الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠ الصفحة 45

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٠

ب - الْحَاجِيَّاتُ

٣ - يُعْرَفُ مَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ مِنْ مَعْنَى الْحَاجَةِ، وَهِيَ: الاِحْتِيَاجُ (١) .

وَأَمَّا عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ: فَهِيَ الَّتِي يُحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَلَكِنَّهَا لاَ تَصِل إِلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ، فَإِذَا لَمْ تُرَاعَ دَخَل عَلَى الْمُكَلَّفِينَ عَلَى الْجُمْلَةِ الْحَرَجُ وَالْمَشَقَّةُ، وَلَكِنَّهُ لاَ يَبْلُغُ مَبْلَغَ الْفَسَادِ الْعَادِيِّ الْمُتَوَقَّعِ فِي الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.

وَتَأْتِي فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الضَّرُورِيَّاتِ، أَمَّا التَّحْسِينِيَّاتُ فَتَأْتِي فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ (٢) .

أَقْسَامُ التَّحْسِينِيَّاتِ:

٤ - تَنْقَسِمُ التَّحْسِينِيَّاتُ إِلَى قِسْمَيْنِ:

الأَْوَّل:

مَا كَانَ غَيْرَ مُعَارِضٍ لِلْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، كَتَحْرِيمِ تَنَاوُل الْقَاذُورَاتِ، فَإِنَّ نُفْرَةَ الطِّبَاعِ مِنْهَا مَعْنًى يُنَاسِبُ حُرْمَةَ تَنَاوُلِهَا حَثًّا عَلَى مَكَارِمِ الأَْخْلاَقِ.

الثَّانِي:

مَا كَانَ مُعَارِضًا لِلْقَوَاعِدِ كَالْكِتَابَةِ، فَإِنَّهَا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهَا، إِذْ لَوْ مُنِعَتْ مَا ضَرَّ، لَكِنَّهَا مُسْتَحْسَنَةٌ فِي الْعَادَةِ لِلتَّوَسُّل بِهَا إِلَى فَكِّ الرَّقَبَةِ مِنَ الرِّقِّ، وَهِيَ خَارِمَةٌ لِقَاعِدَةِ امْتِنَاعِ بَيْعِ الشَّخْصِ بَعْضَ مَالِهِ بِبَعْضٍ آخَرَ، إِذْ مَا يُحَصِّلُهُ

_________

(١) انظر معنى مادة: " حوج " في القاموس والصحاح والمصباح.

(٢) جمع الجوامع ٢ / ٢٨١ ط الحلبي، والموافقات ٢ / ١٠ - ١١ ط دار المعرفة.

الْمُكَاتَبُ فِي قُوَّةِ مِلْكِ السَّيِّدِ لَهُ بِأَنْ يُعَجِّزَ نَفْسَهُ (١) .

الأَْحْكَامُ الإِْجْمَالِيَّةُ:

أ - الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا:

٥ - التَّحْسِينِيَّاتُ مِنَ الأُْمُورِ الَّتِي قَصَدَ الشَّارِعُ الْمُحَافَظَةَ عَلَيْهَا، لأَِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ أَدْنَى مَرَاتِبِ الْمَصَالِحِ إِلاَّ أَنَّهَا مُكَمِّلَةٌ لِلْحَاجِيَّاتِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى مِنْهَا فِي الْمَنْزِلَةِ، وَالْحَاجِيَّاتُ بِدَوْرِهَا مُكَمِّلَةٌ لِلضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي هِيَ أَصْلٌ لَهُمَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ تَرْكَ التَّحْسِينِيَّاتِ يُؤَدِّي فِي النِّهَايَةِ إِلَى تَرْكِ الضَّرُورِيَّاتِ ْ؛ لأَِنَّ الْمُتَجَرِّئَ عَلَى تَرْكِ الأَْخَفِّ بِالإِْخْلاَل بِهِ مُعَرَّضٌ لِلتَّجَرُّؤِ عَلَى مَا سِوَاهُ، وَلِذَلِكَ لَوِ اقْتَصَرَ الْمُصَلِّي عَلَى مَا هُوَ فَرْضٌ فِي الصَّلاَةِ لَمْ يَكُنْ فِي صَلاَتِهِ مَا يُسْتَحْسَنُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ التَّحْسِينِيَّاتِ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَاجِيَّاتِ - الَّتِي هِيَ آكَدُ مِنْهَا - كَالنَّفْل بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا هُوَ فَرْضٌ، وَكَذَا الْحَاجِيَّاتُ مَعَ الضَّرُورِيَّاتِ، فَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاسْتِقْبَال الْقِبْلَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْل الصَّلاَةِ كَالْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ، وَالْمَنْدُوبُ إِلَيْهِ بِالْجُزْءِ يَنْتَهِضُ أَنْ يَصِيرَ وَاجِبًا بِالْكُل، فَالإِْخْلاَل بِالْمَنْدُوبِ مُطْلَقًا يُشْبِهُ الإِْخْلاَل بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْوَاجِبِ (٢) . .

_________

(١) جمع الجوامع مع حاشية البناني ٢ / ٢٨١ - ٢٨٢ ط الحلبي، وإرشاد الفحول ٢١٦ - ٢١٧ ط الحلبي.

(٢) انظر ما قاله الشاطبي في المسألة الرابعة من المسائل التي ذكرها في النوع الأول من كتابه الموافقات ٢ / ١٦ - ٢٥ ط دار المعرفة.

ب - تَعَارُضُ التَّحْسِينِيَّاتِ مَعَ غَيْرِهَا:

٦ - التَّحْسِينِيَّاتُ وَإِنْ كَانَتْ مُكَمِّلَةً لِلْحَاجِيَّاتِ الَّتِي هِيَ أَصْلٌ لَهَا، إِلاَّ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا بِاعْتِبَارِهَا مُكَمِّلَةً: أَلاَّ تَعُودَ عَلَى أَصْلِهَا بِالإِْبْطَال، فَإِذَا كَانَتِ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْهَا تُؤَدِّي إِلَى تَرْكِ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا فَإِنَّهَا تُتْرَكُ، وَمِثْل ذَلِكَ الْحَاجِيَّاتُ مَعَ الضَّرُورِيَّاتِ، لأَِنَّ كُل تَكْمِلَةٍ يُفْضِي اعْتِبَارُهَا إِلَى إِبْطَال أَصْلِهَا لاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهَا لِوَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِي إِبْطَال الأَْصْل إِبْطَال التَّكْمِلَةِ؛ لأَِنَّ التَّكْمِلَةَ مَعَ مَا كَمَّلَتْهُ كَالصِّفَةِ مَعَ الْمَوْصُوفِ، فَإِذَا كَانَ اعْتِبَارُ الصِّفَةِ يُؤَدِّي إِلَى ارْتِفَاعِ الْمَوْصُوفِ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ ارْتِفَاعُ الصِّفَةِ أَيْضًا، فَاعْتِبَارُ هَذِهِ التَّكْمِلَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مُؤَدٍّ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهَا، وَهَذَا مُحَالٌ لاَ يُتَصَوَّرُ، وَإِذَا لَمْ يُتَصَوَّرْ لَمْ تُعْتَبَرِ التَّكْمِلَةُ، وَاعْتُبِرَ الأَْصْل مِنْ غَيْرِ مَزِيدٍ.

الثَّانِي: أَنَّا لَوْ قَدَّرْنَا تَقْدِيرًا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ التَّكْمِيلِيَّةَ تَحْصُل مَعَ فَوَاتِ الْمَصْلَحَةِ الأَْصْلِيَّةِ، لَكَانَ حُصُول الأَْصْلِيَّةِ أَوْلَى لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّفَاوُتِ.

وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ حِفْظَ النَّفْسِ مُهِمٌّ كُلِّيٌّ، وَحِفْظَ الْمُرُوءَاتِ مُسْتَحْسَنٌ، فَحَرُمَتِ النَّجَاسَاتُ حِفْظًا لِلْمُرُوءَاتِ، وَإِجْرَاءً لأَِهْل الْمُرُوءَاتِ عَلَى مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ، فَإِنْ دَعَتِ

الضَّرُورَةُ إِلَى إِحْيَاءِ النَّفْسِ بِتَنَاوُل النَّجِسِ كَانَ تَنَاوُلُهُ أَوْلَى (١) .

هَذَا وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ فِي قَوَاعِدِهِ: أَنَّ الْمَصَالِحَ إِذَا تَعَارَضَتْ حُصِّلَتِ الْعُلْيَا مِنْهَا، وَاجْتُنِبَتِ الدُّنْيَا مِنْهَا فَإِنَّ الأَْطِبَّاءَ يَدْفَعُونَ أَعْظَمَ الْمَرَضَيْنِ بِالْتِزَامِ بَقَاءِ أَدْنَاهُمَا، وَيَجْلِبُونَ أَعْلَى السَّلاَمَتَيْنِ وَالصِّحَّتَيْنِ وَلاَ يُبَالُونَ بِفَوَاتِ أَدْنَاهُمَا، فَإِنَّ الطِّبَّ كَالشَّرْعِ، وُضِعَ لِجَلْبِ مَصَالِحِ السَّلاَمَةِ وَالْعَافِيَةِ، وَلِدَرْءِ مَفَاسِدِ الْمَعَاطِبِ وَالأَْسْقَامِ، وَلِدَرْءِ مَا أَمْكَنَ دَرْؤُهُ مِنْ ذَلِكَ وَلِجَلْبِ مَا أَمْكَنَ جَلْبُهُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ دَرْءُ الْجَمِيعِ أَوْ جَلْبُ الْجَمِيعِ، فَإِنْ تَسَاوَتِ الرُّتَبُ تَخَيَّرَ، وَإِنْ تَفَاوَتَتِ اُسْتُعْمِل التَّرْجِيحُ عِنْدَ عِرْفَانِهِ وَالتَّوَقُّفُ عِنْدَ الْجَهْل بِهِ. (٢)

ج - الاِحْتِجَاجُ بِهَا:

٧ - ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالتَّحْسِينِيَّاتِ بِمُجَرَّدِهَا إِنْ لَمْ تَعْتَضِدْ بِشَهَادَةِ أَصْلٍ، إِلاَّ أَنَّهَا قَدْ تَجْرِي مَجْرَى وَضْعِ الضَّرُورَاتِ، فَلاَ يَبْعُدُ أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَيْهَا اجْتِهَادُ مُجْتَهِدٍ، فَحِينَئِذٍ إِنْ لَمْ يَشْهَدِ الشَّرْعُ بِرَأْيٍ فَهُوَ

_________

(١) الموافقات ٢ / ١٣ - ١٦ ط دار المعرفة.

(٢) قواعد الأحكام / ٤ ط العلمية.

كَالاِسْتِحْسَانِ فَإِنِ اعْتَضَدَ بِأَصْلٍ فَذَاكَ قِيَاسٌ وَمِثْل التَّحْسِينِيَّاتِ فِي هَذَا الْحَاجِيَّاتُ. (١)

وَتَفْصِيلُهُ فِي الْمُلْحَقِ الأُْصُولِيِّ.

_________

(١) المستصفى ١ / ٢٩٣ - ٢٩٤ ط الأميرية، وروضة الناظر ص ٨٧ ط السلفية.

تَحَصُّنٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي التَّحَصُّنِ فِي اللُّغَةِ وَالاِصْطِلاَحِ: الدُّخُول فِي الْحِصْنِ وَالاِحْتِمَاءُ بِهِ، وَفِي الْقَامُوسِ: الْحِصْنُ، كُل مَوْضِعٍ حَصِينٍ لاَ يُتَوَصَّل إِلَى مَا فِي جَوْفِهِ، وَفِي الْمِصْبَاحِ: هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي لاَ يُقْدَرُ عَلَيْهِ لاِرْتِفَاعِهِ، وَالْجَمْعُ حُصُونٌ.

وَحَصَّنَ الْقَرْيَةَ تَحْصِينًا بَنَى حَوْلَهَا مَا يُحَصِّنُهَا مِنْ سُورٍ أَوْ نَحْوِهِ.

وَيُسْتَعْمَل التَّحَصُّنُ أَيْضًا بِمَعْنَى: التَّعَفُّفِ عَنِ الرَّيْبِ، وَمِنْهُ قِيل لِلْمُتَعَفِّفَةِ (حَصَانٌ) . (١)

قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا. . .﴾ (٢)

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ وَمَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٢ - التَّحَصُّنُ مِنَ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ - إِنْ جَاءُوا

_________

(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح مادة: " حصن " وشرح فتح القدير ٤ / ٢٨٤ ط الأميرية بمصر، الطبعة الأولى، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٥ / ١٤٣ ط دار إحياء التراث العربي.

(٢) سورة النور / ٣٣.

لِقِتَال الْمُسْلِمِينَ - جَائِزٌ شَرْعًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي الْحِصْنِ أَقَل مِنْ نِصْفِ الْكُفَّارِ أَوْ أَكْثَرَ، وَذَلِكَ لِيَلْحَقَهُمْ مَدَدٌ وَقُوَّةٌ مِنْ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ الْمُجَاوِرَةِ لِيَشُدُّوا أَزْرَهُمْ، فَيَكْثُرَ عَدَدُهُمْ وَيَخْشَاهُمْ عَدُوُّهُمْ، وَلاَ يَلْحَقُ الْمُسْلِمِينَ بِتَحَصُّنِهِمْ إِثْمُ الْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ ْ؛ لأَِنَّ الإِْثْمَ مَنُوطٌ بِمَنْ فَرَّ بَعْدَ لِقَاءِ الْمُحَارِبِينَ غَيْرَ مُتَحَرِّفٍ لِقِتَالٍ، وَلاَ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ، وَإِنْ لَقَوْهُمْ خَارِجَ الْحِصْنِ فَلَهُمُ التَّحَيُّزُ إِلَى الْحِصْنِ، لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ التَّحَرُّفِ لِلْقِتَال أَوِ التَّحَيُّزِ إِلَى فِئَةٍ، وَهَذَا بِلاَ خِلاَفٍ. (١)

وَإِنْ كَانَ الْكُفَّارُ الْمُحَارِبُونَ فِي بِلاَدِهِمْ مُسْتَقِرِّينَ غَيْرَ قَاصِدِينَ الْحَرْبَ، فَحِينَئِذٍ يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْتَاطُوا بِإِحْكَامِ الْحُصُونِ وَالْخَنَادِقِ وَشَحْنِهَا بِمُكَافِئِينَ لَهُمْ، وَتَقْلِيدِ ذَلِكَ لِلْمُؤْتَمَنِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمَشْهُورِينَ بِالشَّجَاعَةِ. (٢)

وَالتَّفْصِيل مَوْطِنُهُ مُصْطَلَحُ: (جِهَادٌ) .

٣ - وَيَجُوزُ أَيْضًا لِلْمُسْلِمِينَ التَّحَصُّنُ بِالْخَنَادِقِ كَمَا فَعَل رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ حِينَمَا جَاءَ الأَْحْزَابُ لِقِتَالِهِ حَوْل الْمَدِينَةِ. (٣) وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْله تَعَالَى

_________

(١) المغني لابن قدامة ٨ / ٤٨٦ ط مكتبة الرياض بالرياض، والخرشي ٣ / ١١٣ ط دار صادر / بيروت، ونهاية المحتاج ٨ / ٦٢ ط الحلبي بمصر.

(٢) نهاية المحتاج ٨ / ٤٢، وروضة الطالبين ١٠ / ٢٠٨ ط المكتب الإسلامي.

(٣) حديث: " تحصن رسول الله ﷺ بالخندق ومشاركته إياهم " أخرجه البخاري (الفتح ٧ / ٣٩٩ ط السلفية) .

: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَل مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَْبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظَّنُونَا﴾ (١) وَقَدْ شَارَكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ بِنَفْسِهِ مَعَ أَصْحَابِهِ.

٤ - وَمِثْل التَّحَصُّنِ بِالْحُصُونِ وَالْخَنَادِقِ: التَّحَصُّنُ بِكُل مَا يَحْمِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ مُفَاجَأَةِ الْعَدُوِّ لَهُمْ مِنَ الْوَسَائِل الَّتِي تَتَنَوَّعُ بِحَسَبِ أَنْوَاعِ الْخَطَرِ. وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْعُصُورِ وَالأَْمْكِنَةِ. (٢)

تَحْصِينٌ

اُنْظُرْ: إِحْصَانٌ، جِهَادٌ.

تَحَقُّقٌ

اُنْظُرْ: تَثَبُّتٌ.

_________

(١) سورة الأحزاب / ٩ - ١١.

(٢) البداية والنهاية للحافظ ابن كثير ٤ / ٩٢ - ١١، والروض الأنف لابن هشام ٢ / ٢٥٨ - ٢٦٦، وتفسير القرطبي ١٤ / ١٢٨ - ١٣٣ ط دار الكتب المصرية، وتفسير روح المعاني ٢٠ / ١٥٥ وما بعدها، وفتح الباري ٧ / ٣٩٢.

تَحْقِيرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي التَّحْقِيرِ فِي اللُّغَةِ: الإِْذْلاَل وَالاِمْتِهَانُ وَالتَّصْغِيرُ. وَهُوَ مَصْدَرُ حَقَّرَ، وَالْمُحَقَّرَاتُ: الصَّغَائِرُ. وَيُقَال: هَذَا الأَْمْرُ مَحْقَرَةٌ بِكَ: أَيْ حَقَارَةٌ.

وَالْحَقِيرُ: الصَّغِيرُ الذَّلِيل. تَقُول: حَقَّرَ حَقَارَةً، وَحَقَّرَهُ وَاحْتَقَرَهُ وَاسْتَحْقَرَهُ: إِذَا اسْتَصْغَرَهُ وَرَآهُ حَقِيرًا. وَحَقَّرَهُ: صَيَّرَهُ حَقِيرًا، أَوْ نَسَبَهُ إِلَى الْحَقَارَةِ.

وَحَقَّرَ الشَّيْءَ حَقَارَةً: هَانَ قَدْرُهُ فَلاَ يَعْبَأُ بِهِ، فَهُوَ حَقِيرٌ (١) . وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

لِلتَّحْقِيرِ أَحْكَامٌ تَعْتَرِيهِ:

٢ - فَتَارَةً يَكُونُ حَرَامًا مَنْهِيًّا عَنْهُ: كَمَا فِي تَحْقِيرِ الْمُسْلِمِ لِلْمُسْلِمِ اسْتِخْفَافًا بِهِ وَسُخْرِيَةً مِنْهُ وَامْتِهَانًا لِكَرَامَتِهِ. وَفِي هَذَا قَوْل اللَّهِ تَبَارَكَ

_________

(١) الصحاح، ولسان العرب، والمصباح المنير، ومختار الصحاح مادة: " حقر ".

وَتَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١) وَنَحْوُهَا مِنَ الآْيَاتِ.

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ. كُل الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ. (٢)

وَفِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لاَ يَدْخُل الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَال ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ. فَقَال رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُل يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَال: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَال، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ وَفِي رِوَايَةٍ وَغَمْصُ النَّاسِ (٣)، وَبَطَرُ الْحَقِّ: هُوَ

_________

(١) سورة الحجرات / ١١.

(٢) حديث: " لا تحاسدوا ولا تناجشوا. . . " أخرجه مسلم (٤ / ١٩٨٦ - ط الحلبي) .

(٣) حديث: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه. . . . " أخرجه مسلم (١ / ٩٣ - ط الحلبي) .