الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠
شَرْعِيَّةٍ نَشَأَتْ مِنَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى اخْتِيَارِ الْحَكَمِ لِلْحُكْمِ فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ نِزَاعٍ وَخُصُومَةٍ. وَلاَ وِلاَيَةَ لأَِيٍّ مِنْهُمَا عَلَى غَيْرِهِ، فَلاَ يَسْرِي أَثَرُ حُكْمِ الْحَكَمِ عَلَى غَيْرِهِمَا. (١)
٣٨ - وَتَطْبِيقًا لِهَذَا الْمَبْدَأِ، فَلَوْ حَكَّمَ الْخَصْمَانِ رَجُلًا فِي عَيْبِ الْبَيْعِ فَقَضَى الْحَكَمُ بِرَدِّهِ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ حَقٌّ بِرَدِّهِ عَلَى بَائِعِهِ، إِلاَّ أَنْ يَرْضَى الْبَائِعُ الأَْوَّل وَالثَّانِي وَالْمُشْتَرِي بِتَحْكِيمِهِ، فَحِينَئِذٍ يَرُدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ الأَْوَّل.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى آخَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَنَازَعَهُ فِي ذَلِكَ، فَادَّعَى أَنَّ فُلاَنًا الْغَائِبَ قَدْ ضَمِنَهَا لَهُ عَنْ هَذَا الرَّجُل، فَحَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا، وَالْكَفِيل غَائِبٌ. فَأَقَامَ الْمُدَّعِي بَيِّنَةً عَلَى الْمَال، وَعَلَى الْكَفَالَةِ، فَحَكَمَ الْحَكَمُ بِالْمَال وَبِالْكَفَالَةِ، صَحَّ الْحُكْمُ فِي حَقِّ الدَّائِنِ وَالْمَدِينِ وَلَمْ يَصِحَّ بِالْكَفَالَةِ، وَلاَ عَلَى الْكَفِيل.
وَإِنْ حَضَرَ الْكَفِيل، وَالْمَكْفُول غَائِبٌ، فَتَرَاضَى الطَّالِبُ وَالْكَفِيل، فَحَكَمَ الْمُحَكَّمُ بِذَلِكَ كَانَ الْحُكْمُ جَائِزًا، وَنَافِذًا بِحَقِّ الْكَفِيل دُونَ الْمَكْفُول. (٢)
_________
(١) البحر الرائق ٧ / ٢٦، والمنهاج ٤ / ٣٧٩، والسراج الوهاج ص ٥٨٩، ونهاية المحتاج ٨ / ٢٣١، والكافي لابن قدامة ٣ / ٤٣٦، وكشاف القناع ٦ / ٣٠٣.
(٢) فتح القدير ٥ / ٤٩٩، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٣١، والبحر الرائق ٧ / ٢٨.
وَلَمْ يَشِذَّ عَنْ هَذَا الْمَبْدَأِ غَيْرُ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ نَصَّ عَلَيْهَا الْحَنَفِيَّةُ، هِيَ: مَا لَوْ حَكَّمَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ وَغَرِيمُهُ رَجُلًا فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، وَأَلْزَمَ الشَّرِيكَ شَيْئًا مِنَ الْمَال الْمُشْتَرَكِ نَفَذَ هَذَا الْحُكْمُ، وَتَعَدَّى إِلَى الشَّرِيكِ الْغَائِبِ؛ لأَِنَّ حُكْمَهُ بِمَنْزِلَةِ الصُّلْحِ فِي حَقِّ الشَّرِيكِ الْغَائِبِ. وَالصُّلْحُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ. فَكَانَ كُل وَاحِدٍ مِنَ الشَّرِيكَيْنِ رَاضِيًا بِالصُّلْحِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ. . . (١)
وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى فَإِنَّ الْعُرْفَ بَيْنَ التُّجَّارِ قَدْ جَعَل التَّحْكِيمَ مِنْ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ كَأَنَّهُ تَحْكِيمٌ مِنْ سَائِرِ الشُّرَكَاءِ. وَلِهَذَا لَزِمَ الْحُكْمُ، وَنَفَذَ فِي حَقِّهِمْ جَمِيعًا.
ثَانِيًا: نَقْضُ الْحُكْمِ:
٣٩ - قَدْ يَرْضَى الْخَصْمَانِ بِالْحُكْمِ، فَيَعْمَلاَنِ عَلَى تَنْفِيذِهِ. . وَقَدْ يَرَى أَحَدُهُمَا رَفْعَهُ إِلَى الْقَضَاءِ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ لَمْ يَنْقُضْهُ إِلاَّ بِمَا يَنْقُضُ بِهِ قَضَاءَ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ. (٢)
أَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِذَا رُفِعَ حُكْمُ الْمُحَكَّمِ إِلَى
_________
(١) البحر الرائق ٧ / ٢٨، والدر المختار ٥ / ٤٢٩.
(٢) روضة الطالبين ١١ / ١٢٣، ومغني المحتاج ٤ / ٣٧٩، والمغني ١٠ / ١٩٠، ومطالب أولي النهى ٦ / ٤٧١، وكشاف القناع ٦ / ٣٠٣.
الْقَاضِي نَظَرَ فِيهِ، فَإِنْ وَجَدَهُ مُوَافِقًا مَذْهَبَهُ أَخَذَ بِهِ وَأَمْضَاهُ، لأَِنَّهُ لاَ جَدْوَى مِنْ نَقْضِهِ، ثُمَّ إِبْرَامِهِ.
وَفَائِدَةُ هَذَا الإِْمْضَاءِ: أَنْ لاَ يَكُونَ لِقَاضٍ آخَرَ يَرَى خِلاَفَهُ نَقْضُهُ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ، لأَِنَّ إِمْضَاءَهُ بِمَنْزِلَةِ قَضَائِهِ ابْتِدَاءً.
أَمَّا إِنْ وَجَدَهُ خِلاَفَ مَذْهَبِهِ أَبْطَلَهُ، وَأَوْجَبَ عَدَمَ الْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْفُقَهَاءُ.
وَهَذَا الإِْبْطَال لَيْسَ عَلَى سَبِيل اللُّزُومِ، بَل هُوَ عَلَى سَبِيل الْجَوَازِ، إِنْ شَاءَ الْقَاضِي أَبْطَلَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَمْضَاهُ وَأَنْفَذَهُ. (١)
٤٠ - وَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الإِْجَازَةُ مِنَ الْقَاضِي بَعْدَ حُكْمِ الْمُحَكَّمِ.
وَعَلَيْهِ فَلَوْ حَكَّمَا رَجُلًا، فَأَجَازَ الْقَاضِي حُكُومَتَهُ قَبْل أَنْ يَحْكُمَ، ثُمَّ حَكَمَ بِخِلاَفِ رَأْيِ الْقَاضِي لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ أَجَازَ الْمَعْدُومَ.
وَإِجَازَةُ الشَّيْءِ قَبْل وُجُودِهِ بَاطِلَةٌ، فَصَارَ كَأَنَّهُ لَمْ يَجُزْ.
وَلَكِنَّ السَّرَخْسِيَّ قَال: هَذَا الْجَوَابُ صَحِيحٌ
_________
(١) البحر الرائق ٧ / ٢٧، وحاشية الدرر ٢ / ٣٣٦، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٣١، وهذا ما تفيده عبارة الكاساني: إذا حكم في فصل مجتهد فيه، ثم رفعه إلى القاضي، ورأيه يخالف رأي الحاكم المحكم، له أن يفسخ حكمه. (بدائع الصنائع ٢ / ٣) .
فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْقَاضِي مَأْذُونًا فِي اسْتِخْلاَفِ غَيْرِهِ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ مَأْذُونًا فِي الاِسْتِخْلاَفِ فَيَجِبُ أَنْ تَجُوزَ إِجَازَتُهُ.
وَتُجْعَل إِجَازَةُ الْقَاضِي بِمَنْزِلَةِ اسْتِخْلاَفِهِ إِيَّاهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، فَلاَ يَكُونُ لَهُ أَنْ يُبْطِل حُكْمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وَإِنْ حَكَّمَا رَجُلًا، فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ حَكَّمَا آخَرَ، فَقَضَى بِحُكْمٍ آخَرَ، ثُمَّ رُفِعَ الْحُكْمَانِ إِلَى الْقَاضِي، فَإِنَّهُ يَنْفُذُ حُكْمُ الْمُوَافِقِ لِرَأْيِهِ.
هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَنْقُضُ حُكْمَ الْمُحَكَّمِ إِلاَّ إِذَا كَانَ جَوْرًا بَيِّنًا. سَوَاءٌ أَكَانَ مُوَافِقًا لِرَأْيِ الْقَاضِي، أَمْ مُخَالِفًا لَهُ.
وَقَالُوا بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ أَهْل الْعِلْمِ، وَبِهِ قَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى (١) .
انْعِزَال الْحَكَمِ:
٤١ - يَنْعَزِل الْحَكَمُ بِكُل سَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ الأَْتِيَّةِ:
أ - الْعَزْل: لِكُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ عَزْل الْمُحَكَّمِ قَبْل الْحُكْمِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الْمُحَكَّمُ قَدْ وَافَقَ عَلَيْهِ
_________
(١) البحر الرائق ٧ / ٢٧، وحاشية ابن عابدين ٥ / ٤٣١، والمدونة ٤ / ٧٧، والكافي لابن عبد البر ٢ / ٩٥٩، ومواهب الجليل ٦ / ١١٢، والتاج والإكليل ٦ / ١١٣، وتبصرة الحكام ١ / ٤٤.
الْقَاضِي، فَلَيْسَ لَهُمَا عَزْلُهُ؛ لأَِنَّ الْقَاضِيَ اسْتَخْلَفَهُ.
ب - انْتِهَاءُ الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ لِلتَّحْكِيمِ قَبْل صُدُورَ الْحُكْمِ.
ج - خُرُوجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّحْكِيمِ.
د - صُدُورُ الْحُكْمِ.
تَحَلُّلٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - التَّحَلُّل ثُلاَثِيَّةٌ مِنْ حَل. وَأَصْل مَعْنَى (حَل) فِي اللُّغَةِ: فَتَحَ الشَّيْءَ وَفَكَّ الْعُقْدَةَ، وَيَكُونُ بِفِعْل الإِْنْسَانِ مَا يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الْحُرْمَةِ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ مَوْضِعِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ إِحْرَامٍ فَهُوَ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِالطَّرِيقِ الْمَوْضُوعِ لَهُ شَرْعًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ يَمِينٍ فَيَخْرُجُ مِنْهَا بِالْبِرِّ أَوِ الْكَفَّارَةِ بِشَرْطِهَا، وَإِنْ كَانَ التَّحَلُّل مِنَ الصَّلاَةِ فَيَكُونُ بِالسَّلاَمِ، وَتَفْصِيلُهُ فِي بَابِ الصَّلاَةِ.
وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُهُ شَرْعًا عَنْ ذَلِكَ (١) .
الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:
التَّحَلُّل مِنَ الإِْحْرَامِ
وَالْمُرَادُ بِهِ: الْخُرُوجُ مِنَ الإِْحْرَامِ. وَحِل مَا كَانَ مَحْظُورًا عَلَى الْمُحْرِمِ قِسْمَانِ:
_________
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح، والمغرب في ترتيب المعرب مادة: " حلل "، وبدائع الصنائع ٢ / ١٧٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٦٨، والمغني لابن قدامة ٨ / ٦٨٤.
أ - التَّحَلُّل الأَْصْغَرُ، وَيُسَمَّى أَيْضًا: التَّحَلُّل الأَْوَّل:
٢ - وَيَكُونُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِفِعْل أَمْرَيْنِ مِنْ ثَلاَثَةٍ: رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالنَّحْرِ، وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ. وَيُبَاحُ بِهَذَا التَّحَلُّل لُبْسُ الثِّيَابِ وَكُل شَيْءٍ مَا عَدَا النِّسَاءَ (بِالإِْجْمَاعِ) وَالطِّيبَ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَالصَّيْدَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. (١)
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَيَحْصُل التَّحَلُّل الأَْصْغَرُ عِنْدَهُمْ بِرَمْيِ الْجَمْرَةِ وَالْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ، فَإِذَا فَعَل ذَلِكَ حَل لَهُ كُل شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ.
وَمَا وَرَدَ فِي بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ اسْتِثْنَاءِ الطِّيبِ وَالصَّيْدِ أَيْضًا ضَعِيفٌ.
هَذَا، وَيَجِبُ الذَّبْحُ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ لِلْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ؛ لأَِنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ بَيْنَ هَذِهِ النُّسُكِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ. (٢)
وَالأَْصْل فِي هَذَا الْخِلاَفِ مَا وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْل أَنْ يُحْرِمَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْل أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ. (٣)
وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الأَْحَادِيثِ أَنَّهُ إِذَا رَمَى جَمْرَةَ
_________
(١) الدسوقي ٢ / ٤٥، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٩٩، وروضة الطالبين ٣ / ١٠٣، ١٠٤، والمغني ٣ / ٤٨٣، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٢٧.
(٢) الاختيار ١ / ١٥٣، والزيلعي ٢ / ٣٢، ٣٣، وابن عابدين ٢ / ١٨٢، ١٩٢، وحاشية الطحطاوي على الدر ١ / ٥٠٨.
(٣) حديث عائشة ﵂ قالت: " كنت أطيب النبي ﷺ قبل أن يحرم. . . " أخرجه مسلم (٢ / ٨٤٩ - ط الحلبي) .
الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَل لَهُ كُل شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، لِمَا أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ بِعَرَفَةَ، وَعَلَّمَهُمْ أَمْرَ الْحَجِّ، وَقَال لَهُمْ فِيمَا قَال: إِذَا جِئْتُمْ مِنًى فَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَل لَهُ مَا حَرُمَ عَلَى الْحَاجِّ إِلاَّ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ (١) .
وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ مِنْ تَحْرِيمِ الصَّيْدِ أَيْضًا: فَإِنَّهُ أَخَذَ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ (٢) وَوَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِالآْيَةِ أَنَّ الْحَاجَّ يُعْتَبَرُ مُحْرِمًا مَا لَمْ يَطُفْ طَوَافَ الإِْفَاضَةِ.
وَأَمَّا دَلِيل إِبَاحَةِ لُبْسِ الثِّيَابِ وَكُل شَيْءٍ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَهُوَ حَدِيثُ: إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَل كُل شَيْءٍ إِلاَّ النِّسَاءَ (٣)، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ السَّابِقُ. (٤)
_________
(١) قول عمر ﵁: " إذا جئتم منى فمن رمى الجمرة. . . . " أخرجه مالك في الموطأ (١ / ٤١٠ - ط الحلبي) وإسناده صحيح.
(٢) سورة المائدة / ٩٥.
(٣) حديث: " إذا رميتم الجمرة فقد. . " أخرجه أحمد (١ / ٢٣٤ - ط الميمنية) من حديث ابن عباس ﵄، وله شاهد من حديث عائشة ﵂ عند البخاري (الفتح ٣ / ٥٨٥ - ط السلفية) .
(٤) حاشية ابن عابدين ٢ / ٥١٥ ط مصطفى الحلبي بمصر، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٤٥ ط عيسى الحلبي بمصر، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٩٩ ط المكتبة الإسلامية، وروضة الطالبين ٣ / ١٠٣، ١٠٤ ط المكتبة الإسلامية، والمغني لابن قدامة ٣ / ٤٣٨ ط الرياض، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٢٧ (ر: الحج) .
ب - التَّحَلُّل الأَْكْبَرُ - وَيُسَمَّى أَيْضًا التَّحَلُّل الثَّانِيَ:
٣ - هَذَا التَّحَلُّل هُوَ الَّذِي يُبَاحُ بِهِ جَمِيعُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ دُونَ اسْتِثْنَاءٍ، وَيَبْدَأُ الْوَقْتُ الَّذِي تَصِحُّ أَفْعَال التَّحَلُّل الأَْكْبَرِ فِيهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، وَيَحْصُل عِنْدَهُمَا بِطَوَافِ الإِْفَاضَةِ - بِشَرْطِ الْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ - هُنَا بِاتِّفَاقِهِمَا، فَلَوْ أَفَاضَ وَلَمْ يَحْلِقْ لَمْ يَتَحَلَّل حَتَّى يَحْلِقَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ.
وَزَادَ الْمَالِكِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ مَسْبُوقًا بِالسَّعْيِ، وَإِلاَّ لاَ يَحِل بِهِ حَتَّى يَسْعَى؛ لأَِنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ مَدْخَل لِلسَّعْيِ فِي التَّحَلُّل، لأَِنَّهُ وَاجِبٌ مُسْتَقِلٌّ، وَنِهَايَةُ وَقْتِ التَّحَلُّل الأَْكْبَرِ بِحَسَبِ مَا يَتَحَلَّل بِهِ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ الطَّوَافُ، وَهُوَ لاَ يَفُوتُ. (١)
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ يَبْدَأُ وَقْتُ التَّحَلُّل الأَْكْبَرِ مِنْ مُنْتَصَفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ، وَيَحْصُل التَّحَلُّل الأَْكْبَرُ عِنْدَهُمَا بِاسْتِكْمَال أَفْعَال التَّحَلُّل الَّتِي ذُكِرَتْ، وَهِيَ: ثَلاَثَةٌ عَلَى الْقَوْل بِأَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ، وَاثْنَانِ عَلَى الْقَوْل الآْخَرِ غَيْرِ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ
_________
(١) شرح فتح القدير ٢ / ١٨٣ ط دار صادر، ورد المحتار على الدر المختار ١ / ١٨١ ط دار إحياء التراث العربي، وشرح الزرقاني ٢ / ٢٨٠، ٢٨١ ط دار الفكر، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٤٦، ٤٧ ط عيسى الحلبي بمصر، وحاشية العدوي ١ / ٤٧٩ ط دار المعرفة.
لَيْسَ بِنُسُكٍ، وَنِهَايَةُ التَّحَلُّل الأَْكْبَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ بِحَسَبِ مَا يَتَحَلَّل بِهِ عِنْدَهُمَا إِنْ تَوَقَّفَ التَّحَلُّل الأَْكْبَرُ عَلَى الطَّوَافِ أَوِ الْحَلْقِ أَوِ السَّعْيِ، أَمَّا الرَّمْيُ فَإِنَّهُ مُؤَقَّتٌ بِغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَإِذَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ التَّحَلُّل وَلَمْ يَرْمِ حَتَّى آخِرَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَاتَ وَقْتُ الرَّمْيِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَيَحِل عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بِمُجَرَّدِ فَوَاتِ الْوَقْتِ، وَإِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ الْفِدَاءُ مُقَابِل ذَلِكَ، وَهَذَا قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لَكِنَّ الأَْصَحَّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ بِفَوَاتِ وَقْتِ الرَّمْيِ يَنْتَقِل التَّحَلُّل إِلَى كَفَّارَتِهِ، فَلاَ يَحِل حَتَّى يُؤَدِّيَهَا. (١)
وَحُصُول التَّحَلُّل الأَْكْبَرِ بِاسْتِكْمَال الأَْفْعَال الثَّلاَثَةِ: رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالْحَلْقُ، وَطَوَافُ الإِْفَاضَةِ الْمَسْبُوقُ بِالسَّعْيِ مَحَل اتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَبِهِ تُبَاحُ جَمِيعُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ بِالإِْجْمَاعِ (٢) .
التَّحَلُّل مِنْ إِحْرَامِ الْعُمْرَةِ:
٤ - اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ لِلْعُمْرَةِ بَعْدَ أَدَائِهَا تَحَلُّلًا وَاحِدًا تُبَاحُ بِهِ لِلْمُحْرِمِ جَمِيعُ مَحْظُورَاتِ الإِْحْرَامِ، وَيَحْصُل هَذَا التَّحَلُّل بِالْحَلْقِ
_________
(١) المجموع شرح المهذب ٨ / ١٧٢ - ١٧٤، ونهاية المحتاج ٣ / ٢٩٩ - ٣٠٠، وشرح المنهاج مع حاشية قليوبي ٢ / ١١٩، ١٢٠ مصطفى الحلبي بمصر. والمغني لابن قدامة ٣ / ٤٣٨، ٤٤٢ ط مكتبة الرياض الحديثة بالرياض، ومطالب أولي النهى ٢ / ٤٢٧ وما بعدها.
(٢) المراجع السابقة.