٢٨٢ - الطبعة الثانية، وبدائع الصنائع ٢ / ١٤٠ - الطبعة الأولى بمصر، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٤٥، ٤٦ ط مصطفى الحلبي، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٩٩ وما بعدها.

(٣) نهاية المحتاج ٣ / ٢٩٧، والمجموع ٨ / ٢١٥.

تَحْلِيلٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّحْلِيل لُغَةً ضِدُّ التَّحْرِيمِ، وَأَصْل الْفِعْل (حَل) وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ وَالتَّضْعِيفِ، فَيُقَال: أَحْلَلْتُهُ. وَمِنْهُ ﴿أَحَل اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ (١) أَيْ أَبَاحَهُ وَخَيَّرَ فِي الْفِعْل وَالتَّرْكِ، وَاسْمُ الْفَاعِل: مُحِلٌّ وَمُحَلِّلٌ. (٢)

وَالتَّحْلِيل فِي الشَّرْعِ هُوَ: حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّ فِعْلًا مَا هُوَ حَلاَلٌ. قَال ابْنُ وَهْبٍ: قَال مَالِكٌ: لَمْ يَكُنْ مِنْ فُتْيَا النَّاسِ أَنْ يَقُولُوا: هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ، وَلَكِنْ يَقُولُونَ: إِيَّاكُمْ كَذَا وَكَذَا، وَلَمْ أَكُنْ لأَِصْنَعَ هَذَا. قَال الْقُرْطُبِيُّ:

وَمَعْنَى هَذَا: أَنَّ التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيمَ إِنَّمَا هُوَ لِلَّهِ ﷿، وَلَيْسَ لأَِحَدٍ أَنْ يَقُول أَوْ يُصَرِّحَ بِهَذَا فِي عَيْنٍ مِنَ الأَْعْيَانِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْبَارِئُ تَعَالَى يُخْبِرُ بِذَلِكَ عَنْهُ. (٣)

ثُمَّ قَال: وَقَدْ يَقْوَى الدَّلِيل عَلَى التَّحْرِيمِ

_________

(١) سورة البقرة / ٢٧٥.

(٢) المصباح المنير مادة: (حلل) .

(٣) تفسير القرطبي ١٠ / ١١٦ دار الكتب.

عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ، فَلاَ بَأْسَ عِنْدَ ذَلِكَ أَنْ يَقُول ذَلِكَ، كَمَا يَقُول: إِنَّ الرِّبَا حَرَامٌ فِي غَيْرِ الأَْعْيَانِ السِّتَّةِ.

وَقَدْ يُطْلَقُ التَّحْلِيل وَيُرَادُ مِنْهُ الْعَفْوُ عَنْ مَظْلَمَةٍ، وَيُطْلَقُ التَّحْلِيل وَيُرَادُ مِنْهُ: تَحْلِيل الْمُطَلَّقَةِ ثَلاَثًا لِمُطَلِّقِهَا.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْبَاحَةُ:

٢ - الإِْبَاحَةُ فِي اللُّغَةِ: الإِْحْلاَل، وَفِي الاِصْطِلاَحِ الأُْصُولِيِّ: هِيَ خِطَابُ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَعَلِّقُ بِأَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ تَخْيِيرًا مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ. (١)

وَعِنْدَ الْفُقَهَاءِ: الإِْذْنُ بِإِتْيَانِ الْفِعْل حَسَبَ مَشِيئَةِ الْفَاعِل فِي حُدُودِ الإِْذْنِ (٢) وَقَدْ تُطْلَقُ الإِْبَاحَةُ عَلَى مَا قَابَل الْحَظْرَ، فَتَشْمَل الْفَرْضَ وَالإِْيجَابَ وَالنَّدْبَ. (٣) وَالإِْبَاحَةُ فِيهَا تَخْيِيرٌ، أَمَّا الْحِل فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ شَرْعًا.

ر: (إِبَاحَةٌ) .

تَحْلِيل الْحَرَامِ:

٣ - الْمُرَادُ بِهِ: جَعْل الْحَرَامِ حَلاَلًا، كَتَحْلِيل الرِّبَا، فَذَلِكَ افْتِرَاءٌ عَلَى اللَّهِ وَكَذِبٌ تَوَعَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ

_________

(١) مسلم الثبوت وشرحه ١ / ١١٢.

(٢) تعريفات الجرجاني.

(٣) تبيين الحقائق ٦ / ١٠.

الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ﴾ . (١)

التَّحْلِيل مِنَ الدُّيُونِ وَغَيْرِهَا:

٤ - التَّحْلِيل مِنَ الدَّيْنِ: إِخْرَاجُ الدَّيْنِ مِنْهُ. وَأَمَّا التَّحَلُّل فَهُوَ: طَلَبُ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَِخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْل أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ. (٢)

وَالتَّحْلِيل قَدْ يَكُونُ بِمُقَابِلٍ وَبِغَيْرِهِ:

فَاَلَّذِي بِمُقَابِلٍ: كَالزَّوْجَةِ تُرِيدُ أَنْ تَخْتَلِعَ مِنْ زَوْجِهَا، فَتُعْطِيهِ مَالًا لِيَخْلَعَهَا. وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ يَحِل لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ . (٣)

وَقَدْ يَكُونُ التَّحْلِيل بِلاَ مُقَابِلٍ، وَأَصْل ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ

_________

(١) سورة النحل / ١١٦، والقرطبي ١٠ / ١١٦.

(٢) حديث: " من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ١٠١ - ط السلفية) .

(٣) سورة البقرة / ٢٢٩.

طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ . (١)

فَقَدْ دَلَّتِ الآْيَةُ عَلَى جَوَازِ هِبَةِ الْمَرْأَةِ لِلْمَهْرِ، وَهُوَ دَيْنٌ. (٢)

التَّحْلِيل مِنَ التَّبِعَاتِ وَالْحُقُوقِ غَيْرِ الْمَالِيَّةِ لِلْحَيِّ وَالْمَيِّتِ:

٥ - مَنْ أَخْطَأَ فِي حَقِّ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتُوبَ إِلَى اللَّهِ عَنْ ذَنْبِهِ. وَقَال الْعُلَمَاءُ: إِنَّ لِلتَّوْبَةِ شُرُوطًا مِنْهَا: أَنْ يَبْرَأَ التَّائِبُ مِنْ حَقِّ الْمُعْتَدَى عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ مَالًا رَدَّهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ حَدَّ قَذْفٍ وَنَحْوَهُ مَكَّنَهُ مِنْهُ، أَوْ طَلَبَ عَفْوَهُ، وَإِنْ كَانَ غِيبَةً اسْتَحَلَّهُ مِنْهَا. (٣) (ر: تَوْبَةٌ) .

نِكَاحُ الْمُحَلِّل:

٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ مَنْ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَلْقَةً رَجْعِيَّةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ رَجْعِيَّتَيْنِ جَازَ لَهُ إِرْجَاعُهَا فِي الْعِدَّةِ.

وَإِذَا كَانَ الطَّلاَقُ بَائِنًا بَيْنُونَةً صُغْرًى، فَحُكْمُ مَا دُونَ الثَّلاَثِ مِنَ الْوَاحِدَةِ الْبَائِنَةِ وَالثِّنْتَيْنِ الْبَائِنَتَيْنِ هُوَ نُقْصَانُ عَدَدِ الطَّلاَقِ وَزَوَال مِلْكِ الاِسْتِمْتَاعِ، حَتَّى لاَ يَجُوزُ وَطْؤُهَا إِلاَّ بِنِكَاحٍ

_________

(١) سورة النساء / ٤.

(٢) الجصاص ٢ / ٧٠.

(٣) رياض الصالحين ص ١١.